Indexed OCR Text
Pages 141-160
- الأنبياء - ويقال: حَسَر البعيرُ، وحَسَرْته أنا، فيكون لازماً ومتعدياً. وأَحْسَرْتُه أيضاً. فيكون فَعَل وأُفْعَلَ بمعنىَّ في أحدٍ وجهَيْ فَعَل. قال الزمخشري(١): (((الاستسحارُ مبالغةً في الحُسورِ. فكان الأبلغُ في وصفِهم أَنْ ينفيَ عنهم أَدْنی الحُسورِ. قلت: في الاستحسارِ بيانُ أنَّ ما هُمْ فيه يوجب غايةَ الحُسور وأقصاه، وأنَّهم أَحِقَّاءُ لتلك العباداتِ الباهظة بأَنْ يَسْتَحْسِروا فيما يَفْعلون)» وهو سؤالٌ حسنٌ وجوابٌ مطابق . آ. (٢٠) قوله: ﴿يُسَبِّحون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً من الفاعل في الجملةِ قبلَه. و((لا يَفْتُرون)) يجوز فيه الاستئنافُ والحالُ من فاعلٍ (يُسَبِّحون)). آ. (٢١) قوله: ﴿أم النَّخذوا﴾: هذه ((أم)) المنقطعةُ، فتقدَّرُ بـ بل التي لإضرابِ الانتقال، وبالهمزة التي معناها الإِنكار. و(«اتّخذ)) يجوزُ أَنْ يكونَ بمعنىُ صَنَّع، فتتعلَّقَ ((مِن)) به. وجَوَّز الشيخُ(٢) أن يكونَ بمعنى صَيّر التي في قوله: ((واتَّخذ اللَّهُ إبراهيمَ خَليلا))(٣) قال: ((وفيه معنى الاصطفاءِ والاختيارِ)). و((من الأرض)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بالاتخاذ كما تقدَّم، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها نعتٌ لـ ((آلهة)) أي: مِنْ جنسِ الأرض. قوله: ((هم يُنْشِرُون)) جملةٌ في محلٌّ نصبٍ صفةً لآلهة. وقرأ العامَّةُ (يُنْشِرون)) بضمُّ حرفِ المضارعة مِنْ أَنْشَر. وقرأ(٤) الحسن بفتحها وضم الشين يُقال: أَنْشَر اللَّهُ الموتىْ فَنَشَروا، ونَشّر يكون لازماً ومتعدياً. (١) الكشاف ٥٦٦/٢. (٢) البحر ٣٠٤/٦. (٣) الآية ١٢٥ من النساء. (٤) الإتحاف ٢٦٢/٢، والقرطبي ٢٧٨/١١، والبحر ٣٠٤/٦. ١٤١ - الأنبياء - آ. (٢٢) قوله: ﴿إِلَّ اللَّهُ﴾: ((إلاّ) هنا صفةٌ للنكرة قبلها بمعنى ((غَيْر)). والإِعرابُ فيها متعذُّر، فَجُعِل على ما بعدها. وللوصفِ بها شروطٌ منها: تنكيرُ الموصوفِ، أو قُرْبُه من النكرة بأَنْ يكونَ معرفاً بأل الجنسية. ومنها أَنْ يكونَ جمعاً صريحاً كالآية، أو ما في قوةِ الجمعِ كقوله(١): ٣٣٣٤- لو كان غيري سُلَّيْمى اليومَ غَيَّره وَقْعُ الحوادثِ إلَّ الصارمُ الذِّكْرُ فـ ((إلّ الصارِمُ)) صفةٌ لغيري لأنه في معنى الجمع(٢). ومنها أَنْ لا يُحْذَفَ موصوفُها عكسَ ((غير)). وقد أَنْقَنَّا هذا كلَّه في ((إيضاحِ السبيل إلى شرح التسهيل)» فعليك به. وأنشد سيبويه على ذلك قولَ الشاعر(٣): أخٍ مُفارِقُه أُخُوهِ ٣٣٣٥ - وكلُّ لَعَمْرُ أبيكَ إلّ الفرقدانِ أي: وكلُّ أخٍ غَيرُ الفرقدين مفارِقُه أخوه. وقد وقع الوصفُ بـ إلّ كما وقع الاستثناء بـ (غير))، والأصلُ في ((إلَ)) الاستثناءُ وفي ((غير)) الصفةٌ. وَمِن مُلَحِ كلامِ أبي القاسم الزمخشري (٤): ((واعلم أنَّ ((إِلَّ)) وغير يَتَقَارضان)). ولا يجوزُ أَنْ ترتفعَ الجلالةُ على البدل مِنْ ((آلهة» لفسادِ المعنى. قال (١) البيت للبيد وهو في ديوانه ٦٢، والكتاب ٣٧٠/١ .. (٢) قال ابن هشام في المغني ١٠٠ ((ومقتضى كلام سيبويه أنه لا يُشترط كون الموصوف جمعاً أو شبهه لتمثيله بـ ((لو كان معنا رجلٌ إلَّ زِيدٌ لِغُلِبْن))). (٣) تقدم برقم ٥٧٩. (٤) ورد هذا القولُ للزمخشري في كتابه ((المفصَّل)). انظر: شرح ابن يعيش على المفصل ٨٨/٢. ومعنى التقارض أن كل واحد منهما يأخذ من الآخر حكماً يختص به . ١٤٢ - الأنبياء - الزمخشري(١): ((فإن قلت: ما مَنَعك من الرفع على البدل؟ قلت: لأنَّ (لو)) بمنزلةِ ((إِنْ)) في أنَّ الكلامَ معها موجَبٌ، والبدلُ لا يَسُوغ إلَّ في الكلامِ غيرٍ الموجبِ كقوله تعالى: ((ولا يَلْتَفِت منكم أحدٌ إلَّ امرأتُك))(٢) وذلك لأنَّ أعمّ العامِّ يَصِحُ نفيُهُ ولا يَصِحُ إيجابُه)). فجعل المانعَ صناعياً مستنداً إلى ما ذُكِرٍ مِنْ عدم صحةِ إيجاب أعمِّ العام. وأحسنُ مِنْ هذا ما ذكره أبو البقاء(٣) مِنْ جهة المعنى فقال(٤): ((ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً، لأنَّ المعنى يصيرُ إلى قولك: لو كان فيهما اللَّهُ لَفَسَدَتا، ألا ترى أنَّك لو قلت: (ما / جاءني قومُك إلَّ زيدٌ)) على البدلِ لكان المعنى: جاءني [٦٢٨/ب] زيدٌ وحدَه. ثم ذكر الوجه الذي رَدَّ به الزمخشريُّ فقال: ((وقيل: يمتنعُ البدلُ لأنَّ قبلها إيجاباً). ومنع أبو البقاء(٥) النصب على الاستثناء لوجهين، أحدُهما: أنه فاسدٌ في المعنى، وذلك أنك إذا قلتَ: ((لو جاءني القومُ إلَّ زيداً لقتلتُهم)) كان معناه: أنَّ القَتْلَ امتنع لكونِ زيدٍ مع القومِ. فلو نُصِبَتْ في الآية لكان المعنى: إنَّ فسادَ السمواتِ والأرض امتنع لوجود الله تعالى مع الآلهة. وفي ذلك إثباتُ إلٍ مع الله. وإذا رُفِعَتْ على الوصفِ لا يلزمُ مثلُ ذلك؛ لأنَّ المعنى: لو كان فيهما غيرُ اللَّهِ لفسدتا. والوجهُ الثاني: أنَّ آلهة هنا نكرةً، والجمعُ إذا كان نكرةً لم يُسْتثنَ منه عند جماعةٍ من المحققين؛ إذ لا عمومَ له بحيث يدخلُ فيه المستثنى لولا الاستثناءُ». وهذا الوجهُ الذي منعاه - أعني الزمخشري وأبا البقاء - قد أجازه (١) الكشاف ٥٦٧/٢. (٢) الآية ٨١ من هود. (٣) الإملاء ١٣١/٢. (٤) الإِملاء ١٣١/٢. (٥) المصدر نفسه . ١٤٣ - الأنبياء - أبو العباس المبرد(١) وغيره: أمَّ المبردُ فإنه قال: ((جاز البدلُ لأنَّ ما بعد (لو)) غيرُ موجَبٍ في المعنى. والبدلُ في غير الواجبِ أحسنُ من الوصفِ. وفي هذا نِظْرٌ من جهة ما ذكره أبو البقاء من فسادٍ المعنى. وقال ابنُ الضائع (٢) تابعاً للمبرد: لا يَصِحُّ المعنى عندي إلَّ أن تكون (إلا)» في معنی (غير) التي يُراد بها البدلُ أي: لو كان فيهما آلهةً عِوض واحدٍ أي بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا. وهذا المعنى أرادَ سيبويه(٣) في المسألةِ التي جاء بها توطئةً. وقال الشَّلَوْبين في مسألةِ سيبويه ((لو كان معنا رجلٌ إلَّ زيدٌ لَغُلِيْنا)): إنَّ المعنى: لو كانَ معنا رجلٌ مكانَ زيد لَغُلبنا، فـ ((إلَّا)) بمعنى ((غير)) التي بمعنى مكان. وهذا أيضاً جنوحٌ من أبي عليّ (٤) إلى البدلِ. وما ذكره ابنُ الضائع من المعنى المتقدمِ مُسَوٌِّ للبدل. وهو جوابٌ عَمَّا أَفْسَد به أبو البقاء وجهَ البدل، إذ معناه واضحٌ، ولكنه قريبٌ من تفسير المعنى لا من تفسيرِ الإِعراب .. آ. (٢٤) قوله: ﴿هذا ذِكْرُ مَنْ معي﴾: العامَّةُ على إضافة ((ذِكْر)» إلى ((مَنْ)) إضافةً المصدرِ إلى مفعوله، كقوله تعالى: («بسؤالٍ نَعْجَتك))(٥). وقُرِىء(٦) ((ذِكْرُ)) بالتنوين فيهما، و ((مَنْ)) مفتوحة الميم، نُونَ (١) مذهبه في المقتضب ٤٠٨/٤ أن إلّ وما بعدها نعت بمنزلة غير وما أضيفت إليه، ونقل ابن هشام في المغني ٩٩ ما نقله السمين عنه. (٢) انظر قول ابن الضائع في المغني ٩٩. (٣) قال سيبويه ١/ ٣٧٠: «هذا باب ما يكون فيه إلّ وما بعده وصفاً بمنزلة مثل، وغير، وذلك قولك: لو كان معنا رجلٌ إلَّ زيدٌ لَغُلِيْنَا)). (٤) وهو الشلوبين. (٥) الآية ٢٤ من سورة ص، ((قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك)). (٦) انظر في قراءاتها: البحر ٣٠٦/٦، والكشاف ٥٦٩/٢، والمحتسب ٦١/٢، والقرطبي ٢٨٠/١١، والشواذ ٩١. ١٤٤ - الأنبياء - المصدرُ ونُصِبَ به المفعولُ كقوله تعالى: ((أو إطعامٌ في يومٍ ذِي مَسْغَبَة یتیماً»(١). وقرأ يحيى بن يعمر ((ذِكْرٌ)) بتنوينه و ((مِنْ)) بكسر الميم، وفيه تأويلان، أحدُهما: أنَّ ثَمَّ موصوفاً محذوفاً قامَتْ صفتُه وهي الظرف مَقامَه. والتقدير: هذا ذِكْرٌ مِنْ كتاب معي، ومِنْ كتابٍ قبلي. والثاني: أنَّ ((معي)) بمعنى عندي. ودخولُ ((مِنْ)) على ((مع)) في الجملة نادرٌ؛ لأنها ظرفٌ لا يَتَصَرَّف. وقد ضَعَّف أبو حاتم هذه القراءةَ، ولم يَرَ لدخول ((مِنْ)) على ((مع)) وجهاً. وقرأ طلحةُ (ذِكْرٌ معي وذكرٌ قبلي)) بتنوينهما دونَ ((مِنْ)) فيهما. وقرأَتْ طائفةٌ ((ذكرُ مَنْ)) بالإِضافة لـ ((مَنْ)) كالعامَّة، ((وذكرٌ مِنْ قبلُ))(٢) بتنوينِه وكسرٍ ميم ((مِنْ)). ووجهها واضحٌ مِمَّا تتقدم. قوله: ((لا يَعْلَمون الحقِّ)» العامَّةُ على نصب ((الحق)». وفيه وجهان، أظهرُهما: أنَّه مفعولٌ به بالفعلِ قبلَه. والثاني: أنه مصدرٌ مؤكِّد. قال الزمخشريُّ (٣) : ((ويجوزُ أَنْ يكونَ المنصوبُ أيضاً على التوكيدٍ لمضمون الجملةِ السابقة، كما تقول: ((هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطل)) فأكَّدَ انتفاءَ العِلْم)». وقرأ(٤) الحسن وابن محيصن وحميد برفع ((الحق)). وفيه وجهان، أحدُهما: أَنَّه مبتدأ والخبرُ مضمرٌ. والثاني: أنه خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ. قال الزمخشري (٥): ((وقُرِىء «الحقُّ)» بالرفعِ على توسيط التوكيد بين السبب والمُسَبَّب. والمعنى: أن إعراضهم بسببِ الجهلِ هو الحقُّ لا الباطلُ)). (١) الآية ١٤ من البلد. (٢) لم أجد مَنْ نص على هذه القراءة غير السمين. (٣) الكشاف ٥٦٩/٢. (٤) الإتحاف ٢٦٢/٢، والبحر ٣٠٦/٦، والقرطبي ٢٨٠/١١، والمحتسب ٦١/٢. (٥) الكشاف ٥٦٩/٢ . ١٤٥ - الأنبياء - آ. (٢٦) قوله: ﴿بل عبادٌ﴾: ((عبادٌ)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هم عبادَ. و(مُكْرَمون)) في العامَّة (١) مخففُ، وقراءة(٢) عكرمة مشدداً. آ. (٢٧) قوله: ﴿لا يَسْبِقُونِه﴾: جملةٌ في محلٌّ رفعٍ صفةٌ لـ «عبادٌ)). والعامَّةُ على كسرِ الباء في ((يَسْبِقونه)» وقُرىء(٣) بضمِّها. وخُرِّجَتْ على أنه مضارعٌ سَبَقه أي غلبه في السبق يُقال: سابقه فَسَبقه يَسْبُقه أي: غلبه في السّبْق. ومضارع فَعَلَ في المغالبة مضمومُ العينِ مطلقاً(٤) إلَّ في ياءَيْ العينِ(٥) أو اللام(٦)، والمرادُ: لا يَسْبقونه بقوله، فَعَوَّض الألفَ واللامَ عن الضمة عند الكوفيين، والضميرُ محذوفٌ عند البصريين أي بالقول منه. آ. (٢٩) قوله: ﴿فذلك نَجْزِيْهِ﴾: يجوزُ في ذلك وجهان أحدُهما: أنَّه مرفوعٌ بالابتداءِ. وهذا وجهٌ حسنٌ. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلِ مقدرٍ يُفَسِّرِه هذا الظاهرُ. والمسألةُ من بابِ الاشتغال. وفي هذا الوجهِ إضمارُ عاملٍ مع الاستغناءِ عنه، فهو مرجوحٌ. والفاءُ وما في حَيِّزها في موضعٍ جزمٍ جواباً للشرط و((كذلك)) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من ضمير المصدر أي: جزاءً مثلَ ذلك الجزاءِ، أو نجزي الجزاءَ حالَ كونِه مثلَ ذلك. وقرأ العامَّةُ ((نجزي)) بفتحِ النونِ. وأبو عبد الرحمن المقرىء(٧) بضمِها. (١) أي في قراءة العامة. (٢) البحر ٣٠٧/٦، والكشاف ٢ /٥٦٩. (٣) البحر ٣٠٧/٦، والكشاف ٥٦٩/٢. (٤) نحو: صارَعْتُه فَصَرَغْته فأنا أَصْرُعُه. (٥) فيكون على يَفْعِلِ نحو: سايَرْتُه فَسِرْتُه أَسِيْرُه. (٦) نحو: ناهَيْتُهُ فَتَهَيْتُه أَنْهِيْهِ. وانظر الهمع ١٦٣/٢. (٧) المحتسب ٦١/٢، والبحر ٣٠٧/٦ والمقرىء هو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن القرشي، إمام في القراءات، روى عن نافع وله اختيار في القراءة. مات سنة ٢١٣ . انظر: طبقات القراء ٤٦٤/١. ١٤٦ - الأنبياء - وجهُها أنه مِنْ أجزأ بالهمز، مِنْ أجزأني كذا أي: كفاني، ثم خَفِّفَ الهمزةَ فانقلبت إلى الياء. آ. (٣٠) قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ﴾: قرأ(١) ابن كثير ((ألم يرَ)) من غير واو. والباقون/ بالواوٍ بين همزةٍ الاستفهام و ((لم)). ونظيرُ حذفِ الواوٍ وإثباتِها [٦٢٩/أ] هنا ما تقدَّم في البقرة وآل عمران في قوله ((قالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا))(٢) «سارِعُوا إلى مَغْفرة))(٣) وقد تقدَّم حكمُ ذلك. والرؤيةُ هنا يجوز أن تكونَ قلبيةً، وأن تكون بَصَريةً. فـ ((أنَّ)) وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْنٍ عند الجمهور على الأول(٤)، ومَسَدَّ واحدٍ والثاني محذوف، عند الأخفش، وسادَّةٌ مسدَّ واحدٍ فقط على الثاني (٥) . قوله: ((كانتا)) الضميرُ يعودُ على السموات والأرض بلفظِ التثنيةِ، والمتقدِّم جمعٌ. وفي ذلك أوجه أحدُها: ما ذكره الزمخشري(٦) فقال: ((وإنما قيل ((كانتا» دون ((كُنَّ)) لأنَّ المرادَ جماعةُ السمواتِ وجماعةُ الأرضين(٧). ومنه قولُهم: ((لِقاحان سَوْداوان)) أي: جماعتان. فَعَلَ في المضمر نحوَ ما فَعَل في المظهر. الثاني: قال أبو البقاء(٨): ((الضميرُ يعودُ على الجنسين)). الثالث: قال الحوفي (٩): ((قال: كانتا رَتْقاً والسموات جمعٌ لأنه أراد الصِّنْفَيْنِ. قال الأسودُ ابنُ (١) السبعة ٤٢٨، والنشر ٣٢٣/٢، والبحر ٣٠٨/٦، والتيسير ١٥٥، الحجة ٤٦٧. (٢) الآية ١١٦ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٨٣/٢. (٣) الآية ١٣٣ من آل عمران. وانظر: الدر المصون ٣٩٤/٣. (٤) أي على كونها قلبية . (٥) أي على كونها بصرية. (٦) الكشاف ٢ /٥٧٠. (٧) في المطبوعة (الأرض)). (٨) انظر: البحر ٣٠٨/٦. (٩) المصدر نفسه. ١٤٧ - الأنبياء - يَعْفَرِ(١): ٣٣٣٦ - إن المنيَّةَ والحُتُوفَ كلاهما يُوفي المخارم يَرْقُبان سوادي لأنه أراد النوعين، وتبعه