Indexed OCR Text

Pages 221-240

- الحج -
سورة الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعةِ﴾: يجوزُ في هذا المصدرِ
وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله وذلك على تقديرين. أحدٌ
التقديرَيْن: أَنْ يكونَ مِنْ زلزل اللازمِ بمعنى تَزَلْزَلَ فالتقدير: إنَّ تَزَلْزُلَ الساعةِ.
والتقديرُ الثاني : أَنْ يكونَ مِنْ زَلْزَل المتعدِّي، ويكون المفعولُ محذوفاً تقديرُه.
إِنَّ زِلْزالَ الساعةِ الناسَ. كذا قَدَّره أبو البقاء (١). وأحسنُ مِنْ هذا أن يُقَدِّرَ: إنَّ
زِلْزالَ الساعةِ للأرض. يَدُلُّ عليه قولُه: ((إذا زُلْزِلَتِ الأرضُ))(٢) ونسبة التَّزَلْزُلِ
أو الزلزال إلى الساعة على سبيل المجاز.
الوجه الثاني: أن يكونَ المصدرُ مضافاً إلى المفعولِ به، على طريقةٍ
الأَنّساع في الظرف كقوله(٣):
٣٣٦٨- طَّاخِ ساعاتِ الكُرَىْ زادَ الكَسِلْ
وقد أوضح الزمخشريُّ(٤) ذلك بقولِه: ((ولا تَخْلُو الساعةُ من أَنْ تكونَ
(١) الإملاء ١٣٩/٢.
(٢) الآية ١ من سورة الزلزلة .
(٣) تقدم برقم ٤٩.
(٤) الكشاف ٣/٣.
٢٢١

- الحج-
على تقديرِ الفاعلةِ لها، كأنها هي التي تُزَلْزِلُ الأشياءَ، على المجازِ الحُكْمي،
[٦٣٩ /أ] فتكونُ الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعلِه، أو على تقديرٍ / المفعولِ فيها على
طريقةِ الأَنِّساعِ في الظرفِ، وإجرائه مُجْرَى المفعولِ به، كقوله تعالى: ((بل
مَكْرُ الليلِ والنهار))(١).
آ. (٢) قوله: ﴿يومَ﴾: فيه أوجه، أحدُها: أَنْ يَنْتَصِبَ بـ((تَذْهَلُ))
ولم يذكُرِ الزمخشريُّ(٢) غيره. الثاني: أنه منصوبٌ بـ ((عظيم)). الثالث: أنه
منصوبٌ بإضمار اذكر. الرابع: أنه بدلٌ من الساعة. وإنما فُتح لأنه مبنيّ
لإضافته إلى الفعلِ. وهذا إنما يَتَمَثَّى على قولِ الأخفش، وقد تَقَدَّم تحقيقُه
آخرَ المائدة(٣). الخامس: أنه بدلٌ من ((زلزلة)) بدلُ اشتمالٍ؛ لأنَّ كلاً من
الحدثِ والزمانٍ يَصْدُقُ أنه مشتملٌ على الآخر، ولا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ بـ ((زلزلة))
لِمَا يَلْزَمُ من الفصلِ بين المصدرِ ومعمولهِ بالخبر.
قوله: ((تَرَوْنَها)) في هذا الضميرِ قولان، أظهرهما: أنه ضميرُ الزلزلةِ لأنَّها
المحدَّثُ عنها، ويؤيِّدُه أيضاً قولُه ((تَذْهَلُ كلُّ مُرْضِعَةٍ)). والثاني: أنه ضميرُ
الساعةِ. فعلى الأولِ يكونُ الذُّهولُ والوَضْعُ حقيقةً لأنه في الدنيا، وعلى الثاني
يكونُ على سبيلِ التعظيم والتهويل، وأنها بهذه الحيثية، إذ المرادُ بالساعةِ
القيامةُ، وهو كقوله: ((يَوْماً يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيْباً))(٤).
قوله: ((تَذْهَلُ)) في محلٌّ نصب على الحال من ((ها)) في ((تَرَوْنَها)) فإنَّ
الرؤيةَ هنا بَصَريةٌ، وهذا إنما يَجِيْءُ على غيرِ الوجهِ الأولِ. وأمَّا الوجهُ الأولُ
(١) الآية ٣٣ من سبأ.
(٢) الكشاف ٤/٣.
(٣) الدر المصون ٥٢٠/٤.
(٤) الآية ١٧ من المزمل.
٢٢٢

- الحج -
وهو أنَّ((تَذْهَلُ)) ناصِبٌ لـ ((يومَ تَرَوْنَها)» فلا محلَّ للجملةِ من الإِعرابِ لأنها
مستأنفةً، أو يكونُ محلُّها النصبَ على الحال من الزلزلة، أو من الضمير في
((عظيم))، وإنْ كان مذكراً، لأنّه هو الزَّلْزَلَةُ في المعنى، أو من الساعة، وإن
كانت مضافاً إليها، لأنها: إمّا فاعلٌ أو مفعولٌ كما تقدَّم. وإذا جَعَلْناها حالاً
فلا بُدَّ من ضميرٍ محذوفٍ تقديرُه(١): تَذْهَلُ فيها.
وقرأ العامة ((تَذْهَلُ)) بفتح التاءِ والهاءِ، مِنْ ذَهِل عن كذا يَذْهَلُ. وقرأ(٢)
ابن أبي عبلة واليماني بضم التاء وكسرِ الهاءِ ونصبٍ ((كل)) على المفعولية، مِنْ
أَذْهَلَه عن كذا يُذْهِله عَدَّاه بالهمزةِ. والذُّهولُ: الاشتغالُ عن الشيءِ. وقيل: إذا
كان مع دَهْشَة. وقيل: إذا كان ذلك لطَرَآنٍ(٣) شاغِلٍ مِنْ هَمِّ ومَرَضٍ ونحوِهما.
وذُهْلِ بنُ شَيْبان(٤) أصلُه من هذا.
والمُرْضِعَةُ: مَنْ تَلَّسَتْ بالفعل، والمُرْضِعُ: مَنْ شَأْنُها أَنْ تُرْضِعَ
كحائض، فإذا أريد التلُّسُ قيل: حائِضة.
قال الزمخشري(٥): ((فإن قلتَ: لِمَ قيل مُرْضِعَة دون مُرْضع؟ قلت:
المُرْضِعَةُ التي هي في حال الإِرضاعِ ملقمةٌ ثديها الصبيَّ، والمرضعُ التي مِنْ
شأنِها أَنْ تُرْضِعَ وإن لم تباشِرْ الإِرضاعَ في حالٍ وَصْفِها به)) والمعنى: إنَّ(٦) مِنْ
شِدَّةِ الهَوْلِ تَذْهَلُ هذه عن ولدِها فكيف بغيرِها؟ وقال بعضُ الكوفيين:
المُرْضِعَةُ تقال للأمِّ، والمُرْضِعُ تقال للمستأجَرَةِ غيرِ الأمّ، وهذا مردودٌ بقولٍ
(١) الأصل «تقدير» وهو سهو.
(٢) البحر ٣٥٠/٦.
(٣) لم تثبت كتب اللغة من مصادر طرأ غيرَ طَرْءاً وطُرُوْءَاً.
(٤) حيَّ من بكر، نُهْل بن شيبان بن ثعلبة. انظر: اللسان (ذهل).
(٥) الكشاف ٤/٣.
(٦) اسم إنَّ ضمير الشأن.
٢٢٣

