Indexed OCR Text

Pages 541-560

- الكهف -
ومِنْ حَذْفِ أحدِ المفعولين: قوله تعالى: ((فَأَتْبعوهم مُشْرِقِيْن))(١)، أي:
أَتْبعوهم(٢) جنودَهم. واختار أبو عبيد ((أَتَّبع)) بالوصل، قال: ((لأنه من المسيرِ))
قال: تقول: تَبِعْتُ القومَ واتَّبَعْتُهم. فأما الإِتباعُ بالقَطْع فمعناه اللَّحاق، كقولِه
تعالى: ((فَأَتْبعه شهابٌ ثاقِبٌ))(٣). وقال يونس وأبو زيد: ((أَتْبَعَ)) بالقطع عبارةٌ
عن المُجِدِّ المُسْرِعِ الحثيثِ الطلبِ. وبالوصل إنما يتضمَّن الاقتفاءَ دونَ هذه
الصفات.
آ. (٨٦) قوله: ﴿حامِيَةٍ﴾ (٤): قرأ(٥) ابن عامر وأبو بكر والأخوان
بالألف وياءٍ صريحة بعد الميم. والباقون دون ألفٍ وهمزة بعد الميم. فأمّا
القراءةُ الأولى فإنها اسمُ فاعلٍ مِنْ حَمِي يَحْمَى، والمعنى: في عينٍ حارّة.
واختارها أبو عبيدٍ، قال: ((لأنَّ عليها جماعةً من الصحابة)) وسمّاهم. وأمَّا
الثانيةُ فهِي مِنَ الحَمْأَةِ وهي الطينُ.
وكان ابنُ عباس عند معاويةً. فقرأ معاويةُ ((حاميةٍ)) فقال ابن عباس:
((حَمِئَةٍ)). فسأل معاويةُ ابنَ عمرَ كيف تقرأ؟ فقال: كقراءةٍ أمير المؤمنين.
فبعث معاويةُ، فسأل كعباً فقال: ((أَجِدُها تغرُب في ماءٍ وطين)). فوافق
ابن عباس. وكان رجلٌ حاضرٌ هناك فأنشد قولَ تُبَّع(٦):
(١) الآية ٦٠ من الشعراء.
(٢) الأصل « أتبعو » وهو سهو.
(٣) الآية ١٠ من الصافات.
(٤) كذا على القراءة الثانية.
(٥) السبعة ٣٩٨، البحر ١٥٩/٦، التيسير ١٤٥، القرطبي ٤٩/١١، النشر ٣١٤/٢،
الحجة ٤٢٩.
(٦) نسبه ابن بري لتَّع يصف ذا القرنين، كما في اللسان ( ثأط). وليس في ديوان
أمية بن أبي الصلت. وهو في البحر ١٥٩/٦، واللسان: ثأط وحرمد. والثائط:
الطين. الحرمد: المتغير اللون والريح. والخلب: الطين.
٥٤١

- الكهف -
٣١٩٥- فرأى مغيب الشمسِ عند مابِها في عينٍ ذي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمِدٍ
ولا تناقضَ بين القراءتين؛ لأنَّ العينَ جامعةٌ بين الوصفين: الحرارةِ
وکونِها مِنْ طین.
قوله: ((إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ)) يجوز في ((أَنْ تُعَذِّب)) الرفعُ على الابتداءِ،
والخبرُ محذوفٌ، أي: إمّا تعذيبُك واقعٌ، أو الرفعُ على خبرٍ مبتدأ مضمٍ،
أي: هو تعذيبُك. والنصبُ، أي: إمَّا أَنْ تَفْعَلَ أَنْ تُعَذِّبَ.
آ. (٨٨) قوله: ﴿جزاءً الْحُسْنِى﴾: قرأ(١) الأخوان وحفصٌ بنصب
((جزاءً)) وتنوينِه. والباقون برفعِه مضافاً. فالنصبُ على المصدر المؤكِّد
لمضمون الجملة، فتُنْصَبُ بمضمرٍ أو مؤكِّدٍ لعاملٍ مِنْ لفظِه مقدرٍ، أي :
يَجْزِي جزاء(٢) .. وتكونُ الجملةُ (٣) معترضةً بين المبتدأ(٤) وخبرِه(٥) المقدَّمِ
عليه. وقد يُعْترض على الأولِ: بأنَّ المصدرَ المؤكَّدَ لمضمون جملةٍ لا يتقدِّمُ
عليها(٦)، فكذا لا يَتَوسِّط(٧). وفيه نظرٌ يحتمل الجوازّ والمنعَ، وهو إلى
الجوازِ أقربُ.
(١) السبعة ٣٩٨، النشر ٣١٥/٢، التيسير ١٤٥، القرطبي ٥٢/١١، البحر ١٦٠/٦،
الحجة ٤٣٠.
(٢) عدَّ السمين هذا التقدير وجهين متفرعين عن المصدر المؤكد لمضمون الجملة،
الأول انتصابه بمضمر، والثاني بمؤكد لعامل من لفظه مقدر. وهذا في الحقيقة شيء
واحد لأنه في كلا التقديرين مفعول مطلق عامله محذوف وهو مؤكد لهذا: العامل.
(٣) أي يجزي جزاء.
(٤) وهو ((الحسنى)).
(٥) وهو ((فله)).
(٦) نحو: جزاءً له الحسنى.
(٧) كما في الآية: ((فله جزاءً الحسنى)).
٥٤٢

