Indexed OCR Text
Pages 581-600
- مريم - فقالوا: الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلاما ٣٢١٩- أَتَوْا ناري فقلتُ مَنُوْنَ أَنْتُمْ ومَنْ رأى التعديةَ بالهمزةِ قياساً، قال: ((آتانيه))(١). وهذه الأبحاثُ التي ذكرها الشيخُ معه ظاهرُه الأجوبة، فلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وقرأ الجمهورُ ((فَأَجَأْءَها))، أي: أَلْجأها وساقَها، ومنه قولُه(٢): أَجَأَْتْهُ المَخافةُ والرَّجَاءُ ٣٢٢٠ - وجارٍ سارَ مُعْتَمِداً إليكم وقرأ(٣) حَمَّاد بن سَلَمة ((فاجأَها)) بألفٍ بعد الفاء وهمزةٍ بعد الجيم، من المفاجأة، بزنة قابَلَها. ويقرأ(٤) بألفين صريحتين كأنهم خفَّفوا الهمزةَ بعد الجيمِ، وكذلك رُوِيَت بينَ بينَ. والجمهور على فتحِ الميم من ((المَخاض)) وهو وَجَعُ الولادةِ. وَرُوي(٥) عن ابن كثير بكسرٍ الميمِ ، فقيل: هما بمعنى. وقيل: المفتوح اسمُ مصدٍ كالعَطاء والسَّلام، والمكسورُ مصدرٌ كالقتال واللِّقاء، والفِعال قد جاء مِنْ واحد كالعِقاب والطّراق(٦). قاله أبو البقاء (٧). والميمُ أصليةٌ لأنه مِنْ تَمَخَّضَتِ الحامِلُ تتمخَّضُ. و((إلى جِذْعٍ)) يتعلقُ في قراءة العامَّة بـ ((أَجاءها))، أي: ساقَها إليه. (١) الأصل: ((آتيته)) والتصحيح من ((البحر)). (٢) البيت لزهير، وهو في ديوانه ٢٧٧، والقرطبي ٩٢/١١، ومعاني القرآن للزجاج ٣٢٤/٣، واللسان ( جياً ). (٣) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٩/٢، والقرطبي ٩٢/١١، والبحر ١٨٢/٦، والشواذ ٨٤. (٤) نسبها ابن خالويه في ((الشواذ)) إلى حماد بن سليمان عن عاصم. (٥) القرطبي ٩٢/١١، البحر ١٨٢/٦. (٦) الطراق: الضُّراب. (٧) الإِملاء ١١٢/٢. ٥٨١ - مريم - وفي قراءةٍ حَمَّاد بمحذوفٍ لأنه حالٌ من المفعولِ، أي: فاجَأَها مستندةً إلى جِذْع النخلة. قوله: ((نَسْيَاً)) الجمهورُ على كسرِ النون وسكون السين وبصريح الياء بعدها. وقرأ(١) حمزةُ وحفص وجماعة بفتح النون، فالمكسورُ فِعْل بمعنى مَفْعول كالذِّبْحِ والطَّحْنَ، ومعناه الشيءُ الحقيرُ الذي مِنْ شأنه أن يُنْسَى كالوَيِّدِ والحَبْلِ وخِرْقِةِ الطَّمْثِ ونحوِها. قال ابن الأنباري: ((مَنْ كسر فهو اسمٌ لما يُنْسَى كالنَّقْص اسمٌ لما يُنْقص، والمفتوحُ مصدرٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الوصفِ)). وقال الفراء(٢): ((هما لغتان كالوَتْر والوِتْر، الكسرُ أخَبُّ إليَّ)). وقرأ(٣) محمدُ بن كعب القَرَظِيُّ ((نِسْئًا)) بكسر النون، والهمزةُ بدلُ الياء. ورُوي عنه أيضاً وعن بكر بن حبيب (٤) السَّهْمي فتحٌّ مع الهمز. قالوا: وهو مِنْ نَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا صَبَبْتَ فيه ماءً فاستُهْلِك فيه، فالمكسورُ أيضاً كذلك الشيءُ المُسْتَهْلَكُ، والمفتوحُ مصدر كما كان ذلك من النُّسْيان ونَقَل ابن عطية عن بكر بن حبيب (نَسَا)) بفتح النون والسين والقصرِ كَعَصَا، كأنه جَعَل فَعَلا بمعنى مَّفْعول كالقَبَض بمعنى المَقْبوض. و((مَنْسِيَّا)) نعتٌ على المبالغةِ، وأصلُه مَنْسُوْي فَأُدْغم. وقرأ(٥) أبو جعفر (١) السبعة ٤٠٨، النشر ٣١٨/٢، التيسير ١٤٨، البحر ١٨٣/٦، الحجة ٤٤١. (٢) معاني القرآن ١٦٤/٢. (٣) القرطبي ٩٣/١١، البحر ١٨٣/٦، المحتسب ٤٠/٢. (٤) بكر بن حبيب السهمي، أخذ عن أبي إسحاق كان عالماً بالعربية في طبقة أبي عمرو بن العلاء وهو أكبر من الخليل. ولم تذكر وفاته. انظر: إنباه الرواة ٢٤٤/١، البغية ١/ ٤٦٢. (٥) البحر ١٨٣/٦، الكشاف ٥٠٦/٢. ٥٨٢ - مريم- والأعمش ((مِنْسِيًّا) بكسر الميم للإِتباع الكسرةِ السين، ولم يَعْتَدُوا بالساكن لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ كقولهم: ((مِنْتِن))(١) و((مِنْخِرٍ))(٢). آ. (٢٤) قوله: ﴿من تحتها﴾: قرأ(٣) الأخَوَان ونافع وحفص بكسر ميم ((مِنْ))، وجَرِّ ((تحتِها)) على الجار والمجرور. والباقون بفتحها ونصب ((تحتَها)). فالقراءةُ الأولى تقتضي أن يكونَ الفاعلُ في ((نادَىْ)» مضمراً وفيه تأويلان، أحدهما: هو جبريل ومعنى كونِه ((مِنْ تحتها)» أنه في مكانٍ أسفلَ منها. ويَدُل على ذلك قراءةُ ابنِ عباس (٤) ((فناداها مَلَكٌ مِنْ تحتها)، فَصَرَّح به. و ((مِنْ تحتِها)) على هذا فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ بالنداء، أي: جاء النداء مِنْ هذه الجهةِ. والثاني: أنه حالٌ من الفاعل، أي: فناداها(٥) وهو تحتها / . [٦٠٣ب] وثاني التأويلين: أنَّ الضمير لعيسى، أي: فناداها المولودُ مِنْ تحت ذَيْلها. والجارُّ فيه الوجهان: مِنْ كونِه متعلُّقاً بالنداء، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ. والثاني أوضح . والقراءةُ الثانية(٦): تكون فيها ((مَنْ)) موصولةً، والظرفُ صلتُها، والمرادُ بالموصولٍ: إمَّا جبريلُ، وإمَّا عيسى. قوله: ((أَلَّ تَحْزَني)) يجوزُ في ((أَنْ)) أَنْ تكونَ مفسرةً لتقدُّمِها ما هو بمعنى (١) المنتن: ذو الرائحة الكريهة والأصل فيه مُنْتِن. وانظر: اللسان (نتن). (٢) المَنْخِر: ثقب الأنف. (٣) السبعة ٤٠٨، النشر ٣١٨/٢، البحر ١٨٣/٦، التيسير ١٤٨، الحجة ٤٤١. (٤) البحر ١٨٣/٦. والأصل ((ابن عيسى)) وهو سهو. (٥) سقطت ألف ((فناداها)) من الأصل سهواً. (٦) ((مَنْ تحتَها )). ٥٨٣ - مريم - القول، و((لا)) على هذا ناهيةٌ، وحَذْفُ النونِ للجزم؛ وأَنْ تكونَ الناصبةَ و((لا)) حينئذٍ نافيةٌ، وحَذْفُ النونِ للنصبِ. وَمَحَلُّ ((أنْ)): إمَّا نصب أوجرِّ لأنها على حَذْفِ حرفِ الجر، أي: فناداها بكذا. والضمير في ((تحتها)): إمّا لمريمَ عليها السلام، وإِمَّا للنخلةِ، والأولُ أَوْلَىْ لتوافُقِ الضميرين. قوله: ((سَرِيًّا)) يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً أولَ، و ((تحتك)) مفعولٌ ثان لأنها بمعنى صَيَّر. ويجوز أن تكون بمعنى خَلَق، فتكون ((تحتك)) لغواً (١). والسَّرِيُّ فيه قولان، أحدهما: أنه الرجلُ المرتفعُ القَدْرِ، مِنْ سَرُوَ يَسْرُوِ كَشَرُف يَشْرُف، فهو سَرِيٍّ. وأصله(٢) سَرِيٌْ، فِأُعِلَّ إعلالَ سَيِّد(٣)، فلامُه واوٌ. والمرادُ به في الآية عيسى بن مريم عليه السلام، ويُجْمع ((سَرِيُّ)) على ((سَراة) بفتح السين، وسُرَواء كظُرَفاء، وهما جمعان شاذَّان(٤)، بل قياسُ جَمْعِه ((أَسْرِياء))، كغَنِيِّ وَأَغْنِياءِ. وقيل: السَّرِيُّ: مِنْ سَرَوْتُ الثوب، أي: نَزَعْتُه، وسَرَوْتُ الجُلَّ عن الفَرَس، أي: نَزَعْتُه. كأنَّ السّرِيَّ سَرَی ثوبَه، بخلاف المُدَّثِّر والمُتَزَمِّل. قاله الراغب(٥). والثاني: أنه النهرُ الصغير، ويناسِبُه ((فَكُلي واشربي)) واشتقاقه مِنْ سَرَىْ يَسْرِي، لأن الماءَ يَسْري فيه، فلامُه على هذا ياء، وأنشدوا للبيد(٦): (١) أي: لا يكون هذا الظرف عمدة. (٢) انظر: معجم مفردات الإعلال والإبدال للمحقق ١٤٠ . (٣) اجتمعت الياء والواو والنون وسبقت الأولى بالسكون فقلبت الواو ياءً وأدغمت الياء في الياء. (٤) انظر: شرح الشافية ١٣١/٢، ١٣٧. (٥) المفردات ٢٣١. (٦) ديوانه ٣٠٧، والقرطبي ٩٤/١١. والعرض: الناحية. المسجورة: العين المملوءة. II- ٥٨٤ - مريم - ٣٢٢١- فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ فَصَدَّا مَسْجورةٌ مُتَجاوزاً قُلَّمُها آ. (٢٥) قوله: ﴿وَهُزِّي إليكِ بِجِذْعٍ﴾: يجوز أَنْ تكونَ الباءُ في ((بجِذْعِ) زائدةً كهي في قولِه تعالى: ((ولا تُلْقُوا بَأَيْدِيكم))(١) [وقولِه: ](٢) . لا يَقْرَأْن بالسُّوَرِ ٣٢٢٢- وأنشد الطبري(٣): وأَسْفَلُه بِالمَرْخِ والشَّبَهَانِ ٣٢٢٣۔ بوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِّدرَ صَدْرُه أي: هُزِّي جِذْعَ النخلةِ. ويجوز أنْ يكونَ المفعولُ محذوفً، والجارّ حالٌ من ذلك المحذوفٍ تقديرُه: وهُزِّي إليك رُطَباً كائناً بجذع النخلة. ويجوز أن يكونَ هذا محمولاً على المعنى؛ إذِ التقدير: هُزِّي الثمرةَ بسبب هَزِّ الجِذْعِ، أي: انْفُضِي الْجِذْعِ. وإليه نحا الزمخشري(٤) فإنه قال: ((أو افْعَلي الهَزَّ کقوله(٥): ... يَجْرَحْ في عراقيِها نَصْلي ٣٢٢٤- قال الشيخ(٦): ((وفي هذه الآيةِ وفي قولِه تعالى: ((واضْمُمْ إليكَ والقلام: ضرب من النبت. ورواية الديوان ((وصَدَّعا)) بالواو. والضمير في = ((توسّطا)) للحمار والأتان. (١) الآية ١٩٥ من البقرة. (٢) تقدم برقم ٧٤٧ . (٣) البيت ليعلى الأحول اليشكري أو لرجل من عبد القيس وهو في تفسير