Indexed OCR Text
Pages 101-120
- طه ـ ((علماً)) حينئذ [وجهان](١)، أحدهما: أنه مفعولٌ به. قال الزمخشري(٢): ((وَجْهُه أنَّ وَسِع متعدٍّ إلى مفعولٍ واحد(٣). وأمَّا ((عِلْماً)) فانتصابُه على التمييز فاعلاً في المعنى. فلما ثُقُّل(٤) نُقِل إلى التعدية إلى مفعولَيْنِ فنصبُهما معاً على المفعولية؛ لأن المُميِّز فاعلٌ في المعنى، كما تقول في ((خاف زيد عمراً): (خَوَّفْت زيداً عمراً)) فتردُّ بالنقل ما كان فاعلا مفعولاً)). وقال أبو البقاء(٥): ((والمعنى: أعطى كل شيء عِلْماً)) فضمِّنه معنى أعطى. وما قاله الزمخشريُّ أوْلى. والوجه الثاني: أنه تمييزٌ أيضاً كما هو في قراءةِ التخفيفِ. قال أبو البقاء(٦): ((وفيه وجهٌ آخرُ: / وهو أن يكونَ بمعنى: عَظّم خَلْقَ كلِ شيءٍ(٧) [٦٢٣/أ] كالأرض والسماء، وهو بمعنى بَسَط، فيكون عِلْماً تمييزاً». وقال ابن عطية (٨): ((وسَّع خَلْقَ الأشياءِ وكَثَّرها بالاختراع». آ. (٩٩) قوله: ﴿كذلك نَقُصُّ﴾: الكافُ: إِمَّا نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ(٩) من ضمير ذلك المصدرِ المقدَّرِ. والتقديرُ: كقَصِّنا هذا النبأ الغريبَ نَقُصُّ. و((من أنباءِ» صفةٌ لمحذوفٍ هو مفعولُ نَقُصُّ أي: نَقُصُّ نبأ من أنباءٍ . (١) سقط من الأصل وأثبتناه من (ش). (٢) الكشاف ٥٥٢/٢. (٣) وهو ((كل شيء)). (٤) في قراءة مجاهد. (٥) الإِملاء ١٢٧/٢. (٦) الإملاء ١٢٧/٢. (٧) عبارة الإِملاء ((كلِّ شيءٍ عظيم)). (٨) المحرر ١٠٤/١١. (٩) الأصل ((حالاً» وهو سھو. ١٠١ - طـه ـ آ. (١٠٠) قوله: ﴿مَنْ أَعْرَضَ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ ((مَنْ)) شرطيةٌ أو موصولة. والجملةُ الشرطيةُ أو الخبريةُ الشبيهةُ بها في محلِّ نصبٍ صفةً لـ «ذكراً)». آ. (١٠١) قوله: ﴿خالدين): حالٌ مِنْ فاعل ((يَحْمِلُ)). فإنْ قيل: كيفَ [وقع] الجمْعُ حالاً من مفردٍ؟ فالجوابُ أنه حُمِل على لفظ ((مَنْ)) فَأَفْرِدَ الضميرُ في قولِه ((أَعْرَضَ)) و(فإنَّه)) و((يَحْمِلُ))، وعلى معناها فَجُمِعَ في ((خالدين)) و ((لهم)). والضميرُ في ((فيه)» يعود لـ ((وِزْراً». والمرادُ في العقاب المتسَبِّبِ عن الوِزْرِ وهو الذنبُ فَأُقيم السببُ مُقَامَ المُسَبَّبِ. وقرأ داود بن رفيع(١) ((يُحَمَّلُ)) مُضَعَّفاً مبنياً للمفعول والقائمُ مقَامَ فاعلِه ضميرُ ((مَنْ)). و((وِزْراً)) مفعولٌ ثانٍ. قوله: ((وساءَ)) هذه ((ساء)) التي بمعنى بِئْس. وفاعلُها مستترٌ فيها يعودُ على ((حِمْلًا)) المنصوب على التمييز، لأنَّ هذا البابَ يُفَسَّر الضمير فيه بمنا بعده. والتقديرُ: وساء الحِمْلِ حِمْلاً. والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ تقديرُه: وساء الحِمْل حِمْلاً وِزْرُهم. ولا يجوز أن يكون الفاعلُ لـ ((بْس))(٢) ضميرَ الوِزْرِ، لأنَّ شَرْطَ الضميرِ في هذا الباب أن يعودَ على نفس التمييز. فإن قلت(٣): ما أنكرْتَ أن يكونَ في («ساء)» ضميرُ الوِزْر؟ قلت: لا يَصِحُ أن يكونَ في ((ساء)» - وحكمُه حكمُ ((بئسٍ)) - ضميرُ شيءٍ بعينه غيرٍ مبهمٍ. ولا جائزٌ أن تكونَ ((ساء)) هنا بمعنى أهمَّ وأحزنَ، فتكونَ متصرفةً كسائر الأفعال. قال الزمخشري (٤): ((كفاك صادَّاً عنه أَنْ يَؤُول كلامُ الله تعالى إلى [قولِك]: وأحزن (١) انظر: البحر ٢٧٨/٦. وداود بن رفيع لم أقف على ترجمته. (٢) في الآية ((ساء)) وأورد بئس على أنها أمُّ الباب. (٣) هذا السؤال أورده الزمخشري في الكشاف ٥٥٢/٢. (٤) الكشاف ٠٥٥٢/٢ ١٠٢ - طه - الوزرُ لهم يومَ القيامة ◌ِمْلاً. وذلك بعد أن تَخْرَجَ عن عُهْدةِ هذه اللامِ وعُهْدَةٍ هذا المنصوب) انتهى . والسلامُ في ((لهم)) متعلقةٌ بمحذوفٍ على سبيلِ البيان، كهي في ((هَيْتَ لك))(١). آ. (١٠٢) قوله: ﴿يومَ يُنْفَحُ﴾: ((يومَ)) بدل من («يومَ القيامة)» أو بيانٌ له، أو منصوبٌ بإضمار فعل، أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وبُني على الفتحِ على رأي الكوفيين(٢) كقراءة ((هذا يومَ ينفع))(٣) وقد تقدم (٤). وقرأ أبو عمروٍ(٥) (نَنْفُخُ) مبنياً للفاعل بنونِ العظمة، أُسْنِدَ الفعلُ إلى الأمِر به تعظيماً للمأمورِ، وهو المَلَكُ إسرافيل. والباقون بالياءِ مضمومةً مفتوحَ الفاءِ على البناءِ للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعل الجارُّ والمجرورُ بعدَه. والعامَّةُ على إسكانٍ الواو(٦). وقرأ(٧) الحسنُ وابنُ عامٍ - في روايةٍ - بفتحها جمعَ «صُوْرَة)) كُغُرَف جمع غُرْفَة. وقد تقدَّم القولُ في ((الصور)) في الأنعام(٨). وقرىء(٩) ((يَنْفُخُ)) و ((يَحْشُر)) بالياءِ مفتوحةً مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى (١) الآية ٢٣ من يوسف. (٢) انظر: الارتشاف ٥٥٢/٢. (٣) الآية ١١٩ من المائدة. وهي قراءة نافع. انظر: الدر المصون ٥٢٠/٤. (٤) الدر المصون ٥٢٠/٤. (٥) التيسير ١٥٣، والقرطبي ٢٤٤/١١، والحجة ٤٦٣، والسبعة ٤٢٤، والبحر ٢٧٨/٦. (٦) من ((الصور)). (٧) المحتسب ٥٩/٢، والبحر ٢٧٨/٦، والقرطبي ٢٤٤/١١. (٨) انظر: الدر المصون ٤ /٦٩٣. (٩) نسب القرطبيُّ قراءةَ ((يَنْفُخُ)) إلى ابن هُرْمز. انظر: القرطبي ٢٤٤/١١، والبحر ٢٧٨/٦ . ١٠٣ :- طه ــ أو المَلَكُ. وقرأ الحسنُ وطلحةُ وحميدٌ ((يُنْفَخ)) كالجمهور و ((يَحْشر)» بالياءِ مفتوحةٌ مبنياً للفاعل. والفاعلُ كما تقدَّم ضمير الباري أو ضميرُ المَلَكِ. ورُوي عن الحسن أيضاً و((يُحْشَر)) مبنياً للمفعول («المجرمون)) رفعٌ به. و ((زُرْقاً» حال من المجرمين. والمراد زُرْقَةُ العيونِ. وجاءَتِ الحالُ هنا بصفةٍ تشبه اللازمةَ؛ لأنَّ أصلَها على عَدَمِ اللزومِ، ولو قلتَ في الكلامِ : ((جاءني زيدٌ أزرقَ العينِ) لم يَجُزْ إلاّ بتأويلٍ. آ. (١٠٣) قوله: ﴿يَتخافَتُون﴾: يجوز أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً ثانية من ((المجرمين))، وأن يكونَ حالاً من الضمير المستتر في ((زرقاً) فتكونَ حالاً متداخلةً إذ هي حالٌ من حال. ومعنى ((يَتَخافَتُون)) أي: يتسارُوْن فيما بينهم. وقوله: ((إنْ لَبْتُمْ إِلَّ)) هو مفعولُ المَسارَّة. وقوله: ((إِلَّ عَشْراً) يجوز أن يُرادَ الليالي، فَحَذْفُ التاءِ من العددِ قياسٌ، وأن يرادَ الأيامُ فُيُسألَ: لَم حُذِفَت التاء؟ فقيل: إنْ لم يُذْكَرِ المميّز في عددِ المذكرِ جازت التاءُ وعدمُها. سُمع من كلامهم ((صُمْنا من الشهر خمساً)(١) والمَصُوْمُ إنما هو الأيامُ دون الليالي. وفي الحديث: ((مَنْ صامَ رمضانَ وأتبعه بسِتُّ من شوال))(٢) وحَسُن الحذف هنا لكونه رأس آيةٍ وفاصلة . آ. (١٠٤) قوله: ﴿إِذ يقول﴾: منصوبٌ بـ ((أعلمُ)) و((طريقةٌ)) نصبٌ على التمييز. (١) وهي حكاية الكسائي عن أبي الجراح انظر: البحر ٢٧٩/٦. (٢) باب الصوم في: مسلم ٨٢٢/٢، وأبو داود ٨١٢/٢. ١٠٤ - طه ـ آ. (١٠٦) قوله: ﴿فَيَذَرُها﴾: في هذا الضميرِ قولان، أحدهما: أنه ضميرُ الأرضِ أُضْمِرَتْ للدلالةِ عليها. والثاني: ضمير الجبال، وذلك على حَذْفِ مضاف أي: فَيَذّرُ مراكزَها ومَقارَّها. و((نَذَرُ)) يجوز أن يكونَ بمعنى يُخَلِّيها، فيكونَ ((قاعاً)) حالً، وأن يكونَ بمعنى يترك التصييريةِ فيتعدَّى لاثنین فـ «قاعاً)) ثانيهما. وفي ((القاع)) أقوالٌ. فقيل(١): هو مستنقعُ الماء/ ولا يليقُ معناه هنا. [٦٢٣/ب] والثاني: أنه المنكشِفُ من الأرض. قاله مكي. الثالث: أنَّه المكانُ المستوي ومنه قول ضرار بن الخطاب(٢): ٣٣١٨- لَتَكُوْنَنَّ بالبطاحِ قُرَيْشٌ فَقْعَةَ القاع في أَكُفِّ الإِماءِ الرابع: أنه الأرضُ التي لا نباتَ فيها ولا بناءَ. والصَّفْصَفُ: الأرض المَلْساء. وقيل: المستوية، فهما قريبان من المترادِفِ. وجمعُ القاعِ : أقْوُع وأَقْواع وقِيْعان. آ. (١٠٧) قوله: ﴿لا تَرَىُ فيها عِوَجاً﴾: يجوز في هذه الجملةِ أن تكونَ مستأنفةً، وأن تكونَ حالاً من الجبال، ويجوزُ أن تكونَ صفةً للحال المتقدمةِ وهي ((قاعاً)) على أحدِ التأويلين، أو صفةً للمفعولِ الثاني على التأويل الآخر. والعِوَج: تقدم الكلامُ عليه(٣). قال الزمخشري(٤) هنا: ((فإنْ قلتَ: قد (١) هو قول الفراء في معاني القرآن ١٩١/٢. (٢) البحر ٢٧٠/٦. (٣) انظر: الدر المصون ٣٢٦/٣. (٤) الكشاف ٥٥٣/٢. ١٠٥ - طهـ فَرَّقوا بين العَوَجِ والعِوَج. قالوا: العِوَج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأَعْيان، والأرضُ عينٌ، فكيف صَحَّ فيها كَسْرُ العينِ؟ قلت: اختيارُ هذا اللفظِ له موقعٌ حَسَنّ بديعٌ في وصفِ الأرضِ بالاستواءِ والمَلاسة ونفيِ الاعوجاج عنها، على أبلغِ ما يكونُ: وذلك أنك لو عَمَدْتَ إلى قطعة أرضٍ فَسَوَّيْتَها، وبالَّغْتَ في التسوية على عينِك وعيونِ الْبُصَراء، واتَّفَقْتُمْ على أنّه لم نَبْقَ فيها اعوجاجٌ قطّ، ثم استَطْلَعْتَ رأي المهندس فيها وأمرته أن يَعْرِضَ استواءها على المقاييسِ الهندسيةِ لَعَثَّر فيها على ◌ِوَجٍ في غير موضعٍ ، لا يُدْرَكُ ذلكَ بحاسَّةٍ البصرِ، ولكن بالقياسِ الهندسِيِّ، فنفى اللَّهُ تعالى ذلك العِوَجَ الذي دَقَّ وَلَطْفَ عن الإدراك، اللهم إلّ بالقياس الذي يَعْرِفُه صاحبُ التقديرِ الهندسيِّ. وذلك الاعوجاجُ كمَّا لم يُذْرَْ إِلَّ بالقياسِ دون الإِحساسِ لَحِقَ بالمعاني فقيل فيهِ (عِوَج)) بالكسر)). والأُمْتُ (١): النُّبُّ اليسيرُ. يقال: مَذَّ حبلَه حتى ما فيه أَمْتُ. وقيل: الأمْتُ: التّلُّ، وهو قريبٌ من الأولِ. وقيل: الشُّقوقُ في الأرضِ. وقيل: لآکامُ . آ. (١٠٨) قوله: ﴿يومئذٍ﴾: منصوبٌ بـ ((يَتَِّعُون)). وقيل: بدلٌ من ((يوم القيامة))(٢). قاله الزمخشري(٣). وفيه نظرٌ للفصل الكثير. وأيضاً فإنه يبقىْ ((يَتَِّعُون)) غيرَ مرتبطٍ بما قبلَه، وبه يفوتُ المعنى. والتقدير: يومَ إذْ نُسِفَتْ الجبال. قوله: ((لا ◌ِوَج له)) يجوز أَنْ تكونَ الجملةُ مُستأنفةً، وأن تكونَ حالاً مِن (١) انظر: عمدة الحفاظ ٢٣. (٢) في الآية ١٠١. (٣) الكشاف ٥٥٣/٢. ١٠٦ - طه - («الداعي)). ويجوز أن تكونَ الجملةُ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ تقديره: يَتَبِعُونه اتِّباعاً لا يعِوَجَ له. والضميرُ في ((له)) فيه أوجهٌ، أظهرُها: أنه يعودُ على الداعي أي: لا عِوَجَ لدعائِه بل يَسْمع جميعَهم، فلا يميلُ إلى ناسٍ دونَ ناسٍ . وقيل(١): هو عائدٌ على ذلك المصدرِ المحذوفِ أي لا ◌ِوَج لذلك الاتِّباع. الثالث: أنَّ في الكلام قلباً. تقدیرُه لا ◌ِوَجَ لهم عنه. قوله: ((إلَّ هَمْساً) مفعولٌ به وهو استثناءٌ مفرغٌ. والهَمْسُ: الصوتُ الخفيُّ. قيل: هو تحريكُ الشفتين دون نطقٍ. قال الزمخشري(٢): ((هو الرِّكْزُ الخفيُّ. ومنه الحروفُ المهموسةُ)). وقيل: هو ما يُسْمع مِنْ وَقْعِ الأقدام على الأرض. ومنه هَمَسَتِ الإِبلُ: إذا سُمع ذلك مِنْ وَقْعِ أخفافِها على الأرض قال (٣): ٣٣١٩- وهُنَّ يَمْشِيْنَ بنا هَمِيْسا آ. (١٠٩) قوله: ﴿يومئذٍ﴾: بدلً ممَّا تقدم أو منصوب بما بعد ((لا)) عند مَنْ يُجيز ذلك. والتقديرُ: يومَ إذ يَتَّبِعُون لا تنفعُ الشفاعةُ. قوله: ((إلاَّ مَنْ أَذِن)) فيه أوجه. أحدُها: أنه منصوبٌ على المفعولِ به. والناصبُ له ((تَنْفَعُ)). و((مَنْ)) حينئذٍ واقعةٌ على المشفوعِ له. الثاني: أنه في محلِّ رفعٍ بدلا من الشفاعةِ، ولا بدَّ مِنْ حذفٍ مضافٍ تقديرُه: إلَّ شفاعةً مَنْ أَذِن له. الثالث: أنه منصوبٌ على الاستثناءِ من الشفاعةِ بتقدير المضاف المحذوف، وهو استثناءٌ متصلٌ على هذا. ويجوزُ أَنْ يكونَ استثناءً منقطعاً إذا لم تقدِّرْ شيئاً، وحينئذٍ يجوزُ أن يكونَ منصوباً وهي لغةُ الحجازِ، أو مرفوعاً وهو (١) وهو الوجه الثاني. (٢) الكشاف ٢/ ٥٥٤ . (٣) تقدم برقم ٨٥٩. ١٠٧ خطهـ لغة تميم. وكلُّ هذه الأوجهِ واضحةٌ ممَّا تقدم فلا أُطيل بتقريرها. و ((له)) في الموضعين للتعليل كقوله: ((وقال الذين كفروا للذين آمنوا))(١) أي: لأجله ولأجلهم . آ. (١١١) قوله: ﴿وَعَنَتِ الوجوهُ﴾: يُقال: عَنا يَعْنُو إذا ذَلَّ وَخَضَع(٢). وأَعْناه غيرُه أي: أذلَّه. ومنه العُنَاة (٣) جمع عانٍ. وهو الأسيرُ قال(٤): ٣٣٢٠- فيا رُبَّ مَكْروبٍ كرَرْتُ وراءَه وعانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عنه فَفَدَّاني وقال أمية بن أبي الصلت(٥): ٣٣٢١- مَلِيٌ على عَرْشِ السماء مُهَيْمِنٌ لِعِزَّته تَعْنُو الوجوهُ وتَسْجُدِ وفي الحديث: ((فإنَّهنَّ عَوانٍ))(٦). قوله: ((وقد خابَ)) يجوز أَنْ تكونَ هذه الجملةُ مستأنفةً، وأن تكونَ حالاً ، ويجوز أن تكونَ اعتراضاً. قال الزمخشري (٧): ((وقد خابَ وما بعده اعتراض (١) الآية ١١ من سورة الأحقاف والظاهر هنا أن تكون للتبليغ. (٢) وثمة لغةٌ ثانيةٌ ((عَنِيَ يُعْنَى)). اللسان (عنا). (٣) قال في الصحاح ((عنا)»: ((وقوم عُناةٌ ونسوة عَوانٍ)). (٤) البيت لامرىء القيس: وهو في ديوانه ٩٠. وقوله: ((فَدَّاني)) أي قال لي: فَدَتْك نفسي . (٥) تقدم برقم ١٧٣٤ . (٦) رواه ابن ماجه في كتاب النكاح، (٣) باب حق المرأة على الزوج ٥٩٤/١ . (٧) الكشاف ٥٥٤/٢ . ١٠٨ - طه - كقولك: خابوا وخَسِروا، وكلُّ مَنْ ظَلَم فهو خائبٌ خاسِرٌ))، ومرادُه بالاعتراضِ هنا أنَّه خَصَّ الوجوهَ بوجوهِ العصاةِ حتى تكونَ الجملةُ قد دَخَلَتْ بين العُصاةِ وبين ((ومَنْ يَعْمَلْ مِن الصالحاتِ)) فهذا/ عنده قسيمُ ((وعَنَتِ الوجوهُ)) فلهذا كان [٦٢٤/أ] اعتراضاً. وأمَّا ابنُ عطية(١) فجعل الوجوهَ عامة، فلذلك جعل ((وقد خابَ مَنْ حَمَل ظلماً)) معادَلاً بقولِه: ((ومَنْ يعملْ مِن الصالحاتِ)) إلى آخره. آ. (١١٢) قوله: ﴿وهو مؤمِنٌ﴾: جملةٌ حاليةٌ. وقوله: ((فلا يخافُ)). قرأ(٢) ابنُ كثيرٍ بجزمِه على النهي. والباقون برفعِه على النفي والاستئنافِ أي: فهو لا يَخافُ. والهَضْمُ: النَّقْصُ. تقول العرب: ((هَضَمْتُ لزيدٍ مِنْ حقي)) أي: نَقَصْتُ منه، ومنه ((هَضِيم الكَشْخَيْن))(٣) أي ضامِرُهما. ومِنْ ذلك أيضاً ((طَلْعُها هَضِيْمٍ))(٤) أي: دقيقُ متراكِبٌ، كأنَّ بعضَه يظلم بعضاً فيُنْقِصُه حقُّه. ورجل هضيم ومُهْتَضَم أي: مظلومٌ. وَضَمْتُه واهْتَضَمْتُه وَتَهَضَّمْتُه، كلٌ بمعنىٌّ. قال المتوكل الليثي(٥) : ٣٣٢٢ - إنَّ الأَزِلَّةَ واللِّئْامَ لَمَعْشَرٌ مَوْلاهُمُ المُتَّضِّمُ المظلومُ قيل: والظلمُ والهَضْمُ متقاربان. وفَرَّق القاضي الماوردي(٦) بينهما (١) المحرر ١٠٨/١١. (٢) السبعة ٤٢٤، والنشر ٣٢٢/٢، والتيسير ١٥٣، والقرطبي ٢٤٩/١١، والبحر ٢٨١/٦. (٣) الكشح: ما بين الخاصرة والضلوع. (٤) الآية ١٤٨ من الشعراء. (٥) تفسير الماوردي ٣١/٣، والقرطبي ٢٤٩/١١. (٦) تفسير الماوردي ٣١/٣. ١٠٩ - طب - فقال: ((الظلمُ مَنْعُ جميعِ الحقِّ، والهضمُ مَنْعُ بعضِه)). آ. (١١٣) قوله: ﴿وكذلك أَنْزَلْناه﴾: نسقُ على ((كذلك نَقُصُ))(١). قال الزمخشري (٢): ((ومِثْلُ ذلك الإِنزالِ، وكما أنزَلْنا عليك هؤلاء الآيات أَنْزَلْنا القرآنَ كلَّه على هذه الوتيرةِ». وقال غيرُه: ((والمعنى: كما قَدَّرْنا هذه الأمورَ وجَعَلْناها حقيقةً بالمرصادِ للعبادِ، كذلك حَذَّرْنا هؤلاء أمرَها وأنزَلْناه قرآناً». قوله: ((من الوعيدِ)) صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ أي: صَرَّفْنا في القرآنِ وعيداً مِن الوعيد، والمبرادُ به الجنسُ. ويجوزُ أَنْ تكونَ («مِنْ)) مزيدةً على رأيِ الأخفشِ (٣) في المفعولِ به. والتقديرُ: وصَرَّفْنا فيه الوعيدَ .. وقرأ(٤) الحسن ((أو يُحْدِثْ)) كالجماعة، إلاّ أنه سَكَّن لامَ الفعل. وعبد الله والحسنُ أيضاً في روايةٍ ومجاهدٌ وأبو حيوة: ((نُحْدِثْ)) بالنون وتسكينِ اللام أيضاً. وخُرِّجَ على إجراء الوصل مُجْرى الوقفِ، أو على تسكينِ الفعل استثقالاً للحركة، كقول امرىء القيس(٥): ٣٣٢٣ - فاليومَ أَشرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ وقول جرير(٦): (١) الآية ٩٩. (٢) الكشاف ٥٥٤/٢. (٣) حيث لا يشترط أن تسبق بنفي وأن يكون مجرورها نكرة، والأخفش هنا لم يقدر شيئاً في الآية. (٤) المحتسب ٥٩/٢، والبحر ٢٨١/٦ (٥) تقدم برقم ٤٧٠. (٦) تقدم برقم ٤٧١ برواية ((العربُ)). ١١٠ - طه ـ ٣٣٢٤- أو نهرُ تِيْرَىْ فلا تَعْرِفْكُمُ النَّفَرُ وقد فعلَه كما تقدَّم أبو عمروٍ في الراءِ خاصةً نحو (يَنْصُرْكم))(١). وقُرِىء ((تُحْدِثُ)) بتاء الخطاب أي: تُحْدِثُ أنت. آ. (١١٤) قوله: ﴿يُقْضِى إليك وحيُه﴾: العامَّةُ على بناء (يُقْضَىْ) للمفعولِ ورفعِ ((وَحْيُه)) لقيامه مقامَ الفاعلِ. والجحدري (٢) وأبو حيوةً والحسنُ - وهي قراءةُ عبد الله - ((نَقْضي)) بنون العظمة مبنياً للفاعلِ، ((وَحْيَه)) مفعول