- الكهف -
الثالث: أنه في موضع الحالِ. والقراءةُ الثانية رفعُه فيها على الابتداء،
والخبرُ الجارُّ قبلَه. و((الحُسْنى)) مضاف إليها. والمرادُ بالحُسْنى الجنَّةُ.
وقيل : الفَعْلَة الحسنى.
الرابع: نصبُه على التفسيرِ. قاله الفراء(١). يعني التمييز. وهو بعيدٌ.
وقرأ(٢) ابن عباس ومسروقٌ بالنصبِ والإِضافةِ. وفيها تخريجان،
أحدُهما: أنَّ المبتدأَ محذوفٌ، وهو العامِلُ في ((جزاءً الحسنى)) التقديرُ: فله
الجزاءُ جزاء الحسنى. والثاني: أنه حَذَفَ التنوينَ لالتقاء الساكنين كقوله(٣):
ولا ذاكرَ اللَّهَ إلاَّ قليلا
٣١٩٦-
ذكره المهدويُّ .
وقرأ(٤) عبد الله وابن أبي إسحاق ((جزاءً)) مرفوعاً منوناً على الابتداء.
و ((الحُسْنِى)) بدلٌ أو بيان، أو منصوبةٌ بإضمار ((أَعْني))، أو خبرُ مبتدأ مضمٍ.
و ((يُسْراً)) نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً ذا يُسْرٍ. وقرأ(٥) أبو جعفر
بضمِّ ((الیُسُر)) حيث وَرَدَ.
آ. (٩٠) قوله: ﴿مَطْلِعَ﴾: العامَّةُ على كسر اللام، والمضارعُ
يَطْلُع بالضم، فكان القياسُ فتحَ اللامِ في المَفْعَل مطلقاً، ولكنها مع أخواتٍ
لها سُمع فيها الكسر(٦)، وقياسُها الفتح. وقد قرأ(٧) ابن الحسن وعيسى
(١) معاني القرآن ١٥٩/٢.
(٢) البحر ١٦٠/٦.
(٣) تقدم برقم ١٥٠٤.
(٤) القرطبي ٥٢/١١، البحر ١٦٠/٦.
(٥) البحر ١٦١/٦، النشر ٢١٦/٢.
(٦) انظر: شرح الشافية ١٨١/١، شذا العرف ٨٩.
(٧) الإِتحاف ٢٢٤/٢، البحر ١٦١/٦، القرطبي ٥٣/١١.
٥٤٣

- الكهف -
وابن محيصن، ورُوِيَتْ عن ابن كثير وأهلِ مكة. قال الكسائي: ((هذه اللغةُ
قد ماتَتْ)) يعني: أي بكسر اللام من المضارع والمفْعِل(١). وهذا يُشْعِرُ أنَّ
مِن العرب مَنْ كان يقول: طَلَع يَطْلِعُ بالكسرِ في المضارع(٢).
آ. (٩١) قوله: ﴿كذلك﴾: الكافُ: إِمَّا مرفوعةُ المجِلِّ، أي:
الأمر كذلك، أو منصوبتُه، أي : فَعَلْنا مثلَ ذلك.
قوله: ((بَلَغَ بينَ السَّدَّيْنِ)) ((بين)) هنا يجوز أن يكونَ ظرفاً، والمفعولُ
محذوفٌ، أي: بلغ غَرَضَه ومقصودَه، وأَنْ يكونَ مفعولاً به على الاتِّساع،
أي: بلغ المكانَ الحاجزَ بينهما.
وقرأ(٣) ابن كثير وأبو عمرو بفتح سين (السَّدَّين)) و((سَدًّا)) في هذه
السورة، وحفص فتح الجميع، أعني موضعَيْ هذه السورة(٤) وموضعَيْ سورةٍ
يس(٥). وقرأ الأخَوانِ بالفتح في ((سَدَّا)) في سورتيه(٦) وبالضمِّ في ((السُّدَّيْن)).
[١٥٩٩] والباقون بالضم في الجميع. فقيل: هما بمعنى واحد. / وقيل(٧): المضمومُ
ما كان من فِعْلِ اللَّهِ تُعالى، والمفتوحُ ما كان مِنْ فِعْلِ الناس. وهذا مرويٌ
عن عكرمةَ والكسائي وأبي عبيد. وهو مردودٌ: بأن السَّدَّيْن في هذه السورة
جَبَلان، سَدَّ ذو القرنين بينهما بسَدّ، فهما مِنْ فِعْلِ اللَّهِ، والسَّدُّ الذي فعله
(١) أي: واسم المكان منه المَفْعِل.
(٢) فتكون قراءة الجمهور ((مَطْلِع)) قد وردت على قياس هذه اللغة القديمة لأن اسم
المكان من فَعَل يفعِل: مفعِل.
(٣) السبعة ٣٩٩، النشر ٣١٥/٢، البحر ١٦٣/٦، التيسير ١٤٥، الحجة ٤٣١.
(٤) الآية ٩٣، ٩٤.
(٥) الآية ٩ ((من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سدأ)).
(٦) أي في الكهف وتس.
(٧) وهو ما ذهب إليه أبو عبيدة في مجاز القرآن ٤١٤/١.
٥٤٤

۔ الکھف ۔
ذو القرنين مِنْ فِعْل المخلوق. و((سَدّاً) في يس مِنْ فِعْلِ الله تعالى لقوله:
(وجَعَلْنا))، ومع ذلك قُرِىء في الجميع بالفتح والضمِّ. فَعُلِم أنهما لغتان
كالضَّعْف والضُّعف والفَقْر والفُقْر. وقال الخليل: المضمومُ اسمٌ، والمفتوحُ
مصدرٌ. وهذا هو الاختيارُ.
آ. (٩٣) قوله: ﴿يَفْقَهون﴾: قرأ(١) الأخَوان بضمِّ الياء وكسرٍ
القافِ مِنْ أَفْقَهَ غيرَه، فالمفعولُ محذوفٌ، أي: لا يُفْقهون غيرهم قولاً.
والباقون بفتحها، أي: لا يَفْهمون كلامَ غيرِهم، وهو بمعنى الأول. وقيل:
ليس بمتلازِمٍ ؛ إذ قد يَقْقَهُ الإِنسانُ قولَ غيرِهِ ولا يَفْقَّه غيرُه قولَه. وبالعكس.
آ. (٩٤) قوله: ﴿يَأْجوجَ ومَأْجوج﴾: قرأ عاصمٌ بالهمزة الساكنة،
والباقون بألفٍ صريحة. واخْتُلِف في ذلك فقيل: هما أعجميان. لا اشتقاقَ
لهما ومُنعا من الصرف للعلَمِيَّة والعُجْمة. ويحتمل أَنْ تكونَ الهمزةُ أصلًا
والألفُ بدلٌ عنها، أو بالعكسِ ؛ لأنَّ العربَ تتلاعب بالأسماءِ الأعجمية.
وقيل: بل هما عربيّان واختلفوا في اشتقاقِهما: فقيل: اشتقاقُهما مِنْ أَجيج
النار وهو التهابُها وشِدَّةُ تَوَقُّدِها. وقيل: مِنَ الأَجَّة. وهو الاختلاطُ أو شدةٌ
الحَرِّ. وقيل: من الأجِّ، وهو سُرعةُ العَدْوِ. ومنه قوله (٢):
تؤجُّ كما أجَّ الظَّلِيمُ الْمُنَفَّرُ (٣)
٣١٩٧-
(١) السبعة ٣٩٩، النشر ٣١٥/٢، التيسير ١٤٥، الحجة ٤٣٢، البحر ١٦٣/٦.
(٢) السبعة ٣٩٩، النشر ٣٩٠/١، ٣٩٤، التيسير ١٤٥، الحجة ٤٣٣، البحر ١٦٣/٦.
(٣) لم أهتدٍ إلى قائله. وصدره:
فراحَتْ وأطرافُ الصُّوَىْ مُحْزَئِلَّةٌ
وهو في اللسان ( أجج ). والمُحْزَئِلُّ: المرتفع، والصُّوى: العلامات في الطريق
مفردها صُوَّة. والبيت في وصف الناقة.
٥٤٥

- الكهف -
وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المِلْحُ الزُّعاق. ووزنهما يَفْعُوْل
ومَفْعول. وهذا ظاهرٌ على قراءةٍ عاصمٍ . وأمَّا قراءةُ الباقين فيُحتمل أن تكونَ الألفُ
بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ مِنْ هؤلاءِ مَنْ ليس أصلُه قَلْبَ الهمزةِ
الساكنةِ وهم الأكثرُ. ولا ضَيْرَ في ذلك. ويُحتملَ أَنْ تكونَ ألفُهما زائدتين،
ووزنُهما فاعول مِنْ بَجَّ ومَجَّ .
ويُحتمل أَنْ يكونَ ماجوج مِنْ ماج يموج، أي: اضطرب ومنه المَوْجُ
فوزنُه مَفْعول والأصل: مَوْجُوْج. قاله أبو حاتم. وفيه نظرٌ من حيث ادِّعاءُ قَلْبٍ
حَرْفِ العلة وهو ساكنٌ. وشذوذُه كشذوذِ (طائيٌ))(١) في النسب إلى طِّيءٍ.
وعلى القولِ بكونهما عربيين مشتقين فَمَنْعُ صرفِهما للعَلَمِيَّةِ والتأنيثِ بمعنى
القبيلة، كما تقدَّم لك تحقيقُه في سورة هود(٢). ومثلُ هذا الخلافِ والتعليل
جارٍ في سورة الأنبياء(٣) عليهم السلام. والهمزةُ في يأجوج ومَأْجوج لغةُ
بني أسد. وقرأ(٤) رؤية وأبوه العجاج ((آجوج)).
قوله: ((خراجاً))(٥) قرأ ابن عامر(٦) «خَرْجاً)» هنا وفي المؤمنین(٧) بسکون
الراء (٨)، والأخوان ((خراجاً)) ((فَخَراج))(٩) في السورتين بالألف، والباقون
كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين وفي الثاني وهو
(١) قلبوا الياء الأولى ألفاً وحذفوا الياء الثانية على غير قياس في النسب. انظر: اللسان
( طوأ).
(٢) انظر: الدر المصون ٢٧٧/٦.
(٣) في الآية ٩٦ ((حتى إذا فُتِحَتْ يأجوجُ ومأجوجُ وهم مِنْ كلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُون)».
(٤) البحر ١٦٣/٦.
(٥) كذا في الأصل على القراءة الثانية .
(٦) السبعة ٤٠٠، البحر ١٦٣/٦، التيسير ١٤٦، النشر ٣١٥/٢، الحجة ٤٣٣.
(٧) الآية ٧٢ ((أم تسألهم خَرْجاً فخراجُ ربَّك خير)) .
.(٨) في الموضعين .
(٩) رسمت في الأصل بدون ألف.
٥٤٦

- الكهف -
((فَخَراج)) كقراءة الأخوين . فقيل : هما بمعنى واحد كالنَّوْل والنَوال . وقيل :
الخراجُ بالألف ما صُرِفَ على الأرضِ من الإِتاوة كلَّ عام ،
وبغير ألف بمعنى الجُعْلِ، أي: نُعْطيك مِنْ أموالِنا مرةً واحدة ما تَسْتعين به
على ذلك.
قال مكي رحمه الله: (١) ((والاختيارُ تَّرْكُ الألف؛ لأنهم إنما عَرَضوا عليه أن
يُعْطِوهِ عَطِيَّةٌ واحدة على بنائه، لا أَنْ يُضْرَبَ ذلك عليهم كلُّ عام. وقيل:
الخَرْج ما كان على الرؤوس، والخراج ما كان على الأرض، يقال: أَدٌّ خَرْجَ
رأسِكَ، وخراجَ أرضِك. قاله ابن الأعرابي. وقيل: الخَرْجُ أخصُّ، والخَراجُ
أَعَمُ. قاله ثعلب. وقيل: الخَرْجُ مصدرٌ، والخَراج اسمٌ لِما يُعطى، ثم قد يُطلق
على المفعول المصدرُ كالخَلْق بمعنى المخلوق.
آ. (٩٥) قوله: ﴿ما مَكّنِ﴾: ((ما)) بمعنى الذي. وقرأ(٢) ابن كثير
((مكَّنَني)) بإظهار النون. والباقون بإدغامِها في نون الوقاية للتخفيف.
آ. (٩٦) قوله: ﴿آتوني﴾: قرأ(٣) أبو بكر ((ايتوني))(٤) بهمزةٍ وصل
مِنْ أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة بخلافٍ عنه في الثاني(٥). وافقه
حمزةُ على الثاني من غيرِ خلافٍ عنه. والباقون بهمزةٍ القطعِ فيهما (٦).
(١) الكشف ٧٨/٢.
(٢) السبعة ٤٠٠، النشر ٣١٥/٢، الحجة ٤٣٤، التيسير ١٤٦، البحر ١٦٤/٦.
(٣) النشر ٣١٥/٢، التيسير ١٤٦، الإتحاف ٢٢٦/٢. وأبو بكر من طريق العليمي
وأبي حمدون عن يحيى كما في الإِتحاف.
(٤) عند الابتداء.
(٥) ذكر الخلاف عنه في الأول صاحب الإتحاف والنشر.
(٦) من الرباعي آتى.
٥٤٧

