Indexed OCR Text

Pages 441-460

۔ الکھف -
وقرأ(١) الحسنُ وابنُ محيصن وابنُ يعمرَ وابن كثير - في رواية
القَوَّاس(٢) عنه - ((كلمةٌ)) بالرفع على الفاعلية، و((تَخْرُج)) صفةٌ لها أيضاً.
وقُرِىء(٣) (كَبْرَتْ)) بسكون الباء وهي لغةُ تمیم.
قوله: ((كَذِباً)» فيه وجهان، أحدهما: هو مفعول به لأنه يتضمّنُ معنی
جملة. والثاني: هو نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً كذباً.
آ. (٦) قوله: ﴿إِنْ لم يُؤْمنوا﴾: العامَّةُ على كسرِ ((إنْ)) على أنها
شرطيةً، والجوابُ محذوفٌ عند الجمهور لدلالةِ قولِه: ((فَلَعَلَّكَ))، وعند غيرهم
هو جوابٌ متقدمٌ. وقُرِىء(٤): ((أَنْ لم)) بالفتح على حَذْفِ الجارِّ، أي: لإِنْ
لم يؤمنوا)).
وقُرِىء (٥) (باخِعُ نَفْسِكَ)) بالإِضافة، والأصل النصبُ. وقال
الزمخشري (٦): ((وقُرىء ((باخع نفسك)) على الأصل، وعلى الإِضافة. أي:
قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمَنْ قرأ ((إنْ لم يُؤمنوا))، وللمضيِّ فيمن قرأ
((أن لم تُؤْمنوا)) بمعنى: لأِنْ لم تؤمنوا)). قلت: يعني أنَّ باِعاً للاستقبالِ في
قراءةِ كسرٍ ((إِنْ)) فإنها شرطيةٌ، وللمضيِّ في قراءةٍ فتحها، وذلك لا يجيءُ إلا
(١) الإتحاف ٢ / ٢٠٩، البحر ٩٧/٦.
(٢) أحمد بن محمد أبو الحسن المكي، إمام مكة في القراءة. قرأ عليه قنبل والحلواني
والبزي. توفي سنة ٢٤٠. طبقات القراء ١٢٤/١.
(٣) البحر ٩٧/٦.
(٤) قال في الشواذ ٧٨: ((ذكره الفراء للأعشى عن أبي بكر عن عاصم)). وانظر: البحر
٩٨/٦.
(٥) نسبها في الشواذ ٧٨ إلى قتادة. وانظر: البحر ٩٧/٦.
(٦) الكشاف ٤٧٣/٢.
٤٤١

:
- الکھف ۔۔
في قراءةِ الإِضافةِ إذ لا يُتَصَوَّرِ المُضِيُّ مع النصبِ عند البصريين. وعلى هذا
يَلْزم أن لا يَقرأ بالفتح إلا مَنْ قرأ بإضافة ((باخع))، ويُحتاج في ذلك إلى نَّقْلٍ
وتوقيف .
و((لعلَّك)) قيل: للإِشفاق على بابها. وقيل: للاستفهام، وهو رأي
الكوفيين(١). وقيل: للنهي أي: لا تَبْخَعْ.
والبَخْعُ: الإِهلاك. يقال: بَخَع الرجُلِ نفسَه يَبْخَعُها بَخْعاً ويُخُوعاً،
أهلكها وَجْداً. قال ذو الرمة (٢):
٣١٢٢- ألا أيُّهذا الباخعُ الوجدُ نفسَه
لِشَيْءٍ نَحَتْه عن يديهِ المَقَادِرُ
يريد: نَخَّته بالتشديد، فخفَّف. / قال الأصمعي: ((كان يُنْشِدِهِ:
((الوجدَ)) بالنصب على المفعول له، وأبو عبيدةً(٣) رواه بالرفع على الفاعلية
بـ «الباخع)).
[٥٨٥ ب]
وقيل: البَخْعُ: أن تُضعِفَ الأرضَ بالزراعة. قاله الكسائي. وقيل: هو
جَهْدُ الأرضِ، وفي حديثِ عائشةً(٤) رضي الله عنها، عن عمر: ((بَخَعَ
الأرضَ)) تعني جَهَدَها حتى أخَذَ ما فيها من أموالٍ ملوكِها، وهذا استعارةٌ،
ولم يُفَسِّرَّه الزمخشري(٥) هنا بغير القَتْلِ والإِهلاك. وقال في سورة الشعراء(٦):
(١) انظر: الجنى الداني ٥٨٠، الهمع ١٣٤/١.
(٢) ديوانه ١٠٣٧/٢، واللسان (بخع)، ومجاز القرآن ٣٩٣/١، ومعاني القرآن للزجاج
٢٦٨/٣، والقرطبي ٣٤٨/١٠.
(٣) مجاز القرآن ٣٩٣/١.
(٤) انظر: النهاية ١٠٢/١، واللسان (بخع).
(٥) الكشاف ٤٧٣/٢.
(٦) في تفسيره للآية ٣ الكشاف ١٠٤/٣.
٤٤٢

- الكهف -
(والبَخْعُ)): أن يَبْلُغَ بالذَّبْحِ البِخاعِ بالباء، وهو عِرْقُ مستبطنُ الفقار، وذلك
أقصى حَدِّ الذابحِ)). انتهى. وسمعت شيخنا علاء الدين القُوْنِيّ(١) يقول:
(تتبّعْتُ كتبَ الطِّبِّ والتشريحِ فلم أجدْ لهذا أصلاً)). قلت: يُحتمل أنهم
لَمَّا ذكروه سَمَّوْه باسمٍ آخرَ لكونِه أشهرَ فيما بينهم.
وقال الراغب(٢): ((الْبَحْعُ: قَتْلُ النفسِ غَمَّا). ثم قال: ((وبَخَعَ فلانٌ
بالطاعةِ، وبما عليه من الحقِّ: إذا أَقَرَّ به وأَذْعَنَ مع كراهةٍ شديدةٍ، تجري
مجْری بْعِ نفسِه في شِئَتِه)».
وقوله: ((على آثارِهم)) متعلقٌ بـ ((باخعٌ))، أي : مِنْ بعد هلاكِهم.
قوله: (أَسْفَ) يجوز أن يكونَ مفعولاً من أجله والعامل فيه ((باخعٌ))، وأن
يكونَ مصدراً في موضعِ الحال من الضميرِ في ((باخعٌ)).
آ. (٧) قوله: ﴿زِيْنةً﴾: يجوز أَنْ ينتصِبَ على المفعول له، وأن
ينتصِبَ على الحالِ إِنْ جَعَلْتَ ((جَعَلْنا)) بمعنى خَلَقْنا، ويجوز أن يكونَ مفعولاً
ثانياً إنْ كانَتْ (جَعَلَ)) تصييريةً و ((لها)) متعلقٌ بـ ((زِيْنَةٌ)) على العلةِ، ويجوز أَنْ
تكونَ اللامُ زائدةً في المفعول، ويجوز أنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً لـ((زينة)).
قوله: ((لِنَبْلُوَهُمْ)) متعلقٌ بـ ((جَعَلْنا)) بمعنييه.
قوله: ((أيُّهم أحسنُ)) يجوز في (أيُّهم)) وجهان، أحدهما: أن تكونَ
استفهاميةً مرفوعةً بالابتداء، و((أحسنُ)) خبرُها. والجملةُ في محلٌّ نصبٍ
معلِّقَةٌ لـ ((نَبْلُوَهم)) لأنه سببُ العلم كالسؤال والنظر. والثاني: أنها موصولةٌ
(١) علي بن إسماعيل القونوي، سمع من ابن عساكر. أديب مفسر فقيه، وُلِّيَ قضاء
الشام. له شرح الحاوي. توفي سنة ٧٢٩. انظر: بغية الوعاة ١٤٩/٢.
(٢) المفردات ٣٨.
٤٤٣

- الكهف -
بمعنى الذي و ((أحسنُ)) خبرُ مبتدأ مضمٍ، والجملةُ صلةٌ لـ (أيُّهم))، ويكون
هذا الموصولُ في محلِّ نصبٍ بدلاً مِنْ مفعول «لنبلوَهم)» تقديرُه: لِنَبْلُوَ الذي
هو أحسنُ. وحينئذٍ تحتمِل الضمةُ في ((أَيُّهم))، أن تكونَ للبناء کهي في قوله تعالى :
(لَنْزِعَنَّ مِنْ كلِّ شيعةٍ أَيُّهم أَشَدُّ)(١) على أحدِ الأقوالِ ، وفي قوله(٢) :.
٣١٢٣- إذا ما أَتَيْتَ بني مالكِ فَسَلَّمْ على أيهم أَفْضَلُ
وشرطُ البناءِ موجودٌ، وهو الإِضافةُ لفظاً، وحَذْفُ صدرِ الصلةِ، وهذا
مذهبُ سيبويه(٣)، وأن تكونَ للإعراب(٤) لأنَّ البناءَ جائزٌ لا واجبٌ. ومن
الإِعراب ما قُرِىء به شاذاً ((أيَّهم أشدُّ على الرحمنِ))(٥) وسيأتي إنْ شاء الله
تحقيقُ هذا في مریم.
والضمير في (لِنَبْلُوَهم)) و((أَيُّهم)) عائدٌ على ما يُفهَمُ من السُّياق، وهم
سكانُ الأرض. وقيل: يعودُ على ما على الأرضِ إذا أُريد بها العقلاء. وفي
التفسير: المرادُ بذلك الرُّعاة. وقيل: العلماءُ والصُّلحاءُ والخلفاء.
(١) الآية ٦٩ من مریم.
(٢) البيت لغسان بن وعلة وهو في ابن يعيش ١٤٧/٣، والخزانة ٥٢٢/٢، والهمع
٨٤/١، والدرر ٦٠/١.
(٣) الكتاب ٣٩٧/١ - ٣٩٨. وانظر مذاهب العلماء فيها: الارتشاف ٥٣٤/١، شرح
الكافية ٢/ ٥٧.
:
(٤) الإِعراب على تقدير ((أيُّ)) مبتدأ فتكون استفهامية، والبناء على تقدير ((أي)) في
محل نصب بدلاً من ((هم)) في ((لنبلوهم)) فتكون موصولة. أما تكون الضمة
للإعراب على تقدير البدلية فهذا لا يجوز لأن المبدل منه منصوب والبدل تابع.
(٥) الآية ٦٩ من مريم. وهي قراءة هارون وابن مصرف والأعرج وآخرين. انظر: البحر
٢٠٩/٦، والقرطبي ١٣٣/١١.
٤٤٤

- الكهف -
آ. (٨) قوله: ﴿صَعيداً﴾: مفعولٌ ثانٍ، لأنَّ الجَعْلَ هنا تصييرٌ ليس
إلا، والصَّعِيْدُ: الترابُ. والجُرُزُ: الذي لا نباتَ به. يقال: سَنَةٌ جُرُز، وسِنونَ
أَجْرازٌ: لا مطرَ فيها. وأرض جُرُزٌ وَأَرَضُونَ أَجْرازٌ: لا نباتَ بها. وجَرَزَتٍ
الأرضُ: إذا ذَهَبَ نباتُها بقَحْطٍ أو جرادٍ وَجَرَز الأرضَ الجرادُ: أكلّ ما فيها.
والجَرُوْزُ: المَرْأَةُ الأكولةُ. قال(١):
٣١٢٤ - إنَّ العَجوزَ خَبَّةً جَرُوزا تأكلُ كلِّ ليلةٍ قَفيزا
آ. (٩) قوله: ﴿أَم حَسِبْتَ﴾: ((أم)) هذه منقطعةٌ فَتُقَدَّرُ بـ((بل))
التي للانتقال لا للإِبطال، وبهمزة الاستفهام عند جمهورِ النحاة، و((بل))
وحدَها، أو بالهمزةِ وحدَها عند غيرِهم. وتقدّم تحقيقُ القولِ فيها(٢).
و ((أنَّ)) وما في حَيِّزها سادَّةٌ [مَسَدَّ] المفعولَيْن أو أحدِهما على الخلافِ
المشهور.
والكَهْفُ: قيل: مُطْلق الغار. وقيل: هو ما اتَّسع في الجبل، فإن
لم يَتَّسِعْ فهو غارٌ. والجمعُ ((كُهوفٍ)) في الكثرة، و((أَكْهُف)» في القِلَّةِ.
والرَّقيم: قيل: بمعنى مَرْقوم. وقيل: بمعنى راقم. وقيل: هو اسمٌ
للكلبِ الذي لأصحاب الكهفِ. وأنشدوا لأميةَ بنِ أبي الصلت(٣):
٣١٢٥ - وليسَ بها إلا الرَّقيمُ مُجاوِراً وصِيدَهُمُ، والقومُ بالكهفِ هُمَّدُ
/ قوله: ((عَجَبا)) يجوز أن تكونَ خبراً، و((مِنْ آياتنا)) حالٌ منه، وأَنْ [١٥٨٦]
(١) تقدم برقم ١٨٣٧.
(٢) انظر: الدر المصون ٤٥٥/١، الجنى الداني ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٣) ديوانه ٣٧٥، والبحر ٩٣/٦.
٤٤٥