- الحج -
الشاعر (١):
٣٣٦٩- كمُرْضِعَةٍ أولادَ أخرى وضَبَّعَتْ
بني بطنِها هذا الضلالُ عن القصدِ
فَأَطْلَقَ المُرْضِعَةَ بالتاءُ على غير الأمّ. وقولُ العرب مُرْضِعَة يَرُدُّ أيضاً قولَ
الكوفيين: إنَّ الصفاتِ المختصةَ بالمؤنثِ لا يلحقها تاءُ التأنيثِ نحو: حائِض
وطالق. فالذي يُقال: إِنْ قُصِد النَّسَبُ فالأمرُ على ما ذَكَروا، وإنْ قُصِد الدلالةُ
على التلُّسِ بالفعلِ وَجَبَتِ التاءُ فيقال: حائضة وطالقة وطامِثة.
قوله: ((عَمَّا أَرْضَعَتْ)) يجوزُ في ((ما)) أَنْ تكونَ مصدریةً أي: عِن
إرْضاعِها. ولا حاجةً إلى تقديرٍ حَذْفٍ على هذا. ويجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي
فلا بُدَّ من حَذْفِ عائدٍ أي: أَرْضَعَتْه. ويُقَوِّيه تعدِّي ((تَضَعُ)) إلى مفعولٍ دونَ
مصدرٍ. والحَمْلُ بالفَتحِ : ما كان في بَطْنٍ أو على رأسٍ شجرة، وبالكسرِ
ما كان على ظَهْرٍ.
قوله: ((وترى الناسَ سُكارى)) العامَّةُ على فتحِ التاءِ من ((ترى)) على
خطابٍ الواحد. وقرأ(٢) زيدُ بن علي بضمِّ التاءِ وكسرِ الراءِ، على أنَّ الفاعلَ
ضميرُ الزلزلةِ أو الساعةِ. وعلى هذه القراءةِ فلا بُدَّ من مفعولٍ أولَ محذوفٍ لِيَتِمَّ
المعنى به أي: وتُرِي الزلزلةُ أو الساعةُ الخَلْقَ الناسَ سُكارى. ويؤيِّد هذا قراءةٌ
أبي هريرة وأبي زرعة وأبي نهيك ((تُرَىُ الناسَ سكارى)) بضمُّ التاء وفتح الراء
على ما لم يُسَمَّ فاعله، ونصب ((الناسَ))، بَنَوْه من المتعدِّي لثلاثةٍ: فالأولُ قام
مَقامَ الفاعلِ، وهو ضميرُ الخطابِ، و((الناسَ سُكارى)) هما الأول والثاني.
(١) تقدم برقم ١٥١٥.
(٢) انظر في قراءات ((ترى)): البحر ٣٥٠/٦، والقرطبي ٥/١٢، والشواذ ٩٤.
٢٢٤
:

- الحج -
ويجوز أن يكونَ متعدِّياً لاثنين فقط على معنى: وتُرِي الزلزلةُ أو الساعةُ / [٦٣٩/ب]
[الناسَ](١) قوماً سُكارى. فالناسَ هو الأول و ((سُكاری)» هو الثاني.
وقرأ الزعفرانيُّ وعباسٌ في اختياره ((وتُرى)) كقراءة أبي هريرة إلاّ أنهما
رفعا ((الناسُ)) على أنه مفعول لم يُسَمَّ فاعلُه. والتأنيثُ في الفعلِ على تأويلهم
بالجماعة .
وقرأ(٢) الأخَوان ((سَكْرَىْ)) ((وما هم بسَكْرِىْ)) على وزنٍ وَصْفِ المؤنثةِ
بذلك. واخْتُلف في ذلك: هل هو صيغةُ جمعٍ على فَعْلَى كمَرْضى وقَتْلِى،
أو صفةٌ مفردةٌ اسْتُغني بها في وصفِ الجماعة؟ خلافٌ مشهورٌ تقدَّمَ الكلامُ عليه
في قوله: ((أَسْرَىْ))(٣). وظاهرُ كلامِ سيبويه(٤) أنه جمعُ تكسيرٍ فإنه قال: ((وقومٌ
يقولون: سَكْرِىُ، جَعَلوه مثلَ مَرْضَى لأنهما شيئان يَدْخلان على الإِنسان(٥)، ثم
جَعَلُوا ((رَوْبِىْ)) مثلَ سَكْرى وهم المُسْتَثْقلون نَوْماً من شربِ الرائب(٦). وقال
الفارسي (٧): ((ويَصِحُ أن يكونَ جمعَ ((سَكِر)» کزَمِن وزَمْنَى. وقد حُكي («رجلٌ
سَكِر» بمعنى سَكْران فيجيءُ سَكْرَىْ حينئذٍ لتأنيث الجمع)). قلت: ومِنْ ورودِ
(سَكِر)) بمعنى سَكْران قولُه(٨):
(١) سقط ما بين معقوفين من الأصل وأثبتناه من (ش).
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٣٤، والنشر ٣٢٥/٢، والتيسير ١٥٦، والحجة ٤٧٢،
والبحر ٣٢٥/٦، والمحتسب ٧٢/٢.
(٣) انظر: الدر المصون ٤٨٠/١.
(٤) الكتاب ٢١٤/٢ .
(٥) لم يَرِدْ قوله ((يدخلان على الإِنسان)» في كلام سيبويه، وإنما ورد من كلام الخليل
قبلُ.
(٦) عبارة سيبويه ((الذين قد استثقلوا نوماً فشبَّهوه بالسكران)»، ولم يذكر شرب الرائب.
(٧) الحجة (خ) ٢/٤.
(٨) تقدم برقم ٢٤٦.
٢٢٥