۔ الکھف ـ
فـ ((زُبُرَ)) على قراءةِ همزةِ الوصل منصوبةٌ على إسقاط الخافض، أي: جيئوني
[٥٩٩ب] بزُبُرِ الحديد. وفي قراءة قَطْعِها على المفعول الثاني لأنه يتعدّى / بالهمزة إلى
اثنين. وعلى قراءة أبي بكر يُحتاج إلى كسر التنوين من ((رَدْماً)) لالتقاءِ
الساكنين؛ لأنَّ همزةَ الوصلِ تسقط دَرْجاً فيُقْرأ له بكسر التنوين، وبعده همزةٌ
ساكنة هي فاءُ الكلمة. وإذا ابتدأت بكلمتي ((ائتوني)) في قراءته وقراءةٍ
حمزة تبدأ بهمزةٍ مكسورةٍ للوصل ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزةٍ فاء
الكلمة(١)، وفي الدَّرْجُ تسقط همزةُ الوصل، فتعود الهمزةُ لزوالٍ موجِبٍ
إبدالها(٢).
والباقون يَبْتَدِئونِ ويَصِلُون بهمزةٍ مفتوحة لأنها همزة قطع(٣)، ويتركون
تنوين ((رَدْماً)) على حاله من السكون، وهذا كلُّه ظاهرٌ لأهلِ النحوِ، خَفِيٌّ
على القُرّاء.
والزُّبَرُ جمع زُبْرَةَ كغُرْفَة وَغُرَف. وقرأ(٤) الحسن بضم الباء.
قوله: ((ساوَىْ)) هذه قراءةُ الجمهور، وقتادة (٥) ((سوَّى)) بالتضعيف.
وعاصمٌ في رواية ((سُوِّيَ))(٦) مبنياً للمفعول.
(١) لأنه اجتمع همزتان الأولى مكسورة والثانية ساكنة، فتبدل الثانية ياء من جنس
ما قبلها.
(٢) لأن الهمزة الأولى همزة الوصل تسقط في الدرج فتبقى فاء الكلمة الهمزة الساكنة .
(٣) الأصل على قراءة العامة أأُتيوني على وزن أَفْعِلوني كأَكْرِموني اجتمعت همزتان
الأولى مفتوحة والثانية ساكنة فأبدلت الثانية ألفاً. وترسم الهمزة والألف: أتيُّوني ثم
تستثقل الضمة على الياء فتحذف فيلتقي ساكنان: الياء والواو فتحذف الياء ثم تضم
التاء لئلا تنقلب الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
(٤) القرطبي ٦١/١١، البحر ١٦٤/٦.
(٥) البحر ١٦٤/٦.
(٦) كذا رسمت في الأصل. وفي البحر ١٦٤/٦: ((وابن أبي أمية عن أبي بكر عن =
٥٤٨

- الكهف -
قوله: ((الصَّدَفَيْن)» قرأ(١) أبو بكر بضم الصاد وسكون الدال. وابن كثير
وأبو عمرو وابن عامر بضمِّهما، والباقون بفتحهما. وهذه لغاتُ قُرِىء بها في
السبع. وأبو جعفر وشيبة وحميد بالفتح والإسكان، والماجشون(٢) بالفتح
والضم، وعاصم في روايةٍ بالعكس.
والصَّدَفان: ناحيتا الجبلين. وقيل: أَنْ يتقابلَ جبلان وبينهما طريق،
فالناحيتان صَدَفان لتقابُلِهما وتصادُفِهما، مِنْ صادَفْتُ الرجلَ، أي: لاقَيْتُه
وقابَلْته. وقال أبو عبيد: ((الصَّدَفُ: كل بناءٍ مرتفع وليس بمعروفٍ، والفتح
لغة تميم(٣)، والضمُّ لغة حِمْير)».
قوله: ((قِطْراً)) هو المتنازَعُ فيه. وهذه الآيةُ أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب
التنازع، وهي من إعمالِ الثاني للحذف من الأول. والقِطْر: النُّحاس
أو الرَّصاصُ المُذاب.
آ. (٩٧) قوله: ﴿فما اسْطاعوا﴾: قرأ(٤) حمزة بتشديد الطاء،
والباقون بتخفيفها. والوجهُ في الإِدغام كما قال أبو علي(٥): ((لَمَّا لم يمكن
عاصم ((سُؤْوِي)) وكذلك رسمت في الكشاف. ولعله الصواب لأنها مجهولُ
=
((ساوى)) قراءة العامَّة.
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٠١، البحر ١٦٤/٦، التيسير ١٤٦، النشر ٣١٥/٢،
الإتحاف ٢٢٧/٢ .
(٢) ثمة أكثر من عَلَم بهذا اللقب فقد ذكر في تقريب التهذيب: عبد العزيز بن عبد الله،
وعبد الملك بن عبد العزيز، ويعقوب بن أبي سلمة ويوسف بن يعقوب. انظر هذه
الأعلام في التقريب.
(٣) انظر: لغات القبائل لأبي عبيد ١٨٣ وفيه ((الصدفين: الجبلين بلغة تميم)).
(٤) السبعة ٤٠١، البحر ١٦٥/٦، التيسير ١٤٦، القرطبي ٦٣/١١، الحجة ٤٣٥،
النشر ٢٧١/٢ .
(٥) الحجة (خ ) ٣ /٤٢٠ بعبارة قريبة.
٥٤٩