ابن عطية في هذا فقال(٢): ((وقال: ((وكانتا)) من حيث هما نوعان. ونحوه قولُ عمرٍو بن شييم(٣): ٣٣٣٧ - ألم يُجْزِنْكَ أنَّ حبالَ قيسٍ وتَغْلِبَ قد تباينتا انقطاعا ورَتْقاً: خبرٌ. ولم يُثَنَّ لأَنَّه في الأصلِ مصدرٌ. ثم لك أن تجعلَه قائماً مقامَ المفعولِ كالخَلْقِ بمعنى المَخْلوق، أو تجعلَه على حَذْفِ مضافٍ أي: ذواتيْ رَتْقٍ. وهذه قراءةُ الجمهور. وقرأ(٤) الحسنُ وزيد بن علي وأبو حيوة وعيسى (رَتَّقاً)) بفتحِ التاءِ وفيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرً أيضاً، ففيه الوجهان المتقدِّمان في الساكنِ التاءِ. والثاني: أنه فَعَل بمعنى مَفْعول كالقَبَض والنَّقَض بمعنى المَقْبوض والمنْقوض، وعلى هذا فكان ينبغي أَنْ يطابقَ بخبرِه(٥) في التثنية. وأجاب الزمخشري (٦) عن ذلك فقال: ((هو على تقديرٍ موصوفٍ أي: كانتا شيئاً رَتَقاً». وَرَجُّحَ بعضُهم (١) البحر ٣٠٨/٦، المفضليات ٢١٦. والحُتُوف: جمع حَتْف وهو الموت. يوفي: يعلو. والمخارم: جمع مخرم وهو منقطع أنف الجبل. وسوادي: شخصي. (٢) المحرر ١٣٣/١١. (٣) المحرر ١٣٣/١١، والبحر ٣٠٨/٦. ولعل اسمه المشهور عُمَيْر لأنه المعروف بالقطامي . (٤) المحتسب ٦١/٢، والقرطبي ٢٨٣/١١، والبحر ٣٠٩/٦. (٥) كذا في الأصل، ولعلها «خبره)) لأنه يتعدى بنفسه .. (٦) الكشاف ٢/ ٥٧٠. ١٤٨ - الأنبياء- المصدريةَ بعدمِ المطابقَةِ في التثنية، وقد عرفت جوابه. وله أن يقولَ: الأصلُ عدمُ حذفِ الموصوف فلا يُصارُ إليه دونَ ضرورةٍ. والرَّتْقُ: الانضمامُ. ارْتَتَقَ حَلْقُه: أي: انضمَّ. وامرأةٌ رَتْقَاءُ أي: مُنْسَدَّة الفَرْجِ ، فلم يُمْكِنْ جماعُها من ذلك. والفَتْقُ: فَصْل ذلك المُرْتَتِقِ، وهو من أحسنِ البديع هنا؛ حيث قابل الرُّتْقَ بالفَّتْق. قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: متى رَأَوْهما رَتْقاً حتى جاء تقريرُهم بذلك؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أنه وارِدٌّ في القرآن الذي هو معجِزٌ في نفسِه، فقام مقامَ المَرْئِيِّ المشاهَدِ. والثاني: أنَّ تَلاصُقَ السماءِ والأرضِ وتباينَهما كلاهما جائزٌ في العقلِ فلا بُدُّ للتباين دون التلاصُقِ من مخصِّصٍ وهو القديمُ سبحانه)). قوله: ((وجَعَلْنا من الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ)) يجوز في ((جَعَل)) هذه أَنْ تكونَ بمعنى ((خلق)) فتعدَّى لواحدٍ وهو كلُّ شيءٍ، و ((من الماء)) متعلقٌ بالفعلِ قبلَه. ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «كل شيء» لأنه في الأصلِ يجوز أن يكونَ وَصْفاً له، فلما قُدِّم عليه نُصِبٌ على الحال. ومعنى خَلْقِه من الماء أحدُ شيئين: إمَّا شدةُ احتياجِ كلِّ حيوانٍ للماء فلا يعيشُ بدونِهِ، وإمَّا لأنه مخلوقٌ من النُّطْفَة التي تُسَمَّى ماءً. ويجوز أن تكونَ ((جَعَلَ)) بمعنى صَيِّر فتتعدَّى لاثنين، ثانيهما الجارُّ بمعنى: أنَّا صَيَّرْنا كلِّ شيء حيّ بسبب من الماء لا بُدَّ له منه. والعامَّةُ على خفض ((حيّ)) صفةً لشَيْء. وقرأ(٢) حميد بنصبه على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ جَعَلْنا. والظرفُ لغوٌ. ويَبْعُد على هذه القراءةِ أَنْ يكونَ «جعل)) بمعنى خَلَقَ، وأنْ ينتصبَ ((حَيَّ)) على الحال. (١) الكشاف ٢/ ٥٧٠. (٢) الإتحاف ٢٦٣/٢، والبحر ٣٠٩/٦. ١٤٩ - الأنبياء - آ. (٣١) قوله: ﴿أَنْ تَمْدَ﴾: مفعولٌ من أجله أي: أن لا تميدَ فَحُذِفَتْ ((لا)) لفَهْمِ المعنى، أو كراهةَ أَنْ تميد. وقَدَّره أبو البقاء(١) فقال: ((مخافَةً أن تميدَ)). وفيه نظرً لأنَّا إنْ جَعَلْنا المخافةَ مسندةً إلى المخاطبين اخْتَلَّ ----- شرطٌ من شروطِ النصبِ في المفعولِ له وهو الفاعل(٢). وإنْ جَعَلْناها مسندةٌ: الفاعل الجَعْلِ استحال ذلك، لأنَّه تبارك وتعالى لا يُسْنَدُ إليه الخوف. وقد يقال: يُخْتارُ أن تُسْنَدَ المخافةُ إلى المخاطبين. قولكم: يختلُّ شرطٌ من شروطٍ [٦٢٩/ب] النصب. جوابُه: أنه ليس بمنصوب، بل مجرورٌ بحرف العلةِ المقدرِ. / وحَذْفُ حرفِ الجر مُطَّرَدٌ مع أنْ وأنَّ بشرطه(٣). قوله: ((فِجاجاً سُبُلًا)) في (فجاجاً)) وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به و ((سُبُلَا)) بدلُ منه. والثاني: أنه منصوب على الحال مِنْ ((سبلاً)) لأنه في الأصلِ صفةٌ له فلمَّا قُدِّم انتصبَ حالاً كقوله (٤): ٣٣٣٨- لميَّةً: خِلَلُ موحشاً يلوحُ طَلَلُ كأنّه ويدلُّ على ذلك مجِيْثُه صفةً في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى : (لِتَسْلُكُوا منها سُبُلَا فِجاجاً))(٥). قال الزمخشري(٦): ((فإن قلت: في الفجاجِ معنى الوصفِ، فما لها قُدِّمَتْ على السُّبُل ولم تُؤَخِرْ، كقولِه تعالى: ((لِتَسْلُكوا (١) الإملاء ١٣٢/٢. (٢) أي اتحاد الفاعل . (٣) بشرط عدم الالتباس مع الحذف. (٤) تقدم برقم ٦٠٨ . (٥) الآية ٢٠ من نوح (٦) الكشاف ٢/ ٥٧٠ ١٥٠ - الأنبياء - منها سُبُلَا فِجاجاً)؟ قلت: لم تُقَدَّمْ وهي صفةٌ ولكنْ جُعِلَتْ حالاً كقوله(١): ٣٣٣٩ - لِعَزَّةَ مُوْجِشاً طَلَلٌ قديمُ فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بينهما من جهةِ المعنى؟ قلتُ: أحدُهما إعلامٌ بأنه جَعَلَ فيها طرقاً واسعة. والثاني: أنه حينَ خَلَقها خَلَقها على تلك الصفةِ، فهو بيانٌ لما أُبْهِم ثمةً)) . قال الشيخ(٢): ((يعني بالإِبهامِ أنَّ الوصفَ لا يلزمُ أَنْ يكونَ الموصوفُ متصفاً به حالةَ الإِخبارِ عنه، وإن كان الأكثرُ قيامَه به حالةَ الإِخبارِ عنه. ألا ترى أنه يُقال: مررتُ بوَحْشيَّ القاتلِ حمزةً، وحالةَ المرورِ لم يكن قائماً به قَتْلُ حمزة))(٣). والفَجُّ : الطريقُ الواسعُ. والجمعُ: الفِجاجُ. والضميرُ في ((فيها)) يجوزُ أن يعودَ على الأرض، وهو الظاهرُ كقولِه: (واللَّهُ جَعَلَ لكم الأرضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلَا فِجاجاً)(٤) وأَنْ يعودَ على الرَّواسي، يعني أنه جعل في الجبال طُرُقاً واسعة. (١) البيت لكثير عزة، وليس في قصائد ديوانه، وإنما هو في الأبيات المنسوبة له ص ٥٣٦ وعجزه : عفاء كلُّ أَسْحَمَ مستديمُ وهو في ابن يعيش ٦٢/٢، ٦٤، والخزانة ٥٣١/١، وشرح التصريح ٣٧٥/١. والأسحم: السحاب الأسود الذي امتلأ ماءً. والمستديم: السحاب الممطر. (٢) البحر ٣٠٩/٦. (٣) وقال بعد ذلك: ((وأما الحال فهي هيئة ما تخبر عنه حالة الإخبار)). (٤) الآية ١٩ من نوح. ١٥١ - الأنبياء - آ. (٣٢) قوله: ﴿وهم عن آياتِها﴾: جملةً استئنافيةٌ، ويَضْعُفُ جَعْلُها حالاً مقدرةً. وقرأ(١) مجاهد وحميد ((عن آيتِها)) بلفظِ الإِفراد. جَعَلَ الخلقَ آيَةً، وهي مشتملةً على آياتٍ، أو أطلق الواحدَ وأراد به الجنس. آ. (٣٣) قوله: ﴿كلَّ﴾: أي: كلٌّ منهما أي: من الشمس والقمر، أو مِنها أي: من الليل والنهار والشمس والقمر. و((يَسْبَحون)) يجوز أن يكونَ خبرَ ((كلٌ)) على المعنى. و((في فلك)) متعلقٌ به، ويجوزُ أن يكونَ حالاً . والخبرُ الجارُّ وهو ((في فَلك)). وهذا الذي: ذَكَرْتُه من كونِ المضافِ إليه يجوزُ أَنْ يُقَدَّرَ بالأربعةِ الأشياءِ(٢) المذكورةِ. ذكره أبو البقاء(٣). وأمَّا غيرُه فلم يذكرْ إلّا أنَّ المضافَ إليه الشمسُ والقمرُ. وهو الظاهر؛ لأنَّ السباحةَ من صفتِهما دونَ الليلِ والنهار، وعلى هذا فُيُعْتَذَّر عن الإِتيانِ بضميرِ الجمعِ ، وعن كونه جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ. أمَّا الأولُ فقيل: إنما جُمِع لأنَّ ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديرُه: والنجومُ، كما دَلَّتْ عليه آياتٌ أُخَرُ، وقال الزمخشري(٤): (الضميرُ للشمسِ والقمرِ، والمرادُ بهما جنسُ الطوالع كلَّ يومٍ وليلةٍ، جعلوها متكاثرةً لتكاثُرٍ مَطالِعِها، وهو السببُ في جمعهما بالشموسٍ والأقمارِ)). انتهى. والذي حَسِّن ذلك كونُه رأسَ آيةً وقال أبو البقاء(٥): ((يَسْبَحُون)) خبر ((كلّ)) على المعنى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ إذا سَبَح فكلُّها تَسْبَحُ. وقيل: يَسْبَحُون على هذا الوجهِ حالٌ. والخبر ((فِي فَلَكٍ)). (١) البحر ٣١٠/٦. (٢) كذا على اللغة المرجوحة، والراجحة هي دخول أل على المضاف إليه فحسب. (٣) الإملاء ١٣٢/٢ - ١٣٣. (٤) الكشاف ٥٧١/٢ (٥) الإملاء ١٣٣/٢. ... -- ١٥٢ - الأنبياء - وقيل: التقدير: كلَّها، والخبر ((يَسْبَحُون))، وأتى بضميرِ الجمعِ على معنى ((كل)). وفي هذا الكلامِ نظرً: من حيث إنه لمّا جَوَّز أن يكونَ المضافُ إليه شيئين جَعَل الخبرَ الجارَّ، و((يَسْبَحون)) حالاً، فِراراً من عدم مطابقةِ الخبر للمبتدأ، فَوَقَعَ في تخالفِ الحالِ وصاحبها. وأمَّا الثاني(١) فلأنَّه