- الكهف -
يكونَ خبراً ثانياً، و((من آياتِنا)» خبراً أول، وأن يكونَ (عجباً) حالاً من الضميرِ
المستتر في ((من آياتنا)) لوقوعه خبراً. ووُحِّدَ وإن كان صفةً في المعنى لجماعة
لأنَّ أصلَه المصدرُ. وقيل: ((عَجَباً) في الأصل صفةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: آيةً
عجبا. وقيل: على حذفِ مضاف، أي: آيةٌ ذاتَ عَجَبٍ.
آ. (١٠) قوله: ﴿إِذْ أَوَىُ﴾: يجوز أن ينتصِبَ بـ ((عَجَباً) وأَنْ
ینتصِبَ بـ ((اذكر)).
قوله: ((وهَيِّى ء) العامَّةُ على همزِه بعد الياء المشددة، وأبو جعفر(١) وشيبة
والزهري بياءين: الثانيةُ خفيفةً، وكأنه أبدل الهمزةَ ياءً، وإن كان سكونُها
عارضاً. ورُوي عن عاصم ((وهَيُّ))(٢) بياءٍ مشددةٍ فقط. فيحتمل أَنْ يكونَ
حَذَفَ الهمزةَ مِنْ أولٍ وَهْلةٍ تخفيفاً، وأن يكونَ أبدلها كما فعل أبو جعفر، ثم
أجرى الياءَ مُجْرى حرفِ العلةِ الأصلي فحذفه، وإن كان الکثیرُ خلافه،
ومنه(٣):
٣١٢٦- جَرِيْءٍ متى يُظْلَمْ يعاقِبْ بِظُلمِه
سريعاً وإلّ يُبْدَ بالظلمِ يَظْلمِ
وقرأ أبو رجاء(٤) ((رُشْدا)) بضمِ الراء وسكون الشين، وتقدم تحقيق ذلك
في الأعراف(٥). وقراءةُ العامَّةِ هنا أليقُ لتوافِقَ الفواصلّ.
آ. (١١) قوله: ﴿فَضَرَبْنا﴾: مفعولُه محذوفٌ، أي: ضَرَبْنا
(١) الإِتحاف ٢١٠/٢، النشر ٣٩٠/١، البحر ١٠٢/٦.
(٢) ورد رسم القراءة في الأصل بالتكرار.
(٣) تقدم برقم ٣٥٣.
(٤) البحر ١٠٢/٦.
(٥) انظر: الدر المصون ٤٥٧/٥.
٤٤٦

- الكهف -
الحجابَ المانعَ. و((على آذانِهم)) استعارةٌ للزومِ النوم. كقول الأسود(١):
ضُرِبَتْ عَلَيَّ الأرضُ بالأَسْدادِ
٣١٢٧- ومن الحوادث لا أبالَكِ أنني
وقال الفرزدق(٢):
٣١٢٨- ضَرَبَتْ عليكَ العَنْكَبوتُ بنَسْجِها
وقَضَىْ عليك به الكتاب المُنَزَّلُ
ونصَّ على الآذان لأنَّ (٣) بالضرب عليها خصوصاً يَحْصُلُ النومُ.
وأمال ((آذانهم)) ... (٤)
و ((سنينَ)) ظرفٌ لـ ((ضَرَبْنا)). و((عَدَد) يجوزُ فيه أن يكونَ مصدراً، وأن
يكون فَعَلَا بمعنى مَفْعول كالقَبَض والنَّقَص. فعلى الأولِ يجوز نصبُه مِنْ
وجهين: النعتِ لـ ((سنين)» على حَذْفٍ، أي: ذوات عدد، أو على المبالغةِ،
والنصبُ بفعلٍ مقدرٍ ، أي : تُعَدُّ عدداً. وعلى الثاني: نعت ليس إلا ، أي :
معدودة .
آ. (١٢) قوله: ﴿الِنَّعْلَمَ﴾: متعلقٌ بالبعث. والعامَّةُ على نون
العظمة جرياً على ما تقدم. وقرأ(٥) الزُّهْري (لِيَعْلم)) بياء الغَيْبةِ، والفاعلُ اللَّهُ
(١) الأسود بن يعفر النهشلي وهو في المفضليات ٢١٦، والقرطبي ٣٦٣/١٠، والبحر
١٠٣/٦. والأَسْداد: جمع سَدّ وهو الحاجز بين الشيئين، يشير هنا إلى ضعفه فقد
عُمِي .
(٢) تقدم برقم ٥٠٥.
(٣) اسم ((أنَّ)) ضمير الشأن.
(٤) بعده بياض في الأصل ولم تكتب النسخ شيئاً. وفي الإتحاف (٢١٠/٢): ((وأمال
الألف الثانية من ((آذانهم)) الدوري عن الكسائي)).
(٥) البحر ١٠٣/٦.
٤٤٧

- الكهف -
تعالى. وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيْبَة. ويجوزُ أن يكونَ الفاعلُ ((أيُّ
الحِزْبَيْنِ)) إذا جَعَلْناها موصولةٌ كما سيأتي .
وقرىء(١) (لُيُعْلَمَ)) مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامُ الفاعلِ: قال
الزمخشري (٢): ((مضمونُ الجملة، كما أنه مفعولُ العلمِ)). ورَدَّه الشيخ (٣)
بأنه ليس مذهبَ البصريين (٤). وتقدَّم تحقيقُ هذا أولَ البقرة(٥).
وللكوفيين في قيامِ الجملة مَقامَ الفاعلِ أو المفعولِ الذي لم يُسَّمَّ
فاعلُه: الجوازُ مطلقاً، والتفصيلُ بين ما يُعلَّق كهذه الآيةِ فيجوزُ، فالزمخشري
نحا نحوَهم على قَوْلَيْهم. وإذا جَعَلْنا ((أَيُّ الحزبين)) موصولةً جاز أَنْ يكونَ
الفعلُ مسنداً إليه في هذه القراءةِ أيضاً كما جاز إسنادُه إليه في القراءةِ قبلها .
وقُرِىءٍ(٦) ((ليُعْلِمَ)) بضمِّ الياء، والفاعلُ الله تعالى، والمفعولُ الأولُ
محذوفٌ، تقديرُهُ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ الناسَ. و((أيُّ الحزبين)) في موضعِ الثاني
فقط، إنْ كانت عِرْفانيةً، وفي موضعِ المفعولين (٧) إن كانَتْ يقينية.
قوله: ((أَحْصَى)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه أفعلُ تفضيلٍ . وهو
خبرٌ لـ (أيُّهم))، و(أيُّهم)) استفهاميةٌ. وهذه الجملةُ معلِّقَةٌ للعلمِ قبلَها. وهلِما
(١) قال في الشواذ ٧٨: ((حكاه الأخفش)). وانظر: البحر ١٠٣/٦.
(٢) الکشاف ٤٧٣/٢.
(٣) البحر ١٠٣/٦.
(٤) قال أبو حيان: ((لأن الجملة إذ ذاك تكون في موضع الفاعل فكذلك لا يقوم مقام
ما ناب عنه)).
(٥) انظر: الدر المصون ١٣٦/١.
(٦) البحر ١٠٣/٦.
(٧) أي الثاني والثالث لأنها تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل إنْ كانت يقينية.
٤٤٨

- الكهف -
◌َبِثُوا)) حال مِنْ (أَمَداً))، لأنه لو تأخَّر عنه لكان نعتاً له. ويجوز أَنْ تكونَ اللامُ
على بابِها من العلَّة، أي: لأجل، قاله أبو البقاء(١). ويجوز أن تكون زائدةً،
و ((ما)) مفعولةٌ: إمَّا بـ ((أَحْصىْ)) على رأيِ مَنْ يُعْمِلُ أفعل التفضيل في
المفعولِ به، وإمَّا بإضمارٍ فعلٍ. و((أمدا) مفعولُ ((لَبِثوا)) أو منصوبٌ بفعلٍ
مقدرٍ يَدُلُّ عليه أَفْعَلُ عند الجمهور، أو منصوبٌ بنفسِ أُفْعَلَ عند مَنْ يَرى
ذلك.
والوجه الثاني: أن يكون ((أَحْصَى)) فعلًا ماضياً. و ((أَمَداً)) مفعولُه، و «لِما
لَبثوا)) متعلقٌ به، أو حالٌ مِنْ (أَمَدا) أو اللامُ فيه مزيدةٌ، وعلى هذا: فَأَمَداً
منصوبٌ بـ لَبِثُوا. و((ما)) مصدريةٌ أو بمعنى الذي. واختار الأولَ - أعني كونَ
((أَحْصىْ)) للتفضيل - / الزجاجُ(٢) والتبريزي، واختار الثاني أبو علي [٥٨٦ب]
والزمخشري (٣) وابن عطية. قال الزمخشري: ((فإن قلتَ: فما تقول فيمَنْ
جعله مِنْ أفعلِ التفضيلٍ؟ قلت: ليس بالوجهِ السديدِ، وذلك أنَّ بناءَه مِنْ
غيرِ الثلاثي ليس بقياسٍ، ونحو ((أَعْدَى من الجَرَب))(٤) و((أفلس من
ابن المُذَلَّق))(٥) شاذٌّ، والقياسُ على الشاذِّ في غيرِ القرآن ممتنعٌ فكيف به؟
ولأنَّ ((أَمَداً): إمَّا أَنْ ينتصِبَ بأفعلَ وأفعلُ لا يعملُ، وإمَّا أَنْ ينتصِبَ بـ ((لبثوا))
فلا يَسُدُّ عليه المعنى. فإنْ زعمتَ أني أنصِبُه بفعلٍ مضمرٍ كما أَضْمَرَ في
قوله(٦):
(١) الإملاء ٢ / ٩٩.
(٢) معاني القرآن ٢٧١/٣ .
(٣) الكشاف ٢/ ٤٧٤.
(٤) مثل عربي. انظر: مجمع الأمثال ٣٩٣/٢.
(٥) مثل عربي. ويقال: إن ابن المُذَلّق رجل من بني عبد شمس لم يكن يجد مكاناً
يبيت فيه ليلته، وأبوه وأجداده يعرفون بالإفلاس. انظر: مجمع الأمثال ٤٦١/٢.
(٦) تقدم برقم ٣٤٥.
٤٤٩

- الكهف :-
٣١٢٩-
وأَضْرَبَ منا بالسیوفِ القَوانِسا
فقد أبعدْتَ المتْنَاوَلَ، حيث أَبَيْتَ أَنْ يكونَ [(«أحصى))] فعلا ثم رجعتَ
مضطراً إليه)).
وناقشه الشيخ (١) فقال: ((أمَّا دعواه أنه شاذٌّ فمذهبُ سيبويهِ خِلافُه،
وذلك أنَّ أفعلَ فيه ثلاثةُ مذاهبَ: الجوازُ مطلقاً، ويُعْزَى لسيبويه(٢)، والمنعُ
مطلقاً، وهو مذهب الفارسي، والتفصيلُ: بين أن تكونَ همزتُه للتعدية
فيمتنعَ، وبين أَنْ لا تكونَ فيجوزَ، وهذا ليسَتِ الهمزةُ فيه للتعدية. وأمَّا قولُه:
((أَفْعَلُ لا يعمل)) فليس بصحيحٍ لأنه يعملُ في التمييز، و((أَمَدأَ)) تمييزٌ
لا مفعولٌ به، كما تقول: زيدٌ أقطعُ الناسِ سيفاً، وزيد أقطعُ لِلْهامِ سيفاً)» .:
قلت: الذي أجوجَ الزمخشريَّ إلى عَدَمِ جَعْلِه تمييزاً مع ظهوره في
بادىء الرأي عدمُ صحةٍ معناه. وذلك أنَّ التمييزَ شرطُه في هذا الباب أن
تَصِحّ نسبةُ ذلك الوصف الذي قبله إلیه ویتصف به، ألا تری إلی مثاله في
قوله: ((زيد أقطعُ الناس سيفاً) كيف يَصِحُّ أن يُسْنَدَ إليه فيقال: زِيد قَطَع
سيفُه، وسيفه قاطع، إلى غير ذلك. وهنا ليس الإِحصاءُ من صفةٍ الأمَدِ،
ولا تَصِحُّ نسبتُه إليه، وإنما هو من صفات الحزبين، وهو دقيق.
وكان الشيخُ نقل عن أبي البقاء نصبَه على التمييزِ، وأبو البقاء لم يذكر
نصبه على التمييز حالَ جَعْلِه ((أَحْصىْ)) أفعلَ تفضيلٍ، وإنما ذكر ذلك حين
(١) البحر ١٠٥/٦.
(٢) ذكر سيبويه في أبنية التعجب أنه يبنى من أفْعَل. وقد يكون حكم التفضيل في هذا
الحكم التعجب عند من نسبوا لسيبويه ما ينقله أبو حيان عنه. انظر: الكتاب
٠٣٧/١
٤٥٠

