Indexed OCR Text

Pages 381-400

- النور-
آ. (٤) قوله: ﴿والذين يَرْمُوْنِ الْمُحْصَناتِ﴾: كقولِه:
(الزانيةُ والزاني فاجْلِدوا))(١)، فيعودُ فيه ما تقدَّم بحاله. وقوله: ((المُحْصَنات))
فيه وجهان أحدُهما: أنَّ المرادَ به النساءُ فقط، وإنَّما خَصَّهُنَّ بالذِّكْر؛ لأنَّ
قَدْفَهُنَّ أشنعُ. والثاني: أنَّ المرادَ بهنَّ النساء والرجال، وعلى هذا فيقالُ: كيف
غَلِّبَ المؤنَّثَ على المذكرِ؟ والجوابُ: أنه صفةٌ لشيءٍ محذوفٍ يَعُمُّ الرجالَ
والنساءَ، أي: الأنفسَ المحصناتِ وهو بعيدٌ. أو تقولُ: ثَمَّ معطوفٌ محذوفٌ
لفهمِ المعنى، والإِجماعُ على أنَّ حكمهم حكمُهن أي: والمُحْصّنين.
قوله: ((بأربعة شهداءَ)) العامَّةُ على إضافةِ اسمِ العددِ للمعدود. وقرأ(٢)
أبو زرعة وعبد الله بن مسلم بالتنوينٍ في العدد، واستفصحَ الناسُ هذه القراءة
حتى جاوزَ بعضُهم الحدَّ، كابنٍ جني (٣)، ففضَّلها على قراءة العامَّةِ قال: ((لأنَّ
المعدودَ متى كان صفةٌ فالأجودُ الإِتباعُ دونَ الإِضافةِ. تقول: عندي ثلاثةٌ
ضاربون، ويَضْعُفُ ثلاثةُ ضاربين)) وهذا غلطٌ؛ لأن الصفةَ التي جَرَتْ مَجْرِئْ
الأسماءِ تُعْطى حكمَها فيُضاف إليها العددُ، و((شهداء)) مِنْ ذلك؛ فإنه كَثُرَ حَذْفُ
موصوفِه. قال تعالى: ((مِنْ كلِّ أمةٍ بشهيدٍ))(٤) ((واسْتَشْهِدوا شهيدَيْن))(٥).
وتقول: عندي ثلاثةُ أَعْبُدٍ، وكلُّ ذلك صفةً في الأصل.
ونَقَل ابنُ عطية (٦) عن سيبويهِ أنه لا يُجيزَ تنوينَ العددِ إلاّ في شعرٍ، وليس
(١) الآية ٢ .
(٢) المحتسب ١٠١/٢، والبحر ٤٣١/٦.
(٣) المحتسب ١٠١/٢.
(٤) الآية ٤١ من النساء.
(٥) الآية ٢٨٢ من البقرة.
(٦) المحرر ٢٧١/١١.
٣٨١

- النور-
كما نقله عنه، إنما قال سيبويه(١) ذلك في الأسماءِ نحو: ثلاثةٌ رجالٍ، وأمَّا
الصفاتُ ففيها التفصيلُ المتقدمُ.
وفي («شهداء)» على هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنه تمييزٌ. وهذا
فاسد؛ لأنَّ مِنْ ثلاثة إلى عشرة يُضافُ لمميِّزه ليس إلّ، وغيرُ ذلك ضرورةٌ.
الثاني: أنه حالٌ وهو ضعيفٌ أيضاً لمجيئها من النكرةِ من غيرِ مخصِّص.
الثالث: أنها مجرورةٌ نَعتاً لأربعة، ولم ينصَرِفْ لألف التأنيث.
قوله: ((وأولئك هم الفاسِقُون)) يجوزُ أن تكونَ هذه الجملةُ مستأنفةً. وهو
الأظهرُ، وجَوَّزَ أبو البقاء(٢) فيها أن تكونَ حالاً .
آ. (٥) قوله: ﴿إِلَّ الذين تابُوا﴾: في هذا الاستثناءِ خلافٌ:
هل يعودُ لِما تقدَّمه من الجملِ أم إلى الجملة الأخيرة فقط؟ وتكلم عليها من
النحاةِ ابنُ مالك والمها باذي (٣). فاختار ابنُ مالك عَوْدَه إلى الجملةِ المتقدمةِ،
والمهاباذي إلى الأخيرة. وقال الزمخشري (٤): ((ردُّ شهادةِ القاذفِ مُعَلَّقُ عند
أبي حنيفة رحمه الله باستيفاءِ الحدِّ. فإذا شهد [به](٥) قبل الحَدَّ أو قبلَ تمام
استيفائِهِ قُبِلَتْ شهادتُه ، فإذا اسْتُوفي لم تُقْبَلْ شهادتُه أبداً، وإن تاب وكان من
الأبرار الأتقياء. وعند الشافعيِّ رحمه الله يتعلَّقُ رَدُّ شهادتِه بنفسِ القَذْفِ. فإذا
تاب عن القَذْفِ بأَنْ يرجعَ عِنه عاد مقبولَ الشهادة. وكلاهما متمسِّكٌ بالآية:
فأبو حنيفةً - رحمه الله - جَعَلَ جزاءَ الشرطِ - الذي هو الرميُ - الجَلْدَ وَرَدَّ
(١) الكتاب ١٠٥/١.
(٢) الإِملاء ١٥٣/٢.
(٣) أحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير النحوي من تلاميذ عبدالقاهر الجرجاني له شرح
اللمع. انظر: معجم الأدباء ٢١٩/٣، والبغية ٣٢٠/١.
(٤) الكشاف ٣/ ٥٠.
(٥) من الكشاف.
٣٨٢