الطبري ٧٢/١٦، واللسان ( شبه). والشبهان: ضرب من الرياحين. (٤) الكشاف ٥٠٧/٢. (٥) تقدم برقم ٣٠٦٨. (٦) البحر ١٨٤/٦. ٥٨٥ - مريم - جناحَكَ))(١) ما يَرُدُّ على القاعدةِ المقررة في علم النحو: من أنَّه لا يتعدّى فعلُ المضمرِ المتصل إلى ضميره المتصلِ إلا في باب ظنَّ، وفي لفظَتَيْ فَقَد وعَدِم، لا يُقالُ: ضَرَبْتَكَ ولَا ضَرَبْتُني، أي: ضربْتَ أَنت نفسَك وضربْتُ أنا نفسي، وإنما يُوتَى في هذا بالنفس، وحكمُ المجرورِ بالحرفِ حكمٌ المنصوبٍ فلا يقال: هَزَرْتَ إليك، ولا زيدٌ هَزَّ إليه، ولذلك جَعَلَ النجويون ((عن)) و((على)) اسْمَيْن في قولِ امرِىء القيس (٢): ٣٢٢٥_ دَعْ عنك نَهْباً صِيْحَ في حُجُراتِه ولكنْ حَدِيثاً ما حديثُ الرواحلِ وقول الآخر (٣): -. ٣٢٢٦ - هَوِّنْ عليكَ فإنَّ الأمورَ بِكَفِّ الإِلهِ مقادِيْرُها. وقد ثبت بذلك كونُهما اسمين لدخولِ حرفِ الجر عليهما في قوله(٤): ٣٢٢٧- غَدَتْ مِنْ عليهِ بعدما تَمَّ ظِمْوُها تَصِلُّ وعن قَيْضٍ بِبَيْدَاءَ مَجْهَلٍ وقول الآخر(٥): (١) الآية ٣٢ من القصص (٢) تقدم برقم ٢١٧٧ . (٣) تقدم برقم ٨٠. تقدم برقم ٧٩. (٤) (٥) البيت للقطامي وهو في ديوانه ٢٨، وابن يعيش ٤١/٨، والعيني ٢٩٧/٣، واللسان. (حبا)، ورصف المباني ٣٦٧، والمقرب ١٩٥/١، والحبيا: موضع. وقيل: مقابلة . ٥٨٦ - مريم - مِنْ عَنْ يمينِ الحُبِيًّا نظرةٌ قَبْلُ ٣٢٢٨- فقُلْتُ للرَّكْبِ لَمَّا أَنْ عَلا بِهِمُ وإمَّا ((إلى))(١) فحرفٌ بلا خلافٍ، فلا يمكنُ فيها أَنْ تكونَ اسماً كـ ((عَنْ)) و ((على)). ثم أجاب: بأنَّ ((إليك)) في الآيتين لا تتعلَّقُ بالفعلِ قبله، إنما تتعلَّقُ بمحذوفٍ على جهةِ البيان تقديرُه: أَعْني إليك)). قال: ((كما تَأَوَّلوا ذلك في قوله: (إني لكما من الناصحين))(٢) في أحد الأوجه)). قلت: وفي ذلك جوابان آخران، أحدهما: أن الفعلَ الممنوعَ إلى الضمير المتصل إنما هو حيث يكون الفعلُ واقعاً بذلك الضمير، والضميرُ مَحَلٌّ له نحو: (دَعْ عنك)) ((وَهَوِّنْ عليك)) وأمَّا الهَزُّ والضَّمُّ فليسا واقعين بالكاف فلا محذورَ. والثاني: أنَّ الكلامَ على حذفٍ مضافٍ تقديره(٣): هُزِّي إلى جهتِكِ ونحوك، واضمُمْ إلى جهتِك ونحوك. قوله: ((تُساقِطْ)) قرأ حمزة(٤) ((تَسَاقَطْ)) بفتح التاء وتخفيفِ السين وفتح القاف. والباقون - غيرَ حفصٍ - كذلك إلا أنَّهم شَدَّدوا السين، وحفص بضم التاء وتخفيفِ السين وكسر القاف. فأصلُ قراءةٍ غيرِ حفص (تتساقط)) بتاءين، مضارعَ ((تساقَطَ)) فحذف حمزةُ إحدى التاءين تخفيفاً نحو: ((تَنَزَّلُ))(٥) و ((تَذَكَّرون))(٦)، والباقون أدغموا التاءَ في السُّيْن. وقراءةُ حفص مضارع ((ساقَطَ)). (١) في مطبوعة البحر: ((على)) وهو خطأ مطبعي. (٢) الآية ٢١ من الأعراف. وانظر أوجه الإعراب في الدر المصون ٢٧٩/٥. (٣) الأصل تقدير. وهو سهو. (٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٠٩، التيسير ١٤٩، القرطبي ٩٤/١١، النشر ٣١٨/٢، البحر ١٨٤/٦، الحجة ٤٤٢، المحتسب ٤٠/٢. (٥) الآية ٤ من القدر. (٦) الآية ١٥٢ من الأنعام. ٥٨٧ - مريم - وقرأ الأعمش والبراء بن عازب(١) ((يَسَّاقَطْ)) كالجماعة إلا أنه بالياءِ مِنْ تحتُ، أدغم التاء في السين، إذ الأصلُ: يتساقط فهو مضارع ((اسَّاقط)) وأصلُهِ يَتْساقط، فأُدْغم واجْتُلِبَتْ همزةُ الوصل كـ ((ادَّارَأ)» في تَدَارَاً. [٦٠٤أ] ونُقل عن أبي حيوة ثلاثُ قراءاتٍ: / وافقه مسروقُ في الأولى، وهي (تُسْقِط)) بضم التاء وسكون السين وكسر القاف مِنْ أَسْقَط. والثانية كذلك إلا أنه بالياء مِنْ تحت. الثالثة كذلك إلا أنه رفع ((رُطَباً جَنِيًّا)) بالفاعلية. وقُرِىء(٢) (تَتَساقط)) بتاءين مِنْ فوقُ، وهو أصلُ قراءةِ الجماعة. وتَسْقُط ويَسْقُط(٣) بفتح التاء والياء وسكون السين وضَمِّ القاف. فَرَفْعُ الرُّطَّبِ بالفاعلية، وتعطي من الأفعال ما يوافقه في القراءات المتقدمة. ومَنْ قرأ بالتاءِ مِنْ فوقُ فالفعلُ مسندٌ: إمَّا للنخلة، وإمَّا للثمرةِ المفهومة من السِّياق، وإمَّا للحِذْعِ. وجاز تأنيثُ فِعْلِه لإِضافِه إلى مؤنث، فهو كقوله (٤). كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدَّمِ ٣٢٢٩- وكقراءة ((تَلْتَقِظْه بعض السيارة))(٥). ومَنْ قرأ بالياء مِنْ تحتُ فالضمير للجِذْع وقيل: للثمر المدلولِ عليه بالسياق. وأمَّا نَصْبُ ((رُطَبأ) فلا يَخْرُجُ عن كونِه تمييزاً أو حالاً موطِّئة إِنْ كانِ. الفعل قبلَه لازماً، أو مفعولاً به إن كان الفعل متعدِّياً، والذكيُّ يَرُدُّ كلَّ شيء (١) البراء بن عازب الخزرجي أبو عمارة، صحابي فاتح، روى له البخاري ومسلم توفي سنة ٧١هـ. انظر: طبقات ابن سعد ٤ /٨٠، الإصابة ١٤٢/١. (٢) وهي قراءةُ أبي السَّمَّال كما في الشواذ ٨٤. (٣) روايتان عن أبي حيوة كما في الشواذ ٨٤. (٤) تقدم برقم ٥٤٢. (٥) وهي قراءة الحسن. انظر: الدر المصون ٤٤٧/٦، والآية ١٠ من يوسف. ٥٨٨ - مريم - إلى ما يليق به من القراءات. وجَوَّز المبردُ في نصبه وجهاً غريباً: وهو أَنْ يكونَ مفعولاً به بـ ((هُزَّيْ)) وعلى هذا فتكون المسألة من باب التنازع في بعض القراءات: وهي أَنْ يكونَ الفعلُ فيها متعدِّياً، وتكونَ المسألةُ من إعمال الثاني للحذف من الأول. وقرأ(١) طلحة بن سليمان ((جَنِيَّ) بكسرِ الجيم إتباعاً لكسرةِ النون. والرُّطَبُ: اسمُ جنسٍ لِرُطَبَة بخلافٍ ((تُخَم)) فإنَّه لتُخَمة، والفرق: أنهم لَزِموا تذكيرَه فقالوا: هو الرُّطَبُ، وتأنيثَ ذاك فقالوا: هي النُّخَم، فذكَّروا ((الرطب)) باعتبار الجنس، وأَنَّثوا ((التُّخَم)) باعتبار الجمعية، وهو فرقٌ لطيفٌ. ويُجْمَعُ على ((أَرْطاب)) شذوذاً كُرُبَع(٢) وَأَرْباع. والرُّطَب: ما قُطِع قبل يِّبْسِه وجَفافِهِ، وخُصِّ الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ من التَّمْرِ. وَأَرْطَبَ النخلُ نحو: أَتْمَرَ وَأَجْنَى. والجَنِيُّ : ما طابَ وصَلُحَ للاجْتِناء. وهو فَعيِل بمعنى مفعول وقيل: بمعنى فاعِل، أي: طَرِيّاً، والجَنَى والجَنِيُّ أيضاً: المُجْتَنَى من العَسَلِ، وأَجْنَى الشجرُ: أَدْرَكْ ثَمَرُهُ، وَأَجْنَتِ الأرضُ كَثُرَ جَناها. واسْتُعير من ذلك (جَنَى فلانٌ جنايةً)) كما استعير («اجْتَرَم جريمةً». آ. (٢٦) قوله: ﴿وَقَرِّيْ عَيْنَ﴾: ((عَيْنَاً)) نصبٌ على التمييز منقولٌ من الفاعل، إذ الأصلُ: لِتَقَرَّ عينُك. والعامَّة على فتحِ القاف مِنْ («قَرِّيْ)) أمراً مِنْ قَرَّتْ عَيْنُه تَقَرُّ، بكسر العين في الماضي، وفتحِها في المضارع. وقُرِىء(٣) بكسرِ القاف، وهي لغةُ نجدٍ يقولون: قَرَّتْ عينُه تَقِرُّ بفتح (١) المحتسب ٤١/٢، والبحر ١٨٥/٦. (٢) الرُّبَع: الفصيل ينتج في الربيع. (٣) البحر ١٨٥/٦، القرطبي ٩٦/١١. ٥٨٩ - مريم - العين في الماضي وكسرِها في المضارع، والمشهورُ أن مكسورَ العين في الماضي للعين، والمفتوحَها في المكان. يقال: قَرَرْتُ بالمكانِ أَقِرُّ به، وقد يُقال: قَرِرْتُ بالمكان بالكسر. وسيأتي ذلك في قوله تعالى ((وَقَوْنَ في بيوتكن))(١). وفي وَصْفِ العين بذلك تأويلان، أحدُهما: أنَّه مأخوذٌ مِنَ ((القُرّ)) وهو البَرْدُ: وذلك أنَّ العينَ إذا فَرِح صاحبُها كان دَمْعُها قارّاً أي بارداً، وإذا حَزِن كان حَرَّاً(٢) ولذلك قالوا في الدعاء عليه: ((أَسْخَنَ اللَّهُ عينُه)»، وفي الدعاء له: («أقرَّ اللَّهُ عينَه. وما أَحْلَى قولَ أبي تمام(٣): ٣٢٣٠- فأمَّا عيونُ العاشقينَ فَأُسْخِنَتْ والثاني: أنه مأخوذٌ من الاستقرار، والمعنى: أعطاه الله ما يُسَكِّنُ عينَه فلا تطمحُ إلى غيره . وأمَّا عيونُ الشامتينَ فَقَرَّتِ قوله: ((فإمَّا تَرَبِنَّ)) دخلت ((إِنْ)) الشرطية على ((ما)) الزائدة للتوكيد، فَأُدْغِمَتِ فيها، وكُتِبَتْ متصلةً. و((تَرَبِنَّ) تقدَّم تصريفُه(٤). والعامَّةُ على صريح الياء المكسورة وقرأ(٥) أبو عمروٍ في رواية ((تَرَئِنَّ)» بهمزة مكسورةٍ بدلَ (١) الآية ٣٣ من الأحزاب. (٢) ش: ((حاراً)) وهي أنسب للسياق. (٣) ديوانه ٣٠٠/١. -- - (٤) لم يسبق أن تقدَّم تصريفه، لأنه لم يرد في آيةٍ سابقة. قلت في ((معجم مفردات الإبدال والإِعلال)) ٣٨٤: ((فعل مضارع معتل اللام مؤكد بالنون الثقيلة مسند إلى ياء المؤنثة المخاطبة وزنه تَفَيِنَّ أصله قبل التوكيد: تَرْأَبِيْنَ استثقلت الكسرة على الياء فحذفَت فالتقى ساكنان، حذفت اللام فصار تَرْأَيْنَ نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم حذفت الهمزة للتخفيف فصار تَرَيْنَ ثم دخل الجازم، فحذفت نون الرفع، فصار تَرَيْ، ثم أكد بالنون فالتقى ساكنان فحركت الياء بحركة تجانسها وهي الكبيرة فصار تَرَیِنَّ». وانظر: معاني القرآن للزجاج ٣٢٦/٣، والحلبيات ٨٧، وشرح التصريح ٥٧/١. (٥) في رواية ابن الرومي. انظر في قراءاتها: الشواذ ٨٤، والبحر ١٨٥/٦، والمحتسب ٤٢/٢ ٥٩٠ - مريم - الياء، وكذلك رُوي عنه ((لَتَرَوَّنَّ))(١) بإبدالِ الواوِ همزةً. قال الزمخشري(٢): «هذا مِنْ لغةٍ مَنْ يقول: لَبَأْتُ بالحَجِّ وحَلَّتُ السَّوِيْقَ)) - يعني بالهمز - وذلك لتآخٍ بين الهمز وحروف اللين». وتجرَّأ ابن خالَوَيْه(٣) على أبي عمرو فقال: (هو لحن عند أكثر النحویین)). وقرأ أبو جعفر قارىءُ المدينةِ وشيبة وطلحة ((تَرَيْنَ)) بياءٍ ساكنة ونونٍ خفيفة. قال ابن جني (٤): (وهي شاذّةً)). قلت: لأنه كان ينبغي أَنْ يُؤْثِّر الجازمُ، وتُحذفَ نونُ الرفع. كقول الأَقْوِه(٥): ٣٢٣١ - إِمَّا تَرَيْ رَأْسِيَ أَزْرَى به ماسُ زمانٍ ذي انتكاثٍ مُؤْسٍ ولم يؤثِّرْ هنا شُذوذاً. وهذا نظيرُ قولِ الآخر(٦): يومَ الصُّلَيْفاءِ لم يُؤْفُوْنَ بالجارِ ٣٢٣٢- لولا فَوارسُ مِنْ نُعْمٍ وأُسْرَتِهِمْ فلم يُعْمِلْ ((لم))، وأبقى نونَ الرفعِ . و ((من البشر)) حالٌ من ((أحداً)) لأنه لو تأخّر لكان وصفاً. وقال أبو البقاء(٧): ((أو مفعول)) يعني أنه متعلِّق بنفسِ الفعل قبله. قوله: ((فَقُولِيْ)) بين هذا الجوابِ وشرطِه جملةٌ محذوفةٌ، تقديرُه: فإمَّا (١) من الآية ٦ من التكاثر ((لَتَرَوُنَّ الجحيم)). وانظر: البحر ٥٠٨/٨، المحتسب ٠٣٧١/٢ (٢) الكشاف ٥٠٧/٢. ٤ (٤) المحتسب ٤٢/٢. (٣) الشواذ له ٨٤. (٥) البحر ١٨٥/٦. والماس: الطيش، والمؤوس: الإفساد والبيت مكسور. (٦) لم أهتدِ إلى قائله. وهو في المحتسب ٤٢/٢، وابن يعيش ٨/٧، واللسان (صلف)، والهمع ٥٦/٢، والدرر ٧٢/٢. ويوم الصليفاء من أيام العرب. (٧) الإِملاء ١١٣/٢. ٥٩١ - مريم - تَرَبِنَّ من البشر أحداً فسألكِ الكلامَ فَقُولِي. وبهذا المقدَّر نَخْلُصُ مِن [٦٠٤ ب] إشكالٍ: وهو أنَّ قولَها ((فلن أُكَلِّمَ اليومَ إِنْسِيًّا)) / كلامٌ، فيكون ذلك تناقضاً؛ لأنها قد كَلَّمَتْ إِنْسِيَّأَ بهذا الكلامِ. وجوابُه ما تَقَدَّم. وقيل: المرادُ بقوله ((فقُولي)) إلى آخره، أنه بالإِشارة. وليس بشيء. بل المعنى: فلن أكلُّمَ اليومَ إنْسِيّاً بعد هذا الكلام. وقرأ(١) زيد بن علي ((صِيام) بدل ((صوم))، وهما مصدران. آ. (٢٧) قوله: ﴿فَأَتَتْ بِه قومَها تَحْمِلُه﴾: ((به)»في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ فاعل ((أَتَتْ))، أي: أتّتْ مصاحِبَةً له نحو: جاء بثيابِهِ، أي : ملتبساً بها. ويجوز أَنْ تكونَ الباءُ متعلِّقةً بالإِتيان. وأمَّا تَحَمُّلُه فيجوز أن يكونَ حالاً ثانية مِنْ فاعل ((أَتَتْ)). ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الهاء في ((به)). وظاهرُ كلام أبي (٢) البقاء أنها حالٌ من ضمير مريم وعيسى معاً وفيه نظرٌ. قوله: ((شيئاً)) مفعولٌ به، أي: فَعَلْتِ. أو مصدرٌ، أي: نوعاً من المجيء فَرِيَّاً. والفَرِيُّ: العظيم من الأمر، يقالُ في الخير والشرِّ. وقيل: الفَرِيُّ: العجيب. وقيل المُفْتَعَلُ(٣). ومن الأول، الحديثُ في وصف عمرَ رضي الله عنه(٤): فلم أرَ عبقَرِيّاً يَفْرِيْ فَرِيَّه)». والفَرْيُ: قَطْعُ الجِلْد للخَرْزِ والإِصلاح. والإِفراء: إفسادُه. وفي المثل(٥): جاء يَفْري الفَرِيَّ، أي: يعمل (١) البحر ١٨٥/٦. (٢) الإملاء ١١٣/٢. (٣) قال الماوردي في تفسيره ٥٢٤: ((المتصنّع مأخوذ من الفرية وهو الكذب، قاله الیزیدي)». (٤) انظر: النهاية ٤٤٢/٣. ويُروى ((فَرْيَهُ)) وحُكي عن الخليل أنه أنكر التثقيل وغلِّط. قائله. والحديث رواه البخاري. ٦٢ كتاب فضائل الصحابة، ٦ باب مناقب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه. (الفتح ٤١/٧)، وابن حنبل ٣٩/٢. (٥) مجمع الأمثال ١٧٧/١. ٥٩٢ ۔۔ - مريم - العملَ العظيم. وقال(١): ٣٢٣٣- فَلَأَنْتَ تَقْرِيْ ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْري وقرأ أبو حيوة فيما نَقَل عنه ابن خالويه(٢) (فَرِيْئًا) بالهمز. وفيما نقل ابن عطية ((فَرْياً)) بسكون الراء. آ. (٢٨) وقرأ(٣) عُمَرُ بن لجأ ((ما كان أباك امرُؤُ سَوْءٍ)) جَعَلَ النكرةَ الاسمَ، والمعرفةَ الخبرَ، كقوله (٤): يكونُ مِزاجَها عَسَلٌ ومَاءُ ٣٢٣٤ - [وكقوله: ](٥) ولا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الوَدَأْعا ٣٢٣٥- وهنا أحسنُ لوجودِ الإِضافةِ في الاسم. آ. (٢٩) قوله: ﴿فَأَشَارَتْ﴾: الإِشارةُ معروفةٌ تكونُ باليد والعين وغير ذلك وألفُها عن ياءٍ. وأنشدوا لكثير (٦): (١) تقدم برقم ٢٦١. (٢) الشواذ ٨٤. (٣) البحر ١٨٦/٦، القرطبي ١٠١/١١. وعمر بن لجأ التيمي من بني تميم بن عبد مناة. شاعر من شعراء العصر الأموي اشتهر بما كان بينه وبين جرير من مفاخرات ومعارضات. توفي سنة ١٠٥. انظر: الخزانة ٣٦٠/١، تاج العروس (لجأ) ١١٥/١، والأعلام ٥٩/٥. ووقع في الأصل « عمرو» بإقحام الواو. (٤) تقدم برقم ١٨٢٩ . (٥) تقدم برقم ٢٥٧٠ . (٦) البيت في البحر ١٧٠/٦، والهمع ٨٩/٢. ومخامر: أي مخالط. وما يقوله السمين = ٥٩٣ - مريم - ٣٢٣٠- فقلتُ وفي الأحشاءِ داءٌ مُخامِرٌ أَلا حَبَّذا يا عَزُّ ذاكَ التَّشايُرُ قوله: ((مَنْ كان ◌َفِي المَهْدِ صَبِيًّا)) في ((كان)) هذه أقوالٌ. أحدُها: أنها زائدةٌ وهو قولُ أبي عبيدٍ، أي: كيف نُكَلَّمُ مَنْ في المهد. و((صَبِيًّا)) على هذا نصبٌ على الحالِ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِ الواقع صلةً. وقد رَدَّ أبو بكرٍ (١) هذا القولَ - أعني كونَها زائدةً - بأنها لو كانَتْ زائدةً لَمَا نَصَبَتِ الخبرَ، وهذه قد نصبَتْ ((صَبيًّا)). وهذا الردُّ مردودٌ بما ذكرتُه مِنْ نصبِه علی الحال لا الخبر. الثاني: أنها تامةٌ بمعنى حَدَث ووُجد. والتقدير: كيف نكلِّم مُنْ وُجِد صبيًّا، و((صَبِيّا)) حال من الضمير في ((كان)). الثالث: أنها بمعنى صار، أي: كيف نُكَلِّم مَنْ صار في المهدِ صَبِيًّا، و((صَبِيًّا)) على هذا خبرُها، فهو كقوله(٢): قَطا الحَزْن قد كانَتْ فِراخاً بُوضُها ٣٢٣٧- الرابع: أنها الناقصةُ على بابها مِنْ دلالتها على اقتران مضمونٍ الجملة بالزمان الماضي مِنْ غيرِ تَعَرُّضٍ للانقطاع كقوله تعالى: ((وكان الله غفوراً رحيماً)) (٣)، ولذلك يُعَبَّر عنها بأنها ترادِف ((لم تُزَلْ)). قال الزمخشري (٤): ((كان)» لإِيقاع مضمون الجملة في زمانٍ ماضٍ مبهمٍ صالحٍ القريب والبعيد. نقله عن البحر وهو خلاف ما تنصّ عليه كتب اللغة من أن ألفها عن واو، والسمين = نفسه عقد مادة ((شور)) في ((عمدة الحفاظ)) ٢٨١، ولم يذكر مادة شير. وقال في اللسان: أشار إليه وشُوَّرَ: أومأ. أمَّا البيت فلعله تصحيف أو شاذ. وروايته الثانية ((التساتر)). ولم يرد البيت في قصائد الديوان. (١) وهو ابن الأنباري كما في البحر ١٨٧/٦. (٢) تقدم برقم ٣٦٤. (٣) الآية ٩٦ من النساء. (٤) الكشاف ٥٠٨/٢. ٥٩٤ - مريم - وهو هنا لقريبِهِ خاصةً، والدالُّ عليه معنى(١) الكلام، وأنه مسوقٌ للتعجب. ووجه آخر: وهو أَنْ يكونَ «نُكلُّمُ» حكاية حالٍ ماضيةٍ، أي: کیف ◌ُهِد قبل عيسى أَنْ يُكَلِّمَ الناسَ صبيًّا في المهد حتى نُكَلُّمَه نحن»؟ وأمَّا (مَنْ)) فالظاهرُ أنَّها موصولةٌ بمعنى الذي. ويَضْعُفُ جَعْلُها نكرةً موصوفة، أي: كيف نُكَلِّم شخصاً أو مولوداً. وجَوَّز الفراء (٢) والزجاج(٣) فيها أَنْ تكون شرطيةً. و((كان)) بمعنى ((يكنْ))، وجوابُ (٤) الشرطِ: إِمَّا متقدِّمٌ وهو: ((كيف نُكَلِّم)»، أو محذوفٌ لدلالةِ هذا عليه، أي: مَنْ يكنْ في المهدِ صبياً فكيف نُكَلِّمه؟ فهي على هذا مرفوعةُ المحلِّ بالابتداءِ، وعلى ما قبله منصوبتُه بـ ((نكلِّم)). وإذا قيل بأنَّ ((كان)) زائدةٌ. هل تتحمَّل ضميراً أم لا؟ فيه خلاف، ومَنْ جَوَّز استدلَّ بقوله(٥): ٣٢٣٨- فكيف إذا مَرَرْتَ بدارٍ قومٍ وجيرانٍ لنا كانوا كرام. فرفع بها الواوَ. ومَنْ منع تأوَّل البيتَ بأنها غيرُ زائدةٍ، وأنَّ خبرَها هو (لنا)) قُدِّم عليها، وفُصِل بالجملة بين الصفة والموصوف. وأبو عمروٍ(٦) يُذْغم الدالَ في الصاد. والأكثرون على أنه إخفاءٌ. آ. (٣١) قوله: ﴿أينما كنتُ﴾: هذه شرطيةٌ. وجوابُها: إمَّا محذوفٌ مَدْلولٌ عليه بما تقدَّمَ، أي: أينما كنتُ جَعَلني مباركاً، وإمَّا متقدِّمٌ (١) الكشاف: مبنى. (٢) ليس في كتابه معاني القرآن. (٣) معاني القرآن له ٣٢٨/٣. (٤) الأصل وجوابها وهو سهو. (٥) تقدم برقم ٧٥٦. (٦) انظر: الإقناع لابن الباخش ٢١٢/١. ٥٩٥ - مريم - عند مَنْ يرى ذلك. ولا جائزٌ أن تكونَ استفهاميةً؛ لأنه يلزمُ أَنْ يعملَ فيها ما قبلها، وأسماءُ الاستفهامِ لها صدرُ الكلامِ ، فيتعيَّنُ أن تكونَ شرطيةً لأنها منحصرةٌ في هذين المعنيين. قوله: (ما دُمْتُ)) (ما)) مصدريةٌ ظرفيةٌ وتقدُّمُ [ما] على ((دام)) شرطٌ في إعمالها. والتقدير: مدةَ دوامي حياً. ونقل ابن عطية(١) عن عاصم، وجماعة أنهم قرؤوا «دُمْتُ)) بضم الدال، وعن ابن كثير وأبي عمرو وأهلِ المدينة (مت)) بكسرها، وهذا لم نَرَه لغيره وليس هو موجوداً في كتب القراءات المتواترة والشاذة التي بين أيدينا، فيجوز أن يكون اطَلَعَ عليه في مصحفٍ غريب. ولا شك أنَّ في ((دام)) لغتين، يقال: دُمْتَ تَدُوْم، وهي اللغةُ العاليةُ، [٦٠٥أ] ودِمْتَ تَدام كخِفْتَ تَخاف، وهذا كما تقدم لك(٢) / في مات يموت وماتَ يمات. آ. (٣٢) قوله: ﴿وَبَرَّأَ﴾: العامَّةُ بفتح الباء، وفيه تأويلان، أحدُهما: أنه منصوبٌ نَسَقاً على (مباركاً))، أي: وجَعَلَني بَرَّأَ. والثاني: أنَّهِ منصوبٌ بإضمارٍ فعلٍ . واخْتِير هذا على الأولِ لأنَّ فيه فَصْلاً كثيراً بجملةٍ الوصيّةِ ومتعلَّقِها. وقُرىء(٣) ((بِرََّ) بكسرِ الباءِ: إِمَّا على حَذْفِ مضاف، وإمَّا على المبالغة في جَعْلِه نفسَ المصدر. وقد تقدَّم في البقرة(٤) أنه يجوز أن يكونَ وصفاً على. (١) انظر: البحر ١٨٧/٦. (٢) انظر: الدر المصون ٤٥٨/٣. (٣) وهي قراءة الحسن وآخرين. انظر: الإتحاف ٢٣٤/٢، والمحتسب ٤٢/٢. (٤) انظر: الدر المصون ٢٤٥/٢. ٥٩٦ - مريم - فِعْل. وحكى الزهراويُّ وأبو البقاء(١) أنه قُرىء بكسر الباء والراء. وتوجيهُه: أنه نَسَقُ على ((الصلاة))، أي: وأوصاني بالصلاةِ وبالزكاةِ وبالبِرِّ. و((بوالدَيَّ)) متعلقٌ بالبَرّ أو البِرّ(٢). آ. (٣٣) قوله: ﴿والسَّلامُ﴾: الألفُ واللامُ فيه للعهدِ؛ لأنه قد تقدَّمَ لفظُه في قولِه: ((وسَلامٌ عليه))(٣)، فهو كقوله: ((كما أَرْسَلْنا إلى فرعونَ رسولاً فعصَىْ فرعونُ الرسولَ)»(٤)، أي: ذلك السلامُ الموجّه إلى يحيى مُوَجَّهُ إليّ. وقال الزمخشري(٥) - بعد ذِكْرِه ما قدَّمْتُه -: ((والصحيحُ أن يكونَ هذا التعريفُ تعريضاً باللعنةِ على متهمي مريم عليها السلام وأعدائِها من اليهود. وتحقيقُه: أنَّ اللامَ للجنسِ ، فإذا قال: وجنسُ السَّلامِ عليَّ خاصة فقد عَرَّضَ بأنَّ ضِدَّه عليكم. ونظيرُه: ((والسَّلامُ على مَنِ اتّبع الهُدَىْ))(٦). قوله: ((يومَ وُلِدْتُ)) منصوبٌ بما تضمَّنه («عليَّ)) من الاستقرار. ولا يجوزُ نَصْبُه بـ («السَّلام)) للفَصْلِ بين المصدرِ ومعمولِه. وقرأ(٧) زيد بن علي ((وَلَدَتْ)) جعله فعلًا ماضياً مسنداً لضميرٍ مريمَ، والتاءُ التأنيث. و((حَيًَّ)) حالٌ مؤكِّدَةٌ . آ. (٣٤) قوله: ﴿ذلك عِيْسَ بِنُ مريمَ قول الحقِّ﴾: يجوز أَنْ (١) الإِملاء ٦٢/٢، وانظر: البحر ١٨٨/٦. (٢) على حسب قراءتي كسر الباء وفتحها. (٣) في الآية ١٥ . (٤) الآيتان ١٥ - ١٦ من المزمل. (٥) الكشاف ٥٠٨/٢ . (٦) الآية ٤٧ من طه . (٧) البحر ١٨٨/٦. ٥٩٧ - مريم = يكونَ ((عيسى)) خبراً لـ ((ذلك))، ويجوز أَنْ يكونَ بدلاً أو عطف بيانٍ. و «قولُ الحق)) خبره(١). ويجوز أَنْ يكونَ («قولُ الحق)) خبرَ مبتدأ مضمر، أي: هو قولُ، و((ابن مريم)) يجوز أَنْ يكونَ نعتاً أو بدلاً أو بياناً أو خبراً ثانياً. وقرأ(٢) عاصم وحمزة وابن عامر (قولَ الحق)) بالنصبٍ والباقون بالرفع. فالرفعُ على ما تقدَّم. قال الزمخشري (٣): ((وارتفاعُه على أنَّه خبرٌ بعد خبرٍ، أو بدلٌ)) قال الشيخ (٤): ((وهذا الذي ذكرَه لا يكونُ إلا على المجازِ في قولٍ: وهو أن يُرادَ به كلمةُ اللَّهِ؛ لأنَّ اللفظَ لا يكون الذاتَ)). والنصب: يجوز فيه أَنْ يكونَ مصدراً مؤكّداً لمضمون الجملة كقولك: ((هو عبدُ الله الحقِّ لا الباطِلَ، أي: أقولُ قولَ الحق، فالحقُّ الصدقُ وهو مِنْ إضافةِ الموصوف إلى صفتِه، أي: القول