- الكهف -
ذكر أنه فعلٌ ماضٍ. قال أبو البقاء (١): ((في أحصى وجهان، أحدُهما: هو
فعلٌ ماضٍ ، ((وأَمَداً)) مفعوله، و ((لِما ◌َبِثوا)) نعتٌ له، قُدِّم فصار حالاً أو مفعولاً
له، أي: لأجل لُبْثِهم. وقيل: اللامُ زائدةٌ و((ما)) بمعنى الذي، و ((أَمَدأ)
مفعولُ ((لبثوا)) وهو خطأً، وإنما الوجهُ أن يكونَ تمييزاً والتقدير: لما لبثوه.
والوجه الثاني: هو اسمٌ و((أَمَدا) منصوبٌ بفعلٍ دَلَّ عليه الاسمُ)) انتهى. فهذا
تصريحٌ بأنَّ ((أَمَداً)) حالَ جَعْلِه ((أحصى)) اسماً ليس تمييزاً بل مفعولاً به(٢)
بفعلٍ مقدرٍ، وأنه جعله تمييزاً عن ((لبثوا)) كما رأيت.
ثم قال الشيخ (٣): ((وأمَّا قولُه(٤) ((وإمَّا أَنْ يُنْصَب(٥) بـ (لبثوا)) فلا يَسُدُّ
عليه المعنى، أي: لا يكون معناه سديداً، فقد ذهب الطبري(٦) إلى أنه
منصوبٌ بـ لَبِثوا)). قال ابن عطية: ((وهو غيرُ متجهٍ)) انتهى. وقد(٧) يتجه:
وذلك أنَّ الأمدَ هو الغاية، ويكون عبارةً عن المدةِ من حيث إنَّ المدَّةَ غايةٌ هي
أَمَدُ المدة(٨) على الحقيقة، و((ما)) بمعنى الذي، و((أمَدأَ)) منصوبٌ على
إسقاط الحرفِ، وتقديره: لِما لبثوا مِنْ أمدٍ، أي: مِنْ مدةٍ، ويصيرُ ((مِنْ أمدٍ))
تفسيراً لما أُبْهِمَ من لفظ ((ما)) كقوله: ((ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة))(٩) «ما يفتحِ اللَّهُ
للناسِ مِنْ رحمةٍ))(١٠) ولمَّا سقط الحرفُ وصل إليه الفعل)).
(١) الإملاء ٢ / ٩٩.
(٢) الأنسب أن يقول: بل مفعولٌ به.
(٣) البحر ١٠٥/٦.
(٤) أي: الزمخشري.
(٥) أي: أمداً.
(٦) تفسير الطبري ٢٠٧/١٥.
(٧) الكلام لأبي حيان.
البحر: ((إن للمدة غاية في أمد المدة)) وهي أوضح.
(٨)
(٩) الآية ١٠٦ من البقرة.
(١٠) الآية ٢ من فاطر.
٤٥١

- الكهف -
قلت: يكفيه أنَّ مِثْلَ ابنِ عطية جعله غيرَ متجهٍ، وعلى تقديرٍ ذلك فلا
نُسَلِّم أنَّ الطبريَّ عنى نصبه بلبثوا مفعولاً به بل يجوز أَنْ يكونَ عنى نصبُه
تمييزاً كما قاله أبو البقاء.
ثم قال(١): ((وأمَّا قولُه: ((فإن زعمت(٢) إلى آخره فنقول: لا يُحتاج إلى
ذلك؛ لأنَّ لقائلِ ذلك أَنْ يذهب مذهبَ الكوفيين في أنه ينصِبُ ((القوانس))
بنفس (أَضْرَبُ)) ولذلك جعل بعضُ النحاة أنَّ ((أعلم)) ناصبٌ لـ (مَنْ)) في
قوله: ((أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ))(٣)، وذلك لأنَّ أَفْعَلَ مضمَّنٌ لمعنى المصدر إذ
التقدير: يزيد ضربُنا الْقوانسَ على ضَرْبٍ غيرنا)».
قلت: هذا مذهبٌ مرجوحٌ، وأفعلُ التفضيلِ ضعيفٌ ولذلك قَصُرَ عن
الصفةِ المشبهةِ باسمِ الفاعل ، حيث لم يؤنَّثْ ولم يُثنَّ ولم يُجْمع.
وإذا جعلنا ((أَحْصَى)) اسماًّ فجوَّز الشيخ(٤) في ((أَيّ)) أن تكونَ
الموصولةً، و((أَحْصَى)) خبرٌ لمبتدأ محذوف هو عائدُها، وأنَّ الضمةَ للبناء
[١٥٨٧] على مذهبٍ سيبويهِ(٥) لوجودِ / شرطِ البناءِ وهو إضافتها لفظاً، وحَذْفُ صدرٍ
صلتِها، وهذا إنما يكون على جَعْلِ العِلْم بمعنى العرفان، لأنه ليس في
الكلام إلا مفعولٌ واحدٌ، وتقديرٌ آخرُ لا حاجةَ إليه. إلا أنَّ في إسنادِ ((عَلِمَ))
بمعنى عَرَف إلى الله تعالى إشكالاً تقدَّم تحريرُه في الأنفال(٦) وغيرِها. وإذا
جَعَلْناه فعلاً امتنع أن تكونَ موصولةً إذ لا وجهَ لبنائها حينئذٍ وهو حسن.
(١) البحر ١٠٥/٦.
(٢) أي: تقدير فعل مضمر.
(٣) الآية ١١٧ من الأنعام.
(٤) البحر ١٠٤/٦.
(٥) الكتاب ٣٩٧/١ - ٣٩٨.
(٦) أنظر: الدر المصون ٦٣٠/٥ لأن المعرفة تستدعي سبق جهل.
٤٥٢