- النور -
الشهادةِ عقيبَ الجَلْدِ على التأبيد، وكانوا مردودي الشهادة عندَه في أَبَدِهم
وهومدةُ حياتهم، وجعل قوله ((وأولئك هم الفاسقون)) كلاماً مستأنفاً غيرَ داخلٍ
في حَيِّزٍ جزاءِ الشرط، كأنه حكايةُ حالِ الرامين عند الله بعد انقضاءِ الجملةِ
الشرطيةِ، و((إلَّ الذين تابوا)) استثناءً من ((الفاسقين)). ويَدُلُّ عليه قولُه ((فإن اللَّهُ
غفورٌ رحيم)). والشافعيُّ - رحمه الله - جَعَل جزاءَ الشرطِ الجملتين أيضاً، غيرَ
أنه صَرَفَ الأبدَ إلى مدةٍ كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة [والرجوع](١) عن
القذف، وجعل الاستثناء(٢) بالجملة الثانية متعلقاً)). انتهى، وإنما ذكرتُ
الحكمَ؛ لأنَّ الإِعرابَ متوقفٌ عليه.
ومَحَلُّ المستثنى فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوبٌ على أصلِ
الاستثناء. والثاني: أنه مجرورٌ بدلاً من الضمير في ((لهم)) وقد أوضح
الزمخشري (٣) ذلك بقولِه: ((وحَقُّ المستثنى عنده - أي الشافعي - أن يكونَ
مجروراً بدلاً مِنْ ((هم)) في ((لهم)، وحقُّه عند أبي حنيفة أن يكونَ منصوباً؛ لأنه
عن مُوْجَبٍ. والذي يقتضيه ظاهرُ الآيةِ ونظمُها أن تكونَ الجملُ الثلاثُ
بمجموعِهِنَّ جزاءَ الشرط كأنه قيل: ومَنْ قَذَفَ المُحْصناتِ فاجْلِدوهم، ورُدُّوا
شهادتَهم وفَسِّقوهم أي: فاجْمَعُوا لهم الجَلْدَ والردَّ والتفسيقَ، إلّ الذين تابوا
عن القَذْفِ وأصلحوا فإِنَّ اللَّهَ يغفرُ لهم فينقلبون غيرَ مجلودِین ولا مَرْدودين ولا
مُفَسَّقين)). قال الشيخ (٤): ((وليس ظاهرُ الآية يقتضي عَوْدَ الاستثناءِ إلى الجملِ
الثلاثِ، بل الظاهرُ / هو ما يَعْضُده كلامُ العرب وهو الرجوعُ إلى الجملةِ التي [٦٦٢/ب]
تلیھا)).
(١) من الكشاف.
(٢) الكشاف: الاستئناف.
(٣) الكشاف ٥١/٣.
(٤) البحر ٤٣٣/٦.
٣٨٣

- النور -
والوجه الثالث: أنَّ مرفوعٌ بالابتداءِ، وخبرُه الجملةُ من قولِه ((فإنَّ اللَّهُ
غفورٌ رحيم)). واعتُرِض بِخُلُوِّها مِنْ رابطٍ. وأُجيب بأنه محذوفٌ أي: غفورٌ
لهم، واختلفوا أيضاً في هذا الاستثناءِ: هل هو متصلٌ أو منقطع؟ والثاني
ضعيف جداً.
آ. (٦) قوله: ﴿ولم يكنْ لهم شهداءُ إلّ أنفسُهم﴾: في
رفع ((أنفسهم)) وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ مِنْ ((شهداء))، ولم يذكر
الزمخشري(١) في غضون كلامِه غيرَه. والثاني: أنه نعتٌ له، على أنَّ (إلاً))
بمعنى ((غير)». قال أبو البقاء (٢): ((ولو قُرىء بالنصبِ لجاز على أن يكونَ خبرٌ
كان، أو منصوباً على الاستثناء. وإنما كان الرفعُ هنا أقوى؛ لأنَّ ((إلَّ)) هنا صفةٌ
النكرةِ كما ذَكْرنا في سورة الأنبياء)(٣). قلت: وعلى قراءةِ الرفعِ يُحتمل أَنْ
تكونَ ((كان)) ناقصةً، وخبرُها الجارّ، وأَنْ تكونَ تامةٌ أي: ولم يُوجَدْ لهم
شهداء .
وقرأ العامَّةُ ((يكن)) بالياءِ من تحتُ، وهو الفصيحُ؛ لأنه إذا أُسْنِد الفعلُ
لما بعدَ ((إلَّ» على سبيلِ التفريغ وَجَبَ عند بعضِهم التذكيرُ في الفعل نحو:
((ما قام إلَّ هندُ)) ولا يجوز: ما قامَتْ، إلَّ في ضرورة كقوله(٤):
(١) الكشاف ٥٢/٢ قال: ((وقرىء ولم تكن بالتاء لأن الشهداء جماعة، أو لأنهم في
معنى الأنفس التي هي بدل)».
(٢) الإملاء ٢/ ١٥٤.
(٣) انظر إعرابه للآية ٢٢ من الأنبياء.
(٤) البيت لذي الرمة، وصدره:
طوى النَّحْزُ والأجرازُ ما في غروضها
وهو في ديوانه ١٢٩٦/٢، وابن يعيش ٨٧/٢، والعيني ٤٧٧/٢. والنخز: الركل
بالعقب. والأجراز: ج جرز، وهي الأرض التي لا تنبت. والغروض: ج غَرْض، وهو
حزام الرحل. والجراشع: ج جرشع، وهو الغليظ، المنتفخ الجنبين.
٣٨٤

- النور -
وما بَقِيَتْ إلَّ الضلوعُ الجَراشعُ
٣٤٣٣-
أو في شذوذٍ كقراءةِ الحسنِ: ((لا تُرَىْ إلَّ مَساكنُهم))(١) وقرىء(٢)
((ولم تَكُنْ)) بالتاءِ من فوقُ وقد عَرَفْتَ ما فيه.
قوله: ((فشهادةُ أحدِهم)) في رفعِها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ مبتدأ،
وخبرُه مقدرُ التقديمِ أي: فعليهم شهادة(٣)، أو مُؤَخَّرهُ أي: فشهادة أحدهم
كافيةٌ أو واجبةٌ. الثاني: أن يكون خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: فالواجبُ شهادةُ
أحدِهم. الثالث: أن يكونَ فاعلاً بفعلٍ مقدرٍ أي: فيكفي. والمصدرُ هنا
مضافٌ للفاعلِ .
وقرأ العامَّةُ (أربعَ شهاداتٍ)) بالنصبِ على المصدر. والعاملُ فيه
(شهادة)) فالناصبُ للمصدرِ مصدرٌ مثلُه، كما تقدَّم في قولِه ((فإنَّ جهنّمَ
جزاؤكم جزاءً مَوْفوراً)(٤). وقرأ(٥) الأخَوان وحفصٌ برفع ((أربع)) على أنها خبرُ
المبتدأ، وهو قوله: ((فشهادة)).
ويتخرَّجُ على القراءتين تعلُّقُ الجارِّ في قوله: ((بالله))، فعلى قراءةٍ
النصبِ يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يتعلَّقَ بشهادات؛ لأنه أقربُ إليه.
والثاني: أنه متعلُّقٌ بقوله: ((فشهادةُ)) أي: فشهادةُ أحدِهم بالله. ولا يَضُرُّ
الفصلُ بـ ((أربع)) لأنها معمولةٌ للمصدرِ فليسَتْ أجنبيةً. والثالث: أن المسألةً
(١) الآية ٢٥ من الأحقاف. وانظر: المحتسب ٢٠٧/٢.
(٢) البحر ٤٣٣/٦.
(٣) هذا على قراءة نصب ((أربع)) كما سيأتي.
(٤) الآية ٦٣ من الإسراء.
(٥) السبعة ٤٥٢، والنشر ٢٣٠/٢، والتيسير ١٦١، والبحر ٤٣٤/٦، والقرطبي
١٨٢/١٢.
٣٨٥