- الكهف -
إلقاءُ حركةِ التاءِ على السين لئلا يُحَرَّكَ ما لا يتحرك)» - يعني أنَّ سين استفعل
لا تتحرك - أُدْغم مع الساكن، وإن لم يكن حرف لين. وقد قرأت القراءُ غيرَ
حرفٍ من هذا النحو. وقد أنشد سيبويه ((ومَسْجِيٍ)) يعني في قول الشاعر(١):
ومَسْجِيٍ مَرُّ عُقابٍ كَاسٍِ
٣١٩٨- كأنَّه بعد كَلالِ الزَّاجِرِ
يريد ((ومَسْجِه)) فأدغم الحاء في الهاء بعد أَنْ قَلَبَ الهاءَ حاءً، وهو
عكسُ قاعدةِ الإِدغام في المتقاربين. وهذه القراءةُ قد لحَّنها بعضُ النحاة.
قال الزجاج(٢): ((مَنْ قرأ بذلك فهو لاحِنٌ مخطىءٌ)) وقال أبو علي(٣): ((هي
غير جائزة)) .
وقرأ(٤) الأعشى، عن أبي بكر ((اصْطاعوا)) بإبدال السين صاداً.
والأعمش ((استطاعوا)) كالثانية.
آ. (٩٨) قوله: ﴿جَعَلَهِ دَكَّاءً﴾: الظاهرُ أن الجَعْلَ هنا بمعنى
التصيير فتكون ((دَكَّاء)) مفعولاً ثانياً. وجوَّز ابنُ عطية أن يكونَ حالاً، و((جعل))
(١) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في الكتاب ٤١٣/٢، والمخصص ١٣٩/٨، واللسان
(كسر). والرجز في وصف بعير. المسح هنا: ذَرْع الأرض بالسير. يقول: كأنه
بعد سيره الطويل وكلال الزاجر له عقاب مكسورة الجناحين. والشاهد في هذا البيت
إخفاء الهاء في ((ومسحه)) وسيبويه يسمّيه إدغاماً ويقول: ((ومما قالت العرب في
إدغام الهاء في الحباء قوله ... )) والإِخفاء هذا عند سيبويه ضرب من الإدغام.
انظر: الكتاب ٤١٣/٢.
(٢) معاني القرآن ٣١٢/٣.
(٣) الحجة (خ) ٤٢٠/٣.
(٤) البحر ١٦٥/٦، الكشاف ٤٩٩/٢.
٥٥٠

- الكهف -
بمعنى خلق، وفيه(١) بُعدٌ؛ لأنه(٢) إذ ذاك موجودٌ. وقد تقدَّم خلافُ القراء في
(«دَكَّاء)» في الأعراف(٣).
قوله: ((وَعْدُ ربي)) الوَعْدُ هنا مصدرٌ بمعنى الموعود أو على بابه.
آ. (٩٩) قوله: ﴿يَمُوْجُ﴾: مفعولٌ ثانٍ لـ ((تَرَكْنا)) والضمير في
«بعضَهم)» يعودُ على ((يَأْجُوج ومأجوج)» أو على سائر الخلق.
قوله: ((يومئذ)) التنوينُ عوضٌ من جملةٍ محذوفة. تقديرُها: يوم إذ جاء
وَعْدُ ربي، أو إذْ حَجَزَ السَّدُّ بينهم.
آ. (١٠١) قوله: ﴿الذين كانَتْ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مجروراً بدلاً
من ((للكافرين)» أو بياناً أو نعتاً، وأن يكونَ منصوباً بإضمار أَذُمُّ، وأن يكونَ
مرفوعاً خبرَ ابتداءٍ مضمر.
آ. (١٠٢) قوله: ﴿أُفَحَسِبَ﴾: العامَّةُ على كسرِ السين وفتح الباء
فعلاً ماضياً. و((أن يَتَّخِذوا))(٤) سادٌّ مَسَدَّ المفعولين. وقرأ (٥) أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب وزيد بن علي وابن كثير(٦) ويحيى بن يعمر في آخرين،
(١) انظر: البحر ١٦٥/٦.
(٢) أي السد. قال في البحر: ولا يُخْلق المخلوق لكنه ينتقل من بعض هيئاته إلى هيئة
اخری».
(٣) انظر: الدر المصون ٤٥٠/٥. وحمزة والكسائي وعاصم هنا بالمدّ، والباقون بتنوين
الكاف. وثمة روايتان عن حفص عن عاصم. انظر: السبعة ٤٠٢، الإتحاف
٢٢٨/٢.
(٤) الأصل ( يتخذ » وهو سھو.
(٥) الإِتحاف ٢٢٨/٢، البحر ١٦٦/٦، القرطبي ٦٥/١١، المحتسب ٣٤/٢.
(٦) بخلافٍ عنه كما في البحر ١٦٦/٦.
٥٥١

- الكهف .-
بسكونِ السينِ ورفعِ الباءِ على الابتداء، والخبر ((أَنْ)) وما في حَيِّزها ..
وقال الزمخشري(١): ((أو على الفعلِ والفاعلِ لأن(٢) اسمَ الفاعلِ إذا
اعتمد على الهمزة ساوى الفعلَ في العمل كقولك: ((أقائمٌ الزيدان)» وهي
قراءةٌ مُحْكَمٌ جيدٌ)).
قال الشيخ (٣): ((والذي يظهرُ أنَّ هذا الإِعرابَ لا يجوزُ لأنَّ حَسْباً ليس
[٦٠٠أ] باسمِ فاعل فيعمل، ولا يلزم مِنْ تفسير شيءٍ بشيء أن تجريَ عليه /
أحكامُه. وقد ذكر سيبويه(٤) أشياءَ مِنَ الصفات(٥) التي تجري مَجْرِى
الأسماءِ، وأنَّ الوجهَ فيها الرفعُ. ثم قال: وذلك نحو: مررتُ برجلٍ خيرٌ
[منه](٦) أبوه، ومررتُ برجلٍ سواءٌ عليه الخيرُ والشرُّ، ومررت برجلٍ أبٌ لِه
صاحبُه، ومررت برجلٍ حَسْبُك مِنْ رجلٍ هو(٧)، ومررت برجلٍ أيُّما رجلٍ هو.
ثم قال الشيخ: ((ولا يَبْعُدُ أَنْ يُرْفِعَ به الظاهرُ، فقد أجازوا في ((مررت برجلٍ
أبي عشرةٍ أبوه)» أن يرتفعَ «أبوه)» بأبي عشرة لأنه في معنى والدٍ عشرة)).
قوله: ((نزلاً)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنه منصوبٌ على الحالِ جمعَ ((نازِلِ)»
نحو شارِف(٨) وشُرُف. الثاني: أنه اسمُ موضعِ النزول(٩). الثالث: أنَّه اسمُ
(١) الكشاف ٥٠٠/٢ في تخريج القراءة.
(٢) الأصل ((كاسم)) والتصحيح من (ش) والكشاف.
(٣) البحر ٦ / ١٦٦.
(٤) الكتاب ٢٢٩/١ - ٢٣٠.
(٥) الأصل: ((الأسماء)) وهو سهو. والتصحيح من البحر
(٦) سقط من الأصل وأثبتناه من البحر والكتاب.
(٧) قوله ((هو)) لم يَرِد في البحر، وورد في الأصل والكتاب.
(٨) الشارف من الدواب: المُسِنَّة.
(٩) وهو ما ذهب إليه الزجاج في معاني القرآن ٣١٤/٣.
٥٥٢

