Indexed OCR Text

Pages 241-260

- الحج -
الفارسي(١)، وليس هذا بماشٍ على رأي البصريين(٢)؛ إذ لا يكونُ عندهم
من أسماءِ الإِشارةِ موصولٌ إلَّ (ذَا)) بشروطٍ ذكرْتُها فيما تقدَّم. وأمَّا الكوفيون
فُيُجيزون في أسماءِ الإِشارة مطلقاً أن تكونَ موصولةً، وعلى هذا فيكونُ ((لَمَنْ
ضَرُّه أَقْرَبُ)) مستأنفاً، على ما تقدَّم تقريرُه.
والثالث: أن يُجْعَلَ ((ذلك)) مبتدأً. و((هو)): جوَّزوا فيه أن يكونَ بدلاً
أو فَصْلاً أو مبتدأَ، و((الضلالُ)) خبرُ («ذلك)) أو خبرُ ((هو)» على حَسَبِ الخلافِ
في ((هو) و((يَدْعُو)) حالٌ، والعائدُ منه محذوفٌ تقديرُه: يَدْعوه، وقدَّروا هذا
الفعلَ الواقعَ موقعَ الحال بـ ((مَدْعُوًّا) قال أبو البقاء (٣): ((وهو ضعيفٌ))،
ولم يُبَيِّنْ وجه ضَعْفِه. وكأنَّ وجهَه أنَّ((يَدْعُو)) مبنيٌّ للفاعلِ فلا يناسِبُ أن تُقْدَّرَ
الحالُ الواقعةُ موقعَه اسمَ مفعولٍ، بل المناسِبُ أن تُقَدَّرَ اسمَ فاعل، فكان
ينبغي أَنْ يُقَدِّروه: داعياً ولو كان التركيبُ ((يُدْعَى)) مبنياً للمفعول لَحَسُن
تقديرُهم مَدْعُوًّاً. ألا ترى أنَّك إذا قلتَ: ((جاء زيدٌ يضربُ)) كيف تُقْدِّره
بـ ((ضارب)) لا بـ مَضْروب.
والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، تقديرُه: لِئْسَ المولى ولبئس العشيرُ ذلك
المَدْعُوُّ.
آ. (١٥) قوله: ﴿مَنْ كان﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً، وهو
الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً. وقوله: ((فَلْيَمْدُدْ)) إمَّا جزاءً للشرط أو خبرٌ
للموصول ، والفاءُ للتشبيه بالشرطِ.
(١) انتصر الفارسي في شرح الأبيات المشكلة ٤٢٣ لمذهب البصريين، وأوّل شواهد
الكوفيين التي يستدلون بها على موصولية أسماء الإشارة.
(٢) انظر: الإنصاف ٧١٧.
(٣) الإملاء ١٤٠/٢.
٢٤١

- الحج -
والجمهورُ(١) على كسر اللامِ مِنْ ((لِيَقْطَعْ)) وسَكَّنها بعضُهم، كما سَكَّنها
بعد الفاءِ والواوِ لكونِهِنَّ عواطفَ. وكذلك أَجْرَوْا ((ثم)» مُجْراهما في تَسكينِ هاء
«هو» و «هي» بعدها، وهي قراءةُ الكسائي ونافعٍ في رواية قالون عنه .. .
قوله: ((هل يُذْهِبَنَّ)) الجملةُ الاستفهاميةُ في محلٌّ نصبٍ على إسقاطٍ
الخافضِ ؛ لأنَّ النظرَ يُعَلَّقُ بالاستفهام، وإذا كان بمعنی الفکر تَعَدَّى بـ في.
وقوله: ((ما يَغيظُ)) ((ما)) موصولةٌ بمعنى الذي، والعائدُ هو الضميرُ المستترُ.
و ((ما)) وصلتُها مفعولٌ بقوله ((يُذْهِبَنَّ)) أي: هل يُذْهِبَنَّ كيدُه الشيءَ الذي يَغْظُه.
فالمرفوعُ في يَغيظه عائدٌ على الذي، والمنصوبُ علی مَنْ كان يظن.
۔۔
وقال الشيخ(٣): ((وما في ((ما يَغيظُ)) بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ
أو مصدريةٌ)). قلت: كلا هذين القولينٍ لا يَصِحُ. أمَّا قولُه: ((العائدُ محذوفٌ))
فليس كذلك، بل هو مضمرٌ مستترٌّ في حكم الموجودِ - كما تقدُّم تقريرُه قبلَ
ذلك - وإنما يُقال محذُوفُ فيما كان منصوبَ المحلِّ أو مجرورَه. وأمّا قولُه:
((أو مصدريةٌ)) فليس كذلك أيضاً؛ إذ لو كانت مصدريةً لكانت حَرْفاً على
الصحيح، وإذا كانَتْ حرفاً لم يَعُدْ عليها ضميرٌ، وإذا لم يَعُدْ عليها ضميرٌ بقي
الفعل بلا فاعلٍ. فإن قلتَ: أُضْمِرُ في ((يَغيظ)) ضميراً فاعلاً يعود على مَنْ كان
يظنُّ. فالجواب: أنَّ مَنْ كان يظنُّ، في المعنىْ مَغِيظٌ لا غائظُ، وهذا بحثٌ حسنٌ
[٦٤٢/أ] فتأمَّلْه/.
والضمير في ((يَنْصُرَه)) الظاهرُ عَوْدُه على ((مَنْ)) وفُسِّر النصرُ بالرزقِ.
وقيل: يعودُ على الدينِ والإِسلامِ فالنصرُ على بابه.
(١) ثمة خلاف بين القراء: فقد قرأ أبو عمرو وابن عامر بكسر اللام، واختلف عن نافع:
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير بسكون اللام. انظر: السبعة ٤٣٤،
والإتحاف ٢٧٢/٢، والنشر ٣٢٦/٢، والتيسير ١٥٦.
(٢) البحر ٣٥٨/٦.
٢٤٢