- الحج -
٣٣٧٠ - وقد جَعَلْتُ إِذا ما قُمْتُ يُثْقِلُني
ثَوْبي فأنهضُ نَهْضَ الشاربِ السَّكِرِ
وكنتُ أَمْشي على رِجْلين مُعْتَدِلاً
فصِرْتُ أَمْشِي على أُخْرىْ مِنَ الشَّجَرِ
ويُروى البيتُ الأول ((الشارِبِ الثَّمِلِ))، والأولُ أَصَحُّ لدلالةِ البيت الثاني
عليه .
وقرأ الباقون ((سُكارَى)) بضمُّ السين. وقد تَقَدَّم لنا في البقرة(١) خلافٌ:
هل هذه الصيغةُ جمعُ تكسيرٍ أو اسمُ جمع؟
وقرأ أبو هريرةً وأبو نهيك وعيسى بفتح السين فيهما، وهو جمع تكسير،
واحدُه سَكْران. قال أبو حاتم: ((وهي لغةُ تميم)).
وقرأ الحسنُ والأعرج وأبو زرعة والأعمش ((سكری)) ((بِسُكْریُ)) بضمِّ
السين فيهما. فقال ابن جني (٢): ((هي اسمٌ مفردٌ كالبُشْرَى. بهذا أفتاني
أبو علي)). وقال أبو الفضل(٣): ((فُعْلَى بضمِّ الفاءِ مِنْ صفةِ الواحدةِ(٤) من
الإِناثِ، لكنها لَمَّا جُعِلَتْ من صفاتِ الناس وهم جماعة، أُجْرِيَتْ الجماعة
بمنزلة المؤنثِ الموجّدِ)». وقال الزمخشري(٥): (هو غريبٌ)). قلت: ولا غرابةً؛
فإِنَّ فُعْلَى بضم الفاءِ كَثُر مجيتُها في أوصافِ المؤنثة نحو الرُّبَّى(٦) والحُبْلَى.
(١) انظر: الدر المصون ٤٨٠/١.
(٢) المحتسب ٧٤/٢.
(٣). وهو أبو الفضل الرازي كما في البحر ٣٥٠/٦.
(٤) الأصل ((الواحد)) وهو سهو والتصحيح من البحر.
(٥) الكشاف ٤/٣.
(٦) الرُّبْى: الشاة الحديثة النتاج.
٢٢٦

- الحج -
وجَوَّز أبو البقاء (١) فيه أن يكونَ محذوفاً مِنْ سُكارى(٢). وكان مِنْ حَقِّ هذا
القارىء أَنْ يُحَرِّكَ الكافَ بالفتح إبقاءً لها على ما كانَتْ عليه. وقد رواها بعضُهم
كذلك عن الحسن. وقُرِىء(٣) ((ويُرَىْ الناسُ)) بالياء من تحت ورفع ((الناسُ)).
وقرأ أبو زرعة في روايةٍ ((سَكْرى)) بالفتح، ((بسُكْرى)) بالضم. وعن
ابن جبير كذلك، إلاّ أنه حَذَف الألفَ من الأول دون الثاني .
وإثباتُ السُّكْرِ وعَدَمُه بمعنى الحقيقة والمجاز أي: وتری الناس سکری
على التشبيه، وما هم بسَكْرى على التحقيق. قال الزمخشري (٤): ((فإنْ قلتَ:
لِمَ قيل أولاً: تَرَوْن، ثم قيل: ((تَرَىْ)) على الإِفراد؟ قلت: لأنَّ الرؤيةَ أولاً عُلِّقَتْ
بالزلزلة، فَجُعِل الناسُ جميعاً رائِيْنَ لها، وهي معلَّقَةٌ أخيراً بكونِ الناسِ على
حالِ السُّكر، فلا بُدَّ أن يُجْعَلَ كلُّ واحدٍ منهم رائياً لسائرِهم)).
آ. (٣) و(مَنْ)) في ((مَنْ يجادِلُ)) يجوزُ أَنْ تكونَ نكرةً موصوفةٌ، وأن
تكونَ موصولةً. و((في الله)) أي في صفاتِه. و ((بغير علمٍ)) مفعولٌ أو حالٌ مِنْ
فاعلٍ ((يُجادل)). وقرأ(٥) زيد بن علي ((ويَتْبَعُ)).
آ. (٤) قوله: ﴿كُتِب عليه أنَّه﴾: قرأ العامَّةُ ((كُتِبَ)) مبنياً
للمفعولِ وفتحَ ((أنْ)) في الموضعين. وفي ذلك وجهان، أحدُهما: أنَّ الضمير
وما في خَيِّزه في محلّ رفعٍ لقيامِه مقامَ الفاعل. فالهاءُ في ((عليه)) وفي ((أنه))
(١) الإملاء ١٣٩/٢.
(٢) وردت في ((الإِملاء)) من غير ضبط.
(٣) ذكر هذه القراءة العكبريُّ في ((الإملاء)) ١٣٩/٢ وقال: أي: ((يُبْصَرون)). ومِنْ حَقِّ
هذه القراءة أن يذكرها السمين في موضعها.
(٤) الكشاف ٥/٣.
(٥) البحر ٣٥١/٦.
٢٢٧

- الحج -
يعودان على ((مَنْ)) المتقدمةِ. و((مَنْ)) الثانية يجوز أن تكونَ شرطيةً والفَاءُ
جوابُها، وأن تكونَ موصولةً، والفاءُ زائدةٌ في الخبرِ لشَبَّهِ المبتدأ بالشرط.
وفُتِحَتْ ((أنَّ)) الثانيةُ لأنها وما في حَيِّزها في محلُّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوفٍ،
تقديره: فشأنُه وحالُه أنه يُضِلُّه. أو يُقَدَّر ((فَأَنَّه)) مبتدأ، والخبر محذوفٌ أي : فله
أنَّه يُضِلُّه.
الثاني: قال الزمخشري(١): ((ومَنْ فَتَحَ فلأنَّ الأولَ فاعلُ («كُتِب)»، والثاني
عَطْفٌ عليه)). قال الشيخ(٢): ((وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّك إذا جَعَلْتَ ((فأَنَّه)) عطفاً
على ((أَنَّه)) بقيت ((أَنَّه)) بلا استيفاءٍ خبرٍ، لأنَّ ((مَنْ تَوَلَّه) (مَنْ)) فيه مبتدأٌ. فَإِنْ
قَدَّرْتَها موصولةً فلا خبرَ لها حتى تَسْتقلَّ خبراً لـ((أنه)). وإنْ جَعَلْتَها شرطيةً
فلا جوابَ لها؛ إذ جُعِلَتْ (فأنَّه) عَطْفاً على ((أنه)).
قلت: وقد ذهبُ ابنُ عطية (٣) - رحمه الله - إلى مثل قولِ الزمخشري
فإنه قال: ((وأَنَّه)) في موضعِ رفعٍ على المفعولِ الذي: لم يُسَمَّ فاعلُه و ((أَنَّه))
الثانيةُ عطفٌ على الأولى مؤكدةً مثلَها)). وهذا رَدِّ واضحٌ.
وقُرِىء(٤) ((كَتَبَ)) مبنياً للفاعلِ أي: كَتَبَ اللَّهُ. فـ((أنَّ)) وما في حَيِّزها في
محل نصب على المفعول به، وباقي الآية على ما تقدم.
وقرأ(٥) الأعمش والجعفي عن أبي عمرو ((إنه)) ((فإنه)) بكسرٍ الهمزتين.
وقال ابن عطية (٦): (وقرأ أبو عمرٍو ((إِنَّه)) ((فإنه)) بالكسر فيهما))، وهذا يُؤْهم أنَّه
(١) الكشاف ٥/٢.
(٢) البحر ٣٥١/٦.
(٣) المحرر ١١ /١٧٦
(٤) البحر ٣٥١/٦.
(٥) الإتحاف ٢٧١/٢، والبحر ٣٥١/٦.
(٦) لم يَرِدْ هذا النصُّ في مطبوعة ((المحرر الوجيز)) المغربية.
٢٢٨