- الكهف -
ما يُعَدُّ للنازلين من الضيوفِ، ويكونُ على سبيلِ التهكّم بهم، كقوله
تعالى: ((فَبَشِّرْهُمْ بعذاب أليم))(١)، وقولِه(٢):
تحيّةُ بينهم ضَرْبٌ وجیعُ
٣١٩٩-
ونصبُه على هذين الوجهين مفعولاً به، أي: صَيِّرْنا.
وأبو حيوة(٣) ((نُزْلا)) بسكونِ الزاي، وهو تخفيفُ الشهيرةِ.
آ. (١٠٣) قوله: ﴿أَعْمالاً﴾: تمييزٌ للََّخْسَرين، وُجُمِعَ لاختلافٍ
الأنواع.
آ. (١٠٤) قوله: ﴿الذين ضَلَّ﴾: يجوز فيه الجرُّ نعتاً وبدلاً
وبياناً، والنصبُ على الذمِّ، والرفعُ على خبر ابتداء مضمر.
قوله: ((يَحْسَبُون أنهم يُحْسِنون)) يُسَمَّى في البديع ((تجنيسَ التصحيف)»
وتجنيس الخَطِّ، وهذا مِنْ أحسنِه. وقال البحتري (٤):
٣٢٠٠ - ولم يكن المُغْتَرُّ بالله إذ شَرَى
لِيُعْجِزَ والمُعْتَزُّ بالله طالبُهْ
فالأولُ من الغُرور، والثاني مِن العِزِّ. ومِنْ أحسنِ ما جاء في تجنيس
التصحيف قوله (٥):
(١) الآية ٢١ من آل عمران.
(٢) تقدم برقم ٦٦٥.
(٣) البحر ١٦٦/٦، كما تنسب إلى أبي عمرو بخلافٍ عنه.
(٤) ديوانه ٢١٥/١، والبحر ١٦٧/٦، والطراز ٣٦٦/٢. وشرى: لجَّ وبالغ.
(٥) لم أهتدِ إلى قائله وهو في البحر ١٦٧/٦. وغَنَّى الله فلاناً: جعله غنياً. بان: بَعُد.
والخرود: المرأة الحيية.
٥٥٣

- الكهف -
بُحْتُ بِحُبِّي حين بِنَّ الخُزُدْ
٣٢٠١- سَقَيْنَني رِيِّيْ وغَنَّيْنَنِيْ
يصحف بنحو(١):
بحُبِّ يحيى خَتَنِ ابنِ الجُرُدْ
٣٢٠٢ - شَقَيْتَني ربي وعَنَّيْتَنِيْ
وفي بعضِ رسائلِ الفصحاء: ((قَبَّلَ قبلَ يَدِك ثَراك، عبدٌ عند رَخاك(٢)
رجاك، آمِلٌ أَمَّك))(٣) .
آ. (١٠٥) وقرأ(٤) ابن عباس ((فَحَبِطَتْ)) بفتح الباء. والعامّة على
(نُقيم)) بنون العظمة مِنْ ((أقام)). ومجاهد(٥) وعبيد بن عمير. ((فلا يُقيم)) بياءِ
الغَيبة لتقدُّم قولِه: ((بآياتِ ربِّهم))، فالضميرُ يعود عليه. ومجاهدٌ أيضاً ((فَلاَ
يقومُ لهم) مضارع قام، ((وزنٌ)) بالرفع. وعن عبيد بن عمير أيضاً ((فلا يقومُ
وزناً) بالنصبِ كأنه تَوَهَّم أنَّ((قام)) متعدٍّ. كذا قال الشيخ(٦). والأحسنُ مِنْ
هذا أَنْ تُعْرَبَ هذه القراءةُ على ما قاله أبو البقاءِ (٧) أَنْ يُجْعَلَ
فاعلُ (يقومُ)) صنيعُهم أو سَعْيُهم، وينتصِبُ حينئذٍ ((وَزْنَا)) على أحد وجهين: إمَّا
على الحال، وإمّا على التمييز.
آ. (١٠٦) قوله: ﴿ذلك جزاؤهم جهنّمُ﴾: فيه أوجهٌ كثيرةٌ
(١) عنَّه: كلفه ما يشقُّ عليه. والختن: زوج البنت أو الأخت.
(٢) مقصور الرخاء.
(٣) الأَمَم: القرب وقد أدغم الميم في الميم.
(٤) القرطبي ٦٦/١١، البحر ١٦٧/٦.
(٥) انظر في قراءاتها: البحر ١٦٧/٦، الكشاف ٥٠٠/٢، القرطبي ٦٦/١١، الشواذ
٨٢.
(٦) البحر ١٦٧/٦. وعبارته ((كأنه جعل قام متعديا)).
(٧) الإملاء ١٠٩/٢.
٥٥٤