- الحج -
آ. (١٦) قوله: ﴿وكذلك أَنْزَلْناه﴾: الكافُ: إِمَّا حالٌ من
ضميرٍ المصدرِ المقدرِ، وإمَّا نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ على حَسَبِ ما تقدَّم من
الخلاف(١) أي: ومثلَ ذلك الإِنزالِ أَنْزَلْنا القرآنَ كلَّه آياتٍ بيناتٍ. فـ «آياتٍ)»
حالٌ.
قوله: ((وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي)) يجوز في ((أنَّ) ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنَّها منصوبةٌ
المحلِّ عَطْفاً على مفعولِ ((أَنْزَلْناه) أي: وأَنزَلْنا أنَّ اللّه يَهْدِي مَنْ یرید. أي:
أَنْزَلْنا هدايةَ اللَّهِ لمن يريدُ هدايته. الثاني: أنها على حَذْف حرفٍ الجر، وذلك
الحرفُ متعلقٌ بمحذوفٍ. والتقديرُ: ولأنَّ اللَّهَ يهدِي مَنْ يريدُ أَنْزَلناه، فيجيءُ
في موضعها القولان المشهوران: أفي محلِّ نَصْبٍ هي أم جر(٢). وإلى هذا
ذهب الزمخشريُّ (٣) وقال في تقديره: ((ولأنَّ الله يهديْ به الذي يعلمُ أنهم
يؤمنون أنزله كذلك مبيّناً». الثالث: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ مضمر،
تقديرُه: والأمرُ أنَّ اللَّهَ يهدِي مَنْ یرید.
آ. (١٧) قوله: ﴿إِنَّ الذين آمنوا﴾: الآية فيها ثلاثةُ أوجه،
أحدُها: أنَّ ((إنَّ) الثانيةَ واسمَها وخبرَها في محلٌّ رفع خبراً لـ ((إِنَّ)) الأولى. قال
الزمخشري (٤): ((وأُدْخِلَتْ ((إنَّ)) على كلِّ واحدٍ من جُزْأَي الجملةِ لزيادةِ
التأكيدِ. ونحوُه قولُ جريٍ (٥) :
(١) انظر: الدر المصون ١٤١/١.
(٢) ذهب سيبويه إلى أن المحل هو الجر، وذهب الخليل أن المحل هو النصب. انظر:
الكتاب ٤٦٤/١ - ٤٦٥.
(٣) الكشاف ٨/٣.
(٤) الكشاف ٨/٣.
(٥) تقدم برقم ٣١٥٢.
٢٤٣

- الحج -
٣٣٧٥- إنَّ الخليفةَ إِنَّ اللَّهَ سَرْبلَه
سِرْبالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخَواتيمُ
قال الشيخ(١): ((وظاهرُ هذا أنه شَبَّه البيتَ بالآية، وكذلك قرنهُ الزَّجَّاجِ(٢)
بالآية، ولا يتعيّنُ أن يكونَ البيتُ كالآية؛ لأنَّ البيتَ يَحْتملِ أَنْ يكونَ ((الخليفةً))
خبرُه ((به تُرْجَى الخواتيمُ))، ويكونَ ((إِنَّ اللَّهَ سَرْبَله)) جملةً اعتراضٍ بین اسمِ
(إِنَّ)) وخبرِها، بخلافِ الآيةِ، فإنه يتعيَّنُ قولُه: ((إِنَّ اللَّهَ يَفْصِل)). وحَسَّنَ دخولَ
((إِنْ)) على الجملةِ الواقعةِ خبراً طولُ الفَصْلِ بينهما بالمعاطيف)).
قلت: قوله: ((فإِنَّه يتعيَّنُ قولُه إن الله يَفْصِل)) يعني أن يكونَ خبراً. ليس
كذلك لأنَّ الآيةَ محتمِلةٌ لوجهين آخرين ذكرهما الناسُ. الأول: أن يكونَ الخبرُ
محذوفاً تقديرهُ: يفترقون يومَ القيامة ونحوه، والمذكورُ تفسيرٌ له. كذا ذكره
أبو البقاء(٣). والثاني: أنَّ ((إِنَّ)) الثانيةَ تكريرٌ للأولى على سبيلِ التوكيدِ. وهذا
ماشٍ على القاعدة(٤): وهو أنَّ الحرفَ إذا كُرِّرَ توكيداً أُعِيْدَ معه ما اتَّصل به
أو ضميرُ ما اتَّصل به، وهذا قد أُعِيْدَ معه ما اتَّصل به أولاً: وهي الجلالةُ
المعظمةُ، فلم يتعيّنْ أَنْ يكونَ قولُه: ((إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ)) خبراً لـ((إنَّ)) الأولى كما
ذُكر.
وقد تقدَّم تفسيرُ ألفاظِ هذه الآيةِ (٥)، إلَّ المجوسَ. وهم قومُ اختلف أهلٌ
العلمِ فيهم فقيل: قومٌ يعبدون النارَ. وقيل: الشمسَ والقمرَ. وقيل: اعتزلوا
النصارى ولَبِسوا المُسُوْح. وقيل: أَخَذوا من دين النصارى شيئاً، ومن دينٍ
(١) البحر ٣٥٩/٦.
(٢) معاني القرآن ٤١٧/٣.
(٣) الإِملاء ١٤١/٢.
(٤) انظر: شرح الكافية الشافية ١١٨٦.
(٥) انظر: الدر المصون ٤٠٥/١.
٢٤٤

- الحج -
اليهودِ شيئاً، وهم القائلونَ بأنَّ للعالم أصلين: نورٌ(١) وظلمةٌ. وقيل: هم قومٌ
يستعملون النجاساتِ، والأصل: نَجوس بالنونِ فَأُبْدِلَتْ ميماً.
آ. (١٨) قوله: ﴿وكثيرٌ من الناسِ﴾: فيه أوجهُ أحدُها: أنه
مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه: ويَسْجُدُ له كثيرٌ من الناس. وهذا عند مَنْ يمنعُ
استعمالَ المشتركِ في معنّيْه، أو الجمعَ بين الحقيقة والمجازِ، في كلمةٍ
واحدةٍ؛ وذلك أنَّ السجودَ المسندَ لغيرِ العقلاءِ غيرُ السجودِ المسندِ للعقلاءِ،
فلا يُعْطَفُ ((كثيرٌ من الناس)) على ما قبلَه لاختلافِ الفعلِ المسندِ إليهما في
المعنى. ألا ترى أنَّ سجودَ غيرِ العقلاءِ هو الطَّواعيةُ والإِذعانُ لأمرٍه، وسجودَ
العقلاءِ هو هذه الكيفيةُ المخصوصةُ.
الثاني: أنَّه معطوفٌ على ما تقدَّمه. وفي ذلك ثلاثةُ تأويلاتٍ أحدُها: أنَّ
المرادَ بالسجودِ القَدْرُ المشتركُ بين الكلِّ العقلاءِ وغيرِهم وهو الخضوعُ
والطواعيةُ، وهو من بابِ الاشتراكِ المعنويِّ. والتأويلُ الثاني: أنه مشتركٌ
اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمالُ المشتركِ في معنييه. والتأويلُ الثالث: أنَّ
السجودَ المسندَ للعقلاءِ حقيقةٌ ولغيرِهم مجازٌ. ويجوز الجمعُ بين الحقيقةِ
والمجازٍ. وهذه الأشياءُ فيها خلافٌ، لتقريرِه موضوعٌ هو أليقُ به من هذا.
الثالثُ من الأوجه المتقدمة: أن يكون ((كثيرٌ)) مرفوعاً بالابتداء. وخيرُه
محذوفٌ وهو ((مُثابٌ)) لدلالة خبرِ مقابلِه عليه، وهو قولُه: ((وكثيرٌ حَقَّ عليه
العذابُ)) كذا قَدَّره الزمخشريُّ(٢). وقَدَّره أبو البقاء(٣): ((مُطيعون أو مُثابون
أو نحو ذلك».
(١) على تقدير: هما نور وظلمة.
(٢) الكشاف ٩/٣.
(٣) الإملاء ١٤١/٢.
٢٤٥