- الحج -
مشهورٌ عنه وليس كذلك. وفي تخريجِ هذه القراءةِ / ثلاثةُ أوجهٍ ذكرها [٦٤٠/أ]
الزمخشري(١) وهي : أَنْ تکون علی حکایة المكتوبِ کما هو، کأنه قیل: كُتِب
عليه هذا اللفظُ، كما تقول: كُتِبَ عليه: إنَّ الله هو الغني الحميد. الثاني: أن
يكونَ على إضمار ((قيل)). الثالث: أنَّ (كُتِبَ)) فيه معنى قيل. قال الشيخ(٢):
أمَّا تقديرُ ((قيل)) يعني(٣) فيكون ((عليه)) في موضعِ مفعولٍ ما لم يُسَمَّ فاعلُه(٤)
و ((أنه مَنْ تولاه)) الجملةُ مفعولٌ لم يُسَمَّ لـ قيل المضمرة. وهذا ليس مذهبَ
البصريين فإن الجملة(٥) عندهم لا تكون فاعلاً ولا تكون مفعولَ ما لم يُسَمَّ
فاعلُه)) وكأنَّ الشيخَ قد اختارَ ما بدأ به الزمخشريُّ أولاً، وفيه ما فَرَّ منه: وهو أنه
أسندَ الفعلَ إلى الجملةِ فاللازمُ مُشْتَرٌَ. وقد تقدَّم تقريرُ مثلِ هذا في أولِ
البقرة(٦). ثم قال: ((وأمَّا الثاني يعني أنه ضُمِّنَ ((كُتِب)) معنى القول فليس
مذهبَ البصريين لأنَّه لا تُكْسَرُ ((إنَّ)) عندهم إلاّ بعد القول الصريح لا ما هو
بمعناه)».
والضميران في ((عليه)) و((أنه)) عائدان على ((مَنْ)) الأولى كما تقدَّم،
وكذلك الضمائرُ في ((تَوَلاَه) و((فأنه))، والمرفوعُ في ((يُضِلُّه)) و ((يَهْديه))؛ لأنَّ
(مَنْ)) الأول هو المحدَّثُ عنه. والضميرُ المرفوعُ في («تَوَلَّه) والمنصوبُ في
(يُضِلُّه)) و((يَهْدِيه)) عائدٌ على ((مَنْ)) الثانيةِ. وقيل: الضميرُ في ((عليه)) لكلِّ
(١) الكشاف ٥/٣.
(٢) البحر ٣٥١/٦ وقد حدث سقط في هذا الموضع في عبارة ((البحر)) المطبوعة.
(٣) هذا الفعل مقحم. وقوله: ((فيكون)) هو جواب ((أما)). أو أن قوله: ((وهذا ليس
مذهب)) هو جواب أمًّا، على تقدير: فهذا ليس.
(٤) للفعل كُتِب.
(٥)
انظر المسألة في: المغني ٥٥٩.
(٦) انظر: الدر المصون ١٣٦/١.
٢٢٩

- الحج -
شيطانٍ. والضميرُ في (فأنَّه)) للشأن. وقال ابن عطية (١): ((الذي يَظْهَرُ لي أَنَّ
الضميرَ الأولَ في ((أَنَّه)) يعودُ على كل شيطان، وفي ((فأنَّه) يعودُ على ((مَنْ)) الذي
هو المُتَولِّي)).
آ. (٥) قوله: ﴿من البعثِ﴾: يجوزُ أن يتعلَّق بـ (ریب))،
ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ريب. وقرأ (٢) الحسن ((الْبَعَث))
بفتح العينِ. وهي لغةٍ كالطَّرَدِ(٣) والجَلَب(٤) في الطَّرْد والجَلْب بالسكون. قال
الشيخ (٥): ((والكوفيون إسكانُ العينِ عندهم تخفيفٌ [يقيسونه] فيما وسطَّه
حرفُ حلقٍ كالنَّهْرِ والنَّهَر والشّعْرِ والشّعَر، والبَصْريون لا يقيسونه، وما وَرَدّ من
ذلك هو عندهم ممَّا جاء فيه لغتان)) قلت: فهذا يُوْهِمُ ظاهرُه أنَّ الأصلَ الْبَعَث
بالفتح، وإنما خُفِّف، وليس الأمرُ كذلك، وإنما مَحَلُّ النزاع إذا سُمِع الحلقيُّ
مفتوحَ العين: هل يجوزُ تسكينُه أم لا؟ لا أنه كلُّ ما جاء ساكنَ العينِ مِن
الحَلْقِيُّها يُدَّعى أن أصلَها الفتحُ كما هو ظاهرُ عبارتِهِ .
قوله: ((مُخَلَّقةٍ وغيرِ مُخَلَّقةٍ)) العامَّةُ على الجرِّ في ((مُخَلَّقةٍ))، وفي ((غير))،
على النعت. وقرأ(٦) ابن أبي عبلة بنصبهما على الحال من النكرة، وهو قليلٌ
جداً وإن كان سيبويه(٧) قاسه.
(١) المحرر ١٧٧/١١ .
(٢) الإتحاف ٢٧١/٢، والبحر ٣٥٢/٦، والقرطبي ٦/١٢.
(٣) الطرد: الشِّلُّ.
(٤) الجلب: سوق الشيء من موضع إلى آخر.
(٥) البحر ٣٥٢/٦.
(٦) البحر ٣٥٢/٦.
(٧) الكتاب ٣٤٣/١، ٣٧٢.
٢٣٠