- النور-
من بابِ التنازع ؛ فإنَّ كلَّ مِنْ شهادة وشهادات تَطْلُبه من حيث المعنى،
وتكون المسألةُ من إعْمال الثاني للحَذْفِ من الأول، وهو مختار البصريين.
وعلى قراءةِ الرفعِ يتعيَّن تَعَلَّقُه بشهادات؛ إذ لو عَلَّقْتَه بشهادة لَزِمَ الفصلُ بين
المصدرِ ومعمولِه بالجرِّ، ولا يجوزُ لأنه أجنبيّ. ولم يُختلفْ في ((أربع))
الثانية (١) وهي قولُه ((أَنْ تَشْهد أربعَ شهاداتٍ أنها منصوبةٌ للتصريح بالعاملِ
فيها. وهو الفعلُ.
آ. (٧) قوله: ﴿والخامِسَةُ﴾: اتفق السبعةُ على رفع الخامسة
الأولى، واختلفوا في الثانية (٢): فنصبها(٣) حفصٌ، ونَصَبهما معاً الحسنُ
والسلمي وطلحة والأعمش. فالرفعُ على الابتداءِ، وما بعده مِنْ ((أنَّ)) وما في
حَيِّزها الخبرُ. وأمَّا نصبُ الأولى فعلى قراءةٍ مَنْ نصبٍ ((أربعَ شهادات)) يكون
النصبُ للعطفِ على المنصوبِ قبلها. وعلى قراءةٍ مَنْ رَفَعَ يكونُ النصبُ بفعلٍ
مقدرٍ أي: ويَشْهَدُ الخامسةَ. وأمَّا نصبُ الثانيةِ فعطفُ على ما قبلَها من
المنصوبٍ وهو ((أربع شهادات)). والنصبُ هنا أقوى منه في الأولى لقوةِ النصبِ
فيما قبلَها كما تقدَّم تقريرُه، ولذلك لم يُخْتَلَفْ فيه. وأمَّا ((أنَّ)) وما في حَيِّزُها:
فعلى قراءةٍ الرفعِ تكونُ في محلٌّ رفعٍ خبراً للمبتدأ كما تقدَّم، وعلى قراءةٍ
النصبِ تكونُ على إسقاطِ الخافضِ ، ويتعلَّقُ الخافضُ بذلك الناصبِ للخامسةِ
أي: ويشهد الخامسةَ بأنَّ لعنةَ الله وبأنَّ غضبَ اللَّهِ. وجَوَّز أبو البقاء(٤) أن يكونَ
بدلاً من الخامسة .
قوله: ((أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عليه)) قرأ العامَّةُ بتشديد ((أنَّ)) في الموضعين. وقَرأ
(١) الآية ٨.
(٢) الآية ٩.
(٣) انظر في قراءات الآية: السبعة ٤٥٣، والنشر ٣٣١/٢، والتيسير ١٦١، والبحر ٤٣٤/٦.
(٤) الإملاء ١٥٤/٢.
٣٨٦

- النور -
نافعٌ بتخفيفها في الموضعين، إلاّ أنه يقرأ ((غَضِبَ اللَّهُ)) بجَعْلِ ((غَضِبَ)) فعلاً
ماضياً، والجلالة فاعلَه. كذا نقل الشيخ عنه التخفيفَ في الأولى أيضاً،
ولم ينقُلْه غيره. فعلى قراءتِه يكون اسمُ ((أنْ)) ضميرَ الشأنِ في الموضعين،
و ((لعنةُ الله) مبتدأ و((عليه)) خبرُها. والجملةُ خبرُ ((أنْ)). وفي الثانية يكون
(غضِبَ الله)) جملةٌ فعليةً في محل خبر ((أنْ)) أيضاً، ولكنه يقال: يلزمُكم أحدُ
أَمْرَيْن، وهو: إِمَّا عَدَمُ الفصلِ بين المخففةِ والفعلِ الواقعِ خبراً، وإمّا وقوعُ
الطلبِ خبراً في هذا البابٍ وهو ممتنعٌ. تقريرُ ذلك: أنَّ خبرَ المخففةِ متى كان
فعلًا متصرفاً / غير مقرونٍ بـ ((قد)) وَجَبَ الفصلُ بينهما. بما تقدَّم في سورة [٦٦٣/ أ]
المائدة(١). فإِنْ أُجيب بأنه دعاءً اعتُرِض بأنَّ الدعاءَ طلبٌ، وقد نَصُّوا على أنَّ
الجملَ الطلبيةً لا تقع خبراً لـ((إِنَّ». حتى تأوَّلوا قولَه(٢):
٣٤٣٤-
إِنَّ الرِّياضةَ لا تُنْصِبْك للشَّيْبِ
وقوله(٣):
٣٤٣٥- إنَّ الذينَ قَتَلْتُمْ أمسٍ سَيِّدَهُمْ
لا تَحْسَبوا ليلَهم عن ليلِکم ناما
على إضمارِ القول. ومثلُه ((أنْ بُوْرك مَنْ في النار))(٤). وقرأ الحسن(٥)
وأبو رجاء وقتادة والسلميُّ وعيسى بتخفيف ((أنْ)) و((غَضَبُ الله)) بالرفع على
الابتداء، والجارُّ بعدَه خبرُه. والجملةُ خبرُ ((أنْ)).
(١) انظر: الدر المصون ٣٦٧/٤.
(٢) تقدم برقم ٢٥٦٠.
تقدم برقم ١٠٢١ .
(٣)
(٤) الآية ٨ من النمل.
(٥) الإتحاف ٢٩٣/٢، والمحتسب ١٠٢/٢، والبحر ٤٣٤/٦.
٣٨٧