- الحج-
الرابع: أَنْ يرتفعَ ((كثيرٌ)) على الابتداءِ أيضاً، ويكون خبرُه ((من الناس))
أي: من الناس الذين هم الناسُ على الحقيقةِ، وهم الصالحون والمتَّقون.
والخامسُ: أن يرتفعَ بالابتداءِ أيضاً، ويُبالَغَ في تكثير المحقوقينِ
بالعذاب، فُيُعطفَ ((كَثِيرٌ)) على ((كثير)) ثم يُخْبَرَ عنهم بـ ((حَقِّ عليه العذابُ)) ذكر
ذلك الزمخشري (١). قال الشيخ(٣) : - بعد أن حكى عن الزمخشريُّ الوجهين
الآخرين - قال: ((وهذان التخريجان ضعيفان)) ولم يُبَيِّنْ وجهَ ضعفِهما.
قلت: أمَّا أوَّلُهما فلا شكَّ في ضعفِه؛ إذ لا فائدةَ طائلةٌ في الإِخبَارِ
[٦٤٢/ب] بذلك. / وأمَّا الثاني فقد يظهر: وذلك أنَّ التكريرَ يفيد التكثيرَ، وهو قريبٌ مِنْ
قولهم: ((عندي ألفٌ وألفٌ))، وقوله (٣) :
٣٣٧٦- لو عُدَّ قِبرُ وقبرٌ كنتَ أَكْرَمَهم
وقرأ الزهري (٤) ((والدَّوابُ)) مخففَ الباءِ. قال أبو البقاء(٥): ((ووجهُها:
أنه حَذَف الباءَ الأولى كراهيةَ التضعيفِ والجمعِ بين ساكنين))(٦). وقرأ(٧)
جناح بن حبيش و ((كبيرٌ)) بالباء الموحدة. وقرىء(٨) («وكثيرٌ حَقًّاً)) بالنصب.
(١) الكشاف ٩/٢، وقال: ((كأنه قيل: وكثير وكثير من الناس حق عليهم العذاب)).
(٢) الكشاف ٣٥٩/٦.
(٣) البيت لعصام بن عبيد الزَّمَّاني وعجزه:
مَيْتاً وأبعدهم من منزل الذَّامِ
وهو في الحماسة ٥٦٠، وخزانة الأدب ٣٤٥/٣.
(٤) المحتسب ٧٦/٢، والبحر ٣٥٩/٦، والمحرر ١٨٦/١١.
(٥) الإملاء ١٤١/٢.
(٦) الساكن الأول الألف، والثاني الباء الأولى من التضعيف.
(٧) البحر ٣٥٩/٦.
(٨) ذكره ابن جبير. انظر: الشواذ ٩٤، والبحر ٣٥٩/٦.
٢٤٦

- الحج -
وناصبُه محذوفٌ وهو الخبرُ، تقديرُه: وكثير حَقَّ عليه العذابُ حقاً. و((العذابُ))
مرفوع بالفاعلية. وقُرِىء(١) (حُقٍّ)) مبنياً للمفعولِ.
وقال ابن عطية(٢): ((وكثيرٌ حَقَّ عليه العذاب)) يحتمل أن يكونَ معطوفاً
على ما تقدَّم أي: وكثير حَقَّ عليه العذابُ يسجد أي كراهيةً وعلى رَغْمِه: إما
بظلِّه، وإمَّا بخضوعِه عند المكاره)). قلت: فقولُه: ((معطوفٌ على ما تقدّم)»
يعني عطفَ الجملِ لا أنه هو وحدَه عطفٌ على ما قبله، بدليل أنه قَدَّره مبتدأ.
وخبره قوله: ((يَسْجد)).
قوله: ((ومَنْ يُهِنِ اللَّهُ)) ((مَنْ)) مفعولٌ مقدمٌ، وهي شرطيةٌ. جوابُها الفاءُ مع
ما بعدها. والعامَّةُ على ((مُكْرِمٍ)) بكسرِ الراء اسمَ فاعل. وقرأ(٣) ابن أبي عبلة
بفتحِها، وهو اسمُ مصدرٍ (٤) أي: فما له مِنْ إكرام.
آ. (١٩) قوله: ﴿هذان خَصْمان﴾: الخَصْم في الأصل:
مصدرً؛ ولذلك يُوَحِّدُ ويذكَّرُ غالباً، وعليه قولُه تعالى: ((نَبَأُ الخَصْمِ
إذ تَسَوَّروا))(٥). ويجوز أَنْ يُثَنَّى ويجمعَ ويؤنَّثَ، وعليه هذه الآيةُ. ولمَّا كان كلَّ
خَصْمٍ فريقاً يَجْمَعُ طائفةً قال: ((اختصَمُوا)) بصيغةِ الجمع كقوله: ((وإنْ طائفتانٍ
من المؤمنين اقْتَتَلُوا))(٦) فالجمعُ مراعاةً للمعنى.
وقرأ(٧) ابن أبي عبلة ((اختصما)) مراعاةً للفظِه وهي مخالفةً للسّواد. وقال
(١) البحر ٣٥٩/٦.
(٢) المحرر ١٨٦/١١.
(٣) البحر ٣٥٩/٦، ومعاني القرآن للفراء ٢١٩/٢.
(٤) وهو المصدر الميمي.
(٥) الآية ٢١ من سورة ص.
(٦) الآية ٩ من الحجرات.
(٧) البحر ٣٦٠/٦.
٢٤٧