الحق، كقوله: ((وَعْدَ الصدقِ)»(٥)، أي: الوعدَ الصدقَ. ويجوز أن يكونَ منصوباً على المدح، أي: أُريد بالحقِّ البارِيْ تعالى، و((الذي)) نعتُ للقول إنْ أُرِيْدَ به عيسى، وسُمِّي قولاً كما سُمِّي كلمةً لأنه عنها نشأ. وقيل: هو منصوبٌ بإضمار أعني. وقيل: هو منصوبٌ على الحالِ من ((عيسى)). ويؤيِّد هذا ما نُقِل عن الكسائي في توجيهِ الرفعِ : أنه صفةٌ لعيسى . وقرأ الأعمشُ (قالُ)) برفع اللام، وهي قراءةُ ابن مسعودٍ أيضاً. وقرأ (١) على قراءة الرفع كما سيأتي . (٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٠٩، النشر ٣١٨/٢، البحر ١٨٩/٦، الحجة ٤٤٣، التيسير ١٤٩، الشواذ ٨٤. (٣) الكشاف ١ / ٥٠٩. (٤) البحر ١٨٩/٦. (٥) الآية ١٦ من الأحقاف. ٥٩٨ - مريم - الحسن ((قُوْلُ)) بضم القاف ورفع اللام، وهي مصادر لقال. يقال: قال يَقُولُ قَوْلاً وقالاً وقُوْلًا، كالرَّهْبِ والرُّهَب والرُّهْب. وقال أبو البقاء(١): ((والقال: اسمٌ [للمصدرِ](٢) مثل: القيل، وحُكي ((قُولُ الحق)) بضمَّ القاف مثل ((الرُّوْح)) وهي لغةً فيه)). قلت: الظاهرُ أنَّ هذه مصادرُ كلُّها، ليس بعضُها اسماً للمصدرِ، كما تقدَّم تقريرُه في الرُّهْب والرِّهَب والرُّهْب. وقرأ طلحةُ والأعمش ((قالَ الحقُّ) جعل ((قال)) فعلًا ماضياً، و((الحقُّ)) فاعلٌ به، والمرادُ به الباري تعالى. أي: قال اللَّهُ الحقُّ: إنَّ عيسى هو كلمةُ الله، ويكونُ قولُه ((الذي فيه يَمْتَرُون)) خبراً لمبتدأ محذوف. وقرأ(٣) علي بن أبي طالب والسُّلَمي وداود بن أبي هند ونافع والكسائي في رواية عنهما ((تَمْتَرون)) بتاء الخطاب. والباقون بياءِ الغَيْبة. وتَمْتَرُون تَفْتَعِلُون: إمَّا مِنْ المِرْبة وهي الشكُّ، وإمَّا من المِراء وهو الجِدالُ. آ. (٣٥) وتقدَّم الكلامُ على نصبٍ ((فيكونَ)) وما قيل فيه (٤). آ. (٣٦) قوله: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾: قرأ(٥) ابن عامرٍ والكوفيون «وإنَّ)) بكسر ((إِنَّ)) على الاستئناف، ويؤيِّدها قراءةُ أُبَيّ ((إِنَّ اللَّهَ)) بالكسر دون واو. (١) الإملاء ١١٤/٢. (٢) من ((الإِملاء))، وسقط سهواً من الأصل. (٣) الإتحاف ٢٣٦/٢، القرطبي ١٠٦/١، البحر ١٨٩/٦. وداود بن أبي هند القشيري أبو بكر البصري، ثقة متقن، من الخامسة. انظر: التقريب ٢٠٠. (٤) انظر: الدر المصون ٨٨/٢. (٥) انظر في قراءاتها: السبعة ٤١٠، النشر ٣١٨/٢، القرطبي ١٠٧/١١، البحر ١٨٩/٦، الحجة ٤٤٤، التيسير ١٤٩. ٥٩٩ - مريم - وقرأ الباقون بفتحها، وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها على حَذْفِ حرفِ الجرِّ متعلُّقاً بما بعده، والتقدير: ولأنَّ اللَّهَ ربي وربُّكم فاعبدوه، كقوله تعالى: ((وأَنَّ المساجدَ لله فلا تَدْعُوا مع الله أحداً)(١) والمعنى لوَحْدانَّتِه أَطِيْعوهِ. وإليه ذهب الزمخشري (٢) تابعاً للخليل وسيبويه(٣). الثاني: أنها عطفُ على (الصلاةِ) والتقدير: وأوصاني بالصلاةِ وبأنَّ اللّهَ. وإليه ذهب الفراء(٤)، ولم يذكر مكيُّ(٥) غيرَه. ويؤيِّده ما في مصحف}. أُبَيّ ((وبأنَّ اللَّهَ ربي)) بإظهار الباءِ الجارَّة. وقد استُبْعِد هذا القولُ لكثرةِ الفواصلِ بين المتعاطفَيْن .. وأمَّا ظهورُ الباءِ في مصحفٍ أُبَيّ فلا يُرَجِّحُ هذا لأنها باءُ السببيةِ، والمعنى: بسبب أنَّ الله ربي وربكم فاعبدوه فهي كاللام. الثالث: أَنْ تكونَ ((أنَّ)) وما بعدها نَسَقاً على (أمراً)) المنصوب بـ (قَضَىْ)) والتقدير: وإذا قضى أمراً، وقضى أنَّ اللَّهَ ربي وربُّكم. ذكر ذلك أبو عبيدة (٦) عن أبي عمرو بن العلاء. واستبعد الناسُ صحةً هذا النقل عن أبي عمرو؛ لأنَّه من الجلالةِ في العِلْم والمعرفة بمنزلٍ يمنعه من هذا القول؛ وذلك لأنَّه إذا عَطَفَ على ((أمراً)) لزم أن يكونَ داخلًا في حَيِّز الشرطِ بـ ((إذا))، وكونُه تبارك وتعالى ربُّنا لا يتقيَّد بشرطٍ البتةَ، بل هو ربُّنا على (١) الآية ١٨ من سورة الجن. (٢) الكشاف ٢/ ٥٠٩. (٣) يرى سيبويه أن المحل هو الجر، ويرى الخليل أن المحل هو النصب. انظر: الكتاب ٤٦٤/١ - ٤٦٥. (٤) معاني القرآن ١٦٨/٢. (٥) مشكل إعراب القرآن ٥٧/٢. (٦) لم يرد في ((مجاز القرآن)). ٦٠٠ :