- النور-
وقال ابنُ عطية(١): ((وأنْ الخفيفةُ على قراءة الرفعِ (٢) في قوله: ((أَنْ
غَضِبَ)) قد وليها الفعلُ. قال أبو علي (٣): ((وأهلُ العربيةِ يَسْتَقْبِحون أَنْ يليَها
الفعلُ إلَّ بأَنْ يُفْصِل بينها وبينه بشيء نحو قولِه ((عَلِمَ أنْ سَيكونُ))(٤) (أفلا يَرَوْنَ أَنْ
لا یَرْجِعُ»(٥). فأمَّا قوله: ((وأَنْ لیس للإنسان»(٦) فذلك لقلة تمكّنٍ ((ليس» في
الأفعال. وأمَّا قولُه ((أنْ بورك مَنْ في النار)) فـ ((بُوْرِكَ)) في معنى الدعاء
فلم يَجِىءُ(٧) دخولُ الفاصلِ لئلا يَفْسُدَ المعنى)). قلت: فظاهرُ هذا أنَّ
((غَضِبَ)) ليس دعاءً، بل هو خبرٌ عن ((غَضِبَ الله عليها)) والظاهرُ أنه دعاءً، كما
أنَّ ((بُورك) كذلك. وليس المعنى على الإخبارِ فيهما فاعتراضُ أبي علي
ومتابعةُ أبي محمد له ليسا بمَرْضِّْنِ.
آ. (١٠) قوله: ﴿ولولا فَضْلُ اللَّهِ﴾: جوابُ (لولا) محذوفٌ
أي: لَهَلَكْتُمْ.
آ. (١١) قوله: ﴿إِنَّ الذين جاؤُوا بالإِفْكِ﴾: في خبر ((إن))
وجهان، أحدهما: أنه ((عُصْبةٌ)) و((منكم)) صفتُه. قال أبو البقاء (٨): ((وبه أفادَ
الخبر)). والثاني: أنَّ الخبرَ الجملةُ مِنْ قولِه ((لا تَحْسَبُوه)) ويكونُ ((عُصْبَةٌ)) بدلاً
من فاعلِ ((جاؤوا)). قال ابن عطية (٩): ((التقديرُ: إِنَّ فِعْلَ الذين. وهذا أَنْسَقُ
(١) المحرر ٢٧٥/١١ :
(٢) كذا في الأصل، والصواب ((على قراءة نافع)) كما في المحرر. وقراءة نافع (أن
غَضِبَ الله)).
(٣) الحجة (خ) ٤٢/٤ .
(٥) الآية ٨٩ من طه.
(٦) الآية ٣٩ من النجم.
(٤) الآية ٢٠ من المزمل.
(٧) المحرر والحجة: ((يجز)).
(٨) الإملاء ١٥٥/٢.
(٩) المحرر ٢٧٨/١١
٣٨٨

- النور-
في المعنى وأكثرُ فائدةً من أَنْ يكونَ ((عُصبةٌ)) خبرَ إِنَّ. كذا أورده عنه الشيخ(١)
غيرَ معترِضٍ عليه. والاعتراضُ عليه واضحٌ: من حيث إنه أوقع خبرَ ((إِنَّ) جملةً
طلبيةً، وقد تقدم(٢) أنه لا يجوزُ. وإن وَرَدَ منه شيءٌ في الشعر أُوِّل كالبيتين
المتقدمين، وتقديرُ ابنٍ عطيةَ ذلك المضافَ قبل الموصولِ لَيَصِحَّ به التركيبُ
الكلاميُّ؛ إذ لو لم يُقَدِّرْ لكان التركيبُ: لا تَحْسَبوهم. ولا يعودُ الضمير في
((لا تَحْسَبوه)» على قولِ ابنِ عطيةً على الإِفكِ لئلا تَخْلُوَ الجملةُ من رابطٍ يَرْبِطُها
بالمبتدأ. وفي قولٍ غيرِهِ يجوزُ أَنْ يعودَ على الإِفك أو على القَذْفِ، أو على
المصدرِ المفهوم من ((جاؤوا)) أو على ما نال المسلمين من الغَمِّ.
قوله «كِبْرَه) العامَّةُ على كسرِ الكافِ، وضَمِّها في قراءته(٣) الحسنُ
والزهريُّ وأبو رجاء وأبو البرهسم وابن أبي عبلة ومجاهد وعمرة بنت
عبد الرحمن(٤)، ورُوِيَتْ أيضاً عن أبي عمروٍ والكسائيّ فقيل: هما لغتان في
مصدرٍ كَبُرَ الشيءُ أي: عَظُم، لكن غَلَبَ في الاستعمالِ أنَّ المضمومَ في السِّنِّ
والمكانةِ يُقال: هو كُبْرُ القومِ بالضمِّ أي: أكبرُهم سِنْأً أو مكانةً. وفي الحديث
- في قصة مُحَيِّصَة وحُوَيِّصَة - ((الكُبْرَ الكُبْرَ))(٥) - وقيل: بالضم معظمُ الإِفْكِ،
وبالكسرِ الْبُداءَةُ به. وقيل: بالكسر الإِثمُ.
(١) البحر ٤٣٦/٦.
(٢) انظر: الدر المصون ١٤٥/٦.
(٣) الإتحاف ٢٩٣/٢، والنشر ٣٣١/٢، والمحتسب ١٠٣/٢ - ١٠٤.
(٤) عَمْرَة بنت عبد الرحمن الأنصارية النجَّارية المدنية تلميذة عائشة. وجدُّها سعد من
قدماء الصحابة وهو أخو أسعد بن زرارة. كانت فقيهة عالمة. توفيت سنة ٩٨،
أو ١٠٦. انظر: سير الأعلام ٥٠٧/٤، وطبقات ابن سعد ٤٨٠/٨.
(٥) رواه البخاري في كتاب الديات، ٢٢ باب القسامة، والفتح ٢٣٩/١٢. والنصب
على الإِغراء كما قال ابن حجر.
٣٨٩

- النور-
آ. (١٢) قوله: ﴿لولا إذا سَمِعْتُموه ظَنَّ المؤمنون﴾: هذه
تحضيضيةٌ، و((إذ)) منصوبٌ بـ ظَنَّ. والتقدير: لولا ظَنَّ المؤمنون بأنفسِهم
إذ سَمِعْتُموه. وفي هذا الكلامِ التفاتُ. قال الزمخشري(١): ((فإنْ قُلْتَ: هلَّ
قيل: لولا إذ سَمِعْتُموه ظَنْتُمْ بأنفسِكم خيراً وقُلْتم. ولِمَ عَدَلَ عن الخطابِ إلى
الغَيْبة، وعن الضميرِ إلى الظاهرِ؟ قلت: ليُبالِغَ في التوبيخِ بطريقةِ الالتفاتِ،
ولُيُصَرِّحَ بلفظِ الإِيمانِ دلالةً على أنَّ الاشتراكَ فيه مُقْتَضٍ أَنْ لا يُصَدِّقَ أحدٌ قالةً
في أخيه)). وقوله ((لِمَ عَدَلَ عن الخطابِ))؟ يعني في قولِه: ((وقالوا)) فإنّه كان
الأصلُ: وقلتم فعدل عن هذا الخطابِ إلى الغَيْبة في: ((وقالوا)). وقوله: ((وعن
الضميرِ)) يعني أنَّ الأصلَ كان: ظَنْتُمْ فَعَدَلَ عن ضميرِ الخطابِ إلى لفظِ
المؤمنین.
آ. (١٣) قوله: ﴿فإذْ لم يَأْتُوا﴾: ((إذْ)) منصوبٌ بـ ((الكاذبون)) في
قوله: ((فأولئك عند الله هم الكاذبون)). وهذا الكلامُ في قوةِ شرطٍ وجزاء.
آ. (١٥) قوله: ﴿إِذْ تَلَّقَّوْنَه﴾: ((إذْ)) منصوبٌ بـ ((مَسَّكُمْ))
أو بـ ((أَفَضْتُمْ)). وقرأ العامَّةُ (تَلَقَّوْنِه)). والأصلُ: تَتَلَقَّوْنه فحُذِفَتْ إحدى التاءَيْن
كـ (تَنَزَّلُ))(٢) ونحوه. ومعناه: يتلقَّاه بعضُكم من بعض. والبزيُّ (٣) على أصله:
في أنه يُشَدِّد التاءَ وصلاً. وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة نحو ((ولا تَيِّمَّموا)) (٤) وهو
هناك سَهَّلَ لأنَّ ما قبلهِ حرفُ لِيْنٍ بخلافِه هنا. وأبو عمرو والكسائي وحمزةُ على
(١) الكشاف ٥٣/٣.
(٢) الآية ٤ من سورة القدر.
(٣) انظر في أوجه القراءة: السبعة ٤٥٣، والبحر ٤٣٨/٦، والقرطبي ٢٠٤/١٢،
والمحتسب ١٠٤/٢، والنشر ٣/٢.
(٤) الآية ٢٦٧ من البقرة.
٣٩٠