- الحج-
أبو البقاء(١): ((وأكثرُ الاستعمالِ توحيدُه فَمَنْ ثَنَّاه وجَمَعه حَمَله على الصفات
والأسماء، و((اختصموا)) إنما جُمِعَ حملاً على المعنى لأنَّ كلَّ خصمٍ
[فريقٌ](٢) تحته أشخاصٌ)). وقال الزمخشري(٣): ((الخصم صفةٌ وُصِفَ بها
الفوجُ أو الفريقُ فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان. وقوله: ((هذان)»
للَّفظِ، و((اختصموا)) للمعنى كقوله: ((ومنهم مَنْ يستمعُ إليك، حتى إذا
خَرَجوا))(٤) ولو قيل: هؤلاء خصمان أو اختصما جاز أن يُراد: المؤمنون
والكافرون)). قلت: إِنْ عَنَى بقوله: ((إن ((خَصْماً) صفةٌ)) بطريقِ الاستعمال
المجازي فمُسَلَّم؛ لأنَّ المصدرَ يكثرُ الوصفُ به، وإنْ أراد أنه صفةٌ حقيقةٌ
فَخَطَوُه ظاهرٌ لتصريحِهم بأن نحوَ (رجلٌ خصمٌ)) مثل ((رجلٌ عَدْل)) وقوله: ((هذان
للفظِ)) أي: إنما أُشير إليهم إشارةُ المثنى وإنْ كان في الحقيقة المرادُ الجمع،
باعتبار لفظِ الفوجَيْن والفريقين ونحوهما. وقوله كقولهم: ((ومنهم مَنْ يستمع))
إلى آخره فيه نظرً؛ لأنَّ في تيك الآيةِ تقدَّمَ شيءٌ له لفظُ ومعنىَّ، وهو ((مَنْ))،
وهنا لم يتقدَّمْ شيءٌ له لفظُ ومعنىً. وقوله تعالى: ((في ربهم)) أي: في دين
ربهم، فلا بُدَّ من حذف مضاف.
وقرأ(٥) الكسائيُّ ـ في روايةٍ عنه ـــ ((خصمان)) بكسر الخاء. وقوله:
((فالذين كفروا)) هذه الجملةُ تفصيلٌ وبيانٌ لفصلِ الخصومة المَعْنِيِّ بقوله
تعالى: ((إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بينهم))(٦) قاله الزمخشري(٧). وعلى هذا فيكونُ ((هذان
(١) الإملاء ١٤١/٢.
(٢) من الإملاء.
(٣) الكشاف ٩/٣.
(٤) الآية ١٦ من سورة محمد صلَّى الله عليه وسلّم.
(٥) البحر ٣٦٠/٦، والشواذ ٩٤.
(٦) الآية ١٧ .
(٧) الكشاف ٩/٣.
٢٤٨

--
- الحج -
خَصْمان)» معترضاً. والجملة مِنْ ((اختصموا)) حاليةٌ، وليست مؤكدةً؛ لأنها
أخصُّ مِنْ مطلقِ الخصومةِ المفهومةِ من ((خصمان)).
وقرأ(١) الزعفراني في اختياره ((قُطِعَتْ)) مخففَ الطاءِ. والقراءةُ المشهورةُ
تفيدُ التكثيرَ، وهذه تحتمله.
قوله: ((يُصَبُّ)) هذه الجملةُ تحتمل أَنْ تكون خبراً ثانياً للموصول، وأن
تكونَ حالاً من الضميرِ في («لهم))، وأن تكونَ مستأنفةً.
آ. (٢٠) قوله ((يُصْهَرُ)) جملةٌ حاليةٌ من الحميم. والصَّهْرُ: الإِذابَةُ.
يُقال: صَهَرْتُ الشحم أي: أَذْتُه والصُّهارة: الأَلْيَةُ المُذابة، وصَهَرَتْهُ الشمسُ:
أذابَتْه بحرارتها قال(٢):
٣٣٧٧-
تَصْهَرُهُ الشمسُ فما يَنْصَهِرْ
وسُمِّي الصِّهْرُ صِهْراً لامتزاجِه بأصهاره تخيُّلا لشدةِ المخالطة. وقرأ(٣)
الحسن في آخرين ((يُصَهِّرُ)) بفتحِ الصادِ وتشديدِ الهاء مبالغةً وتكثيراً لذلك.
قوله: ((والجلودُ)) فيه وجهان، أظهرُهما: عَطْفُه على ((ما)) الموصولة أي :
يُذابُ الذي في بطونِهم من الأمعاءِ، وتُذاب أيضاً الجلودُ أي: يُذاب ظاهرُهم
وباطُهم. والثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مقدِّرٍ أي: وتُحْرَقُ الجلودُ. قالوا: لأن
(١) البحر ٣٦٠/٦.
(٢) البيت لابن أحمر يصف فرخ قطاة وصدره:
تَرْوِي لَفَىْ أُلْقِيَ فِي صَفْصَفٍ
وهو في اللسان (صهر) والقرطبي ٢٧/١١، والمحرر ١٨٨/١١. واللَّقى:
الشيء الملقى، والصفصف: المستوي من الأرض.
(٣) الإتحاف ٢٧٢/٢، والبحر ٣٦٠/٦.
٢٤٩

- الحج-
الجلدّ لا يُذابُ، إنما يَنْقَبِضُ وينكمشُ إذا صَلِي النارَ وهو في التقدير كقوله(١):
٣٣٧٨ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً
/ [وقولِه](٢).
[٦٤٣/أ]
:
٣٣٧٩-
وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
[وقوله تعالى): ((والذين تَبَوَّءُوا الدارَ والإِيمان))(٣). فإنه على تقديرٍ:
وسَقَيْتُها ماءً، وَكَخَّلْنَ العُيونا، واعتقدوا الإِيمانَ .
آ. (٢١) قوله: ﴿ولهُم مَقامِعُ﴾: يجوزُ في هذا الضمَيْرِ
وجهان، أظهرُهما: أنه يعودُ على الذين كفروا، وفي اللام حينئذٍ قولان،
أحدهما: أنها للاستحقاق. والثاني: أنها بمعنى ((على)) كقولِه: ((ولهم
اللَّعْنَةُ)) (٤) وليس بشيءٍ. الوجه الثاني: أنَّ الضميرَ يعودُ على الزبانية أعوانٍ
جهنّمَ ودَلَّ عليهم سياقُ الكلامِ، وفيه بُعْدٌ. و ((مِنْ حديدٍ)) صفةٌ لمقامِع وهي
جمعُ ((مِقْمَعَةٍ)) بكسرِ الميمِ لأنَّها آلةُ القمعِ. يقال: قَمَعَه يَقْمَعُه إذا ضَرَبه بشيءٍ
يَزْجُرُه به ويُذِلُّه، والمِقْمَعَةُ: المِطْرَقَةُ. وقيل: السَّوْطُ.
"آ. (٢٢) قوله: ﴿كلما أرادوا﴾: كلِّ: نصبٌ على الظرفِ. وقد
تقدَّم الكلامُ في تحقيقِها في البقرة(٥). والعاملُ فيها هنا قوله: ((أُعِيْدُوا)). و (مِنْ
(١) تقدم برقم ١٥٠.
(٢) تقدم برقم ١٢٩٥.
(٤) الآية ٢٥ من الرعد.
(٥) انظر: الدر المصون ١٧٩/١.
(٣) الآية ٩ من الحشر.
٢٥٠