- الكهف -
أحدُها: أَنْ يكونَ ((ذلك)) خبرَ مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، و((جزاءهم
جهنّمُ)) جملةٌ برأسها. الثاني: أن يكون ((ذلك) مبتدأ أولَ، و((جزاؤهم)) مبتدأٌ
ثانٍ و ((جهنم)) خبرُه، وهو وخبرُه خبرُ الأول. والعائدُ محذوف، أي: جزاؤهم
به، كذا قال أبو البقاء(١)، فالهاء في ((به)» تعود على ((ذلك))، و((ذلك)) مُشارٌ به
إلى عدم إقامة الوزن .
قال الشيخ(٢): ((ويحتاج هذا التوجيهُ إلى نظر)). قلت : إنْ عَنَّى
النظرَ من حيث الصناعةُ فَمُسَلَّمٌ . ووجهُ النظر : أنَّ العائدَ حُذِفَ مِنْ غيرٍ
مُسَوِّغٍ إلا بتكلفٍ ، فإنَّ العائدَ على المبتدأ إذا كان مجروراً لا يُحْذَفُ
إلا إذا جُرِّ بحرفٍ تبعيضٍ (٣) أو ظرفية(٤)، أو يَجُرُّ عائداً جُرَّ قبله
بحرفٍ، جُرِّ به المحذوفُ كقولِه(٥):
٣٢٠٣ - أَصِخْ فالذي تُدْعَىْ به أنت مُفْلِحُ
أي: مفلحٌ به(٦). وإنْ عَنَى من حيث المعنى فهو معنى جيدٌ.
(١) الإِملاء ١٠٩/٢.
(٢) البحر ١٦٧/٦.
(٣) نحو: ((السَّمْن مَنَوان بدرهم))، أي: منوان منه. وكقول الخنساء:
إذ الناس إذ ذاك من عَزَّ بَزًّا
كأنْ لم يكونوا حِمَّىَّ يُتْقى
أي: من عَزَّ منهم.
(٤) كقوله :
فيومٌ علينا ويومُ لنا ويوم نساء ويوم نُسَرْ
أي: نُساء فيه ونُسَرُّ فيه.
(٥) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في المساعد لابن عقيل ٢٣٤/١ وعجزه:
فلا تكُ إلاّ في الفلاحِ منافِسا
(٦) انظر المسألة في المساعد ٢٣٤/١.
٥٥٥

- الكهف ــ
الثالث: أن يكون ((ذلك)) مبتدأً، و((جزاؤهم)) بدلٌ أو بيان، و ((جهنم)
خبره. الرابع: أن يكون ((ذلك)) مبتدأ أيضاً، و((جزاؤهم)) خبره و (جهنمُ)) بدلٌ
أو بيانٌ أو خبر ابتداء مضمر. الخامس: أن يُجعل ((ذلك)) مبتدأ و ((جزاؤهم))
بدلٌ أوبيان و ((جهنم)) خبر ابتداءٍ مضمرٍ، و ((بما كفروا)) خبرِ الأول، والجملة
اعتراضٌ. السادس: أن يكون ((ذلك)) مبتدأٌ، والجارُّ الخبر، و ((جزاؤهم
جهنمُ)) جملةٌ معترضةٌ وفيه بُعْدُ. السابع: أن يكون ((ذلك)) إشارةً إلى
[٦٠٠ب] جماعة / وهم مذكورون في قوله: ((بالأخسرين))، وأُشير إلى الجمع كإشارة
الواحد كأنه قيل: أولئك جزاؤهم جهنّمُ، والإِعرابُ المتقدمُ يعودُ إلى هذا
التقدير.
قوله: ((واتَّخذوا) فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه عطفٌ على ((كفروا))،.
فيكونُ محلُّه الرفعَ لعطفُه على خبر ((إِنَّ». الثاني: أنه مستأنفُ فلا مَحَلَّ له ..
والباء في قوله: (بما كفروا)) لا يجوزُ تعلُّقُها بـ((جزاؤهم) للفَصْلِ بِينَ
المصدر ومعموله .
آ. (١٠٧) قوله: ﴿نُزُلاً﴾: فيه ما تقدَّم(١): من كونِه اسمُ مكانٍ:
النزولِ، أو ما يُعَدُّ للضيف. وفي نصبه وجهان ، أحدهما : أنه خبر.
((كانت))، و((لهم)) متعلقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حال مِنْ ((نُزُلاً))، أو على:
البيان، أو بـ ((كانت)) عند مَنْ يرى ذلك . والثاني : أنه حالٌ من:
((جنات))، أي: ذوات نُزُلٍ، والخبرُ الجارُّ.
آ. (١٠٨) قوله: ﴿لا يَبْغُوْن﴾: الجملةُ حالٌ: إِمَّا مِنْ صاحب
((خالدين))، وإمَّا من الضمير في ((خالدين))، فتكونُ حالاً متداخلة.
(١) انظر إعرابه للآية ١٠٢.
٥٥٦