- النور -
أصولهم في إدغامِ الذالِ في التاء. وقرأ أُبَيّ (تَتَلَقَّوْنَه)) بتاءين، وتقدَّم أنها
الأصلُ. وقرأ ابن السميفع في روايةٍ عنه ((تُلْقُوْنَه)) بضمِّ التاءِ وسكونِ اللام وضمِّ
القافِ مضارِعَ ((ألقى)) إلقاءً. وقرأ هو في روايةٍ أخرى ((تَلْقَوْنه)) بفتح التاءِ
وسكون/ اللامِ وفتحِ القاف مضارع لَقِيَ .
[٦٦٣/ب]
وقرأ ابنُ عباس وعائشةُ وعيسى وابنُ يعمر وزيد بن علي بفتحِ التاءِ وكسرٍ
اللامِ وضَمِّ القافِ مِنْ وَلَقَ الرجلُ إذا كَذِبَ(١). قال ابن سيده: ((جاؤوا
بالمتعدي شاهداً على غير المتعدي. وعندي أنه أراد تَلِقُوْن فيه فحذف الحرف
ووصل الفعلُ للضمير)). يعني أنهم جاؤوا بـ ((تَلِقُوْنه)) وهو متعدٍ مُفْسِّراً
بـ ((تُكذِّبون)) وهو غيرُ متعد ثم حَمِّله ما ذكر. وقال الطبري(٢) وغيره: ((إن هذه
اللفظةَ مأخوذةٌ من الوَلْقِ وهو الإِسراعُ بالشيءِ بعد الشيءِ كَعَدْوٍ في إِثْرِ عَدْوٍ
وكلامٍ في إثرٍ كلامٍ يُقال: وَلَقَ في سَيْرِه أي: أسرع وأنشد(٣):
٣٤٣٦ - جاءَتْ به عَنْسٌ من الشَّأْمِ تَلِقْ
وقال أبو البقاء (٤): أي: تُسْرعون فيه. وأصله من الوَلْقِ وهو الجنون)).
وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر ((تَأْلِقُوْنه)) بفتح التاء وهمزةٍ ساكنةٍ ولامٍ
مكسورةٍ وقافٍ مضمومةٍ من الأَلْقِ وهو الكذبُ. وقرأ يعقوب («تَيْلَقُوْنه)) بكسر
التاءِ من فوقُ، بعدها ياءٌ ساكنةٌ ولامُ مفتوحةٌ وقافٌ مضمومةٌ، وهو مضارع وَلِق
بكسرِ اللامِ كما قالوا بِنْجَلُ مضارعَ وچِل.
(١) انظر: اللسان ولق.
(٢) الطبري ١٨ /٩٧ - ٩٨.
(٣) البيت للشماخ، وهو يهجو جُلَيْداً الكلابي وقبله:
كَذَنب العقرب شَوَّال عَلِقْ
وهو في ديوانه واللسان (ولق). والطبري ٩٨/١٨.
(٤) الإملاء ١٥٥/٢.
٣٩١

- النور -
وقوله: ((بأفواهِكم)) كقوله: ((يَقُولون بأفْواهِهم))(١) وقد تقدَّم.
آ. (١٦) قوله: ﴿ولولا إذْ سَمِعْتُموه قُلْتم﴾: كقوله:
((لولا (٢) إذ سمعتموه ظَنَّ))(٣) ولكن لا التفاتَ فيه. قال الزمخشري (٤): «فإن
قلت: كيف جاز الفصلُ بين ((لولا)) و ((قُلْتم)). قلت: للظروفِ شأنٌ ليس
لغيرِها(٥) لأنها لا يَنْفَكُّ عنها ما يقعُ فيها فلذلك اتَّسِع فيها)). قال الشيخ(٦):
((وهذا(٧) يُؤْهِمُ اختصاص ذلك بالظروف، وهو (٨) جارٍ في المفعول به تقول:
لولا زيداً ضَرَّبْتَ، ولولا (٩) عمراً قَتَلْتَ)».
وقال الزمخشري (١٠) أيضاً: ((فإنْ قلتَ: أُّ فائدةٍ في تقديمِ الظرف حتى
أَوْقَعَ فاصلاً؟ قلت: الفائدة فيه بيانُ أنَّه كان الواجبُ عليهم أن يتفادَوْا أُولَ
ما سمعوا بالإِفْك عن التكلُّم به، فلمَّا كان ذِكْر الوقتِ أهَّم وَجَبَ تقديمُه. فإنْ
قلتَ: ما معنى ((يكون)» والكلامُ بدونه مُتْلَئِبُّ لوقيل: ما لنا أن نتكلّم بهذا؟
قلت: معناه ينبغي ويَصِحُّ، أي: ما ينبغي وما يصِحُّ كقولِه: «ما يكونُ لي أَنْ
أقول))(١١).
(١) الآية ١٦٧ من آل عمران.
(٢) الأصل «ولولا» وهو سهو.
(٣) الآية ١٢ .
(٤) الكشاف ٣/ ٥٤.
(٥) قال: ((وهو تَنُزُّلُها من الأشياء منزلةَ أنفسِها)).
(٦) البحر ٤٣٨/٦.
(٧) عبارة البحر: ((وما ذكره من أدوات التحضيض)).
(٨) أي تقديم المفعول به على الفعل.
(٩) البحر: وهلاً.
(١٠) الكشاف ٥٥/٣.
(١١) الآية ١١٦ من المائدة.
....
٣٩٢