لَمَّا أَسْنَدَ إليها السباحةَ التي هي مِنْ أفعالِ العقلاء جَمْعَها جَمْعَ العقلاءِ كقولهِ: ((رأيتُهم لي ساجِدِين))(٢) و ((أَيْنا طائِعين))(٣). وهذه الجملةُ(٤) يجوز أن تكونَ لا محلّ لها من الإعرابِ لاستئنافِها. ويجوزُ أَنْ يكونَ محلُّها النصبَ على الحال. فإِنْ قُلْنا: إن السباحةَ تُنْسَبُ إلى الليل والنهار، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء في أحدِ الوجهين فتكونُ حالاً من الجميع. وإن كان لا يَصِحُّ نِسْبَتُها إليهما كانت حالاً من الشمسِ والقمرِ. وتأويلُ الجمعِ قد تقدَّم. قال الشيخ(٥): ((أو مَحَلَّها النصبُ على الحالِ من الشمس والقمر؛ لأنَّ الليلَ والنهارَ لا يَتَّصِفان بأنهما يَجْرِيان في فَلَكٍ، فهو كقولك: رأيتُ زيداً وھنداً متبرِّجةً)) انتهى. وهذا قد سبقه إليه الزمخشري(٦) فَنَقَله عنه، يعني أنه قد دَلَّ دليلٌ على أنَّ الحالَ من بعضِ ما تقدَّم كما في المثال المذكور. والسِّباحةُ: العَوْمُ في الماءِ. وقد يُعَبَّر به عن مطلقِ الذهابِ، وقد تقدَّم اشتقاقُه في ((سُبْحانك))(٧). (١) وهو الاعتذار عن جمع مَنْ يعقل. (٢) الآية ٤ من يوسف. (٣) الآية ١١ من فصلت. (٤) أي: «يسبحون)). (٥) البحر ٣١٠/٦. (٦) الكشاف ٥٧١/٢. (٧) لم يسبق له ذلك. ١٥٣ - الأنبياء - آ. (٣٤) قوله: ﴿أَفإنْ مِتَّ﴾: قد تقدَّم نظيرُ ذلك في آل عمران عند قولِه: ((أفإنْ مات أو قُتِلَ انْقَلَبْتُم)) (١). وفي هذه الآيةِ دليلٌ لمذهب سيبويه (٢): وهو أنه إذا اجتمع شرطً واستفهام (٣) أُجيب الشرطُ. فتكونُ الآيةُ قد دَخَلَتْ فيها همزةُ الاستفهامِ على جملةِ الشرطِ. والجملةُ المقترنةُ بالفاءِ جوابُ [٦٣٠/أ] الشرطِ، وليسَتْ مَصَبَّ الاستفهام، وزَعَمَ يونس (٤) أنَّ الاستفهامَ / مُنْصَبٌّ على الجملةِ المقترنة بالفاء، وأنَّ الشرطَ معترضُ بين الاستفهامِ وبينَها، وجوابه محذوف. وليس بشيءٍ إذ لو كان كما قال لكان التركيبُ: أفان مِتَّ هم الخالدون، بغير فاء. وكأنَّ ابنَ عطية (٥) نحا مَنْحَى يونسَ فإنه قال: ((وألفُ الاستفهامِ داخلةً في المعنى على جواب الشرط)». آ. (٣٥) قوله: ﴿فتنةً﴾: في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنّه مفعولٌ من أجله. الثاني: أنه مصدرٌ في موضعِ الحالِ أي: فاتِنين. الثالث: أنَّه مصدرٌ مِنْ معنى العاملِ لا من لفظِهِ؛ لأن الابتلاءَ فتنةٌ فكأنَّه قيل: نَفْسِتُكُم فتنةً. وقرأ العامَّة ((تُرْجَعُوْن)) بتاءِ الخطابِ مبنياً للمفعول. وغيرُهم بياءِ الغَيْبة على الالتفات (٦). (١) الآية ١٤٤ من آل عمران، وانظر: الدر المصون ٤١٦/٣. (٢) الكتاب ٤٤٤/١. (٣) في الأصل «وقسم)، وهو سهو. (٤) الكتاب ٤٤٤/١، والارتشاف ٥٥٥/٢، وشرح الجمل لابن عصفور ٢٠٠/٢، وشرح الرضي على الكافية ٣٩٤/٢. (٥) المحرر ١٣٤/١١ (٦) قال في السبعة ٤٢٩: روى عباس عن أبي عمرو ((يُرْجَعُون)) .. ١٥٤ - الأنبياء - آ. (٣٦) قوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونك): ((إنْ)) هنا نافيةٌ، وهي وما في حَيِّزها جوابُ الشرط بـ إذا، و((إذا)) مخالفةٌ لأدواتِ الشرطِ في ذلك، فإِنَّ أدواتِ الشرطِ متى أُجِيبت بـ ((إِنْ)) النافيةِ أو بـ((ما)) النافيةِ وَجَبَ الإِتيانُ بالفاءِ تقول: إن أَتَيْتَنِي فإِنْ أَهَنْتُك وفما أَهَنْتُك. وتقول: إذا أَتَيْتَنِي مَا أَهَنْتُك بغير فاءٍ يَدُلُّ له قولُه تعالى: ((وإذا تُتْلَى عليهم آياتنا بَيِّناتٍ ما كان حُجَتَهم إلَّ أَنْ قالوا))(١). و ((أَتَّخَذَ)) هنا متعديةُ لاثنين. و((هُزُوا)) هو الثاني: إِمَّا على حَذْفٍ مضافٍ، وإمَّا على الوصفِ بالمصدرِ مبالغةً، وإمَّا على وقوعِه مَوْقِعَ اسمِ المفعول. وفي جواب ((إذا)) قولان، أحدهما: أنه ((إنْ)) النافيةُ، وقد تقدَّم ذلك. والثاني: أنه محذوفٌ، وهو القولُ الذي قد حكى به الجملة الاستفهاميةَ في قوله: ((أهذا الذي يَذْكُرُ آلهتكم)) إذ التقديرُ: وإذا رآك الذين كفروا يقولونَ: أهذا الذي. وتكونُ الجملةُ المنفيةُ معترضةً بين الشرطِ وبين جوابهِ المقدّرِ. قوله: ((وهم بذِكْرِ الرحمنِ هم كافرون)) ((هم)) الأولى مبتدأُ مخبرٌ عنه بـ ((كافرون))، و((بذِكْر)) متعلقٌ بالخبرِ. والتقديرُ: وهم كافرون بذِكْر. و ((هم)) الثاني تأكيدٌ للأولِ تأكيداً لفظياً، فوقع الفصلُ بين العامل (٢) ومعمولِه(٣) بالمؤكِّد، وبين المؤكَّدِ(٤) والمؤكَّدِ(٥) بالمعمولِ. وفي هذه الجملةِ قولان، أحدُهما: أنَّه في محلٌّ نصبٍ على الحالِ مِنْ (١) الآية ٢٥ من الجائية. (٢) العامل ((كافرون)). (٣) المعمول («بذكر)). (٤) المؤكَّد ((هم)) الأولى. (٥) المؤكّد (هم)) الثانية . ١٥٥ - الأنبياء - فاعلِ القولِ المقدَّرِ أي: يقولون ذلك وهم على هذه الحالةِ. والثاني: أنها حالٌ مِنْ فاعلٍ ((يَتَّخِذِونك))، وإليه نحا الزمخشريُّ، فإنه قال(١): ((والجملةُ في موضعِ الحالِ أي: يَتَّخِذُونك هُزُواً وهم على حالٍ هي أصلُ الهزْءِ والسخريةِ، وهي الكفرُ باللهِ». ٢. (٣٧) قوله: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾: فيه قولان، أحدهما: أنه من بابِ القلبِ. والأصلُ: خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ لشدة صدورِه منه وملازَمتِه له. وإلى هذا ذهب أبو عمروٍ. وقد يتأيَّد هذا بقراءةِ عبدِ الله(٢) ((خُلِقَ العَجَلُ من الإِنسانِ)» والقلبُ موجودٌ. قال الشاعر(٣): ٣٣٤٠- حَسَرْتُ كَفِّيْ عن السِّربسالِ آخُذُه يريد: حسرت السِّرْبالَ عن كفي. ومثلُه في الكلامِ: ((إذا طَلَعَتِ الشِّعْرِى استَوَى الْعُوْدُ على الحِرْباء))(٤) وقالوا: عَرَضْتُ الناقةَ على الخَوْضِ . وقد قَدَّمْتُ منه أمثلةً(٥) غيرَ هذه. إلّا أن بعضَهم يَخُصُّه بالضرورةِ، وقد قَدَّمْتُ فيه مذاهبَ ثلاثةً . (١) الكشاف ٥٧٢/٢. (٢) البحر ٣١٢/٦. (٣) البيت لتميم بن أُبَيّ بن مقبل وتمام روايته في الجمهرة ٨٦٢/٢. حَسَرْتُ: عن كفِّيَ السِّرْبَالَ آَخِذُهُ فَرْداً يُجَرُّ على أيْدِي المُفَدِّيْنا وهو في البحر ٣١٣/٦، والمحرر ١٣٧/١١. وانظر في شواهد القلب: أمالي الشجري ٣٦٦/١، والمغني ٩١١، وشرح جمل الزجاجي ١٨١/٢، ٦٠٢. (٤) الشعرى: كوكب نّيِّر يطلع عند شدة الحر. والحرباء: دُوَيْبَّة تعانق عوداً وتدور مع عين الشمس حيث دارت إلى أن تغيب. انظر: أمالي الشجري ٣٦٧/١. (٥) انظر: الدر المصون ٥٢١/٣. ١٥٦ - الأنبياء- والثاني(١): أنه لا قلبَ فيه وفيه تأويلات، أحسنُها: أن ذلك على المبالغةِ، جَعَلَ ذاتَ الإِنسانِ كأنها خُلِقَتْ من نفسِ العَجَلة، دلالةٌ على شدةٍ اتصاف الإِنسانِ بها، وأنها مادتُه التي أُخِذ منها. ومثلُه في المبالغة من جانب النفي قولُه عليه السلام: ((لستُ من الدَّدِ، ولا الدَّدُ مني))(٢) والدَّدُ: اللِِّبُ. وفيه لغاتٌ: ((دَدُ)) محذوفُ اللامِ و ((ددا)) مَقْصوراً كـ ((عصا)) و((دَدَن)) بالنون. وألفه في إحدى لغاتِه مجهولةُ الأصل لا ندري: أهي عن ياءٍ أو(٣) واوٍ؟. وقيل: العَجَلُ: الطين بلغة حمير، أنشد أبو عبيدة(٤) على ذلك لشاعرٍ منهم(٥) : ٣٣٤١- النَّبْعُ في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاء مَنْبِشُه والنَّخْلُ مَنْبِتُه في الماءِ والعَجْلِ قال الزمخشري(٦) بعد إنشادِهِ عَجُزَ هذا البيتِ: ((واللهُ أعلمُ بصحتِه)) وهو معذورٌ. وهذا الجارُّ يحتملُ تَعْلُّقُه بـ ((خُلِقَ)) على المجاز أو الحقيقةِ المتقدِّمَيْن، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ كأنه قيل: خُلِقِ الإِنسانُ عَجِلاً. كذا قال أبو البقاء (٧). والأولُ أَوْلى. (١) في قوله تعالى: ((مِنْ عَجَل)). (٢) رمز له السيوطي في الجامع الصغير ٣٤٧/٢ بالصحة، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ٢٦٦. (٣) الصواب ((أم)). (٤) ليس في كتابه المجاز. (٥) لم أهتد إلى قائله. وهو في تفسير الماوردي ٤٥/٣، والقرطبي ٢٨٩/١١، واللسان (عجل). (٦) الكشاف ٥٧٣/٢. (٧) الإِملاء ١٣٣/٢. ١٥٧ - الأنبياء- وقرأ العامَّة (خُلِقَ)) مبنياً للمفعول. ((الإِنسانُ)) مرفوعاً لقيامِه مقامَ الفاعلُ. وقرأ(١) مجاهد وحميد وابن مقسم ((خَلَقَ)) مبنياً للفاعل. ((الإِنسانَ)) نصباً مفعولاً به . آ. (٣٨) قوله: ﴿متى هذا﴾: ((متى)) خبرٌ مقدمٌ، فهي في محلٌ رفعٍ . وزعم بعضُ أهلِ الكوفة (٢) أنها في محلِّ نصبٍ على الظرفِ. والعاملُ فيها فعلٌ مقدرٌ رافعٌ لهذا. والتقديرُ: متى يجيءُ هذا الوعدُ، أو متى يأتي؟ ونحوه. والأولُ هو المشهورُ(٣). آ. (٣٩) قوله: ﴿لو يَعْلَمُ﴾: جوابُها مقدَّرٌ لأنه أبلغُ في الوعيدِ. [٦٣٠ /ب] فقدَّره الزمخشريُّ(٤): «لَما كانوا بتلك الصفةِ / من الكفرِ والاستهزاءِ والاستعجالِ، ولكنَّ جُّهْلَهم به هو الذي هَوَّنه عندهم)). وقَدَّره ابنُ عطية (٥): ((لما استعجلوا)). وقدَّره الحوفي (لَسارعوا)). وقَدَّره غيرُهم ((لَعَلِموا صِحَةً البعث)). و ((حينَ)) مفعولٌ به لـ ((عَلِموا)» وليس منصوباً على الظرفِ. أي : لو يَعْلمون وقتّ عدمٍ كُفِّ النار. وقال الزمخشري(٦): «ويجوزُ أَنْ يكونَ «يعلمُ» متروكاً بلا تَعْدِيةٍ بمعنى: لو كان معهم علمٌ ولم يكونوا جاهلين لَّما كانوا (١) البحر ٣١٣/٦، والكشاف ٥٧٣/٢. (٢) انظر: البحر ٣١٣/٦. (٣) هي ظرف زمان عند الجميع، ولكن اختلفوا في متعلقه: فهل يتعلق بفعل محذوف تقديره: متى يجيء، أو متعلق بخبر محذوف تقديره: هذا الوعد كائن متى؟ (٤) الكشاف ٥٧٣/٢. (٥) المحرر ١٣٨/١١. (٦) الكشاف ٥٧٣/٢. ١٥٨ - الأنبياء - مستَعْجِلين. و(حينَ)) منصوبٌ بمضمرٍ أي: حين لا يَكُفُّون عن وجوهِهم النارّ يعلمون أنهم كانوا على الباطلِ»، وعلى هذا فـ ((حين)) منصوبٌ على الظرفِ لأنه جَعَلَ مفعولَ العلمِ ((أنَّهم كانوا)). وقال الشيخ (١): ((والظاهرُ أنَّ مفعولَ ((يعلم)) محذوفٌ لدلالة ما قبلَه أي: لو يعلم الذين كفروا مجيْءَ الموعودِ الذي سَألوا عنه واسْتَنْبطوه. و ((حين» منصوبٌ بالمفعولِ الذي هو («مجي ءَ)). ويجوزُ أَنْ يكونَ من بابِ الإِعمالِ على خَذْفِ مضافٍ، وأعملَ الثاني. والمعنى: لو يعلمون مباشرةَ النارِ حين لا یگُفُّونها عن وجوهِھم». آ. (٤٠) قوله: ﴿بَغْتَّةً﴾: في موضعِ نصبٍ على الحالِ أي مباغتةً. والضميرُ في ((تأتيهم)) يعودُ على النار. وقيل: يعودُ على الحين لأنه في معنى الساعة. وقيل: على الساعةِ التي يُصَيِّرهم فيها إلى العذابِ. وقيل: على الوعد؛ لأنَّه في معنى النار التي وُعِدُوها، قاله الزمخشري(٢) وفيه تكلُّفٌ. وقرأ(٣) الأعمش: ((بل يَأْتيهم)) بياء الغَيْبة. ((بَغَتَة)) بفتح الغين. ((فَيَبْهَتْهُمْ)) بالياء أيضاً. فأمَّا الياءُ فَأعاد الضميرَ على الحين أو على الوعد. وقال بعضُهم: (هو عائدٌ على النار، وإنما ذكَّر ضميرها لأنها في معنى العذاب، ثم راعى لفظ النار فأنّثَ في قوله ((رَدَّما)). وقوله: ((بل تَأْتيهم)) إضرابُ انتقالٍ. وقال ابن عطية (٤): ((بل)) استدراكٌ مقدرٌ قبلَه نفيٌ، تقديرُه: ((إنَّ الآياتِ لا تأتي على حَسَب اقتراحهم)). وفيه نظرُ؛ (١) البحر ٣١٣/٦. (٢) الكشاف ٥٧٣/٢. (٣) البحر ٣١٤/٦. (٤) المحرر ١٣٨/١١. ١٥٩ - الأنبياء - لأنه يَصيرُ التقديرُ: لا تَأْتيهم الآياتُ على حسبٍ اقتراحِهم، بل تأتيهم بغتةً، فيكون الظاهرُ أن الآياتِ تأتي بغتةً، وليس ذلك مُراداً قطعاً. وإنْ أراد أن يكونَ التقديرُ: بل تَأْتيهم الساعةُ أو النارُ فليس مطابقاً لقاعدةِ الإِضراب. آ. (٤٢) قوله: ﴿مِن الرحمنِ﴾: متعلقٌ بـ ((يَكْلَُّكم)) على حذفٍ مضافٍ أي من أمرٍ الرحمنٍ أو بَأْسِه كقوله: ((يحفظونه من أمر الله))(١). و((بالليل)» بمعنى في الليل. والكِلاءَةُ: الحِفْظُ يقال: كَلَّه يَكْلُوهُ اللَّهُ بِلاءة بالكسر. كذا ضبطه الجوهري(٢) فهو كالِىءٌ وَمَكْلُوْءٌ. قال ابنُ هَرْمة (٣). ٣٣٤٢- إنَّ سُلَيْمَىْ واللَّهُ يَكْلَوُها ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كان يَرْزَؤها واكْتُلُّاتُ منه: احتَرَسْتُ، ومنه سُمِّي النباتُ كَلَّاً؛ لأنَّ به تقومُ بُنْيَةُ البهائمِ وتُحْرس. ويقال(٤). (بَلَّغَ اللّه بك أَكْلَّ العُمُرٍ) والمُكَلُّ: موضعٌ تُحْفظ فيه السفن. وفي الحديث(٥): ((نهى عن بيع الكالىء بالكالِىءِ) أي: بَيْعِ الدَّيْن بالدَّيْن؛ كأنَّ كلَّا مِن رَبِّ الدَّيْنَيْنِ يكلا الآخَرَ أي: يراقبه(٦). (١) الآية ١١ من الرعد. (٢) الصحاح (كلأ) ٦٩/١. (٣) اللسان (كلا)، والماوردي ٤٥/٣، ومجاز القرآن ٣٩/٢، والقرطبي ٢٩١/١١. (٤) انظر: اللسان (كلا) وشرحه بقوله: «أي أقصاه وآخره وأَبْعَدّه)). (٥) انظر: النهاية ١٩٤/٤ وقال: ((أي النسيئة بالنسيئة، وذلك أن يشتري الرجل شيئاً إلى أجل فإذا حلَّ الأجل لم يجد ما يقضي به فيقول بِعْنِيْهِ إلى أجل آخر بزيادة شيء فيبيعه منه ولا يجري بينهما تقابض. (٦) قال أبو عبيد في غريب الحديث ٢٠/١: ((في وجوه كثيرة من البيع منها: أن يُسْلِمِ الرجل إلى الرجل مئة درهم إلى سنة في كُرِّ طعام لكُرّ. فإذا انقضت السنة وحلّ الطعام عليه قال الذي عليه الطعام للدافع: ليس عندي طعام لكن بِعْني هذا الكُرِّ ـ ١٦٠