- الكهف -
آ. (١٣) قوله: ﴿آمنوا بربِّهم﴾: فيه التفات من التكلم إلى الغيبة
إذ لو جاء على نَسَقِ الكلامِ لقيل: إنهم فتيةٌ آمنوا بنا. وقوله: ((وزِدْناهم))
((وَرَبِطْنا)) التفاتُ من هذه الغَيْبة إلى التكلم أيضاً.
آ. (١٤) قوله: ﴿إِذ قامُوا﴾: منصوبٌ بـ ((رَبَطْنا)) والرَّبْطُ استعارةٌ
لتقويةِ قلوبهم في ذلك المكانِ الدَّحْضِ (١).
قوله: ((إذن)) جوابٌ وجزاءٌ، أي: لقد قُلنا قولاً شَطَطاً إِنْ دَعَوْنا مِنْ دونِه
إلَهاً. وشَطَطاً في الأصل مصدرٌ، يقال: شَطَّ شَطَطاً وشُطُوطاً، أي: جارَ وتجاوزَ
حَدَّه، ومنه: شطَّ في السَّوْمِ، وأَشَطّ، أي: جاوَزَ القَدْر. وشَطَّ المنزلُ:
بَعُدَ، من ذلك. وشَّتِ الجاريةُ شِطاطاً: طالَتْ، من ذلك. وفي انتصابِه
ثلاثةُ أوجهٍ: مذهبُ سيبويهِ (٢) النصبُ على الحال من ضميرٍ مصدر ((قُلْنا».
الثاني: نعتٌ لمصدرٍ، أي: قولاً ذا شَطَطٍ، أو هو الشَّطَطُ نفسُهُ مبالغةً.
الثالث: أنه مفعولٌ بـ ((قُلْن)) لتضمُّنِه معنى الجملة.
آ. (١٥) قوله: ﴿هؤلاء قومُنا النَّخذوا﴾: يجوز في ((قومُنا)) أن
يكونَ بدلاً أو بياناً، و((اتّخذوا)) هو خبرُ («هؤلاء)»، ويجوز أن يكونَ ((قومُنا)) هو
الخبرَ، و((اتَّخذوا)) حالاً. و((اتّخذ) يجوزُ أَنْ يتعدَّى لواحدٍ بمعنى عَمِلوا؛ لأنهم
نَحَتوها بأيديهم، ويجوز أَنْ تكونَ متعدِّيةً لاثنين بمعنى صَيَّروا، و ((مِنْ دونِه)»
هو الثاني قُدِّمَ، و((آلهةً)) هو الأولُ. وعلى الوجهِ الأولِ يجوز في ((مِنْ دونِه))
أن يتعلَّقَ بـ اتَّخذوا))، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ حالاً مِنْ ((آلهة)) إذ لو تأخّر لجاز
أن يكونَ صفةً لـ («آلهةً)».
(١) مكان دَخْض: إذا كان مَزَلَّة لا تثبت عليه الأقدام.
(٢) الكتاب ١١٦/١.
٤٥٣

- الكهف -
قوله: ((لولا يَأْتُون)) تحضيضٌ فيه معنى الإِنكار. و((عليهم))، أي: على
عبادتهم أو على اتّخاذهم، فَحُذِفَ المضافُ للعِلْمِ به، ولا يجوز أن تكونَ
هذه الجملةُ التحضيضية صفةً لـ((آلهةً)) لفساده معنى وصناعةً، لأنها جملةٌ
طلبيةٌ. فإنْ قلت: أُضْمِرُ قولاً كقوله(١) : .
٣١٣٠- جاؤوا بمَذْقٍ هل رَأَيْتَ الذئبَ قطّ
لم يساعِدْك المعنى لفساده عليه.
آ. (١٦) قوله: ﴿وإذ اعْتَزَلْتُموهم﴾: ((إذ)) منصوبٌ بمحذوف،
أي: وقال بعضُهم لبعضٍ وقتّ اعتزالِهم. وجَوَّز بعضُهم أَنْ تكونَ ((إِذ»
للتعليل، أي: فَأُووا إلى الكهفِ لاعتزالِكم إياهم، وهو قولٌ مَقُولٌ لكنَّه
لا يَصِحُ.
قوله: ((وما يَعْبُدُون)) يجوز في ((ما)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ
بمعنى الذي، والعائدُ مقدرُ، أي: واعْتَزَلْتم الذي يعبدونه. و((إلا الله)) يجوز
فيه أن يكونَ استثناءً متصلاً: فقد رُوي أنهم كانوا يعبدون اللّهَ ويُشْرِكون به
غيرَه، ومنقطعاً: فقد رُوي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. والمستثنى منه
يجوز أن يكونَ الموصولَ، وأن يكون عائده، والمعنى واحد.
والثاني: أنها مصدريةٌ، أي: واعتزلتُمْ عبادتهم، أي: تركتموها.
و ((إلا اللّهَ)) على حَذْفِ مضاف، أي: إلا عبادةَ اللَّهِ. وفي الاستثناء الوجهان
المتقدمان .
الثالث: أنها نافيةٌ، وأنَّه مِنْ كلامِ الله تعالى، وعلى هذا فهذه الجملةَ
(١) تقدم برقم ٢٤٠١ .
٤٥٤

- الكهف -
معترضةٌ بين أثناءِ القصةِ وإليه ذهب الزمخشري(١). و((إلا الله)) استثناءٌ مفرغٌ
أخبر الله عن الفتيةِ أنَّهم لا يعبدون غيرَه. وقال أبو البقاء(٢): ((والثالث: أنها
حرفُ نفيٍ فيخرج في الاستثناء وجهان، أحدهما: هو منقطعٌ، والثاني: هو
متصلٌ، والمعنى: وإذ اعتزلتموهم إلا الله(٣) وما يعبدون إلا اللَّهَ)) قلت:
فظاهرُ هذا الكلامِ : أن الانقطاعَ والاتصالَ في الاستثناءِ مترتبان على القولِ
بكون «ما)) نافيةٌ، وليس الأمرُ كذلك.
قوله: ((مِرْفَقا)) قرأ بكسرِ الميمِ وفتحِ الفاءِ الجمهورُ. ونافع (٤)
وابنُ عامر بالعكس، وفيهما اختلافٌ بين أهلِ اللغة(٥)، فقيل: هما بمعنى
واحد وهو ما يُرْتَفَقُ به، وليس بمصدرٍ. وقيل: هو بالكسر في الميم لليد،
وبالفتح للأمر، وقد يُسْتعمل كلَّ واحدٍ منهما موضعَ الآخر، حكاه الأزهري(٦)
عن ثعلبٍ. وأنشد الفراءُ جمعاً بين اللغتين في الجارحة(٧):
٣١٣١- بِتُّ أُجافي مِرْفقاً عن مَرْفقِ
/ وقيل: يُسْتعملان معاً في الأمرِ وفي الجارحة، حكاه الزجاج(٨). [٥٨٧ ب]
(١) الكشاف ٢/ ٤٧٥.
(٢) الإِملاء ٩٩/٢.
(٣) الإِملاء: إلا عبادة الله .
(٤) الإِتحاف ٢١٠/٢، البحر ١٠٧/٦، النشر ٣١٠/٢، السبعة ٣٨٨، الحجة ٣١٢.
(٥) انظر: اللسان ((رفق))، ومعاني القرآن للفراء ١٣٦/٢، وللزجاج ٢٧٢/٣، والبحر
١٠٧/٦.
(٦) بل حكاه في قولين عن يونس والليث. انظر: التهذيب ١١٢/٩.
(٧) لم أقف عليه .
(٨) معاني القرآن ٢٧٢/٣.
٤٥٥