١
- النور-
آ. (١٧) قوله: ﴿أَنْ تَعُودُوا﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه
مفعولٌ من أجلِه أي: يَعِظُكم كراهةً أَنْ تعودوا. الثاني: أنه علی حَذْفٍ (في)»
أي: في أَنْ تعودوا نحو: وَعَظْتُ فلاناً في كذا فتركه. الثالث: أنَّه ضُمِّن معنى
فِعْلٍ يتعدى بـ عَنْ، ثم حُذِفَتْ أي: يَزْجُرُكم بالوَعْظِ عن العَوْدِ. وعلى هذين
القولين يجيْءُ القولان في محلّ ((أنْ)) بعد نَزْعِ الخافضِ .
آ. (٢١) قوله: ﴿فإنه يَأْمُرُ﴾: في هذه الهاءِ ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها:
أنها ضميرُ الشُّأْن. وبه بدأ أبو البقاء(١). والثاني: أنها ضميرُ الشيطان. وهذان
الوجهان إنما يجوزان على رَأْيِ مَنْ لا يَشْترط عَوْدَ ضميرٍ على اسمِ الشرط مِنْ
جملة الجزاء. والثالث: أنه عائدٌ على ((مَنْ)) الشرطيّةِ.
قوله: ((ما زَكا)) العامَّةُ على تخفيفِ الكاف يقال: زكا يَزْكُو. وفي ألفه
الإِمالةُ وعدمُها(٢). وقرأ الأعمش وأبو جعفر بتشديدها. وكُتبت ألفُه ياءً وهو شاذٌ
لأنه من ذواتٍ الواو كغزا. وإنما حُمِل على لغة مَنْ أمال أو على كتابةِ المُشَدَّدٍ.
فعلى قراءة التخفيفِ يكون ((مِنْ أحد)) فاعلًا. وعلى قراءةِ التشديدِ يكونُ
مفعولاً. و ((مِنْ)) مزيدةً على كلا التقديرَيْن. والفاعلُ هو الله تعالى.
آ. (٢٢) قوله: ﴿ولا يَأْتَلِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ يَفْتَعِلُ مِن الأَلِيَّة
وهي الحَلْف كقوله(٣):
(١) الإملاء ١٥٥/٢، ولكن عبارته: ((ضمير الشيطان أو ضمير مَنْ)).
(٢) قرأ بالتشديد والإمالة الأعمش والحسن. انظر: الشواذ ١٠١، والبحر ٤٣٩/٦. وقرأ
بالتخفيف والإمالة أبو جعفر مع آخرين. انظر: المحتسب ١٠٥/٢.
(٣) البيت لامرئ القيس من معلقته. وهو في ديوانه ١٢. وتمامه:
ويوماً على ظهر الكثيْبِ تعذّرت
عليّ
والكثيب: رمل مرتفع. تعذّرت: تصعّبت.
٣٩٣

- النور-
٣٤٣٧-
وآَلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
ونَصَرَ الزمخشري (١) هذا بقراءة الحسن (٢) ((ولا يَتَأَلَّ)) من الأَلِيَّة
كقوله (٣): ((مَنْ تألَّ على اللَّهِ يُكَذِّبْهُ)). ويجوز أَنْ يكونَ يَفْتَعِلُ مِنْ أَلَوْتُ أي
قَصِّرْتُ كقوله تعالى: ((لا يَأْلُوْنَكم خَبالاً)»(٤) قال(٥):
٣٤٣٨- وما المرءُ ما دامَتْ حُشاشةُ نَفْسِهِ
بمُذْرِكٍ أَطْراف الخُطوب ولا آلِ
وقال أبو البقاء(٦): ((وقُرِىء ((ولا يَتَأَلَّ)) على يَتَفَعَّل وهو من الأَلِيَّة أيضاً)).
قلت: ومنه (٧) :
٣٤٣٩- تَأَلَّى ابنُ أَوْسٍ حَلْفَةٌ لِيَرُدُّني
إلى نِسْوةٍ كأَنَّهِنَّ مَفائِدُ
قوله: ((أَنْ يُؤْتُوا)) هو على إسقاطِ الجارِّ، وتقديرُه على القول الأول ،
ولا يَأْتَلِ أُولو الفَضْلِ على أَنْ لا يُحسِنوا. وعلى الثاني: ولا يُقَصِّر أُولِو
(١) الكشاف ٥٦/٣.
(٢) النشر ٣٣١/٢، والإتحاف ٢٩٥/٢، والبحر ٤٤٠/٦، والمحتسب ١٠٦/٢.
(٣) انظر: النهاية ٦٢/١، قال: أي: من حكم عليه وحلف كقولك: والله ليُدْخلنَّ الله
فلاناً النار)).
(٤) الآية ١١٨ من آل عمران.
(٥) تقدم برقم ١٣٩٨ .
(٦) الإملاء ١٥٥/٢ .
(٧) البيت لزيد الفوارس بن الحصين، وهو في الحماسة ٢٨٨/١، والمقرب ٢٠٦/١،
والخزانة ٢١٨/٤، وروي (لَيْرُدُّني)). والمفائد. ج المِفْأَد وهي المسعر. أي حلف
ليأسرنني ثم يمتنُّ علي فيردني إلى نسوة كأنهن مساعير لاحتراقهن وجْداً بي.
٣٩٤
١

- النور -
الفَضْل في أَنْ يُحسِنوا. وقرأ(١) أبو حيوة وأبو البرهسم وابن قطيب(٢) ((تُؤْتُوا))
بتاء الخطاب. وهو التفاتٌ موافِقٌ لقولِه: ألا تُحِبون)). وقرأ(٣) الحسن
وسفيان بن الحسين(٤): وَلْتَعْفُوا وَلْتَصْفَحُوا، بالخطاب، وهو موافِقٌ لِما بعده.
آ. (٢٤) قوله: ﴿يومَ تَشْهَدُ﴾: ناصبُه الاستقرارُ الذي تَعَلَّق به
((لهم)). وقيل: بل ناصبُه ((عذابٌ)). ورُدِّ بأنه مصدرٌ موصوفٌ. وأُجيب: بأنَّ
الظرفَ يُتْسَعُ فيه / ما لا يُتِّسَعُ في غيرِهِ. وقرأ(٥) الأخَوان ((يَشْهَدُ)) بالياء من [٦٦٤/أ]
تحتُ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٍّ، وقد وقعَ الفَصْلُ. والباقون بالتاءِ مراعاةٌ للَّفِظِ.
آ. (٢٥) والتنوينُ في ((إذ» عوضٌ من الجملة، تقديرُه: يوم إذ تشهد.
وقد تقدَّمَ خلافُ الأخفش فيه، وقرأ(٦) زيد بن علي ((يُوْفِيْهِمْ)) مخففاً مِنْ أَوْفَى.
وقرأ العامَّةُ بنصب ((الحق)) نعتاً لـ ((دينَهم))، وأبو حيوة(٧) وأبو رَوْق(٨) ومجاهدٌ
- وهي قراءةُ ابنٍ مسعودٍ - برفعِه نعتاً لله تعالى .
آ. (٢٦) قوله: ﴿لهم مغفرةٌ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً مستأنفةً،
وأن تكونَ في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((لهم)) خبرَ ((أولئك)»
و «مغفرةً» فاعلُه.
(١) البحر ٤٤٠/٦.
(٢) وهو یزید بن قطيب وتقدمت ترجمته.
(٣) المحتسب ١٠٦/٢، والبحر ٤٤٠/٦.
(٤) سفيان بن حسين. حافظ صدوق، حدّث عن الزهري. توفي سنة نيِّف وخمسين.
انظر: سير الأعلام ٣٠٢/٧.
(٥) السبعة ٤٥٤، والتيسير ١٦١، والنشر ٣٣١/٢، والبحر ٤٤٠/٦.
(٦) البحر ٤٤١/٦ .
(٧) انظر: المحتسب ١٠٧/٢، والبحر ٤٤١/٦، والقرطبي ٢١٠/١٢.
(٨) عطية بن الحارث الهمذاني الكوفي، صالح صدوق روى عن السلمي، وعنه
الثوري. انظر: تهذيب التهذيب ٢٢٤/٧ .
٣٩٥