- الحج -
والعَلَقَةُ: القطعةُ من الدم الجامدة. وعن بعضهم(١) - وقد سُئل عن
أصعبِ الأشياءِ - فقال: ((وَقْعَ الزَّلَقِ على العَلَق) أي: على دمِ القتلى في
المعركة. والمُضْغَةُ: القطعةُ من اللحمِ قَدْرَ ما تُمضَغُ نحو: الغُرفة والأكْلة
بمعنى: المغروفة والمأكولة. والمُخَلَّقَةُ: المَلْساء التي لا عَيْبَ فيها مِنْ قولهم:
صخرةٌ خَلْقاءُ أي: مَلْساء. وخَلَقْتُ السُّواكِ: سَوَّيْتُه ومَلَسْتُه. وقيل: التضعيفُ
في (مُخَلَّقَة)) دلالةٌ على تكثيرِ الخَلْقِ لأنَّ الإِنسانَ ذو أعضاءٍ متباينةٍ وخُلُقٍ
متفاوتةٍ. قاله الشعبي وقتادة وأبو العالية. وهو معنى حسنٌ.
قوله: ((ونُقِرُّ» العامَّةُ على رفع ((ونُقِرُّ) لأنه مستأنفٌ، وليس علةً لما قبله
فينتصبَ نَسَّقاً على ما تقدَّمه. وقرأ(٢) يعقوب وعاصم(٣) في روايةٍ بنصبه. قال
أبو البقاء(٤): ((على أَنْ يكونَ معطوفاً في اللفظ، والمعنى مختلف؛ لأنَّ اللامَ
في (لِنُبيِّنَ)) للتعليل، واللامَ المقدرةَ مع ((نُقِرُّ)) للصيرورة)) وفيه نظرً؛ لأنَّ قولَه
((معطوفاً في اللفظ)) يَدْفعه قولُه: ((واللامُ المقدرة)) فإنَّ تقديرً اللام يقتضي
النصبَ بإضمارٍ ((أَنْ)) بعدها لا بالعطفِ علی ما قبله.
وعن عاصم (٥) أيضاً (ثم نُخْرِجَكم)) بنصب الجيم. وقرأ(٦) ابن أبي عبلة
((ليبيّنَ ويَقِرُ)) بالياء من تحتُ فيهما، والفاعلُ هو اللَّهُ تعالى كما في قراءة النون.
وقرأ(٧) يعقوب في رواية ((ونَقُرُّ) بفتح النون وضم القاف ورفع الراء، مِنْ قَرَّ الماءَ
(١) انظر: عمدة الحفاظ ٣٧٦، وشرح القول: ((يعني زَلْقَهُ بدم القتلى في المعركة)).
(٢) البحر ٣٥٢/٦، والكشاف ٦/٣.
(٣) في رواية المفضل كما في الشواذ ٩٤.
(٤) الإملاء ١٤٠/٢.
(٥) البحر ٣٥٢/٦.
(٦) البحر ٣٥٢/٦.
(٧) انظر في قراءاتها: البحر ٣٥٢/٦، والشواذ ٩٤.
٢٣١

- الحج -
يَقُرُّه أي: صَبَّه. وقرأ أبو زيد النحوي (ويَقِرَّ) بفتح الياءِ من تحتُ وكسرِ القاف
ونصبِ الراء أي: ويَقِرَّ الله. وهو مِنْ قرَّ الماء إذا صبَّه. وفي ((الكامل))(١)
لابن جبارة ((لِنُبِيِّن وتُقِرَّ ثم نُخْرِجَكم)» بالنصبِ فيهنَّ - يعني وبالنون في
الجميع - المفضل. بالياء فيهما مع النصب(٢): أبو حاتم(٣)، وبالياء والرفع.
عمر بن شبة»(٤) انتهى .
[٦٤٠/ب]
وقال الزمخشري (٥): / ((والقراءةُ بالرفع إخبارٌ بأنه تعالى يُقِرُّ في الأرحام.
ما يشاءُ أَنْ يُقِرَّ)). ثم قال: ((والقراءةُ بالنصب تعليلٌ، معطوفَ على تعلیلٍ .
ومعناه: خلقناكم مُدَرَّجين، هذا التدريجُ لغرضين، أحدهما: أن نبيِّنَ قدرتنا.
والثاني: أَنْ نُقِرَّ في الأرحام مَنْ نُقِرُّ، ثم يُؤْلَدوا ويَنْشَؤوا ويَبْلُغُوا حَدَّ التكليفِ
فَأُكَلِّفَهم. ويَعْضُد هذه القراءةَ قولُه ((ثم لِتَبْلُغُوا أَشْذَّكم)).
قلت: تسميةُ مثلِ هذه الأفعالِ المسندة إلى الله تعالى غَرَضاً لا يجوز.
وقرأ(٦) ابن وثاب ((نشاء)) بكسر النون، وهو كسرُ حرفِ المضارعة، وقد
تقدَّم ذلك في أولِ هذا الموضوعِ (٧).
قوله: ((طِفْلاً)) حالٌ مِنْ مفعول ((نُخْرِجكم))، وإنما وُحِّد لأنَّه في الأصل
(١) الكامل (خ) ٢٢٠
(٢) ((ويُقِرَّ).
(٣) قال: ((عن المفضل)).
(٤) ((ويُقِرُ)). وهو عمر بن شبة أبو زيد النميري البصري. روى عن أبي زيد الأنصاري.
قال عنه أبو حاتم: صدوق. ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ١ /٥٩٢.
(٥) الكشاف ٦/٣.
(٦) البحر ٣٥٢/٦، والقرطبي ١١/١٢.
(٧) انظر: الدر المصون ٦٠/١.
٢٣٢

- الحج -
مصدرٌ كالرِّضا والعَدْل، فيَلْزَمُ الإِفرادُ والتذكيرُ، قاله المبرد (١): إِمَّا (٢) لأنه مرادٌ
به الجنسُ، وإمَّا لأن المعنى: يُخْرِجُ كلَّ واحدٍ منكم نحو: القوم يُشْبعهم رغيفٌ
أي : كلُّ واحدٍ منهم. وقد يطابِقُ به ما يُراد به، فيقال: طفلان وأطفال. وفي
الحديث(٣): ((سئل عن أطفال المشركين)) والطّفْلُ يُطْلَقُ على الولدِ مِنْ حين
الانفصال (٤) إلى البلوغ. وأمَّا الطَّفْل بالفتح فهو الناعم، والمرأة طَفْلة قال(٥):
٣٣٧١ - ولقد لَهَوْتُ بِطَفْلةٍ مَيَّالَةٍ
بَلْهَاءَ تُطْلِعُني على أَسْرارِها
أمّ الطَّفَل بفتح الطاءِ والفاءِ فوقتُ ما بعد العصر، مِنْ قولِهِم: طَفَّلَت
الشمسُ(٦) إذا مالَتْ للغُروب. وأطفلتِ المرأةُ أي: صارت ذاتَ طِفْلٍ .
وقرأت(٧) فِرْقَةٌ (يَتَوَفِّى)) بفتح الياء. وفيه تخريجان، أحدهما: أنَّ الفاعلَ
ضميرُ الباري تعالى أي: يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى، كذا قدَّره الزمخشري (٨). والثاني:
أن الفاعلَ ضميرُ ((مَنْ)) أي: يَتَوَفِّى أجلَه. وهذه القراءةُ كالتي في البقرة ((والذين
یتوفّون منكم»(٩) أي: مدتهم.
(١) انظر: القرطبي ١٢/١٢، والبحر ٣٤٦/٦.
(٢) في الأصل ((وإما)).
(٣) في مسند أحمد ٢٩٤/١ ((كتب إلى ابن عباس يسأله عن ... قتل أطفال
المشركين)).
(٤) أي انفصاله عن أمه وقت ولادته.
(٥) لم أهتد إلى قائله. وهو في اللسان (بله) وعمدة الحفاظ ٣٢٢.
(٦) من باب نصر.
(٧) حكاه أبو حاتم. انظر: الشواذ ٩٤، والبحر ٣٥٣/٦، إعراب النحاس ٣٩٠/٢.
(٨) الكشاف ٦/٣.
(٩) الآية ٢٣٤، وهي قراءة عليّ ورواية المفضل عن عاصم. انظر: الدر المصون
٤٧٨/٢.
٢٣٣

