Indexed OCR Text
Pages 161-180
- الأنبياء - وقوله: ((بل هم)) إضرابٌ عن ما تَضَمَّنه الكلامُ الأول من النفي، إذ التقدير: ليس لهم كالىءٌ ولا مانعٌ غيرُ الرحمنِ. وقرأ(١) الزهري وابن القعقاع(٢) ((يَكْلَوُكم)) بضمةٍ خفيفةٍ دونَ همزٍ. وحكى الكسائي والفراء (٣) ((يَكْلَوْكم)) بفتحِ اللامِ وسكونِ الواو ولم أعرفُها قراءةٌ، وهو قريبٌ من لغةٍ مَنْ يخفِّف ((أكلَتْ الكلا على الكلَوْ)) وقفاً إلاّ أنه أجرى الوصل مُجْرَى الوقف. آ. (٤٣) قوله: ﴿أم لهم ألهةٌ﴾: ((أم)) منقطعةٌ أي: بل ألهم آلهةٌ. وقد تقدم ما فيها. وقوله: ((مِنْ دونِنا)) فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ بـ (تُمْنَعُهم)) قيل: والمعنى: ألهم آلهةٌ تجعلُهم في مَنْعَةٍ وعزَّ. وإلى هذا ذهب الحوفي. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ ((آلهة)) أي: آلهةً من دونِنا تمنعُهم؛ ولذلك قال ابن عباس: ((إنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً). وقوله: ((لا يستطيعون)) مستأنفُ فلا محلَّ له، ويجوز أن يكونَ صفةً لـ (آلهة)) وفيه بُعْدٌ من حيث المعنى . آ. (٤٥) قوله: ﴿وَلا يَسْمَعُ﴾: قرأ ابنُ عامر (٤) هنا ((ولا تُسْمِعُ» بضمُّ التاءِ للخطابِ وكسر الميم، ((الصُّمَّ الدعاءَ)) منصوبين. وقرأ ابنُ كثير بمئتي درهم إلى شهر. فهذه نسيئة انتقلت إلى نسيئة وكل ما أشبه ذلك. ولو كان = قَبَض الطعام ثم باعه منه أو من غيره بنسيئة لم يكن كالئاً بكالىء». (١) البحر ٣١٤/٦. (٢) وهو يزيد بن القعقاع أبو جعفر وتقدمت ترجمته. . (٣) معاني القرآن له ٢٠٤/٢. (٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٢٩، والحجة ٤٦٧، والبحر ٣١٠/٦، والتيسير ١٥٥، والقرطبي ٢٩٢/١١، والنشر ٣٢٣/٢، والشواذ ٩١. ١٦١ - الأنباء - كذلك في النمل(١) والروم(٢). وقرأ باقي السبعة بفتح ياء الغَيْبة والميم (٣)، ((الصُُّّ)) بالرفع، ((الدعاء)) بالنصب في جميع القرآن. وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلَّ أنه بياءِ الغَيْبة وروى عنه ابنُ خالويه(٤). ((ولا يُسْمَعُ)) بياءِ الغيبة مبنياً للمفعول، ((الصُّمُّ» رفعاً، ((الدعاءَ)) نصباً. ورُوي عن أبي عمرو بن العلاء ((ولا يُسْمِعُ)) بضمِّ الياءِ مِنْ تحتُ وكسر الميمِ ((الصُّمَّ)، نصباً ((الدعاءُ)) رفعاً. فأمَّا قراءةُ ابنٍ عامر(٥) وابن كثير فالفاعل فيها ضميرُ المُخاطبِ وهو الرسولُ عليه السلام، فانتصب ((الصُّمَّ) و((الدعاءَ)) على المفعولين، وأَوَّلُهما هو الفاعلُ المعنوي. وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فالفعلُ مسندٌ لـ ((الصُّمَّ)) فانتصب الدعاء [٦٣١/أ] مفعولاً به / وأمَّا قراءةُ الحسنِ(٦) الأولى فَأُسْند الفعلُ فيها إلى ضميرِ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم. وهي كقراءةِ ابنِ عامر في المعنى. وأمَّا قراءتُه الثانيةُ(٧): فإنه أُسْنِدَ الفعلُ فيها إلى ((الصُّمُ)) قائماً مقامَ الفاعلِ، فانتصب الثاني وهو ((الدعاء)). وأمَّا قراءةُ أبي عمرو(٨) فإنه أُسْند الفعلُ فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع، وحُذِف المفعولُ الثاني للعلمِ به. والتقديرُ: ولا يُسْمِعُ الدعاءُ الصّمَّ. (١) الآية ٨٠ (السبعة ٤٨٦) ((ولا يَسْمع الصُّمُّ)). (٢) الآية ٥٢ (السبعة ٥٠٨) ((ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ». (٣) أي وفتح ميم يَسْمَعُ. (٤) الشواذ ٩١. (٥) ((ولا تُسْمِعُ الصُّمُّ الدعاء)). (٦) ((ولا يَسْمَعُ الصمُّ الدعاءَ)). (٧) ((ولا يُسْمَعُ الصُّمُّ الدعاءَ)). (٨) (ولا يُسْمِعُ الصُّمِّ الدعاءُ)). ١٦٢ - الأنبياء - شيئاً البتة. ولَمَّا وصل أبو البقاء إلى هنا قال(١): ((ولا يَسْمَعُ)) فيه قراءاتٌ وجوهها ظاهرة)» ولم يَذْكُرْها. و[قوله]: (إذا)) في ناصِبه وجهان، أحدُهما: أنَّه ((يَسْمَعُ)). الثاني: أنه ((الدعاءُ)) فَأَعمل المصدرَ المعرَّفَ بـ أل، وإذا أعملوه في المفعولِ الصريحِ (٢) ففي الظرفِ أَحْرى. آ. (٤٦) قوله: ﴿نَفْحَةٌ﴾: قال الزمخشري (٣): ((في هذا ثلاثُ مبالغاتٍ: لفظُ المَسِّ وما في النفحِ مِنْ معنى القلَّةِ والنّزَارةِ. يقال: نَفْحَتْه الدابّةُ: رَمَحَتْه رَمْحاً يسيراً. ونَفَحه بعَطيَّةٍ أي: بنائلٍ قليلٍ ، ولبناء المَرَّةِ منه أي: بأدنى إصابة يخضعون. والنَّفْحُ: الخَطْرة. ونَفَحَ له من عطائِه: أي رَضَخَ له بشيءٍ. قال الشاعر (٤): ٣٣٤٣- إذا رَيْدَةٌ من حيث ما نَفَحَتْ له أتاه برَيَّاها خليلٌ يواصِلُةْ و ((من عذاب)) صفةٌ لـ ((نَفْحَة)). ٢. (٤٧) قوله: ﴿القِسْطَ﴾: في نصب (القِسْطَ)) وجهان أحدهما: أنه نعتٌ للموازين، وعلى هذا: فلِمَ أُفْرِد؟ وعنه جوابان، أحدهما: (١) الإملاء ١٣٣/٢. (٢) نحو قول الشاعر: فلم أَنْكُلْ عن الضَّرْبِ مِسْمَعا (٣) الكشاف ٥٧٤/٢. (٤) البيت لأبي حية النميري، وهو في اللسان (ريد)، والخزانة ١٥٢/٣، والعيني ٣٨٦/٣، والدرر ١٨٠/١. والهمع ١٢/١، والبحر ٢٩٤/٦. وريح رَيْدة ورأدة وريدانة أي لينة الهبوب. وريَّاها: رائحتها. ١٦٣ - الأنبياء - أنَّه في الأصلِ مصدرٌ، والمصدر يوحَّد مطلقاً. والثاني: أنَّه على حَذْفٍ مضاف. الوجه الثاني: أنه مفعولٌ من أجله(١) أي: لأجلِ القسطِ. إلَّ أنَّ في هذا نظراً من حيث إن المفعولَ له إذا كان معرَّفاً بأل يَقِلُّ تجرُّده من حرف العلة. تقول: جئتُ للإِكرام، ويَقِلُّ: جئت الإِكرامَ، كقول الآخر(٢): ٣٣٤٤- لا أَتْعُدُ الجبنَ عن الهَيْجاءِ ولو توالَتْ زُمَرُ الأعداءِ وقرىء (٣) ((القِصْطَ)) بالصاد لأجل الطاء، وقد تقدم (٤). قوله: ((ليومِ القيامةِ)) في هذه اللام أوجه، أحدها: قال الزمخشري (٥): ((مثلُها في قولك: جِئْتُ لخمسٍ خَلَوْنَ من الشهر، ومنه بيتُ النابغة(٦). ٣٣٤٥- تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها. لستةِ أعوام وذا العامُ سابعُ والثاني: أنها بمعنى في. وإليه ذهب ابن قتيبة(٧) وابن مالك(٨). وهو رأيُ الكوفيين(٩) ومنه عندهم: ((لا يُجَلِّيها لوقتها [إلَّ هو](١٠)» وكقول مسكين (١) وهو رأي ابن مالك في شرح عمدة الحافظ ٣٩٨. (٢) تقدم برقم ٢٣٦ . (٣) البحر ٣١٦/٦. (٤) انظر: الدر المصون ٦٤/١. (٥) الكشاف ٣٩٨/٢. (٦) تقدم برقم ٣٩٨ أي معنى بَعْدَ. وانظر في وقوع اللام بمعنى بعد: المغني ٢٨١. (٧) لم يَرِدْ هذا التفسير في كتابيه الغريب والمشكل. (٨) لم أقفْ على هذا الرأي له في كتبه التي عدت إليها. (٩) معاني القرآن للفراء ٢٠٥/٢ . (١٠) الآية ١٨٧ من الأعراف. ١٦٤ - الأنبياء - الدارمي (١): ٣٣٤٦- أولئك قومي قد مضَوْا لسبيلهم كما قد مضى مِنْ قبلُ عادٌ وتُبِّعُ وكقول الآخر (٢): ٣٣٤٧ - وكلَّ أبِ وابنٍ وإنْ عُمِّرا معاً مُقِيْمَيْنِ مفقودٌ لوقتٍ وفاقدُ والثالث: أنَّها على بابِها مِنَ التعليل، ولكنْ على حَذْفِ مضاف. أي: لحسابٍ يومِ القيامة. قوله: ((شيئاً) يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً(٣)، وأن يكون مصدراً، أي: شيئاً من الظلم. قوله: ((مِثْقَال)) قرأ(٤) نافعٌ هنا وفي لقمان(٥) برفع ((مِثْقال)) على أنَّ((كان)) تامة، أي: وإنْ وُجِد مثقال. والباقون بالنصب على أنَّها ناقصةٌ، واسمها مضمر أي: وإنَّ [كان] العملُ. و ((مِنْ خَرْدَل)) صفةٌ لِحَبَّة. وقرأ العامَّة ((أَتَيْنَا)) من الإِتيان بقَصْرِ الهمزة أي: جِئْنا بها، وكذا قرأ(٦) ابن مسعود وهو تفسيرُ معنى لا تلاوة. وقرأ ابنُ عباس ومجاهدٌ وسعيد وابن أبي (١) الخزانة ١١٧/٢، والبحر ٣١٦/٦. (٢) لم أهتدٍ إلى قائله. وهو في البحر ٣١٦/٦. (٣) المفعول الأول هو نائب الفاعل ((نفسٌ)). (٤) السبعة ٤٢٩، والنشر ٣٢٤/٢، والتيسير ١٥٥، والبحر ٣١٦/٦، والحجة ٢٤٩. (٥) الآية ١٦ ((إِنْ تَكُ مثقال حبةٍ». (٦) انظر في قراءاتها: البحر ٣١٦/٦، والقرطبي ٢٩٤/١١، والمحتسب ٦٣/٢. ١٦٥ ٠ - الأنبياء - إسحاق والعلاء بن سيابة(١) وجعفرُ بن محمدٍ (آتّيْنا)) بمدِّ الهمزة وفيها أوجهٌ، أحدُها : - وهو الصحيحُ ـ أنه فاعَلْنا من المؤاتاة وهي المجازاةُ والمكافَأَة. والمعنى: جازَيْنا بها، ولذلك تَعَدَّى بالباء. الثاني: أنها مُفاعَلَةٌ من الإِتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أَتَوْه بالأعمال وأتاهم بالجزاءِ، قاله الزمخشري (٢). الثالث: أنه أفْعَل من الإِيتاء. كذا توهَّمَ بعضُهم وهو غلطٌ. قال ابن عطية(٣): ((ولو كان آتَيْنا أعطينا لَما تعدَّى بحرفِ جرّ. ويُؤْمِنُ هذه القراءةً أنَّ بدلَ الواوِ المفتوحةِ همزةً ليس بمعروفٍ، وإنما يُعْرَفُ ذلك في المضمومةِ والمكسورة)) يعني أنَّه كان مِنْ حَقِّ هذا القارىءٍ أَنْ يَقْرَأَ ((واتَيْنا)) مثل واظبْنَا؛ لأنها من المُواتاةِ على الصحيح، فأبدل هذا القارِىءُ الواوَ المفتوحةَ همزةٌ. وهو قليلٌ ومنه أَخَذَ ((واتاه)). وقال أبو البقاء(٤): ((ويُقرأ بالمدِّ بمعنى جازَيْنا بها، فهو يَقْرُبُ مِنْ معنى أَعْطَيْنا؛ لأنَّ الجزاءَ إعطاءٌ، وليس منقولاً مِنْ أَتَيْنا؛ لأن ذلك لم يُنْقَلْ عنهم. وقرأ حميد ((أَثَبْن)) من الثواب. والضمير في ((بها)) عائد على المِثْقال، وأَنَّث ضميرَه لإضافته لمؤنث فهو كقوله(٥) : ٣٣٤٨- كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ منْ الدَّمِ (١) العلاء بن سيابة شيخ الفراء ورد اسمه في الارتشاف ٤٠٨/٢. ولم أقف على ترجمته . (٢) الكشاف ٢ /٥٧٥ . (٣) المحرر الوجيز ١٤١/١١ وكان قد قدّر آتينا في القراءة على معنى واتّيْناه من المواتاة . (٤) الإملاء ١٣٣/٢. (٥) تقدم برقم ٥٤٢. ١٦٦ : - الأنبياء - في اكتسابِهِ بالإِضافةِ التأنيثَ. آ. (٤٨) قوله: ﴿وضياءً وذِكْراً﴾: يجوزُ أن يكونَ من باب عطفِ الصفاتِ، فالمرادُ به شيءٌ واحدٌ أي: آتْناه الجامعَ بين هذه الأشياء. وقيل: الواوُ زائدةً. قال أبو البقاء(١): ((فـ (ضياءً)) حالٌ على هذا))/. [٦٣١/ب] آ. (٤٩) قوله: ﴿الذين يَخْشَوْن): في محلِّه ثلاثةُ الأوجهِ: وهي الجرُّ على النعتِ أو البدلُ أو البيانُ. والرفعُ والنصبُ على القطع (٢) . آ. (٥١) قوله: ﴿رُشْدَه﴾: مفعول ثان. وقرأ العامَّة ((رُشْدَه)) بضم الراء وسكون الشين. وعيسى الثقفي (٣) بفتحِهما. وقد تقدَّم الكلامُ عليهما(٤) . قوله: ((مِنْ قبلُ)) أي: من قبلِ موسى وهارون. وهذا أحسنُ ما قُدِّر به المضافُ إليه. وقيل: من قبلِ بلوغِه أو نبوَّتِه. والضميرُ في (به)) يعودُ على إبراهيم. وقيل: على «رُشْدَه)). آ. (٥٢) قوله: ﴿إِذ قال): يجوزُ أن يكونَ منصوباً بـ ((آتَيْنا)» أو بـ ((رُشْدَه)) أو بعالِمين أو بمضمر أي: اذكر وقت قوله. وجَوَّز أبو البقاء(٥) فيه أن يكونَ بدلاً من موضع قبلُ أي: إنه يَحُلُّ مَحَلَّه فَصِحُّ المعنى، إذ يصير التقديرُ: ولقد آتَيْناه رُشْدَه إذ قال. وهو بعيدٌ من المعنى بهذا التقديرِ. قوله: ((لها)) قيل: اللامُ للعلةِ أي: عاكفون لأجلها. وقيل: بمعنى على (١) الإملاء ١٣٣/٢. (٢) أي خبر لمبتدأ محذوف، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره: أعني. (٣) البحر ٣٢٠/٦. (٤) انظر: الدر المصون ٥٤٧/٢. (٥) الإملاء ١٣٤/٢. ١٦٧ - الأنبياء - أي: عاكفون عليها. وقيل: ضَمَّنَ ((عاكفون))(١) معنى عابدين فلذلك أتى باللام. وقال أبو البقاء(٢): وقيل: أفادت معنى الاختصاص. وقال الزمخشري (٣): ((لم يُنْوِ للعاكفين محذوفاً(٤)، وأَجْراه مُجْرى ما لا يَتَعدَّى كقوله(٥): فاعِلون العكوفَ)). قلت: الأولى أن تكونَ اللامُ للتعليل، وصلةُ ((عاكفون)) محذوفة أي: عاكفون عليها لأجلها لا لشيءٍ آخرَ(٦). والتماثيل: جمع تِمْثال، وهو الصورةُ المصنوعةُ من رُخامٍ أو نحاسٍ أو خَشَبٍ، يُشَبَّه بِخَلْقِ الآدميِّ وغيرِه من الحيوانات. قال امرؤ القيس(٧): ٣٣٤٩- فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ وليلةٍ بآنِسَةٍ كانَّها خَطُّ تمثالٍ آ. (٥٣) قوله: ﴿لها عابدين﴾: ((عابدين)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((وَجَدْنا) و ((لها)) لا تَعَلُّقَ له؛ لأنَّ اللامَ زائدةٌ في المفعول به لتقدُّمه(٨). آ. (٥٤) قوله: ﴿أنتم﴾: تأكيدٌ للضمير المتصلِ. قال الزمخشري (٩): ((وأنتم من التأكيدِ الذي لا يَصِحُّ الكلامُ مع الإِخلالِ به؛ لأنَّ (١) بالرفع على حكاية لفظ الآية. (٢) الإملاء ١٣٤/٢. (٣) الكشاف ٢ / ٥٧٥. (٤) المطبوعة: مفعولاً. (٥) المطبوعة: ((كقولك)) وهي أَوْلى. (٦) وهو رأي الزمخشري نفسه. وقد قال بعدما نقله عنه ((لو قصد التعديةَ لعدَّاه بصلته التي هي على». (٧) تقدم برقم ٢٩٢٢ (٨) وهي لام التقوية، عرَّفها ابن هشام بقوله: ((وهي المزيدة لتقوية عامل ضَعُف)). انظر: المغني ٢٨٦. (٩) الكشاف ٥٧٥/٢ ١٦٨ - الأنبياء - العطفَ على ضميرٍ هو في حكمِ بعضِ الفعلِ ممتنعٌ. ونحوه ((اسْكُنْ أنت وزَوْجُك الجنة))(١). قال الشيخ(٢): ((وليس هذا حكماً مُجْمعاً عليه؛ فلا يَصِحُ الكلامُ مع الإِخلالِ به؛ لأنَّ الكوفيين (٣) يُجيزون العطفَ على الضمير المتصلِ المرفوع من غير تأكيدٍ بالضمير المنفصل ولا فصلٍ. وتنظيرُ ذلكَ بـ ((اسكُنْ أنتَ وزوجُك الجنةَ)) مخالِفٌ لمذهبِه في ((اسْكُنْ أنت وزوجُك)) لأنَّ مذهبَه(٤) يزعم أنَّ ((وزوجُك)) ليس معطوفاً على الضمير المستكنِّ في ((اسكُنْ))، بل مرفوعٌ بفعلٍ مضمر أي: وَلْتَسْكُنْ، فهو عنده من قبيل عطفِ الجمل، وقوله هذا مخالفٌ لمذهبٍ سيبويه(٥)». قلت: لا يَلْزَمُ من ذلك أنه خالفَ مذهبَه، إذ يجوزُ أن يُنَظَّرِ بذلك عند مَنْ يعتقدُ ذلك، وإنْ لم يعتقده هو. و ((في ضَلالٍ)) يجوز أَنْ يكونَ خبراً إنْ كانَتْ ((كان)) ناقصةً، أو متعلقاً بـ ((كنتم)) إن كانَتْ تامةً(٦). آ. (٥٥) قوله: ﴿بالحق): متعلقٌ بـ ((جِئْتَ)). وليس المرادُ به حقيقةَ المجيء؛ إذ لم يكنْ غائباً. و((أم أنت)) ((أم)) متصلةٌ وإنْ كان بعدها جملةٌ لأنها في حكم المفردِ، إذ التقديرُ: أَيُّ الأمرَيْن واقعٌ: مجيئُك بالحقِّ أم لَعِبُك؟ (١) الآية ٣٥ من البقرة. (٢) البحر ٣٢٠/٦. (٣) انظر: الإنصاف ٤٧٤/٢. (٤) بل مذهبه أنَّ ((أنت)) تأكيد للمستكنُّ في ((اسكُنْ)) ليصحّ العطف عليه. الكشاف ٢٧٣/١. (٥) قال سيبوبه: ((وأمَّا ما يقبح أن يَشْرَكَه المُظْهر: فعلتَ وعبدُ الله. فإن نَعَتّْه حَسُن أن يَشْرَكَه المظهرُ. وذلك قولك: ذهبت أنت وزيدٌ)). الكتاب ٣٩٠/١. (٦) لا أرى جواز تمامها لأن التامة تكتفي بمرفوعها، وهذه في الآية ليست كذلك. ١٦٩ - الأنبياء - کقوله(١): ٣٣٥٠- ما أبالي أنّبَّ بالحَزْنِ تَيْسٌ أم جفاني بظهرِ غَيْبٍ لئيمُ وقوله(٢) : ٣٣٥١- لَعَمْرُك مَا أَدْرِي وإن كنتُ دارياً شُعَيْثُ بنُ سَهْمٍ أم شُعَيْثُ بنُ مِنْقَرٍ يريد: أَيُّ الأمرَيْنِ واقع؟ ولو كانَتْ منقطعةً لقُدِّرَتْ بـ بل والهمزةِ، وليس ذلك مُراداً (٣) . آ. (٥٦) قوله: ﴿الذي فَطَرَهُنَّ﴾: يجوز أَنْ يكونَ مرفوعٌ الموضعِ، أو منصوبَه على القطع. والضميرُ المنصوبُ في ((فَطَرَهُنَّ)) للسمواتِ والأرض. قال الشيخ (٤): ((ولَّمَّا لم تكنْ السمواتُ والأرضُ تبلُغُ في العددِ الکثیرِ منه جاء الضميرُ ضميرَ القلة)). قلت: إنْ عَنَى لم يَبْلُغْ كلُّ واحدٍ من السمواتِ والأرض فمُسَلَّم، ولكنه غيرُ مرادٍ بل المرادُ المجموعُ. وإنْ عَنَى لِم يبلُغْ المجموعُ منهما فغيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنه يبلغ أربعَ عشرةَ، وهو في حَدّ جمعِ الكثرةِ، (١) البيت لحسَّان بن ثابت رضي الله عنه، وهو في ديوانه ٤٠، والكتاب ٤٨٨/١ ، والمقتضب ٢٩٨/٣، وأمالي الشجري ٣٣٤/٢، والخزانة ٤ /٤٦١. والشبيب: صوت التیس عند النزو. (٢) البيت للأسود بن يعفر، وهو في الكتاب ٤٨٥/١، والمقتضب ٢٩٤/٣، والخزانة ٤ /٤٥٠، والهمع ١٣٢/٢، والدرر ١٧٥/٢، والشاهد هو حذف الهمزة. والتقدير: اشعیٹ. وليس كما قال السمين. (٣) الأصل ((مراد)» وهو سهو. (٤) البحر ٣٢١/٦. ١٧٠ - الأنبياء - اللهم إِلَّ أَنْ نقولَ: إِنَّ الأرضَ شخصٌ واحدٌ، وليسَتْ بسبعٍ كالسماءِ على ما رآه بعضُهم فَيَصِحُّ له ذلك ولكنه غيرُ مُعَوَّلٍ عليه. وقيل(١): على التماثيل. قال الزمخشري(٢): ((وكونُه للتماثيل أثبتُ لتَضْلِيلِهِم، وأدخلُ في الاحتجاجِ عليهم)). وقال ابن عطية (٣): ((فَطَرَهُنَّ عبارةٌ عنها كأنها تَعْقِلُ، وهذه من حيث لها طاعةٌ وانقيادٌ، وقد وُصِفَتْ في مواضعَ بَوَصْفٍ مَنْ يَعْقِلُ)). وقال غيرُه: ((فَطَرَهُنَّ: أعادَ ضميرَ مَنْ يَعْقِلُ لَّمَّا صَدَرَ منهنّ من الأحوالِ التي تَدُلُّ على أنَّها من قبيلٍ مَنْ يَعْقِلُ؛ فإِنَّ اللَّه تعالى أخبر بقولِه: ((أَتَيْنا طائِعين))(٤). وقوله عليه السلام: ((أَطَّتِ السماءُ وحُقٍّ لها أَنْ تَبِطَّ)(٥). قلت(٦): كأنَّ ابنَ عطيةَ وهذا القائلَ تَوَهَّما أن ((هُنَّ)، من الضمائرِ المختصةِ بالمؤنثات العاقلاتِ، وليس كذلك بل هو لفظً / مشتركٌ بين العاقلاتِ [٦٣٢/أ] وغيرها. قال تعالى: ((منها أربعةٌ حُرُمٌ))(٧). ثم قال تعالى: ((فلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ)). قوله: ((على ذلكم)) متعلقٌ بمحذوفٍ، أو بـ((الشاهدين)) اتساعاً، أو على البيان. وقد تقدَّم نظيرُه نحو: ((لكما لَمِنَ الناصحين))(٨). (١) أي الضمير في ((فطرهُنَّ)). (٢) الكشاف ٥٧٦/٢. (٣) المحرر ١٤٢/١١. (٤) الآية ١١ من فصلت. (٥) رواه ابن ماجه في كتاب الزهد (١٩) باب الحزن والبكاء ١٤٠٢/٢، وأحمد ٠١٧٣/٥ (٦) انظر: البحر ٣٢١/٦. (٧) الآية ٣٦ من التوبة. (٨) الآية ٢١ من الأعراف. وانظر: الدر المصون ٢٧٩/٥. ١٧١ - الأنبياء :ـ آ. (٥٧) قوله: ﴿وتاللهِ﴾: قرأ العامَّة بالتاءِ مثَّاةً من فوقُ. وقرأ(١) معاذ بن جبل(٢) وأحمد بن حنبل(٣) بالباء موحدة. قال الزمخشري (٤). (فإن قلتَ: ما الفرقُ بين الباءِ والتاءِ؟ قلت: الباءُ هي الأصلُ، والتاءُ بدلٌ من الواوِ المُبْدَلِ منها، وإنَّ التاءَ فيها زيادةُ معنىًّ، وهو التعجبُ، كأنه تَعَجَّبَ من تسهيلِ الكيدِ على يدِه وتَأَتِّيه)). أمَّ قولُه: ((إن الباءَ هي الأصلُ)) فيدلُّ على ذلك تَصَرُّفُها في الباب، بخلافِ الواوِ والتّاءِ، وإن كان السهيليُّ قد رَدَّ كونَ الواوِ بدلاً منها . وقال الشيخ (٥): (النظرُ يقتضي أنَّ كلّ منها أصلُ. وأمّا قولُه «التعجبُ)) فنصوصُ النَّحْويين أنه يجوزُ فيها التعجبُ(٦) وعدمُه، وإنما يلزمُ ذلك مع اللامِ کقوله(٧) : ٣٣٥٢- للَّهِ يَبْقى على الأيَّامِ ذوحِيَدٍ بمُشْمَخِرّ به الظّانُ والآسُ و ((بعدَ)) منصوبٌ بـ ((لَكِيْدَنَّ)). و((مُدْبرين)) حالٌ مؤكّدةٌ، لأنَّ ((تُوَلُوا)» (١) البحر ٣٢١/٦. (٢) معاذ بن جبل صحابي، من كبار علماء الصحابة، بعثه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قاضياً لأهل اليمن. وكان أحد الستة الذين جمعوا القرآن، وشهد المشاهد. توفي سنة ١٨. انظر: سير الأعلام ٤٤٣/١. (٣) هو الإِمام أحمد بن محمد بن حنبل، أحد الفقهاء الأربعة شمائله كثيرة. له المسند، والمناسك، والزهد، امتنع عن القول بخلق القرآن فامتحن. توفي سنة ٢٤١. انظر: سير الأعلام ١٧٧/١١ . (٤) الكشاف ٥٧٦/٢. (٥) البحر ٣٢٢/٦. (٦) أي مع التاء. (٧) لم يرد البيت في البحر. وتقدم برقم ٤٠. ١٧٢ - الأنبياء- تُفْهِمُ معناها. وقرأ العامَّة ((تُولُّوا)) بضم التاءِ واللامِ مضارعَ ((ولَّى)) مشدداً. وقرأ(١) عيسى بن عمر ((تَوَلَّوا)) بفتحِهما مضارعَ ((تولَّى)) والأصل (تَتَوَلُّوا)) فحذف إحدى التاءين: إمَّا الأولى على رأي هشام، وإمّا الثانية على رأي البصريين. ويَنْصُرُها قراءةُ الجميع ((فَتَوَلَّوْا عنه مُدْبرين))(٢) ولم يقرأ أحدٌ ((فَوَلَّوْا) وهي قياسُ قراءةِ الناس هنا. وعلى كلتا القراءتين فلامُ الكلمةِ محذوفٌ وهو الياءُ لأنه مِنْ ولي . ومتعلَّقُ هذا الفعلِ محذوفٌ تقديرُه: تُوَلُّوا إلى عيدكم، ونحوُه. آ. (٥٨) قوله: ﴿جُذَاذاً﴾: قرأ العامَّة ((جُذاذا) بضمِّ الجيم. والكسائيُّ(٣) بكسرِها، وابن عباس وأبو نهيك وأبو السَّمَّال بفتحِها. قال قطرب: هي في لغاتها كلَّها مصدرٌ فلا يثَّى ولا يُجمع ولا يؤنَّثُ. والظاهرُ أن المضمومَ اسمٌ للشيءِ المكسِّرِ كالحُطام والرُّفات والفُتاتِ بمعنى الشيء المحطّمِ والمفتَّتِ. وقال اليزيديُّ: ((المضمومُ جمعُ جُذاذة بالضم نحو: زُجاج في زجاجة، والمكسورُ جمع جَذیذ نحو: کِرام في کریم». وقال بعضُهم: المفتوحُ مصدرٌ بمعنى المفعولِ أي: مَجْذُوذين. ويجوز على هذا أن يكونَ على حَذْفٍ مضافٍ أي: ذوات جُذاذ. وقيل: المضمومُ جمع جُذاذَة بالضمِّ، والمكسورُ جمع چِذاذة بالکسر، والمفتوحُ مصدرٌ. وقرأ ابن وثاب ((جُذُذاً) بضمَّتين دونَ ألفٍ بين الذَّالَيْن، وهو جمع جَذِيذ كَقَليب وقُلُب(٤). وقُرِىء بضمُّ الجيم وفتحِ الذال. وفيها وجهان، أحدهما: (١) البحر ٣٢٢/٦، والشواذ ٩٢. (٢) الآية ٩٠ من الصفات. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٢٩، والنشر ٣٢٤/٢، والحجة ٤٦٨، والتيسير ١٥٥، والبحر ٣٢٢/٦، والقرطبي ٢٩٧/١١، والشواذ ٩٢. (٤) القليب: البئر قبل أن تُطْوى. ١٧٣ - الأنبياء- أن يكونَ أصلُها ضمتين، وإنما خُفِّف بإبدال الضمةِ فتحةً نحو: سُرَر وذُلَل في جمع سَرير وذّليل، وهي لغةٌ لبني كُلْب. والثاني: أنه جمع ◌ُذَّة نحو: فُتَتَ في فُتَّة، ودُرَر في دُرَّة. والجَدُّ: القطعُ والتكسير، وعليه قوله(١): ٣٣٥٣- بنو المهلبِ جَدَّ اللَّهُ دابِرَهُمْ أَمْسَوْا رَماداً فلا أَصْلٌ ولا طَرَفُ وقد تقدَّم هذا مستوفىِّ في هود(٢). وأتى بـ((هم)) وهو ضميرُ العقلاءِ معاملةً للأصنام معاملةً العقلاءِ، حیث اعتقدوا فيها ذلك. قوله: ((إلّ كبيراً) استثناءٌ من المنصوب في ((فَجَعَلهم))، أي: لم يكسِرْه بل تركه. و((لهم)) صفةٌ له، والضمير يجوز أن يعود على الأصنام. وتأويلُ عودٍ ضميرٍ العقلاءِ عليها تقدَّم. ويجوز أن يكون عائداً على عابديها. والضميرُ في ((إليه)) يجوز أن يعود إلى إبراهيم أي: يَرْجِعون إلى مقالته حين يظهر لهم الحقُّ، ويجوزِ أَنْ يكونَ عائداً على الكبير، وبكلٍ قِيل. آ. (٥٩) قوله: ﴿مَنْ فَعَلَ﴾: يجوز في ((مَنْ)) أن تكونَ استفهاميةٌ. وهو الظاهر. فعلى هذا تكونُ الجملةُ مِنْ قولِه ((إنَّه لمِن الظالمين» استئنافاً لا محلّ لها من الإعراب، ويجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي، وعلى هذا فالجملةُ من ((إنَّه)) في محلِّ رفع خبراً للموصولِ . والتقديرُ: الذي فَعَلَ هذا بآلهتنا إنه. (١) البيت لجرير وهو في ديوانه ٣٩٠، ومجاز القرآن ٤٠/٢. (٢) انظر: الدر المصون ٣٩٥/٦. ١٧٤ - الأنبياء - آ. (٦٠) قوله: ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾: في هذه الجملةِ [وجوهٌ] أحدُها: أنَّ ((سمع)) هنا تتعدَّى لاثنين لأنها متعلقةٌ بعين، فيكونُ ((فتىَّ)) مفعولاً أول، و ((يَذْكُرُهم)) هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ / مفعولاً ثانياً، ألا ترى أنّك لوقلت: ((سمعتُ زيداً)) وسكتُّ لم يكن كلاماً بخلافٍ سمعت قراءته وحديثَه. والثاني : أنَّها في محلّ نصب أيضاً صفةً لإِبراهيم، قال الزمخشري(١): ((فإن قلتَ: ما حكمُ الفعلَيْن بعد ((سمعنا)) وما الفرقُ بينهما؟ قلت: هما صفتان لـ ((فَتَّىَّ))؛ إلّا أنَّ الأولَ وهو «يَذْكُرهم)» لا بُدَّ منه لـ «سَمِعَ»؛ لأنك لا تقول: سمعت زيداً، وتسكتُ، حتى تذكرَ شيئاً مِمَّا يُسْمع، وأمَّا الثاني فليس كذلك)). [٦٣٢/ب] قلت: هذا الذي قاله لا يتعيِّنُ؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ((سَمِعَ)) إنْ تعلَّقَتْ بما يُسْمع نحو («سمعت مقالةً بكرٍ)) فلا خلاف أنها تتعدَّى لواحدٍ، وإن تَعَلَّقَتْ بما لا يُسْمَع فلا يُكتفى به أيضاً بلا خلافٍ؛ بل لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شيءٍ يُسْمَعُ فلو قلت: ((سمعتُ زيداً)) وسَكَتَّ، أو («سمعتُ زيداً يركبُ)) لم يَجُزْ. فإنْ قلتَ: سمعتُه يَقْرأْ صَحَّ. وجرى في ذلك خلافٌ بين النحاةِ، فأبو علي يجعلُها متعديةً لاثنين ولا يَتَمَشَّى عليه قولُ الزمخشري، وغيرُهُ يَجْعلها متعديةً لواحد، ويجعلُ الجملةَ بعد المعرفةِ حالاً، وبعد النكرةِ صفةً، وهذا أراد الزمخشري . قوله: ((إبراهيمُ)) في رفع ((إبراهيمُ)) أوجهٌ أحدُها: أنه مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه أي: قال له هذا اللفظَ، ولذلك قال أبو البقاء(٢): ((فالمرادُ الاسمُ لا المُسَمَّى» وفي هذه المسألةِ خلافٌ بين النحويين: أعني تَسَلُّطَ القولِ على المفردِ الذي لا يؤدي معنى جملة، ولا هو مقتطعٌ من جملة، ولا هو مصدرٌ لـ ((قال))، ولا هو صفةٌ لمصدرِه نحو: قلتُ زيداً، أي: قلت هذا اللفظ، (١) الكشاف ٥٧٦/٢. (٢) الإملاء ١٣٤/٢. ١٧٥ - الأنبياء - فاختاره جماعة كالزجاجيِّ والزمخشريِّ وابنٍ خروف وابنٍ مالك، ومنعه آخرون. وممّن اختارَ رفِعَ ((إبراهيمُ)) على ما ذكرْتُ الزمخشريْ(١) وابنُ عطية(٢). أمَّا إذا كان المفردُ مؤدياً معنى جملةٍ كقولهم: قلتُ خطبةً وشعراً وقصيدةٌ، أو اقْتُطِع من جملة كقوله(٣): ٣٣٥٤- إذا ذُقْتُ فاها قلت طعمُ هُدامَةٍ مُعَتَّقَةٍ مِمَّا يجِيءُ به النُّجُرْ أو كان مصدراً نحو: قلتُ قولاً، أو صفةٌ له نحو: قلتُ حقاً أو باطلاً، فإنَّه يَتَسَلَّطُ عليه. كذا قالوا، وفي قولهم ((المفردُ المقتطعُ من الجملة)) نظرٌ لأن هذا لم يَتَسَلَّطْ عليه القولُ، إنما يتسلَّطُ على الجملةِ المشتملةِ عليه. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: يقال له: هذا إبراهيمُ، أو هو إبراهيمُ. الثالث: أنه مبتدأً محذوفُ الخبر أي: يقال له: إبراهيمُ فاعلٌ ذلك. الرابع: أنّه منادى وحرف النداءِ محذوفٌ أي: يا إبراهيمُ، وعلى الأوجه الثلاثةِ فهو مقتطعٌ من جملةٍ، وتلك الجملةُ مَحْكِيَّةٌ بِيُقال. وقد تقدَّم تقريرُ هذا في البقرة عندَ ((وقولوا حِطَّةٌ)) (٤) رفعاً ونصباً. وفي الأعرافِ عند قولِه ((قالوا مَعْذِرَةً))(٥) رفعاً ونصباً. والجملةُ من ((يُقال له)) يُحتمل أَنْ تكونَ مفعولاً آخرَ نحو قولك: ((ظننتُ (١) الكشاف ٢ / ٥٧٦ - ٥٧٧. (٢) المحرر ١٤٤/١١ (٣) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ١١٠، والهمع ١٥٧/١، والدرر ١٣٨/١، واللسان (تجر)، والمدامة: الخمر القديمة. والتجر: التجار. (٤) الآية ٥٨ من البقرة، وانظر: الدر المصون ٣٧٣/١. (٥) الآية ١٦٤ من الأعراف، وانظر: الدر المصون ٤٩٤/٥. ١٧٦ - الأنبياء - زيداً كاتباً شاعراً)) وأن تكون صفةً على رأيِ الزمخشريِّ ومَنْ تابعه، وأَنْ تكونَ حالاً مِنْ ((فتى)). وجاز ذلك لتخصّصِها بالوصف. آ. (٦١) قوله: ﴿على أَعْيُنُ﴾: في محلٌ نصبٍ على الحال من الهاء في ((به)) أي: اثْتُوا به ظاهراً مكشوفاً بمَرْأَىٌّ منهم ومَنْظَرٍ. قال الزمخشري(١): ((فإن قلتَ: ما معنى الاستعلاء في ((على))؟ قلت: هو وارِدٌ على طريقِ المثلِ أي: يَثْبُتُ إتيانُه في الأعين ويتمكّنُ ثباتَ الراكبِ على المركوبِ وتمگنّه منه)». آ. (٦٢) قوله: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ﴾: في ((أنت)) وجهان، أحدهما: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّرُه الظاهرُ بعدَه. والتقدير: أفعلت هذا بآلهتنا، فلمّا حُذِفَ الفعلُ انفصَلَ الضميرُ. والثاني: أنه مبتدأً، والخبرُ بعده الجملةُ. والفرقُ بين الوجهين من حيثُ اللفظُ واضحٌ: فإنَّ الجملةَ مِنْ قوله ((فَعَلْتَ)) الملفوظِ بها على الأولِ لا محلٌّ لها لأنها مُفَسّرةٌ، ومحلُّها الرفعُ على الثاني، ومن حيث المعنى: إن الاستفهامَ إذا دَخَلَ على الفعلِ أَشْعَرَ بأن الشَّكَّ إنما تعلّق به: هل وقع أم لا؟ من غيرِ شكٍ في فاعلِه. وإذا دخل على الاسم وقع الشكُّ فيه: هل هو الفاعلُ أم غيرُه، والفعلِ غيرُ مشكوك في وقوعه، بل هو واقعٌ فقط. فإذا قلت: (أقام زيدٌ))؟ كان شكُّك في قيامِه. وإذا قلتَ: ((أزيدُ قام)) وجعلتَه مبتدأً كان شكُّكَ في صدورِ الفعل منه أم من عمروٍ. والوجه الأولُ هو المختارُ عند النحاةِ لأنَّ الفعلَ تقدَّم ما يطلبُه وهو أداةُ الاستفهام. آ. (٦٣) قوله: ﴿بل فَعَلَه﴾: هذا الإضرابُ عن جملةٍ محذوفةٍ تقديرُه: لم أفعَلْه، إنما الفاعلُ حقيقةً اللَّهُ تعالى، بل فعله. وإسنادُ الفعلِ إلى ((كبيرهم)) مِنْ أبلغ / المعاريض. [١/٦٣٣] (١) الكشاف ٥٧٧/٢. ١٧٧ - الأنبياء - قوله: ((هذا)) فيه ستةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ نعتاً لـ ((كبيرُهم))(١)، الثاني: أن يكونَ بدلاً من ((كبيرُهم)). الثالث: أن يكونَ خبراً لـ ((كبيرهم)» على أنَّ الكلامَ يَتِمُّ عند قوله ((بل فعله))، وفاعل الفعل (٢) محذوفٌ، كذا نقلُه أبو البقاء(٣)، وقال: ((وهذا بعيدٌ لأنَّ حَذْفَ الفاعلِ لا يَسُوغ))، قلت: وهذا القولُ يُعْزَىْ للكسائي، وحينئذٍ لا يَحْسُن الردُّ عليه بحذفِ الفاعلِ فإنه يُجيز ذلك ويلتزمُه، ويجعلُ التقديرَ: بل فعله مَنْ فعله. ويجوزُ أَنْ يكونَ أراد بالحذفِ الإِضمارَ لأنه لَّمَّا لم(٤) يُذكر الفاعلُ لفظاً سُمِّ ذلك حَذْفاً. الرابع: أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ ((فتى)». الخامس: أن يكون الفاعلُ ضميرٌ (إبراهيمُ)). وهذان الوجهان يؤيِّدان ما ذكَرْتُ من أنه قد يكون مرادُ القائِلِ. بحذفِ الفاعل إنما هو الإِضمارُ. السادس: أنَّ ((فَعَلَه)) ليس فعلاً، بل الفاء حرف عطف دخلَتْ على ((عَلَّ)) التي أصلها (لعلَّ)) حرفَ تَرَجٌ. وَحَذْفُ اللام. الأولى ثابتٌ، فصار اللفظُ فَعَلَّه أي فَلَعَلَّه، ثم حُذفت اللامُ الأولى وخُفِّقْتَ الثانيةُ. وهذا يُعْزَى للفِراءِ(٥) . وهو قولٌ مرغوبٌ عنه