به. وقرأ الأعمشُ كذلك، إلاّ أنه سَكَّن لامَ الفعلِ (٣). استثقلَ الحركةَ وإن كانَتْ خفيفةً على حرفِ العلةِ. وقد تقدَّم لك منه شواهدُ عند قراءةِ ((مِنْ أوسطِ ما تُطْعِمُون أهالِيْكم))(٤). آ. (١١٥) وقرأ اليماني(٥) ((فَنْسِي)) بضم النون وتشديد(٦) السين بمعنى : نَسَّاه الشيطانُ. قوله: ((ولم نَجِدْ له عَزْما)) يجوزُ أن تكونَ ((وجد)» علميةٌ فتتعدّى لاثنين، وهما (له عَزْما))، وأنْ تكونَ بمعنى الإِصابة فتتعدى لواحدٍ، وهو ((عَزْما)). و((له)) (٤) من الآية ١٦٠ من آل عمران. لم يُشر إليها السمين في ((الدر المصون)) وإنما أشار إليها صاحب ((الإتحاف)) بقوله: ((وأسكن راء ((يُنْصُركم من بعده)) أبو عمرو، واختلس حركتها. وللدوري عنه الإتمام أيضاً كالباقين)). (٢) انظر في قراءاتها: النشر ٣٢٢/٢، والإتحاف ٢٥٧/٢، والبحر ٢٨٢/٦، والقرطبي ٢٥٠/١١. (٣) وقراءة العامة بإظهار حركة النصب عليها. (٤) الآية ٨٩ من المائدة، وهي قراءة جعفر الصادق. انظر: الدر المصون ٤٠٧/٤. (٥) البحر ٢٨٤/٦، والكشاف ٥٥٥/٢. (٦) الأصل (وتشد)) والتصويب من (ش). ١١١ - طـه ـ متعلقٌ بالوجدانِ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ ((عَزْما)) إذ هو في الأصل صفةٌ له قُدَّمَتْ عليه . : آ. (١١٦) قوله: ﴿أبى﴾: جملةٌ مستأنفةٌ لأنها جوابُ سؤالٍ مقدرٍ. أي: ما منعه مِن السجود؟ فأُجيب بأنه أبى واستكبر. ومفعولُ الإِباءِ يجوز أن يكونَ مُراداً. وقد صَرَّح به في الآيةِ الأخرى في قولِهِ («أبى أن يكونَ مع الساجدين))(١). وحَسَّنْ حَذْفَه هنا كونُ العامِلِ رأسَ فاصلةٍ، ويجوز أَنْ لا يُرادَ البتةَ، وأنَّ المعنى: إنه مِنْ أهلِ الإِباءِ والعصيانِ، من غيرٍ نظرٍ إلى متعلَّقِ الإِباء ما هو؟ آ. (١١٧) قوله: ﴿فَتَشْقَى﴾: منصوبٌ بإضمار ((أَنْ» في جواب النهي. والنهيُ في الصورةِ لإِبليس، والمرادُ به هما أي: لا تتعاطيا أسبابَ الخروجِ فيحصُلَ لكما الشقاءُ، وهو الكَدُّ والتعبُ الدنيوي خاصة. ويجوزُ أَنْ يكونَ مرفوعاً على الاستئنافِ أي: فأنت تَشْقَى. كذا قَدَّره الشيخ(٢). وهو بعيدً أو ممتنع؛ إذ ليس المقصودُ الإِخبارَ بأنه يشْقَى، بل إنْ وَقَعِ الإِخراجُ لهما من إبليسَ حَصَلَ ما ذكر. وأسند الشقاوةَ إليه دونَها؛ لأنَّ الأمورَ معصوبةٌ برؤوس الرجال. وحسِّن ذلك کونُه رأسَ فاصلةٍ . آ. (١١٨) قوله: ﴿أَنْ لا تجوعَ﴾: في محلٌ نصبِ اسماً لـ ((إنَّ). والخبرُ («لك)). والتقديرُ: إنَّ لك عَدَمَ الجوع والعريٍ. فـ ((تَعْرِىُ)) منصوبٌ تقديراً نَسَقاً على (تجوعَ)). والعُرْيُ: تجرُّدُ الجِلْدِ عن شيءٍ يَقيه. يُقال منه: عَرِي يَعْرَىْ عُرِيًّاً. قال الشاعر(٣): (١) الآية ٣١ من الحجر. (٢) البحر ٢٨٤/٦. (٣) البيت لمِرْداس بن أَذَنَّة، وهو في اللسان ((عجف)). ١١٢ - طه - ٣٣٢٥- وإنْ يَعْرَيْنَ إِن كُسِيَ الجَواري فَتَنْبُو العينُ عن كَرَمٍ عِجافٍ آ. (١١٩) قوله: ﴿وأنَّك لا تَظْمَأْ﴾: قرأ(١) نافع وأبو بكر (وإنك)) بكسرِ الهمزةِ. والباقون بفتحها. فَمَنْ كَسَرَ فيجوز أن يكونَ ذلك استئنافاً، وأن يكونَ نَسَقاً على ((إِنَّ)) الأولى. ومَنْ فتح فلأنَّه عَطَفَ مصدراً مؤولاً على اسمٍ ((إِنَّ)) الأولى. والخبرُ ((لك)) المتقدمُ. والتقديرُ: إنَّ لك عَدَمَ الجوعِ وعدمَ العُرِيِّ وَعَدَمَ الظمأ والضُّحا. وجاز أن تكون ((أنَّ)) بالفتح(٢) اسماً لـ((إِنَّ)) بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يَجُزْ. لو قلت: ((إن أنَّ زيداً قائم / [٦٢٤/ب] حَقٌّ))(٣) لم يَجُزْ فلمَّا فُصِل بينهما جاز. وتقول: ((إنَّ عندي أن زيداً قائم)» فـ ((عندي)) هو الخبرُ قُدِّم على الاسمِ وهو ((أنَّ) وما في تأويلها لكونه ظرفاً، والآيةُ من هذا القبيل؛ إذ التقديرُ: وإنَّ لك أنَّك لا تظمأ. وقال الزمخشري(٤): ((فإنْ قلت: ((إنَّ) لا تدخل على ((أنَّ) فلا يُقال: ((إنَّ أنَّ زيداً منطلق))، والواوُ نائبةً عن ((أنَّ) وقائمةٌ مقامَها فِلِمَ دَخَلَتْ عليها؟ قلت: الواوُ لم تُوْضَعْ لتكون أبداً نائيةً عن ((أنّ))، إنما هي نائبةً عن كلِّ عاملٍ، فلمّا لم تكنْ حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة كـ ((إنَّ) لم يمتنعْ اجتماعُهما كما [امتنع اجتماع](٥) إنَّ وأنَّ). وضّحَىْ يَضْحَى أي: برز للشمسٍ . قال عمر بن أبي ربيعة (٦): (١) السبعة ٤٢٤، والنشر ٣٢٢/٢، والتيسير ١٥٣، والبحر ٢٨٤/٦، الحجة ٤٦٤. (٢) في قوله: ((وأنك لا تظمأ)) وكونه اسماً لـ إنَّ بتقدير عطفه على المصدر المؤول ((أن لا تجوع». (٣) على تقدير: إنْ قیامَ زيدٍ حق. (٤) الكشاف ٥٥٦/٢ . (٥) الأصل: ((كما اجتمع)) والتصحيح من الكشاف. (٦) ديوانه ٩٤، واللسان (ضحا) والمغني ٧٩، والخزانة ٤٢١/٢. ويخصر: يبرد. والبيت كناية عن مواصلة السفر في الليل والنهار. ١١٣ - طبه - ٣٣٢٦- رَأَتْ رجلاً أَيْما إذا الشمسُ عارَضَتْ فَيَضْحِىْ وأَيْما بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ وذكر الزمخشريُّ(١) هنا معنىً حسناً في كونه تعالى ذكر هذه الأشياء بلفظ النفي، دونَ أَنْ يذكرَ أضدادَها بلفظِ الإِثباتِ. فيقول: إنَّ لك الشِّبَعَ وَالكِسْوةَ والرِّيَّ والاكتنانَ في الظُلِّ فقال: ((وَذَكَرَها بلفظِ النفيِ لنقائضِها التي هي الجوعُ والعُرِيُّ والظمأُ والضَّحْوُ ليطُرُقَ سمعَه بأسامي أصنافِ الشَّقْوَةِ التي حَذِّرَه منها حتى يَتحامى السببَ الموقعَ فيها کراهةٌ لها. آ. (١٢٠) قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إليه﴾: وَسْوَسَ إليه أي: أنهى إليه الوسوسةَ. وأمَّا وَسْوس له فمعناه لأجلِه. قال الزمخشري (٢): ((فإنْ قلتَ: كيف عَدَّى ((وَسْوس)))) تارة باللامِ في قوله: ((فَوَسْوَسَ لهما الشيطانُ))(٣) وأخرى بـ إلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطانِ كَوَلْوَلَةِ الثَّكْلِى وَوَقْوَقَةِ الدجاجة في أنها حكاياتٌ للأصواتِ، فحكمُها حكمُ صوتٍ أوِ جَرْسٍ (٤). ومنه وَسْوَسة المُبَرْسَم(٥)، وهو مُؤَسْوِس بالكسر. والفتحُ لحنٌ. وأنشد ابن الأعرابي(٦): ٣٣٢٧ - وَسْوَسَ يَدْعو مُخْلِصاْ رَبَّ الفَلَقْ فإذا قلت: وَسْوَسَ له فمعناه لأجلِه كقوله(٧) : (١) الكشاف ٥٥٦/٢ . (٢) الكشاف ٥٥٦/٢ . (٣) الآية ٢٠ من الأعراف. (٤) في الأصل ((واجرس» والتصويب من الكشاف. (٥) المبرسم: صاحب علة. (٦) تقدم برقم ٢١٦٣ . (٧) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في اللسان (جرس) وبعدها: الليلةَ فما لها إنفاش غير من السُّرَىْ وسائقٍ نَجَّاشٍٍ ١١٤ - طه - ٣٣٢٨ - أجْرِسٌ لها يا ابن أبي کِباشٍ ومعنى وَسْوس إليه: أنهى إليه الوَسْوَسة لكونه بمعنى ذكر له. ويكون بمعنی لأجله . آ. (١٢١) قوله: ﴿فَغَوَى﴾: الجمهورُ على فتح الواوٍ وبعدها ألفٌ. وتفسيرُها واضحٌ. وقيل: معناه بَشِمَ. من قولهم: ((غَوِي البعير)) بكسر الواو، والياء، إذا أصابه ذلك. وقد حكى أبو البقاء(١) هذه قراءةٌ وفسَّروها بهذا المعنى. قال الزمخشريُّ(٢): ((وعن بعضِهم: فَغَوى فبشِم من كثرة الأكل. وهذا - وإن صَحَّ على لغةٍ مَنْ يَقْلِبُ الياءَ المكسورَ ما قبلَها ألفاً فيقولُ في فَنِي وبَقِي: فَنا وبَقا وهم بنو طيِّىء - تفسيرٌ(٣) خبيثٌ)). قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على أنه قُرِىء بكسر الواو، ولو اطّلع عليها لَرَدَّها. وقد فَرَّ القائلُ بهذه المقالةِ مِنْ نسبةٍ آدمَ عليه السلام إلى الغَيِّ . آ. (١٢٤) قوله: ﴿ضَنْكاً﴾: صفةٌ لـ ((معيشة))، وأصلُه المصدرُ فلذلك لم يُؤَنَّثْ. ويقع للمفردِ والمثنى والمجموعِ بلفظٍ واحدٍ . وقرأ الجمهورُ ((ضَنْكا)) بالتنوين وَصْلاً وإبدالِه ألفاً وقفاً كسائرِ المعربات. وقرأت(٤) فرقةً قوله: ((ضنكی)» بألفٍ کسکری. وفي هذه الألف احتمالان، وأجْرَسَ الحادي: إذا حَدا للإبل. وانتهى اقتباس المؤلف من الكشاف عند نهاية البيت. = (١) الإملاء ١٢٨/٢. (٢) الكشاف ٥٥٧/٢ . (٣) قوله: ((تفسير)) خبر اسم الإشارة (وهذا)). (٤) بالإِمالة المحضة وهي قراءة الحسن كما في الإتحاف ٢٥٨/٢، والبحر ٢٨٧/٦، والقرطبي ٢٥٨/١١. ١١٥ - طهـ أحدهما: أنها بدلٌ من التنوين، وإنما أجرى الوصلَ مُجْری الوقف كنظائر له مَرَّتْ. وسيأتي منها بقيةٌ إن