- الحج -
غَمِّ)) فيه وجهان أحدهما: أنه بدلٌ من الضميرِ في ((منها)» بإعادةِ العاملِ، بدلُ
اشتمالٍ كقولِه: ((لِمَنْ يكفُرُ بالرحمن لِبُيوتِهِم))(١). ولكن لا بُدَّ في بدلِ
الاشتمال من رابطٍ، ولا رابطَ، فقالوا: هو مقدرٌ تقديره: مِنْ غَمِّها. والثاني:
أنه مفعولٌ له، ولمّا نَقَصَ شرطٌ من شروطِ النصبِ جُرَّ بحرفِ السَّببِ. وذلك
الشرطُ: هو عدمُ اتحادِ الفاعلِ ؛ فإن فاعل الخروجِ غيرُ فاعلِ الغَمِّ، فإنَّ الغَمَّ
من النارِ والخروجَ من الكفار.
قوله: ((وذُوقوا)) منصوبٌ بقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على ((أَعِيْدُوا)) أي: وقِيل
لهم: ذُوْقوا .
آ. (٢٣) قوله: ﴿يُلَّوْن﴾: العامَّةُ على الياءِ وفتحِ اللامِ
مشددةً، مِنْ حَلَّهُ يُحَلِّيه إذا ألبسَه الحُلِيَّ. وَقُرِىءَ(٢) بسكون الحاءِ وفتحِ اللامِ
مخففةٌ، وهو بمعنى الأول، كأنَّهم عَدَّوْه تارةً بالتضعيف وتارةً بالهمزةِ. قال
أبو البقاء(٣): ((مِنْ قولك: أَحْلَىْ أي ألبسَ الحُلِيَّ، وهو بمعنى المشدَّد)).
وقرأ ابنُ عباسٍ بفتحِ الياءِ وسكونِ الحاءِ وفتحِ اللامِ مخففةً. وفيها
ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنَّه من حَلِيَتْ المرأةُ تَحْلَى فهي حالٍ. وكذلك حَلِيَ
الرجلُ فهو حالٍ ، إذا لَبِسا الحُلِيُّ أو صارا دونَ حُلِيّ. الثاني: أنَّه من حَلِيَ
بعيني كذا يَحْلَى إذا اسْتَحْسَنْتُه. و((مِنْ)) مزيدةٌ في قولِه ((مِنْ أُساوِرَ)) قال:
((فيكونُ المعنى: يَسْتَحْسِنون فيها الأساور الملبوسة)). ولما نقل الشيخ (٤) هذا
الوجهَ عن أبي الفضل الرازي قال: ((وهذا ليس بجيد لأنه جَعَلَ حَلِيَ فعلاً
(١) الآية ٣٣ من الزخرف.
(٢) انظر في قراءاتها: البحر ٣٦٠/٦، والمحتسب ٧٧/٢.
(٣) الإملاء ١٤٢/٢.
(٤) البحر ٣٦١/٦.
٢٥١

- الحج -
متعدياً، ولذلك حَكّم بزيادةِ ((مِنْ)) في الواجبِ. وليس مذهبَ البصريين.
وينبغي على هذا التقديرِ أَنْ لا يجوزَ؛ لأنه لا يُحْفَظُ بهذا المعنى إلَّ لازِماً، فإنْ
كان بهذا المعنى كانَتْ ((مِنْ)) للسببِ أي: بلباسِ أساورِ الذهبِ يَحْلَوْن بعينٍ
مَنْ رآهم، أي : يَحْلَى بعضُهم بعینِ بعضٍ )).
قلت: وهذا الذي نقله عن أبي الفضلِ قاله أبو البقاء(١)، وجَوَّز في
مفعولِ الفعلِ وجهاً آخرَ فقال: ((ويجوزُ أن يكونَ مِنْ حَلِيَ بعيني كذا إذا
حَسُن، وتكونُ ((مِنْ)) زائدةً أو يكونُ المفعولُ محذوفً، و ((مِنْ أساورَ)) نعتٌ له)).
فقد حكم عليه بالتعدِّي ليس إلَّ، وجَوَّز في المفعول الوجهَيْن المذكورَيْن.
الثالث: أنَّه مِنْ حَلِيَ بكذا إذا ظَفِرَ به، فيكونُ التقديرُ: يَحْلَوْنِ بأساورَ.
فـ (مِنْ)) بمعنى الباء. ومِنْ مجيءٍ حَلِيَ بمعنى ظَفِرَ قولُهم: لم يَحْلَ فلانٌ
بطائلٍ أي: لم يظفرْ به. واعلم أنَّ حَلِي بمعنى لبس الحلية، أو بمعنى ظَفِرٍ من
مادةِ الياءِ لأنهما مِن الحِلْيَةِ. وأمَّا حَلِيَ بعيني كذا فإنه من مادة الواو لأنه من
الحلاوة، وإنما قلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها.
قوله: ((مِنْ أَسَاوَرَ مِنْ ذَهَبٍ)) في ((مِنْ)) الأولى ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها
زائدةٌ، كما تقدَّم تقريره عن الرازي وأبي البقاء. وإن لم يكنْ مِنْ أصولٍ
البصريين(٢). والثاني: أنَّها للتبعيضِ أي: بعض أساور. والثالث: أنها لبيانٍ
الجنسِ ، قاله ابن عطية(٣)، وبه بدأ. وفيه نظرٌ إذا لم يتقدَّمْ شيءٌ مبهمٌ. وفي
((مِنْ ذهب)) لابتداءِ الغايةِ، وهي نعتٌ لأساورَ كما تقدَّم .
وقرأ(٤) ابن عباس ((مِنْ أَسَوِرَ)) دونَ ألفٍ ولا هاءٍ، وهو محذوفٌ مِنْ
(١) الإملاء ١٤٢/٢.
(٢) حيث يشترطون أن تسبق بنفي أو استفهام وتدخل على نكرة. انظر: المغني ٤٢٥.
(٣) المحرر ١٨٩/١١
(٤) البحر ٣٦١/٦.
٢٥٢
.-