وقد اسْتَدَلَّ على مذهبِه بقراءةِ ابنِ السَّمَّيْفَع(٦) ((فَعَلَّه)) بتشديدِ اللام وهذه شاذَّةً، لا يُرْجَعُ بالقراءة المشهورة إليها، وكأن الذي حَمَلَهم على هذا خفاءُ وجهِ صدورِ هذا الكلامِ من النبيِّ عليه السلام. - -- (١) على تأويل الجامد بمشتق أي: كبيرهم المشار إليه. (٢) الأصل («الفاعل» وهو سهو والتصحيح من (ش). (٣) قدَّره بقوله: فعله مَنْ فعله. انظر: الإملاء ١٣٥/٢. (٤) سقطت ((لم)) سهواً من الأصل. (٥) نقله الفراء عن بعض الناس، معاني القرآن ٢٠٦/٢. (٦) القرطبي ٣٠٠/١١، والبحر ٣٢٥/٦. ١٧٨ - الأنبياء - قوله: ((إنْ كانوا يُنْطِقُون)) جوابُه محذوفُ لدلالة ما قبلَه. ومَنْ يجوِّزْ التقديمَ يجعلْ ((فاسألوهم)» هو الجوابَ. آ. (٦٥) قوله: ﴿ثم نُكِسُوا على رؤوسِهم﴾: قرأ العامَّةُ ((نُكِسُوا)) مبنياً للمفعول مخففةَ الكاف أي: نَكَسَهم اللَّهُ أو خَجَّلهم. و((على رؤوسهم)) حالٌ أي: كائنين على رؤوسهم. ويجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ الفعل. والنَّكْسُ والتَّنْكيسُ: القَلْبُ يقال: نَكَس رأسَه ونَكَّسه مخففاً ومشدداً أي: طَأطأه حتى صار أعلاه أسفله. وقرأ(١) أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن الجارود(٢) وابن مقسم (نُكِّسوا)) بالتشديد. وقد تقدَّم أنه لغةً في المخفف، فليس التشديدُ لتعديةٍ ولا تكثيرٍ. وقرأ رضوان بن عبد المعبود (نَكَسُوا)) مخففاً مبنياً للفاعل، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: نَكَسوا أنفسَهم على رؤوسهم . قوله: ((لقد عَلِمْتَ)) هذه الجملةُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، والقسمُ وجوابُه معمولان لقولٍ مضمرٍ، وذلك القولُ المضمرُ حالٌ من مرفوع ((نُكِسُوا)) أي: نُكِسُوا قائلين واللَّهِ لقد علمتَ. قوله: ((ما هؤلاءِ يَنْطِقُون)) يجوز أَنْ تكونَ ((ما)) هذه حجازيةٌ فيكون ((هولاء))(٣) اسمَها و ((يَنْطِقُون)) في محلِّ نصب خبرَها، أو تميميةً فلا عملَ لها. والجملةُ المنفيةُ بأَسْرِها سادَّةً مَسَدَّ المفعولَيْنِ، إن كانت ((عَلِمْتَ)) على بابِها، ومَسَدَّ واحدٍ إِن كانَتْ عِرْفانية. (١) انظر في قراءاتها: البحر ٣٢٥/٦، الشواذ ٩٢. (٢) عبد الحميد بن المنذر. (٣) الأصل ((هو)). ١٧٩ - الأنبياء :- آ. (٦٧) وقد تقدَّم الكلامُ على ((أف)) في سبحان(١) ولغاتها. واللام في ((لكم)) وفي ((لِما)) لإِمُ التبيينِ أي: التأفيفُ لكم لا لغيرِكم وهي نظيرةُ ((هَيْت لك)»(٢) . آ. (٦٩) قوله: ﴿بَرْداً﴾: أي: ذاتَ بَرْد. والظاهر في ((سلاماً)) أنه نَسَقٌ على ((بَرْدا) فيكونُ خبراً عن ((كُوني)). وجَوَّز بعضُهم أن ينتصِبَ على المصدرِ المقصودِ به التحيةُ في العُرْفِ. وقد رُدَّ هذا بأنَّه لو قُصِد ذلك لكان الرفعُ فيه أَوْلَى نحو قولٍ إبراهيم: ((سلامٌ)» (٣). وهذا غيرُ لازم ؛ لأنه يجوزُ أَنْ يأتيَ القرآنُ على الفصيحِ والأفصحِ. ويَدُلُّ على ذلك أنه جاء منصوباً، والمقصودُ به التحيةُ نحو قول الملائكة: ((قالوا سلاماً))(٤). وقوله ((على إبراهيم)) متعلق بنفس ((سلام)) إنْ قُصِد به التحيةُ. ويجوزُ أن يكونَ صفةً فيتعلَّقَ بمحذوفٍ. وعلى هذا فيُحْتمل أَنْ يكونَ قد حَذَف صفةً الأول لدلالةِ صفةٍ الثاني عليه تقديرُه: كوني بَرْداً عليه وسلاماً عليه. آ. (٧١) قوله: ﴿ولُوْطاً﴾: يجوز فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكون معطوفاً على المفعولِ قبلَه، والثاني: أن يكونَ مفعولاً معه. والأولُ أَوْلى. وقوله: ((إلى الأرض)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يتعلَّق بِنَجَيْناه على أن يُضَمِّنَ معنى أخرَ جِناه بالنجاة. فلمَّا ضُمِّنَّ معنى أخرج تعدَّى تعديتهِ. [٦٣٣/ب] والثاني: أنه لا تضمينَ فيه، وأنَّ حرفَ الجرِّ يتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنه/ حالٌ من الضمير في ((نَجَّيْناه)) أي: نَجَيْناه مُنْتَهياً إلى الأرض. كذا قدَّره الشيخ(٥). وفيه (١) انظر: إعرابه للآية ٢٣ من الإسراء. (الدر المصون ٣٤١/٧). (٢) الآية ٢٣ من سورة يوسف. (٣) الآية ٦٩ من سورة هود. (٤) الآية ٦٩ من سورة هود. (٥) البحر ٣٢٩/٦. ١٨٠