- النور-
آ. (٢٧) قوله: ﴿َتَسْتَأْنِسُوا﴾: يجوزُ أن يكونَ من الاستئناس؛
لأنَّ الطارِقَ يَسْتَوْحِشُ من أنه: هل يُؤْذن له أو لا؟ فيُزالُ استيحاشُه، وهو رَدِيْفُ
الاستئذانِ فَوُضِع موضعَه. وقيل: من الإِيناسِ وهو الإِبْصار أي: حتى
تَسْتَكْشفوا الحالَ. وفسَّرَه ابن عباس(١) ((حتى تَسْتَأْذِنُوا)) وليست قراءةً. وما يُنقل
عنه أنه قال: ((تستأنسوا خطأً من الكاتب، إنما هو تستأذنوا)) ...... (٢)
منحولٌ عليه. وهو نظيرُ ما تقدَّم في الرعد ((أفلم يَيْشَ الذين آمنوا))(٣) وقد تقدَّم
القول فيه .
والاستِثْنَاسُ: الاسْتِعْلامِ، قال(٤):
٣٤٤٠- كأنَّ رَحْلِيْ وقد زال النهارُ بنا
يومَ الجليلِ على مُسْتَأْنِسٍ وَحَدٍ
وقيل: هو من الإِنْس بكسرِ الهمزةِ أي: يتعرَّفُ: هل فيها إنسِيٌّ أم لا؟
وحكى الطبريُّ(٥) أنه بمعنى: وتُوْنِسُوا أَنفسَكم)).
قال ابنُ عطية(٦): ((وتصريفُ الفعل يَأْبى أَنْ يكونَ مِنْ آنِسَ)).
آ. (٢٩) قوله: ﴿أَنْ تَدْخُلوا﴾: أي: في أن تدخلوا. والجارّ
متعلقً بجناح.
(١) انظر: المحرر الوجيز ٢٩٠/١١.
(٢) كلمة لم أتبينها يقرب رسمها من: فنسي، والرواية في الطبري ١٠٩/١٨.
(٣) الآية ٣١ من الرعد. وانظر: الدر ٥١/٧.
(٤) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ٦.
الجليل: موضع. زال النهار: انتصف، والوحد: الفرد.
(٥) الطبري ١٨/ ١١١.
(٦) المحرر ٢٩٠/١١.
٣٩٦٠

- النور -
آ. (٣٠) قوله: ﴿مِنْ أبصارِهم﴾: في ((مِنْ)) أوجهٌ، أحدُها:
أنها للتبعيضٍ لأَنَّه يُعْفَى عن الناظرِ أُولُ نظرةٍ تقعُ مِنْ غيرِ قَصْدٍ. والثاني: لبيانٍ
الجنسِ . قاله أبو البقاء(١)، وفيه نظرً؛ من حيث إنَّه لم يتقدِّمْ مُبْهَمٌ يكونُ مفسَّراً
بـ ((مِنْ)). والثالث: أنها لابتداءِ الغاية. قاله ابنُ عطية(٢). والرابعُ: أنها مزيدةٌ.
وهو قولُ الأخفشِ (٣).
آ. (٣١) قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾: ضَمِّن ((يَضْرِبْنَ)) معنى يُلْقِيْنَ،
فلذلك عدَّاه بـ ((على)). وقرأ(٤) أبو عمروٍ في روايةٍ بكسرٍ لامِ الأمرِ.
وقرأ(٥) طلحة ((بخُمْرِهِنَّ)) بسكونِ الميمِ، وتسكين فُعُل في الجمع أَوْلَى
مِنْ تسكينِ المفردِ. وَكَسَر(٦) الجيمَ مِنْ ((جُيُوْبِهِنَّ)) ابنُ كثير والأخَوان
وابن ذكوان.
والغَضُّ: إطباقُ الجَفْنِ بحيث يمنعُ الرؤيةَ. قال(٧):
٣٤٤١- فَخُضِّ الطَرْفَ إِنَّك مِنْ نُمَيْرٍ
فلا كعباً بَلَغْتَ ولا كِلابا
والخُمُر: جمع خِمار. وفي القلّة يُجْمَعُ على ((أَخْمِرَة))، قال امرؤٌ
القيس (٨) :
(١) الإملاء ١٥٥/٢.
(٢) المحرر ٢٩٤/١١.
(٣) لم يشر الأخفش إلى زيادتها في هذا الموضع. انظر: أمثلة على مذهب الأخفش في
كتابه ((معاني القرآن)) ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤، ٢٧٤.
(٤) السبعة ٢٥٤، القرطبي ٢٣١/١٢، والبحر ٤٤٨/٦.
(٥) البحر ٤٤٨/٦.
(٦) التيسير ١٦١، والنشر ٢٢٦/٢، والبحر ٤٤٨/٦.
(٧) تقدم برقم ١٤١٦.
(٨) ديوانه ١٤٥، الشجراء: الأرض ذات الشجر. ريَّقه. أول المطر.
٣٩٧