- الكهف -
وحكى مكي(١)، عن الفراء(٢) أنه قال: ((لا أعرِفُ في الأمر ولا في اليد
ولا في كل شيءٍ إلا كسرَ الميمِ)».
قلت: وتواترُ قراءةٍ نافعٍ والشاميين يَرُدُّ عليه. وأنكر الكسائيُّ كسرَ الميم
في الجارحة، وقال: لا أعرفُ فيه إلا الفتحَ وهو عكسُ قولِ تلميذِهُ، ولكن
خالفه أبو حاتم، وقال: ((هو بفتح الميم: الموضعُ كالمسجد. وقال أبو زيد:
هو بفتح الميم مصدرٌ جاء على مَفْعَل)). وقال بعضهم : هما لغتان فيما يُرْتَفَقُ به،
فأمَّا الجارِحَةُ فبكسرٍ الميمِ فقط. وحُكي عن الفرَّاء أنّه قال: ((أهلُ الحجاز
يقولون: ((مَرْفِقًا)) بفتح الميم وكسرِ الفاءِ فيما ارتفقْتَ به، ويكسِرونَ مِرْفَق
الإِنسان، والعربُ بعدُ يَكْسِرون الميمَ منهما جميعاً)). وأجاز معاذ فتحَ الميم
والفاءِ، وهو مصدرٌ كالمَضْرَبِ والمَقْتَلِ .
و((مِنْ أَمْرِكم)) متعلِّقٌ بالفعلِ قبلَه، و((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ أو للتبعيضِ.
وقيل: هي بمعنى بَدَل، قاله ابن الأنباريِّ وأنشد(٣):
٣١٣٢- فليت لنا مِنْ ماءِ زمزمَ شَرْبَةً
مُبَرَّدَةً باتَتْ على طَهَيانِ
أي: بَدَلاً. ويجوز أن يكونَ حالاً من ((مِرْفَقاً)) فيتعلَّقَ بمحذوفٍ.
آ. (١٧) قوله: ﴿تَزَأْوَرُ﴾: قرأ(٤) ابن عامر ((تَزْوَرُّ) بزنةٍ تَحْمَرُّ،
(١) لم ترد حكايته في المشكل والكشف.
(٢) معاني القرآن له ١٣٦/٢ بعبارة قريبة، وعبارة «لا أعرف غير هذا)) نسبها الزجاج في
معانيه للأصمعي. انظر: معاني القرآن ٢٧٢/٣ .
(٣) تقدم برقم ٢٤٨٦.
:
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٨٨، النشر ٣١٠/٢، الإتحاف ٢١١/٢، الحجة ٤١٣،
التيسير ١٤٢، البحر ٢٠٧/٦، الشواذ ٧٨.
٤٥٦

- الكهف -
والكوفيون (تَزاوَرُ)) بتخفيفِ الزايِ، والباقون بتثقِيلها. فـ ((تَزْوَرُ)) بمعنى تميل
من الزَّوَر وهو المَيَلُ، وزاره بمعنى مال إليه، وقول الزُّور: مَيّلٌ عن الحق،
ومنه الأَزْوَرُ وهو المائلُ بعينه وبغيرها. قال عمر بن أبي ربيعة(١):
٣١٣٣-
.... وجَنْبي خِيفة القوم أَزْوَرُ
وقيل: تَزْوَرُ بمعنى تَنْقَبِضُ مِنْ ازْوَرَّ، أي: انقبضَ. ومنه قولُ
عنترة (٢):
٣١٣٤- فازْوَرَّ مَنْ وَقَعَ القَنا بلَبانِه وشكا إليَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمٍ
وقيل: مال. ومثلُه قولُ بِشْر بن أبي خازم(٣):
٣١٣٥- يَوْمُ بها الحداةُ مياهَ نَخْلٍ وفيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ
أي: مَيْلٌ.
وأما ((تزاوَرُ)) و((تَّزاوَرُ))(٤) فأصلهما تَتَزاوَرُ بتاءين، فالكوفيون حذفوا
إحدى التاءين، وغيرُهم أَدْغم، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في «تَظَاهَرون))(٥)
(١) تمامه وروايته في الديوان:
وخُفِّضَ عني الصوتُ، أقبلْتُ مِثْيَةَ الـ ـحُبابٍ وشخصي خشية الحيِّ أَزْوَرُ
وهو في ديوانه ٩٦، والقرطبي ٣٦٨/١٠، والبحر ٩٣/٦. والحباب: الحية. وقبل
البيت:
مصابيحُ شَبَّتْ بالعِشاءِ وأَنْؤُرُ
فلمَّا فَقَدْتُ الصوتَ منهم وأُطْفِئَتْ
وَرَوَّحِ رُعْيانٌ ونَوَّمَ سُمِّرُ
وغابَ قُمَيْرٌ كنت أهوى غيوبه
(٢) ديوانه ٢١٧، والقرطبي ٣٦٨/١٠
(٣) اللسان (أبن)، والبحر ٩٣/٦، والبيت في وصف الظعائن. وأبانان: جبلان في
البادية .
(٤) لم أقف على هذا الفعل قراءةً.
(٥) الآية ٨٥ من البقرة. وانظر: الدر المصون ١ /٤٧٨.
٤٥٧