- الحج -
((أساور)) كما [في] جَنْدِلٍ والأصل جَنادِل(١)، قال الشيخ (٢): ((وكان قياسه
صَرْفَه؛ لأنه نَقَصَ بناؤُّه فصار كجَنَدِلٍ، لكنه قَدَّر المحذوفَ موجوداً فمنعه
الصرف)). قلت: فقد جعل أنَّ التنوينَ في جَنَدِلٍ المقصور مِنْ ((جنادل)) تنوينُ
صَرْفٍ. وقد نصّ بعض النحاة (٣) على أنه تنوينُ عوضٍ كهو في جَوارٍ وغَواشٍ
وباپهما .
قوله: ((وُلُؤْلُؤْ)) قرأ(٤) نافعٌ وعاصمٌ بالنصبِ. والباقون بالخفضِ. فأمّا
النصبُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه منصوبٌ بإضمارٍ فعلٍ تقديرُه: ويُؤْتَوْن(٥)
تُؤْلؤاً. ولم يذكر الزمخشريُّ(٦) غيرَه/، وكذا أبو الفتح (٧) حَمَله على إضمار [٦٤٣/ب]
فعلٍ. الثاني: أنَّه منصوبٌ نَسَقاً على موضع ((مِنْ أساور))، وهذا كتخريجِهم
((وأرجُلَكُمْ)) بالنصب عطفاً على محلِّ ((برؤوسكم))(٨)، ولأن «يُحَلَّوْن فيها مِنْ
أساور)) في قوة: ((يَلْبَسون أساور))، فَحُمِل هذا عليه. والثالث: أنه عطفٌ على
(أساور))؛ لأنَّ ((مِنْ)) مزيدةٌ فيها كما تقدَّم تقريرُه. الرابع: أنه معطوفٌ على ذلك
المفعولِ المحذوفِ. التقديرُ: يُحَلَّوْن فيها الملبوسَ مِنْ أساور ولؤلؤاً.
فـ «لؤلؤاً)» عطفٌ على الملبوس.
(١) الجنادل: الحجارة. انظر: الممتع ٦٩/١.
(٢) البحر ٣٦١/٦.
(٣) قال سيبويه: ((يقول بعضهم: جَنَدِلٌ يحذف ألف جنادِل وينونون، يجعلونه عوضاً من
هذا المحذوف)). الكتاب ١٦/٢.
(٤) السبعة ٤٣٥، والتيسير ١٥٦، والبحر ٣٦١/٦، والحجة ٤٧٤، والنشر ٣٢٦/٢.
(٥) في مطبوعة الكشاف ((ويأتون)).
(٦) الكشاف ١٠/٣.
(٧) المحتسب ٧٨/٢ .
(٨) الآية ٦ من المائدة. وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحفص. انظر: الدر
المصون ٢٠٩/٤.
٢٥٣

- الحج -
وأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدُهما: عطفُه على ((أساور)). والثاني: عَطْفُه
على ((مِنْ ذهبٍ)) لأنَّ السِّوارَ يُتَّخَذُ من اللؤلؤ أيضاً، يُنْظَمُ بعضُه إلى بعضٍ . وقد
متع أبو البقاء(١) العطفَ على ((ذهب)) قال: ((لأنَّ السِّوار لا يكونَ مِنْ لؤلؤ في
العادة ويَصِحُّ أن یکونَ حُلِيّا)».
واختلف الناسُ(٢) في رَسْمِ هذه اللفظةِ في الإِمام: فنقل الأصمعيُّ أنها
في الإِمام (لؤلؤ) بغير ألفٍ بعد الواو، ونقل الجحدريُّ أنها ثابتةٌ في الإِمامِ بعد
الواو. وهذا الخلافُ بعينِهِ قراءةً وتوجيهاً جارٍ في حَرْف فاطر(٣) أيضاً.
وقرأ(٤) أبو بكر في رواية المُعَلّى بن منصور(٥) عنه ((لؤلوا)) بهمزةٍ أولاً
وواوٍ آخِراً. وفي روايةٍ يحيى(٦) عنه عكسُ ذلك.
وقرأ الفياض ((وَلُوْلِيا)) بواوٍ أولاً وياءٍ أخيراً، والأصل: لُؤْلُؤاً أبدل الهمزتينِ
واوَيْن، فبقي في آخرِ الاسم واوٌ بعد ضمةٍ. فَفُعِل فيها ما فُعِل بـ أَدْلٍ جمعَ
دَلْو: بأنْ قُلِبَتْ الواوُ ياءَ والضمةُ كسرةٌ.
وقرأ ابنُ عباس: ((وَلِيْلِيا)) بياءَيْنِ، فَعَل ما فَعَل الفياض، ثم أتبعَ الُواوَّ
(١) الإملاء ١٤٢/٢.
(٢) انظر: البحر ٣٦١/٦.
(٣) ((يُحَلَّوْن فيها مِنْ أساوِرَ من ذهبٍ ولؤلؤا))، الآية ٣٣ من فاطر.
(٤) انظر في أوجه رواياتها: الإِتحاف ٢٧٣/٢، والبحر ٣٦١/٦، والقرطبي ٢٩/١٢،
والشواذ ٩٤.
(٥) معلَّی بن منصور أبو يعلى الرازي الحافظ، روى عن أبي بكر بن عياش، وروى عنه
محمد بن سعدان توفي سنة ٢١١. طبقات القراء ٣٠٤/٢.
(٦) يحيى بن آدم أبو زكريا الصلحي، روى عن أبي بكر بن عياش سماعاً، وعن
الكسائي. قال عنه الإِمام أحمد «ما رأيتُ أحداً أعلمَ ولا أجمعَ للعلمِ منه)» توفي سنة
٢٠٣. طبقات القراء ٣٦٤/٢.
٢٥٤

- الحج -
الأولى للثانية في القلبِ. وقرأ طلحة ((وَلُوْلٍ)) بالجر عطفاً على المجرورِ قبلَه.
وقد تقدم، والأصل «وُلُّوْلٍُ)) بواوين، ثم أُعِلَّ إعلالَ أَدْلٍ.
والُّؤْلُ: قيل: كِبارُ الجوهر وقيل صِغارُه.
آ. (٢٤) قوله: ﴿مِن القولِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من
((الطيِّب))، وأن يكونَ حالاً مِن الضميرِ المستكِنُّ فيه. و ((مِنْ)) للتبعيضِ
أو للبيانٍ .
آ. (٢٥) قوله: ﴿ويَصُدُّوْن﴾: فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه
معطوفٌ على ما قبلَه. وحينئذٍ ففي عطفِه على الماضي ثلاثةُ تأويلاتٍ. أحدُها:
أنَّ المضارعَ قولاً يُقْصَدُ به الدلالةُ على زمنٍ معينٍ من حالٍ، أو استقبالٍ ، وإنما
يُراد به مجردُ الاستمرارِ. ومثلُه (الذين آمَنُوا وَتَّطْمَئِنُّ قلوبُهم بذكرِ الله))(١).
الثاني: أنه مؤولٌ بالماضي لعطفِه على الماضي. الثالث: أنه على بابِه، وأنَّ
الماضي قبلَه مُؤَوَّل بالمستقبل.
الوجه الثاني: أنَّه حالٌ من فاعل ((كفروا)» وبه بدأ أبو البقاء(٢). وهو فاسدٌ
ظاهراً؛ لأنه مضارعٌ مثبتٌ، وما كان كذلك لا تَدْخُل عليه الواو، وما ورد منه
على قِلَّتِه مؤولٌ فلا يُحْمل عليه القرآنُ، وعلى هذين القولَيْنِ فالخبرُ محذوفٌ.
واختلفوا في موضعٍ تقديره: فقدَّره ابن عطية(٣) بعد قوله ((والبادِ)) أي: إن الذين
كفروا خَسِروا أو هلكوا ونحو ذلك. وقدَّره الزمخشري (٤) بعد قوله ((والمسجد
(١) الآية ٢٨ من الرعد.
(٢) الإملاء ١٤٢/٢.
(٣) المحرر ١٩٠/١١.
(٤) الكشاف ١٠/٣.
٢٥٥