- الحج -
ورُوي(١) عن أبي عمروٍ ونافع أنهما قرآ ((العُمْرِ» بسكون العينِ وهو
تخفيفُ قياسيُّ نحو ((عُنْقَ)) في ((عُنُقَ)).
قوله: ((لِكَيْلا)) متعلقٌ بـ ((يُرَدُّ)). وتقدَّم نظيره في النحل(٢).
و («هامدةً» نصب على الحال لأن الرؤيةَ بصريةٌ. والهُمُود: السكونُ
والخُشُوعِ. وهَمَدَت الأرضُ: يَبِست ودَرَسَتْ. وهَمَذَ الثوبُ(٣): بَلِي. قال
الأعشى (٤):
٣٣٧٢ - قالَتْ قُتَيْلَهُ مَا لِسْمِكَ شاحباً
وأرى ثيابَكَ بالِياتٍ هُمَّدَا
والاهتزازُ: التحرُّكُ، وتُجُوِّز به هنا عن إنباتِ الأرض نباتَها بالماء.
والجمهورُ على ((رَبَتْ)) أي: زادَت، مِنْ رَبا یَرْبُو. وقرأ(٥) أبو جعفر وعبد الله ابن
جعفر وأبو عمروٍ في رواية ((وَرَبَأَت)) بالهمزِ أي ارتفَعَتْ. يقال: رَبَأَ بنفسه عن
كذا أي: ارتفعَ عنه. ومنه الرَّبِيئَةُ وهو مَنْ يَطْلُعُ على موضعٍ عالٍ لينظر للقوم
ما يأتيهم. ويقال له ((رَبِيْءٌ)) أيضاً قال الشاعر(٦):
٣٣٧٣- بَعَثْنَا رَبِيْئاً قبلَ ذلك مُخْمِلاً
كذئب الغَضَىْ يمشي الضَّراء ويَتَّقِي
(١) البحر ٣٥٣/٦، والكشاف ٦/٣.
(٢) الآية ٧٠.
(٣) من باب نصر.
(٤) ديوانه ٢٢٧، والقرطبي ١٣/١٢.
(٥) النشر ٣٢٥/٢، الإتحاف ٢٧١/٢، والبحر ٣٥٣/٦، والقرطبي ١٣/١٢،
والمحتسب ٧٤/٢ .
(٦) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ١٧٢، والقرطبي ١٤/١٢. مخملً: أي: يستر
نفسه ويخفيها: الغضى: شجر يأوي إليه أخبث الذئاب. ومشية الضُّراء: مشية فيها
اختیال وتبختر.
٢٣٤

- الحج -
قوله: ((مِنْ كلِّ زوجٍ)) فيه وجهان، أحدهما: أنه صفةٌ للمفعولِ
المحذوفٍ تقديره: وأنبتَتْ ألواناً أو أزواجاً من كلِّ زَوْج. والثاني: أنَّ ((مِنْ))
زائدة أي: أنبتَتْ كلَّ زوج. وهذا ماشٍ عند الكوفيين والأخفش(١).
والبهيجُ: الحَسَن الذي يُسِرُّ ناظرَه. وقد بَهُجَ - بالضم - بَهَاجَةً وَبَهْجَة
أي: حَسُن. وأبهجني كذا أي: سرَّني بحُسْنه.
آ. (٦) قوله: ﴿ذلك﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه مبتدأ،
والخبرُ الجارُّ بعدَه. والمُشارُ إليه ما تقدَّم مِنْ خَلْقِ بني آدمَ وتطويرهم.
والتقدير: ذلك الذي ذكَرْنا من خلقٍ بني آدم وتطويرهم حاصلٌ بأنَّ اللَّهَ هو
الحق وأنه، إلى آخره. والثاني: أنَّ ((ذلك)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ ذلك.
الثالث: أنَّ((ذلك)) منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ أي: فَعَلْنا ذلك بسببٍ أنَّ الله هو
الحق. فالباء على الأولِ مرفوعةُ المحلِّ، وعلى الثاني والثالث منصوبَتُه .
آ. (٧) قوله: ﴿وأنَّ الساعةَ آتِيَةٌ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه
عطفُ على المجرورِ بالباء أي: ذلك بأنَّ الساعةَ. والثاني: أنه ليس معطوفاً
عليه ولا داخلاً في حَيِّزِ السببية. وإنما هو خبرٌ، والمبتدأ محذوفُ لفَهْمِ
المعنى، والتقدير: والأمرُ أنَّ الساعةَ. و((لا ريبَ فيها)) يُحتمل أَنْ تكونَ هذه
الجملةُ خبراً ثانياً وأن تكونَ حالاً .
آ. (٨) قوله: ﴿ومِنَ الناسَ﴾: جعل ابنُ عطية (٢) هذه الواوّ
للحال فقال: ((وكأنه يقولُ: هذه الأمثالُ في غاية الوضوحِ ، ومن الناس مع ذلك
(١) حيث لا يشترطون دخولها على نكرة وسبقها بنفي أو استفهام. انظر: معاني القرآن
للأخفش ٩٨، ٢٠٩. ومعاني القرآن للفراء ٢٥٦/٢.
(٢) المحرر ١٨٠/١١.
٢٣٥