شاء الله تعالى. والثاني: أن تكونَ ألفَ التأنيث، بُني المصدرُ على فَعْلِى نحو دَغْوَىْ. والضَّنْكُ: الضِّيقُ والشِّدة. يُقال منه: ضَنُّكَ عيشُه يَضْنُكِ ضَنَّاكةٍ وضَنْكاً. وامرأة ضِناك كثيرةُ لحمِ البدنِ، كأنهم تخيَّلوا ضِيْقَ چِلْدِها به. وقرأ العامَّةُ ((ونَخْشُرُه)) بالنونِ وَرَفْعِ الفعلِ على الاستئناف. وقرأ(١) أبانُ ابن تغلب في آخرين بتسكينِ الراءِ. وهي محتملةً لوجهين، أحدُهما: أن يكونّ الفعلُ مجزوماً نَسَقاً على مَحَلِّ جزاء الشرط، وهو الجملةُ مِنْ قولِه ((فإنَّ له معيشةً)) فإنَّ محلّها الجزمُ، فهي كقراءةِ ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فلا هاديَ له وَيَذَرْهم))(٢) بتسكين الراء. والثاني: أَنْ يكونَ السكونُ سكونَ تخفيفٍ نحو ((یأمُرْکم» (٣) وبابِهِ . وقرأ(٤) فرقةٌ بياءِ الغَيْبة وهو اللَّهُ تعالى أو المَلَك. وأبان بن تغلب(٥) في رواية ((ونَحْشُره)) بسكونِ الهاء وصلاً. وتخريجُها: إمّا على لغةٍ بني عقيل وبني كلاب (٦)، وإِمَّا على إجراء الوصل مُجْرى الوقف. و((أعمى)) نصب على الحال. (١) المحتسب ٦٠/٢، والبحر ٢٨٧/٦. (٢) الآية ١٨٦ من الأعراف وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: الدر المصون ٥٢٧/٥. (٣) الآية ٦٧ من البقرة، وهي رواية عن أبي عمرو. انظر: الدر المصون ٤١٦/١. (٤) البحر ٢٨٧/٦. (٥) الكشاف ٥٥٨/٢ . (٦) فإنهم يسكنون هذه الهاء كما في البحر ٢٨٧/٦. : ١١٦ - طه - آ. (١٢٥) قوله: ﴿وقد كنتُ بَصيراً﴾: جملةٌ حالية من مفعول ((حَشَرْتني)). وفَتَحَ(١) الیاءَ مِنْ («حَشَرْتني» قبل الهمزةِ نافعٌ وابن کثیر. آ. (١٢٦) قوله: ﴿كذلك أَتْكَ﴾: قال أبو البقاء(٢): / [٦٢٥/أ] (كذلك)» في موضعِ نصبٍ أي: حَشْراً مثلَ ذلك، أو فَعَلْنا مثلَ ذلك، أو إتياناً مثلَ ذلك، أو جزاءً مثلَ إعراضِك أو نِسْيانً)). وهذه الأوجهُ التي قالها تكون الكافُ في بعضها نصباً على المصدر، وفي بعضها نَصْباً على المفعول به. ولم يذكر الزمخشريُّ (٣) فيه غيرَ المفعولِ به فقال: ((أي: مثلَ ذلك فَعَلْتَ أنت، ثم فُسِّر بأنَّ آياتِنا أَتَتْك واضحةٌ مستنيرةً فلم تنظر إليها بعينِ المُعْتَبِ». آ. (١٢٧) قوله: ﴿وكذلك نَجْزي مَنْ أَسْرَفَ﴾: أي: ومثلَ ذلك الجزاءِ نَجْزِي مَنْ أُسرف. آ. (١٢٨) قوله: ﴿أفلم يَهْدِ لهم﴾: في فاعل ((يَهْدِ)) أوجهٌ، أحدها: أنه ضميرُ الباري تعالى. ومعنى يَهْدي: يُبَيِّن. ومفعولُ يهدي محذوفٌ تقديرُه: أفلم يُبَيِّنِ اللَّهُ لهم العبرَ وفِعْلَه بالأمم المكذبة. قال أبو البقاء(٤): ((وفي فاعلِه وجهان، أحدهما: ضميرُ اسم الله تعالى، وعَلَّق ((بيّن))(٥) هنا إذ كانّتْ بمعنى اعلمْ، كما عَلَّقه في قولِه تعالى: ((وَتَبِيِّنَ لكم كيف فَعَلْنا بهم))(٦). قال (١) النشر ٣٢٣/٢، والتيسير ١٥٤، والإتحاف ٢٥٨/٢، والسبعة ٤٢٦. (٢) الإملاء ١٢٨/٢. (٣) الكشاف ٥٥٨/٢. (٤) الإملاء ١٢٨/٢. (٥) لأنه قَدَّر «یَهْدِ)) بمعنی یبین كما مرَّ. (٦) الآية ٤٥ من إبراهيم. ١١٧ - طه ـ الشيخ (١): و((كم)) هنا خبريةٌ لا تُعَلَّق العاملَ عنها)». وقال الزمخشري (٢): ((ويجوز أَنْ يكونَ فيه ضميرُ اللَّهِ أو الرسولِ. ويدلُّ عليه القراءةُ بالنونِ))(٣). الوجه الثاني (٤): أنَّ الفاعلَ مضمرٌ يُفَسِّره ما دَلَّ عليه من الكلامِ بعدَه. قال الحوفي: ((كم أَهْلكنا)) قد دَلَّ على هلاك القرون. التقدير: أفلم يَتْبِيِّن لهم هلاكُ مَنْ أَهْلكنا من القرون ومَحْوُ آثارِهم فيتَّعِظوا بذلك. وقال أبو البقاء(٥): «الفاعلُ ما دَلَّ عليه قوله: ((أَهْلكنا)) أي إهلاكنا والجملةُ مفسِّرةٌ له)). الوجه الثالث: أنَّ الفاعلَ نفسُ الجملة بعده. قال الزمخشري (٦): ((فاعلُ ((لم يَهْدِ)) الجملةُ بعده. يريدُ: ألم يَهْدِ لهم هذا بمعناه ومضمونِه. ونظيرُه قولُه تعالى: ((وَتَرَكْنا عليه فِي الآخِرين: سلامٌ على نوحٍ في العالمين)) (٧) أي تَرَكْنا عليه هذا الكلامَ)). قال الشيخ (٨): ((وكَوْنُ الجملةِ فاعلَ ((يَهْدٍ)) هو مذهبٌ كوفي. وأمَّا تشبيهُه وتنظيرُه بقولِه: ((وتَرَكْنا عليه في الآخِرِين: سلامٌ على نوحٍ في العالمين)) فإنَّ ((تركْنا)) معناه معنى القول، فحُكِيَتْ به الجملةُ كأنه قيل: وقُلْنا عليه وأَطْلقنا عليه هذا اللفظ، والجملةُ تُحْكَى بمعنى القولِ كما تُحْكَى بالقولِ)) (٩). (١) البحر ٢٨٩/٦. (٢) الكشاف ٥٥٨/٢. (٣) سيأتي تخريج هذه القراءة. (٤) الثاني عند السمين، أما الثاني عند أبي البقاء فسوف يَرِد بعد قليل. (٥) الإملاء ١٢٨/٢. الكشاف ٥٥٨/٢ (٦) (٧) الآية ٧٩ من الصافات. (٨) البحر ٢٨٩/٦. (٩) انظر المسألة في المغني: ٥٥٩. ١١٨ - طه ـ الوجهُ الرابعُ: أنه ضميرُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنه هو المُبَيِّن لهم بما يُوْحَى إليه من أخبار الأممِ السالفةِ والقرون الماضية. وهذا الوجهُ تقدَّم نَّقْلُه عن أبي القاسم الزمخشري(١). الوجهُ الخامسُ: أَنَّ الفاعلَ محذوفٌ، قال ابنُ عطية (٢) نقلًا عن غيره: (إن الفاعلَ مقدرٌ تقديرُه: الهُدى أو الأمرُ أو النظرُ والاعتبار» قال ابن عطية: ((وهذا عندي أحسنُ التقادير)». قال الشيخ (٣): ((وهو قولُ المبردِ، وليس بجيدٍ؛ إذ فيه حَذْفُ الفاعلِ وهو لا يجوز عند البصريين، وتحسينُهُ أَنْ يقالَ: الفاعل مضمر تقديره: يهد هو أي الهدى))، قلت: ليس في هذا القولِ أنَّ الفاعلَ محذوفٌ، بل فيه أنه مقدرً، ولفظُ (مقدرٌ)) كثيراً ما يُستعمل في المضمر. وأما مفعولُ ((يَهْدٍ)) ففيه وجهان أحدهما: أنه محذوف. والثاني: أن يكونَ الجملةَ من ((كم)) وما في حَيِّزها؛ لأنها معلِّقَةٌ له فهي سادَّة مَسَدَّ مفعولِه. الوجه السادس: أنَّ الفاعلَ ((كم))، قاله الحوفي وأنكره على قائله؛ لأنَّ (كم)) استفهامٌ لا يَعْمل فيها ما قبلها. قال الشيخ (٤): ((وليست هنا استفهاماً بل هي خبرية))(٥). واختار الشيخ أن يكون الفاعلُ ضميرَ الله تعالى فقال: ((وأحسنُ التخاريجِ أن يكونَ الفاعلُ ضميراً عائداً على الله تعالى فكأنه قال: أفلم يبيِّنِ الله. ومفعول ((يُبَيِّن)) محذوفٌ أي: العبر بإهلاك القرون السابقة. ثم قال: ((كم أَهْلَكْنا)) أي: كثيراً أَهْلَكْنا فـ((كم)) مفعولٌ بأهلكنا، والجملةُ كأنها مفسِّرةٌ للمفعولِ المحذوف لـ ((يَهْدِ)». (١) الكشاف ٥٥٨/٢ . (٢) المحرر ١١٤/١١. (٣) البحر ٢٨٩/٦ (٤) البحر ٢٨٩/٦. (٥) ويبقى حكم الصدارة لها ولو كانت خبرية. ١١٩ - طه ـ قوله ((من القرونِ)) في محلِّ نصبٍ نعتاً لـ ((كم)) لأنها نكرةً. ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً من النكرة. ولا يجوزُ أن يكونَ تمييزاً على قواعد البصريين(١)، و ((مِنْ)) داخلةٌ عليه على حَدِّ دخولِها على غيرِه من التمييزات لتعريفِه. وقرأ العامَّةُ ((يُهْدِ)) بِياءِ الغَيْبة. وتقدَّم الكلامُ في فاعلِه. وقرأ(٢) ابن عباس وأبو عبد الرحمن بالنونِ المُؤْذِنَةِ بالتعظيم، وهي (٣) مؤيدةٌ لكونِ الفاعلِ : في قراءةِ العامَّةِ ضميرَ الله تعالى . قوله: ((يَمْشُون)) حالٌ من القرون أو مِنْ مفعولِ ((أهلَكْنا)). والضميرُ على هذين عائدُ على القرونِ المُهْلَكة. ومعناه: إنَّا أهلكناكم وهم في حال. أَمْنٍ ومَشْيٍ وتَقَلَّبٍ في حاجاتهم كقوله: ((أَخَذْناهم بَغْتَة)) (٤) ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في (لهم)). والضميرُ في ((يَمْشُون)) على هذا عائدٌ على مَنْ عاد عليه الضمير في (لهم))، وهم المشركون المعاصرون لرسول الله صلَّى الله [٦٢٥/ب] عليه وسلَّم. والعاملُ فيها ((يَهْدِ)). / و[المعنى](٥): أنكم تَمْشُون في مساكن الأمم السالفةِ، وتتصرَّفون في بلادهم، فينبغي أَنْ تعتبروا لئلَّ يَخُلَّ بكم ما حلّ بهم .. وقرأ(٦) ابن السميفع ((يُمَشَّوْن)) مبنياً للمفعول مضعَّفاً؛ لأنه لَمَّا تَعْدَّى بالتضعيف جاز بناؤه للمفعول. آ. (١٢٩) قوله: ﴿وأَجَلّ مُسمّى﴾: في رفعه وجهان، أظهرُهما: عطفُه على ((كلمةٌ)) أي: ولولا أجلٌ مُسَمَّى لكان العذابُ لازماً لهم. (١) لأن التمييز عندهم نكرة، و((من)) هنا أصلية. (٢) القرطبي ٢٦٠/١١، والبحر ٢٨٨/٦. (٣) الأصل «وهو» وهو سھو. (٥) ما بين معقوفتين سقط من الأصل وأثبتناه من ( ش ). (٦) البحر ٢٨٩/٦. (٤) الآية ٤٤ من الأنعام. ١٢٠