- الكهف -
و (تَساءلون))(١) ونحوهما. ومعنى ذلك الميل أيضاً.
وقرأ أبو رجاء والجحدري وابن أبي عبلة وأيُّوب السُّختياني ((تَزْوَارُ)) بزنة
تَحْمارُّ. وعبد الله وأبو المتوكل («تَزْوَئِرُّ)» بهمزةٍ مكسورةٍ قبل راءٍ مشددة،
وأصلُها ((تَزْوارُ) كقراءة أبي رجاء ومَنْ معه، وإنما كَرِهَ الجمع بين الساكنين؛
فأبدل الألفَ همزةً على حدِّ إبدالها في (جَأَنّ))(٢) و ((الضَّأَلِين))(٣). وقد تقدَّم
تحقيقُهُ أولَ هذا التصنيف آخرَ الفاتحة (٤).
و((إذا طَلَعَتْ)) معمولٌ لـ ((تَرَى)) أو لـ (تَزَاوَرُ))، وكذا ((إذا غَرَبَتْ)) معمولٌ
للأولِ أو الثاني وهو (تَقْرِضُهم)). والظاهرُ تمخُضُه للظرفيةِ، ويجوزُ أَنْ تكونَ
شرطيةً .
ومعنى ((تَفْرِضُهُم)): تَقْطَعُهم لا تُقَرِّبهم، لأنَّ القَرْضَ القَطْعُ، من
القَطِيعةِ والصَّرْم. قال ذو الرمة(٥):
٣١٣٦- إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أَقْواز مُشْرِفٍ
شِمالاً، وعن أَيْمَانِهِنَّ الفوارِسُ
والقَرْضُ: القَطْعُ. وتقدَّم تحقيقُه في البقرة(٦). وقال الفارسي: ((معنى
تَقْرِضُهم: تُعْطيهم مِنْ ضوئها شيئاً ثم تزولُ سريعاً كالقَرْضِ يُسْتَرَدُّ». وقد
ضُعَّف قولُه بأنه كان ينبغي أن يُقْرأ ((تُقْرِضُهم)) بضم التاء لأنه مِنْ أَقْرِض.
(١) الآية ١ من النساء. وانظر: الدر المصون ٥٥٣/٣.
(٢) الآية ٣٩ من الرحمن. وهي قراءة الحسن وعمروبن عبيد. البحر ١٩٥/٨،
والإتحاف ٠.٥١٠/٢
(٣) الآية ٧ من الفاتحة. وهي قراءة أبي أيوب السخياتني. الدر ٧٤/١.
(٤) انظر: الدر المصون ٧٤/١.
(٥) ديوانه ١١٢٠/٢، والبحر ٩٣/٦، والقرطبي ٣٥٠/١٠، ومشرف والفوارس:
موضعان. والقَوْز: كثيب الرمل المستدير.
(٦) انظر: الدر المصون ٥١١/٢.
٤٥٨

- الكهف -
وقرىء(١) (يَقْرِضهم)) بالياءِ مِنْ تحتُ، أي: الكهف، وفيه مخالَفَةٌ بين
الفعلين وفاعِلهما، فالأوْلى أن يعودَ على الشمس ويكون كقوله(٢):
ولا أرضَ أَبْقَلَ إِيْقالَها
٣١٣٧-
وهو قولُ ابنِ کیْسان.
و ((ذات اليمين)» و«ذات الشُّمال)» ظرفا مكانٍ بمعنى جهة اليمين وجهةٍ
الشِّمال.
قوله: ((وهم في فَجْوَةٍ منه)) جملةٌ حاليةٌ، أي: نفعلُ هذا مع اتساع
مكانِهم، وهو أعجبُ الحالِهم، إذ كان ينبغي أَنْ تصيبهم الشمسُ لأِّساعِه.
والفَجْوَةُ: المُتَّسَعُ، من الفَجا، وهو تباعدُ ما بين الفَخِذين(٣). يقال: رجلٌ
أَفْجَىْ وامرأةَ فَجْواء، وجمع الفَجْوَة فِجاءٌ كَقَصْعَة وقِصاع.
قوله: ((ذلك)) مبتدأٌ مُشار به إلى جميعِ ما تقدم مِنْ حديثهم. و((من
آياتِ الله)) الخبرُ. ويجوز أن يكونَ ((ذلك)) خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمرُ
ذلك. و «من آياتٍ الله)) حالٌ.
آ. (١٨) قوله: ﴿أَيْقاظاً﴾: جمعُ ((يَقُظ)) بضم القاف، ويُجمع
على يقاظ. ويَقُظ وأيقاظ كعَضُد وأَعْضاد، ويَقُظ ويقاظ كرَجُل ورِجال. وظاهر
كلام الزمخشري (٤) أنه يقال: ((يَقِظ)) بالكسر، لأنه قال: «وأيقاظ جمع «يَقِظُ)»
كأَنْكادِ في (نَكِد)). واليَقَظَّةُ: الانتباهُ ضدُّ النوم.
(١) القرطبي ٣٦٩/١٠، البحر ١٠٨/٦.
(٢) تقدم برقم ٢٨٣ .
(٣) انظر: اللسان ((فجاہ.
(٤) الكشاف ٢ / ٤٧٥.
٤٥٩

- الكهف -
والرُّقود: جمع راقِد كقاعِد وقُعود، ولا حاجةَ إلى إضمارِ شيءٍ كما
قال بعضهم: إنَّ التقدير: لو رَأَيْتَهم لَحَسِبْتَهم أيقاظاً.
قوله: ((ونُقَلِّهم، قرأ العامَّةُ ((نُقَلِّبهم)) مضارعاً مسنداً للمعظّمِ نفسَه.
وقرىء (١) كذلك بالياء مِنْ تحتُ، أي: الله أو المَلَك. وقرأ الحسن: ((يُقْلِيُهم)
بالياءِ من تحتُ ساكنَ القافِ مخففَ اللامِ، وفاعلُه كما تقدَّم: إمَّا اللَّهُ
أو المَلَكُ.
وقرأ أيضاً ((وتَقُلُّبُّهم)) بفتح التاءِ وضمِّ اللامِ مشددةً مصدرَ تَقَلَّبَ))،
كقوله: ((وتَقَلُّبَك في الساجدين))(٢) ونصبِ الباء. وخرَّجه أبو الفتحِ(٣) على
إضمارٍ فعلٍ ، أي: وَتَرَىْ تقُلُّبُهم أو نشاهِدُ. ورُوِيَ عنه أيضاً رفعُ الباءِ
على الابتداءِ، والخبرُ الظرفُ بعدَه. ويجوز أن يكونَ محذوفاً، أي: آيةٌ
[١٥٨٨] عظيمة. / وقرأ عكرمةُ(٤) ((وَتَقْلِيُهم)) بتاءِ التأنيثِ مضارعَ ((قَلَب)) مخففاً، وفاعلُه
ضميرُ الملائكةِ المدلولِ عليهم بالسِّاقِ.
قوله: ((وكَلْبُهم)) العامَّةُ على ذلك. وقرأ(٥) جعفر الصادق ((کالیُهم))،
أي: صاحبُ كلِهم، كلابِن وتَامِر. ونقل أبو عمر الزاهدُ غلامُ ثعلب ((وكالِئُهم)»
بهمزةٍ مضمومةٍ اسمَ فاعلٍ مِنْ كَلَّ يكلًا، أي : حَفِظِ يَحْفَظُ.
و ((باسِط)» اسمُ فاعلٍ ماضٍ، وإنما عَمِلَ على حكاية الحال. والكسائيُّ
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٦/٢، البحر ١٠٩/٦، الكشاف ٤٧٥/٢، الإتحاف:
٢/ ٢١١، الشواذ ٧٨
(٢) الآية ٢١٩ من الشعراء.
(٣) المحتسب ٢٦/٢.
(٤) نسبها في الإِتحاف ٢١١/٢ إلى الحسن.
(٥) البحر ١٠٩/٦.
٤٦٠