- الحج-
مَنْ يجادِلُ، فكأن الواوّ واوُ الحال، والآية المتقدمةُ الواوُ فيها واوُ عطف)). قال
الشيخ (١): ((ولا يُتَخَّلُ أنَّ الواوَ في ((ومِن الناس مَنْ يجادِلُ» وأو حال، وعلى
تقديرِ الجملة التي قَدَّرها قبله لو كان مُصَرَّحاً بها فلا تتقدر بـ ((إذ))، فلا تكونُ
للحالِ وإنما هي للعطف)). قلت: ومَنْعُه مِنْ تقديرها بـ ((إذ)) فيه نظرٌ، إذ لو قُدِّر
[٦٤١/أ] لم يلزمْ/ منه محذورٌ.
قوله: ((بغير عِلْمٍ)) يجوز أن يتعلَّق بـ ((يُجادِلُ))، وأَنْ يتعلّقَ بمحذوفٍ
على أنَّه حالٌ مِنْ فاعل ((يجادل)) أي: يجادِلُ ملتبساً بغير عِلْمٍ أي: جاهلاً.
آ. (٩) قوله: ﴿ثانيَ عِطْفِهِ﴾: حالٌ مِنْ فاعلِ ((يُجادل)) أي:
معترضاً، وهي إضافةٌ لفظيةٌ نحو (مُمْطِرُنا))(٢). والعامَّةُ على كسرِ العين وهو
الجانبُ، كَنَى به عن التكُّر. والحسن(٣) بفتح العين، وهو مصدرٌ بمعنى
التعطُّف، وصفه بالقسوةِ.
قوله: ((لِيُضِلَّ)) متعلقٌ: إِمَّا بـ يُجادِلُ))، وإمَّا بـ ((ثانيَ عِطْفِهِ)). وقرأ العامَّة
بضم الياء مِنْ ((يُضِلُّ)) والمفعولُ محذوفٌ أي: لِيُضِلُّ غيرَه. وقرأ(٤) مجاهد
وأبو عمروٍ في روايةٍ بفتحها أي: لَيَضِلَّ هو في نفسه.
۔۔
قوله: ((له في الدنيا خِزْيٌ)) هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حالاً مقارِنَةً أي:
مُسْتحقاً ذلك، وأن تكونَ حالاً مقدرةً، وأن تكونَ مستأنفةً. وقرأ(٥) زيد بن علي
(١) البحر ٣٥٤/٦.
(٢) من الآية ٢٤ من الأحقاف.
(٣) الإتحاف ٢٧١/٢، والبحر ٣٥٤/٦.
(٤) وهي أيضاً قراءة ابن كثير. انظر: النشر ٢٩٩/٢، والتيسير ١٣٤، والحجة ٤٧٢،
والبحر ٣٥٤/٦، والإتحاف ٢٧١/٢ .
(٥) البحر ٣٥٥/٦.
٢٣٦

- الحج -
((وأُذِيْقُه)) بهمزة المتكلم. و((عذاب الحريق)) يجوز أنْ يكون من باب إضافة
الموصوف لصفتِه، إذ الأصلُ: العذاب الحريق أي: المُحْرِقِ كالسَّميع بمعنى
المُسْمِع .
آ. (١٠) قوله: ﴿ذلك بما قَدَّمَتْ﴾: كقوله: ((ذلك
بأنَّ الله))(١). وكذا قوله: ((وأنَّ اللَّهَ)) يجوز عطفُه على السبب. ويجوز أن يكونَ
التقديرُ: والأمرُ أنَّ الله، فيكون منقطعاً عما قبله.
وقوله: ((ظَلَّام)) مثالُ مبالغةٍ. وأنت إذا قلت: ((ليس زيدٌ بظلَّامٍ)) لا يلزمُ
منه نفيُ أصلِ الظلمِ ؛ فإنَّ نَفْيَ الأخصِّ لا يَسْتلزم نَفْيَ الأعمِّ. والجواب: أن
المبالغةَ إنما جِيْءَ بها لتكثيرِ مَحَالَّها فإن العبيدَ جمعٌ. وأحسنُ منه أنَّ فعَّالاً هنا
للنسَبِ أي: [ليس](٢) بذي ظلم لا للمبالغة.
آ. (١١) قوله: ﴿على حَرْفٍ﴾: حالٌ من فاعل ((يَعْبُدُ)) أي:
مُتَزَلْزلاً. ومعنى ((على حرف)) أي: على شك أو على انحرافٍ، أو على طرفٍ
الدين لا في وسطه، كالذي يكونُ في طرف العَسْكَر: إنْ رأى خيراً ثبت وإلاّ
فرَّ.
قوله: ((خَسِرَ)) قرأ العامَّةُ ((خَسِرَ)) فعلًا ماضياً. وهو يحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ :
الاستئنافَ، والحاليةَ مِنْ فاعلِ، ((انقلبَ))، ولا حاجةَ إلى إضمارِ ((قد)) على
الصحيحِ، والبدليةُ مِنْ قولِه («انقلَبَ))، كما أبدل المضارعَ مِنْ مثلِه في قوله:
(يَلْقَ أثاماً، يُضاعَفْ))(٣).
(١) الآية ٦.
(٢) زيادة من (ش).
(٣) الآية ٦٩ من الفرقان.
٢٣٧

- الحج-
وقرأ(١) مجاهدٌ والأعرجُ وابنُ محيصن والجحدري في آخرين ((خاسِرَ))
بصيغة اسم فاعلٍ منصوبٍ على الحال، وهي تؤيدُ كونَ الماضي في قراءةٍ
العامَّةِ حالاً. وقُرِىء برفعهِ. وفيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ فاعِلًا بـ((انقلبَ))
ويكونُ مِنْ وَضْعِ الظاهرِ مَوْضِعَ المضمرِ أي: انقلب خاسرُ الدنيا. والأصلُ:
انقلبَ هو. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو خاسرُ. وهذه القراءةُ تُؤَيِّدُ
الاستئنافَ في قراءةِ المُضِيِّ على التخريج الثاني(٢). وحَقُّ مَنْ قَرَأ ((خاسر)) رفعاً
ونصباً أَنْ يَجُرُّ ((الآخرة) لعطفِها على ((الدنيا)) المجرورة بالإِضافةِ. ويجوز أن
يبقى النصبُ فيها؛ إذ يجوزُ أَنْ تكونَ ((الدنيا)) منصوبةً. وإنما حُذِفَ التنوينُ من
((خاسر)) لالتقاء الساكنين نحو قوله(٣):
٣٣٧٤-
ولا ذاكرَ اللَّهَ إلَّ قليلا
آ. (١٣) قوله: ﴿يَدْعُو ◌َمَنْ ضَرُّه أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِه﴾: فَيْه
عشرةُ أوجه، وذلك أنَّه: إمّا بجَعْلِ ((يَدْعُو) متسلَّطاً على الجملة مِنْ قوله: (لَمَنْ
ضَرُّه أَقْرَبُ مِنْ نَفِعِه)) أو لا. فإنْ جَعَلْنَاه مُتَسَلِّطاً عليها كان فيه سبعةُ أوجهِ،
أحدها: أنَّ(يَدْعُو)) بمعنىْ يَقُوْل، واللامُ للابتداء، و ((مَنْ)) موصولةٌ في محلٌّ
رفعٍ بالابتداء. و((ضَرُّه)) مبتدأ ثانٍ و((أقربُ)) خبرُه. وهذه الجملةُ صلةٌ
للموصول، وخبرُ الموصولِ محذوفٌ تقديرُه: يقول لَلَّذِي ضَرُّه أقربُ من نَفْعِه
إلهٌ أو إلهي أو نحوُ ذلك. والجملةُ كلُّها في محلٌّ نصبٍ بـ ((يَدْعُو)) لأنَّه بمعنى
-
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٧٥/٢، والنشر ٣٢٥/٢، والإتحاف ٢٧٢/٢،
والبحر ٣٥٥/٦.
(٢) كذا في الأصل. والصواب: الأول.
(٣) تقدم برقم ١٧٥١.
٢٣٨