- الحج -
الحرامِ)) أي: إنَّ الذين كفروا نُذِيْقُهم من عذاب أليم. وإنما قدَّره كذلك لأن
قوله ((نُذِقْه من عذاب أليم)» يَدُلُّ عليه.
إلَّ أنَّ الشيخَ(١) قال في تقدير الزمخشري بعد المسجد الحرام:
(لا يصحُّ))، قال: ((لأنَّ ((الذي)) صفة للمسجد الحرام، فموضعُ التقديرِ هو بعد
(البادِ)) يعني: أنه يلزمُ من تقديرِه الفصلُ بينَ الصفةِ والموصوفِ بأجنبيّ، وهو
خبرُ ((إنّ))، فيصيرُ التركيبُ هكذا: إنَّ الذين كفروا ويَصُدُّون عن سبيلِ اللهِ
والمسجدِ الحرام نُذيقُهم مِنْ عذابٍ أليمِ الذي جَعَلْناه للناس. وللزمخشريٍّ أَنْ
ينفصِلَ عن هذا الاعتراضِ بأن ((الذي جَعَلْناه)) لا نُسَلِّمُ أنَّه نعتٌ للمسجد حتى
يَلْزَمَ ما ذَكَرِ، بل نَجْعَلُه مقطوعاً عنه نَصْباً أو رفعاً.
ثم قال الشيخ (٢): ((لكنَّ مُقَدَّرَ الزمخشريِّ أحسنُ من مقدَّرِ ابنِ عطية؛
لأنه يَدُلُّ عليه الجملةُ الشرطية بعدُ مِنْ جهة اللفظ، وابنُ عطية لَحَظّ من جهةٍ
المعنى؛ لأنَّ مَنْ أُذيق العذابَ خَسِر وهَلَكَ)).
الوجه الثالث: أنَّ الواوَ في ((ويَصُدُّون)) مزيدةٌ في خبر ((إِنَّ) تقديرُه: إِنَّ
الذين كفروا يَصُدُّونَ. وزيادةُ الواوِ مذهبٌ كوفي (٣) تقدَّم بُطلانُه، وقال
ابنُ عطية (٤): ((وهذا مُفْسِدٌ للمعنى المقصودِ)). قلت: ولا أَدْري فسادَ المعنى
من أيِّ جهة؟ ألا ترى أنه لو صُرِّح بقولِنا: إنَّ الذين كفروا يَصُدُّون لم يكنْ فيه
فسادُ معنى. فالمانع إنما هو أمرٌ صناعيٌّ عند أهل البصرة لا معنويٌّ. اللهم إلاّ
[٦٤٤/أ] أَنْ يريدَ معنىَّ خاصاً/ يَفْسُدُ بهذا التقديرِ فُيُحتاج إلى بيانه ..
(١) البحر ٣٦٢/٦.
(٢) البحر ٣٦٢/٦.
(٣) انظر: الإنصاف ٤٥٦ .
(٤) المحرر ١٩٠/١١
٢٥٦
۔

- الحج -
قوله: ((الذي جعلْناه)» یجوزُ جرُّه على النعتِ أو البدلِ أو البیانِ، والنصبُ
بإضمار فعلٍ ، والرفعُ بإضمارِ مبتدأ. و((جَعَلَ)) يجوز أن يتعدَّى لاثنين بمعنى
صَيَِّ، وأَنْ يتعدَّى لواحدٍ.
والعامَّةُ على رفعِ ((سواءٌ)) وقرأه(١) حفص عن عاصم بالنصبِ هنا وفي
الجاثية(٢): ((سواءً مَحْياهم)). ووافق على الذي في الجاثيةِ الأخَوان(٣)،
وسيأتي توجيهُه. فأمَّا على قراءةِ الرفع فإن قلنا: إنَّ جَعَلَ بمعنى صَيِّر كان في
المفعولِ الثاني أوجهٌ، أحدها : - وهو الأظهرُ - أنَّ الجملةَ مِنْ قولِه ((سواءً
العاكفُ فيه)) هي المفعولُ الثاني، ثم الأحسنُ في رفع ((سواءٌ)) أن يكون خبراً
مقدماً، والعاكفُ والبادي مبتدأ مؤخر. وإنما وُحِّد الخبرُ وإن كان المبتدأُ اثنين؛
لأنَّ سواء في الأصل مصدرٌ وُصِفَ به. وقد تقدَّم هذا أولَ البقرة(٤). وأجاز
بعضُهم أن يكون ((سواءٌ)) مبتدأ، وما بعدَه الخبر. وفيه ضَعْفُ أو مَنْعٌ من حيث
الابتداءُ بالنكرة من غير مُسَوِّغٍ ، ولأنه متى اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ جُعِلت المعرفةُ
المبتدأ. وعلى هذا الوجهِ - أعني كونَ الجملة مفعولاً ثانياً - فقولُه ((للناس))
يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلق بالجَعْل أي: جَعَلْناه لأجلِ الناسِ كذا.
والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنَّه حالٌ مِنْ مفعول ((جَعَلْناه)) ولم يذكر
أبو البقاء(٥) فيه على هذا الوجهِ غيرَ ذلك وليس معناه متضحاً.
الوجه الثاني: أنَّ ((للناس)» هو المفعولُ الثاني. والجملةُ مِنْ قوله «سواءٌ
(١) السبعة ٤٣٥، والتيسير ١٥٧، والنشر ٣٢٦/٢، والبحر ٣٦٢/٦، والحجة ٤٧٥،
والقرطبي ٣٤/١٢.
(٢) الآية ٢١. وانظر: السبعة ٥٩٥.
(٣) حمزة والكسائي.
(٤) انظر: الدر المصون ١٠٧/١.
(٥) الإملاء ١٤٢/٢.
٢٥٧

- الحج -
العاكف)) في محلُّ نصب على الحال: إمَّا من الموصول، وإمَّا مِنْ عائِدِه.
وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء(١). وفيه نظرً؛ لأنه جعل هذه الجملةَ التي هي محطّ
الفائدةِ فَضْلةً.
الوجه الثالث: أنَّ المفعولَ الثاني محذوفٌ، قال ابن عطية(٢):
((والمعنى: الذي جَعَّلْناه للناس قِبْلةً ومتعبَّداً. فتقدير ابن عطية هذا مُرْشِدٌ
لهذا الوجهِ. إلاّ أن الشيخ)(٣). قال: ((ولا يُحتاج إلى هذا التقديرِ، إلّ إنْ
كان أراد تفسيرَ المعنى لا الإِعرابِ. فَيَسُوغ لأنَّ الجملةَ في موضعِ المفعولِ
الثاني، فلا يُحْتاج إلى هذا التقديرِ. وإنْ جَعَلْنَاها متعديً لواحدٍ كان قولُه.
(للناس)) متعلقاً بالجَعْلِ على العِلِّيَّة. وجَوَّزَ فيه أبو البقاء(٤) وجهين آخرين،
أحدهما: أنه (٥) حالٌ من مفعولِ ((جَعَلْناه)). والثاني: أنه مفعولٌ تعدَّى إليه
بحرف الجر. وهذا الثاني لا يُتْعَقَّل، كيف يكون ((للناس)» مفعولاً عُدِّي إليه
الفعلُ بالحرف؟ هذا ما لا يعقلُ. فإن أراد أنه مفعولٌ مِنْ أجله فهي عبارةٌ:
بعيدةٌ من عبارة النحاة.
وأمَّا على قراءةٍ حفصٍ: فإنْ قلنا: ((جَعَلَ)) يتعدَّى لاثنين كان ((سواءً))
مفعولاً ثانياً. وإنْ قُلْنا يتعدَّى لواحدٍ كان حالاً من هاء («جعَلْناه» وعلى
التقديرين: فالعاكفُ مرفوعٌ به على الفاعليةِ؛ لأنه مصدرٌ وُصِفَ به فهو في:
قوةِ اسم الفاعل المشتقِّ تقديرُه: جَعَلْناه مُسْتوياً فيه العاكفُ. ويَدُلُّ عليه
(١) الإملاء ١٤٢/٢
(٢) المحرر ١٩٠/١١.
(٣) البحر ٣٦٣/٦.
(٤) الإملاء ٢/ ١٤٢
(٥) أي: للناس.
٢٥٨

- الحج -
قولُهم: ((مررتُ برجلٍ سواءٍ هو والعَدَمُ))(١). فـ ((هو) تأكيدٌ للضميرِ المستترِ
فيه، و((العَدَمُ)) نسقُ على الضمير المستترِ ولذلك ارتفعَ. ويُرْوى: ((سواءٍ
والعدم) بدونِ تأکیدٍ وهو شاذٌّ.
وقرأ(٢) الأعمش وجماعةٌ ((سَواء)) نصباً، ((العاكف)) جراً. وفيه وجهان،
أحدهما: أنه بدلٌ من ((الناس)) بدلُ تفصيل. والثاني: أنه عطفُ بيانٍ. وهذا
أراد ابنُ عطية (٣) بقولِه (عَطْفاً على الناس)) ويمتنع في هذه القراءةِ رفعُ ((سواء)»
لفسادِه صناعةً ومعنىً؛ ولذلك قال أبو البقاء(٤): ((وسواءً على هذا نصبٌ
لا غیر».
وأثبتَ ابنُ كثير(٥) ياءَ ((والبادي)) وصلاً ووقفاً، وأثبتها أبو عمرو وورش
وصلاً وحذفاها وقفاً. وحَذَفَها الباقون وَصْلاً ووَقْفاً وهي محذوفةً في الإِمام.
قوله: ((ومن يُرِدْ فيه بإلْحادٍ)) فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ مفعولَ ((يُرِدْ))
محذوفٌ، وقولُه: ((بإلحادٍ بظلم)» حالان مترادفتان. والتقديرُ: ومَنْ يُرِدْ فيه
مراداً ما، عادِلاً عن القصدِ ظالماً، نُذِقْه من عذاب أليم. وإنما حُذِفَ ليتناولَ
كلَّ متناوَلٍ. قال معناه الزمخشريُّ(٦). والثاني: أن المفعولَ أيضاً محذوفٌ
تقديرُه: ومَنْ يُرِدْ فيه تَعَدِّياً، و((بإلحادٍ)) حال أي: مُلْتَِساً بإلحادٍ. و((بظُلْمٍ))
بدلٌ بإعادةِ الجارِّ. الثالث: أَنْ يكونَ ((بظلم)) متعلقاً بـ ((يُرِدْ))، والباءُ للسببيةِ
(١) انظر: الكتاب ٢٣٢/١.
(٢) القرطبي ٣٤/١٢، والبحر ٣٦٣/٦.
(٣) المحرر ١٩٠/١١.
(٤) الإملاء ١٤٢/٢.
(٥) السبعة ٤٣٥، والتيسير ١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢، والحجة ٤٧٥، والبحر ٣٦٣/٦.
(٦) الكشاف ١٠/٣.
٢٥٩

- الحج -
[٦٤٤/ب] أي: بسببِ الظلم و ((بإلحاد)» مفعولٌ به. والباءُ مزيدةٌ فيه كقولِه: ((ولا تُلْقُوا/
بأیدیکم)»(١) [وقوله: }(٢)
٣٣٨٠-
لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَر
وإليه ذهب أبو عبيدة(٣)، وأنشد للأعشى (٤):
٣٣٨١- ضَمِنَتْ بِرزقٍ عیالِنا أرماحُنا
أي: ضَمِنَتْ رزقَ. ويؤِّده قراءة الحسن(٥) ((ومَنْ يُرِدْ إلحادَه بظُلْمٍ)).
قال الزمخشري(٦): أراد إلحاده (٧) فيه فأضافه على الاتّساعِ في الظرف
كـ «مَكْرُ الليل)»(٨) ومعناه: ومَنْ يُرِدْ أن يُلْحِدَ فيه ظالماً. الرابع: أن يُضْمِّنَ
((يُرِدْ)) معنى يتلبّس، فلذلك تعدَّى بالباء أي: ومَنْ يتلِّّسْ بإلحادٍ مُرِيْداً له.
(١) الآية ١٩٥ من البقرة.
(٢) تقدم برقم ٧٤٨.
(٣) مجاز القرآن ٤٨/٢ - ٤٩.
(٤) ديوانه ١٥٤، واللسان والتاج (جرد) والبحر ٣٦٣/٦. وعجزه في مجاز القرآن :.
مِلْءَ المَراجلِ والصَّرِيْحَ الأَجْردا
ورواية الديوان :
لنا. أعجازُهُنَّ قُدُوْرَنَا
ضَمِنَتْ
وضُرُوْعُهُنَّ لنا الصَّريح الأجْردا
(٥) البحر ٣٦٣/٦.
(٦) الكشاف ١٠/٣.
(٧) المطبوعة: ((إلحاداً فيه)) وهي الصواب.
(٨) الآية ٣٣ من سبأ.
٢٦٠