- النور-
٣٤٤٢- وَتَرِىْ الشَّجْراءَ في رَيِّقِهِ
كَرُؤوسٍ قُطِعَتْ فيها الخُمُرْ
والجَيْبُ: ما في طَوْقِ القميصِ ، يبدو منه بعضُ الجَسَدِ.
قوله ((غير أُوْلِي)) قرأ(١) ابن عامر وأبو بكر ((غيرَ) نصباً. وفيه وجهان،
أحدُهما: أنَّه استثناءً، والثاني: أنَّه حالٌ، والباقون ((غيرِ)) بالجرِّ نعتاً، أو بدلاً،
أو بياناً، والإِرْبَةُ: الحاجةُ. وتقدَّم اشتقاقُها في طه(٢).
قوله: ((من الرجال)) حالٌ من ((أُولي)). وأمَّا قولُه: ((أو الطفلِ الذين)) فقد
تقدُّم في الحج(٣) أن ((الطفلَ)) يُطْلَقُ على المثنى والمجموعِ فلذلك وُصِفَ
بالجمع. وقيل: لَمَّا قُصِدْ به الجنسُ رُوْعي فيه الجمعُ فهو كقولهم: ((أَهلِكَ
الناسَ الدينارُ الحُمْرُ وَالدِّرْهَمُ البِيضُ)).
و ((عَوْرات)) جمعُ عَوْرَة وهو: ما يريدُ الإِنسانُ سَتْره من بَدَنِه، وَغَلَبَ في
السَّوْءَتين. والعامَّةُ على ((عَوْرات)) بسكون الواوِ، وهي لغةُ عامَّةِ العربِ،
سَكُنوها تخفيفاً، لحرفِ العلة. وقرأ(٤) ابنُ عامر في روايةٍ ((عَوَرات)) بفتح
العين. ونقل ابن خالويه(٥) أنها قراءةُ ابن أبي إسحاق والأعمش. وهي لغةً
هُذَيْلِ بن مُدْرِكَة. قال الفراء: ((وأنشدَني بعضُهم(٦):
(١) السبعة ٤٥٥، التيسبير ١٦١، والنشر ١٤٢/٢، والبحر ٤٤٩/٦.
(٢) انظر: الورقة ٦١٣ ب.
(٣) انظر: الورقة ٦٤٠ ب.
(٤) البحر ٤٤٩/٦، والقرطبي ٢٣٧/١٢ منسويةً إلى ابن عباس. وفي بعض نسخ
القرطبي كما ذكر السمين. ولم يشر إليها صاحب السبعة ابن مجاهد.
(٥) الشواذ ١٠٣ .
نسب إلى أحد الهذليين وليس في ديوانهم، وهو في المحتسب ٥٨/١، وابن يعيش
(٦)
٣٠/٥، والخزانة ٤٢٩/٣، والعيني ٥١٧/٤. والبيت في وصف الظليم وهو ذكر
٣٩٨

- النور-
٣٤٤٣- أخُو بَيَضاتٍ رائِحٌ متأوِّبُ
رفيقٌ بِمَسْحِ المَنْكِبَيْنِ سَبُوحٌ
وجعلها ابن مجاهد لحناً وخطأ، يعني من طريق الرواية، وإلاّ فهي لغة
ثابتة .
قوله: ((أيُّها المؤمنون)) العامَّةُ على فتح الهاء وإثباتِ ألفٍ بعد الهاء، وهي
((ها)) التي للتنبيه. وقرأ(١) ابن عامر هنا وفي الزخرف ((يا أيُّها الساحِرُ))(٢)، وفي
الرحمن ((أيُّها الثَّقَلان))(٣) بضم الهاء وصلاً، فإذا وَقَفَ سَكَّن. ووجْهُها: أنه لَمَّا
حُذِفَتِ الألفُ لالتقاءِ الساكنين اسْتُخِفَّتْ الفتحةُ على حرفٍ خَفِيّ فَضُمَّتْ الهاءُ
إتباعاً. وقد رُسِمَتْ هذه المواضعُ الثلاثةُ دونَ ألفٍ. فوقَفَ أبو عمروٍ والكسائيُّ
بألفٍ، والباقون بدونِها، إتْباعاً للَّسْمِ ولموافقةِ الخَطِّ للفظِ، وَثَبَتَتْ في غير هذه
المواضعِ حَمْلاً لها على الأصل، نحو: ((يا أيها الناسُ))(٤)، ((يا أيها الذين
آمنوا)»(٥) وبالجملةِ فالرسمُ سُنَّةٌ مُتْبَعَةٌ. /
[٦٦٤/ب]
آ. (٣٢) قوله: ﴿الْأَيَامَى﴾: هو جمعُ ((أيِّم)) بزنةِ فَيْعِل. يُقال
منه: آمَ يَئِيْم كباع يبيع. قال الشاعر (٦):
النعام، وأخو بيضات كناية عن سرعته لأنه إذا قصد بيضاته يكون أسرع. والرائح:
=
الذي يسير ليلاً، والمتأوب: يسير نهاراً. والسبوح: من السبح وهو شدة الجري.
(١) انظر: السبعة ٤٥٥، والنشر ١٤٢/٢، والتيسير ١٦١، والبحر ٤٥٠/٦.
(٢) الآية ٤٩.
(٣) الآية ٣١.
(٤) الآية ٢١ من سورة البقرة.
(٥) الآية ١٥٣ من سورة البقرة.
(٦) البيت ليزيد بن الحكم الثقفي، وهو في اللسان (أيم) وآمت المرأة: أقامت بلا
زوج، أو فقدت زوجها.
٣٩٩

- النور-
٣٤٤٤- كلُّ امرىءٍ سََثِيْمُ مِنْهُ
العِرْسُ أو منها: يَئِيْمُ
وقياسُ جمعِه ((أيائم)) كسَيِّد وسِيائِد. و((أَيامى)) فيه وجهان، أظهرُهما:
- من كلام سيبويه(١) - أنه جمعٌ على فعالی غيرَ مقلوبٍ وكذلك ((یتامی))،
وقيل: إن الأصل أيايِمُ (٢) ويتايم في: أَيِّم ويتيم (٣) فقُلبا. والْأَيِّم: مَنْ لا زوجَ له
ذكراً كان أو أنثى. وخَصَّه أبو بكر الخَفَّفُ بمَنْ فَقَدَتْ زوجَها فإطلاقُه على البِكْر
مجازٌ. و((منكم)) حالٌ، وكذا (مِنْ عبادِكم)).
آ. (٣٣) قوله: ﴿والذين يَبْتَغون الكتابَ﴾: يجوز فيه الرفعُ
على الابتداء. والخبرُ الجملةُ المقترنةُ بالفاء، لِما تضمَّنَه المبتدأ من معنى
الشرط. ويجوز نصبه بفعلٍ مقدرٍ على الاشتغال. وهذا أرجحُ لمكان الأمر (٤).
وقال الزمخشري(٥): ((وقد آم وآمَتْ وَأَيَّما: إذا لم يتزوَّجا، بِكْرين كانا
:
(١) الكتاب ٢١٤/٢ وهذا الجمع شاذ حيث إن فَيْعِلًا لا يُجمع على فَعالى، قال: ((وقد
جاء منه شيء كثير على فَعالى شبَّهوه بـ وَجَاعى لأنها مصائب قد ابتلُوا بها فشُبِّهَتْ
بالأوجاع حين جاءتٍ على فَعْلى. انظر: معجم مفردات الإعلال والإبدال ٤٢ .
(٢) هذا مذهب أبي عمرو وابن السكيت وأبي حيان فأصله أيايم قُلبت اللامُ موضع
العين فجاء على أيامي، فأبدل من الكسرة فتحةً، فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح
ما قبلها فصار وزنه فيالع. انظر: المعجم ٤٢.
(٣) مذهب سيبويه في يتامى فعالى وهو جمع شاذ لأنَّ فَعيلاً الوصف لا يُجمع على
فَعالى وإنما على فِعال نحو كريم وكرام. ومذهب القلب: أصله يتايم فقدمت الميم
وفتحت للتخفيف فصار يتامَيُ فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً. انظر:
المعجم ٢٩٣ .
(٤) لأنه يقلّ الإخبار عن المبتدأ بجملة أمرية.
(٥) الكشاف ٦٣/٢.
٤٠٠