- الحج -
يَقُول، فهي محكيَّةٌ به. وهذا قولُ أبي الحسنِ(١). وعلى هذا فيكون قولُه:
(َبِْسَ المولى)) مستأنفاً ليس داخلاً في المَحْكيِّ قبلَه؛ لأنَّ الكفار لا يقولون في
أصنامِهم ذلك. وقد رَدِّ بعضُهم هذا القول بأنه فاسدُ المعنى، والكافرُ لا يعتقد
في الأصنامِ أنَّ ضَرَّها أقربُ مِنْ نفعِها البتةً.
الثاني: أنَّ(يَدْعُو) مُشَبَّهُ بأفعالِ القلوب؛ لأنَّ الدعاءَ لا يَصْدُرُ إلاّ عن
اعتقادٍ، وأفعال القلوب تُعَلَّق، فـ ((يَدْعُو) مُعَلَّقٌ أيضاً باللام. و((مَنْ)) مبتدأٌ
موصولٌ. والجملةُ بعده صلةٌ، وخبرُه محذوفٌ على ما مَرَّ في الوجهِ قبلَه.
والجملة في محلِّ نصبٍ، كما تكون كذلك بعد أفعالِ القلوب. الثالث: أَنْ
يُضَمِّن يَدْعُو معنى يزعم، فيُعَلَّق كما يُعَلَّقُ، والكلامُ فيه كالكلامِ في الوجهِ
الذي قبله. الرابع: أن الأفعالَ كلّها يجوزُ أَنْ تُعَلَّق قلبيةً كانت أو غيرَها فاللامُ
معلِّقَةٌ لـ ((يَدْعو))، وهو مذهبُ يونسَ. فالجملةُ بعده الكلامُ فيها كما تقدِّم.
الخامس: أنَّ (يَدْعُو)) بمعنى يُسَمِّي، فتكونَ اللامُ مزيدةٌ في المفعولِ
الأولِ وهو الموصولُ وصلتُه، ويكون المفعولُ الثاني محذوفاً تقديرُه: يُسَمِّي
الذي ضَرُّه أقربُ مِنْ نفعِه إلّهاً ومعبوداً ونحو ذلك. السادس: أنَّ اللامَ مُزالَةٌ / [٦٤١/ب]
مِنْ موضِعها. والأصلُ: يَدْعُو مَنْ لَضَرُّه أقربُ. فقُدَّمَتْ مِنْ تأخيرٍ. وهذا قولُ
الفراء (٢). وقد رَدُّوا هذا بأنَّ ما في صلة الموصولِ لا يتقدَّمُ على الموصول.
السابع: أنَّ اللامَ زائدةٌ في المفعول به وهو ((مَنْ)). والتقديرُ: يَدْعُو مَنْ ضَرُّه
أقرب. فـ (مَنْ)) موصولٌ، والجملةُ بعدَها صلتُها، والموصولُ هو المفعولُ
(١) معاني القرآن له ٤١٣/٢. وانظر رَدُّ أبي بكر الأنباري على الأخفش في الوقف
والابتداء ٧٨١.
(٢) معاني القرآن له ٢١٧/٢.
٢٣٩

- الحج -
بـ (يَدْعُو)) زِيْدَتْ فيه اللامُ كزيادتها في قوله ((رَدِفَ لكم))(١) في أحدِ القوليْنِ.
وقد رُدَّ هذا بأنَّ زيادةَ اللامِ إنما تكونُ إذا كان العاملُ فَرْعاً(٢)، أو بتقديم
المعمول(٣). وقرأ (٤) عبد الله «يَدْعُو مَنْ ضَرُّه)» بغيرِ لامِ ابتداءٍ، وهي مؤيدة
لهذا الوجه .
وإنْ لم تجعَلْه(٥) متسلِّطاً على الجملةِ بعدَه كان فيه ثلاثةُ أوجهٍ،
أظهرُها: أنَّ ((يَدْعُو)) الثاني توكيدٌ لـ (يَدْعُو)) الأولِ فلا معمولَ له، كأنه قيل:
يَدْعو يَدْعو مِنْ دونِ الله الذي لا يَضُرُّه ولا ينفعه. وعلى هذا فتكونُ الجملةُ مِنْ
قولِه ((ذلك هو الضلالُ)) معترضةً بين المؤكَّدِ والتوكيدِ؛ لأنَّ فيها تَسْديداً
وتأكيداً للكلام، ويكون قولُه ((لَمَنْ ضَرُّه)» كلاماً مستأنفاً. فتكونُ اللامُ للابتداء
و ((مَنْ)) موصولةٌ، و(ضَرُّه)) مبتدأ و((أقربُ)) خبرُه. والجملةُ صلةٌ، و((لَِّئْسَ))
جوابُ قسمٍ مقدر. وهذا القسمُ المقدرُ وجوابُه خبرُ المبتدأ الذي هو
الموصول .
الثاني: أن يُجْعَلَ ((ذلك)) موصولاً بمعنى الذي. و((هو)) مبتدأ،
و ((الضلالُ)» خبره والجملةُ صلةٌ. وهذا الموصولُ مع صلتِه في محلِّ نصبٍ
مفعولاً بـ ((يَدْعو) أي: يدعو الذي هو الضلالُ. وهذا منقولٌ عن أبي علي
(١) الآية ٧٢ من النمل. مذهب المبرد أنها الزائدة المعترضة بين الفعل المتعدي
ومفعوله، ومذهب غيره أنَّ ((ردف)) ضُمِّنَ معنى اقترب. انظر: المغني ٢٨٥.
(٢) نحو قوله تعالى: ((فَعَّال لما يريد)) وهي لام التقوية المزيدة لتقوية عاملٍ ضَعُف
لكونه فرعاً في العمل. انظر: المغني ٢٨٧ .
(٣) نحو قوله تعالى: ((هدىَّ ورحمةً للذين هم لربهم يَرْهَبون)).
(٤) انظر: القرطبي ٢٠/١٢، ومعاني القرآن للفراء ٢١٧/٢.
(٥) أي: بدعو.
٢٤٠