- الكهف -
والحِوَل: قيل: مصدرٌ بمعنى التحوُّل. يُقال: حال عن مكانه حِوَلاً،
فهو مصدرٌ كالعِوَج والعِوَد(١) والصِّغَر قال(٢):
٣٢٠٤ - لكلِّ دولةٍ أَجلُ ثم يُتاحُ لها حِوّل
وقال الزجاج(٣): ((هو عند قومٍ بمعنى الحيلة في التنقّل)). وقال
ابن عطية: ((والحِوَلُ: بمعنى التحوُّل)). قال مجاهد: ((مُتَحَوَّلاً)) وأنشد الرجز
المتقدم ثم قال: ((وكأنه اسم جمع، وكأنَّ واحدَة حوالة))(٤) قلت: وهذا
غريب والمشهورُ الأولُ. والتصحيح في فِعَل هو الكثير إن كان مفرداً نحو:
الحِوَل وإن كان جمعاً فالعكسُ نحو: «ثيرة)»(٥) و ... (٦).
آ. (١٠٩) قوله: ﴿تَنْفَدَ﴾: قرأ(٧) الأخَوان ((يَنْفَذَ)) بالياء من تحتُ؛
لأنَّ التأنيثَ مجازي. والباقون بالتاء من فوقُ لتأنيثِ اللفظ. وقرأ السُّلمي
(١) أثبت هذا المصدر لـ ((عاد)) الزجاج في معانيه ٣١٥/٣ وأبو حيان في البحر
١٦٨/٦.
(٢) البيت غير مستقيم عروضياً. وهو على هذا النحو في البحر ١٦٨/٦.
(٣) معاني القرآن ٣١٥/٣، بعبارة قريبة.
(٤) يبدو أن الحكم عليه باسم الجمع لكونه ليس على وزن خاص بالجموع.
(٥) ثيرة : ج ثور.
(٦) مثال لم أتبين قراءته.
قلت: ما ذهب إليه المؤلف في تصحيح ((حِوَل)) غير مشهور. ذهب ابن عصفور إلى
أن الواو متحركة وليس بعدها ألف، أو أن هذا المصدر ليس على وزن فعل من
الأفعال، وعدَّه ابن عقيل شاذاً وحمله الزجاج على أنه جارٍ على غير فِعْلٍ. انظر:
الممتع ٤٦٦، ٤٩٥، المساعد ١٦٧/٤، معاني القرآن ٣١٥/٣. وانظر: معجم
مفردات الإبدال والإِعلال ٨٩.
(٧) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٠٢، النشر ٣١٦/٢، الحجة ٤٣٦، التيسير ١٤٦،
البحر ١٦٩/٦.
٥٥٧

- الكهف -
- ورُويت عن أبي عمرو وعاصم - تَنَفِّدَ - بتشديدِ الفاءِ، وهو مُطارِعُ نَفِّدَ
بالتشديد نحو: كسِّرته فتكسِّر. وقراءةُ الباقين مطاوعُ أَنْفَدْته.
قوله: ((ولو جِئْنا)) جوابُها محذوف لِفَهْمِ المعنى تقديره: لنفِدَ. والعامَّةُ
على ((مَدَداً) بفتح الميم. والأعمشُ(١) قرأ بكسرها، ونصبُه على التمييز
كقوله(٢):
فإنَّ الھوی یکْفِيْکه مثلُه صَبْرًا
٣٢٠٥-
وقرأ(٣) ابن مسعود وابنُ عباس ((مِداداً)) كالأول. ونصبُه على التمييز
أيضاً عند أبي البقاء(٤). وقال غيرُه - كأبي الفضل الرازي -: إنه منصوب
على المصدرِ بمعنى الإِمداد نحو: ((أَنْبَتْكم مِن الأرضِ نباتاً))(٥) قال:
والمعنى: ولو أَمْدَدْناه بُمِثله إمداداً.
آ. (١١٠) قوله: ﴿أَنّما إلهكُمْ﴾: ((أنَّ)) هذه مصدرية وإنْ كانت
مكفوفةً بـ ((ما)). وهذا المصدر قائمٌ مقامَ الفاعلِ كأنه قيل: إنما يُوْحَى إليَّ
التوحیدُ.
قوله: ((ولا يُشْرِْ) العامَّةُ على الياءِ مِنْ تحتُ، عُطِفَ بها على أمرٍ.
ورُوي(٦) عن أبي عمروٍ ((ولا تُشْرِك)) بالتاءِ مِنْ فوقُ خطاباً على الالتفات من
الغَيْبة إلى الخطاب ثم التُّفِتَ في قولِه ((بعبادة ربِّه)) إلى الأول. ولو جيْءَ على
(١) نسبها في البحر ١٦٩/٦، إلى الأعرج.
(٢) لم أهتدٍ إلى قائله وصدره. وهو في البحر ١٦٩/٦.
(٧) الإِتجاف ٢٢٩/٢، المحتسب ٣٥/٢، القرطبي ٦٨/١١، البحر ١٦٩/٦ ..
(٤) الإملاء ١٠٩/٢.
(٥) الآية ١٧ من سورة نوح.
(٦) في رواية الجعفي كما في البحر ١٦٩/٦.
٥٥٨

- الكهف -
الالتفات الثاني، لقيل: ربك. والباءُ سببية، أي: بسبب. وقيل: بمعنى في.
والفِرْدوس: الجَنّةُ مِن الكَرْم خاصة. وقيل: بل ما كان غالبُها كَرْماً.
وقيل: كل ما حُوِطَ(١) فهو فِرْدوسٌ والجمع فراديس. وقال المبرد: ((الفِرْدوس
فيما سمعتُ من العرب: الشجرُ الملتفُّ، والأغلبُ عليه أن يكون من
العِنَب)). وحكى الزجاج(٢) أنها الأَوْدِيَة التي تُنْبِتُ ضُروباً من النَّبْت. واختُلف
فيه: فقيل: هو عربيُّ وقيل: أعجمي. وهل هو روميٍّ أو فارسيّ أو سُرْيانِيٌّ؟
قيل: ولم يُسْمع في كلام العرب إلا في بيت حَسَّان(٣):
جِنانٌ من الفردوسِ فيها يُخَلَّدُ
٣٢٠٦- وإنَّ ثوابَ اللَّهِ كلَّ مُوَحِّدٍ
وهذا ليس بصحيح، لأنه سُمع في شعرِ أميةَ بنِ أبي الصلت(٤):
٣٢٠٧- كانت منازلُهمْ إذ ذاك ظاهرةً فيها الفراديسُ ثم الثومُ والْبَصَلُ
ويقال: كَرْمٌ مُفَرْدَسٌ، أي: مُعَرَّشٌ، ولهذا سُمِّيَتِ الروضةُ التي دونَ
اليمامة فِرْدوساً.
وإضافةُ (جنَّات)) إلى الفِرْدوس إضافةُ تبيينٍ.
[تمت سورة الكهف]
(١) كذا بالتصحيح والمجهول مِنْ ((حاط)) القياسُ فيه: حِيط.
(٢) معاني القرآن ٣١٤/٣ - ٣١٥.
(٣) ديوانه ٣٠٦/١، ومعاني القرآن للزجاج ٣١٥/٣، واللسان (فردس). و((كل ))
مفعول ( ثواب ».
(٤) ديوانه ٤٣٧، والبحر ١٦٨/٦.
٥٥٩