Indexed OCR Text
Pages 381-400
- الإسراء - الناصبُ له المصدرُ قبله، وهو مصدرٌ مبيِّن لنوعِ المصدرِ الأول. الثاني : أنه منصوبٌ على المصدرِ أيضاً لكن بمضمرٍ، أي: يُجازَوْن جزاءً. الثالث: أنه حالٌ موطِّئة كجاء زيد رجلاً صالحاً. الرابع: أنه تمييزٌ وهو غيرُ مُتَعَقَّل. و ((مَوْفُوراً)) اسمُ مفعولٍ مِنْ وَفَرْتُه، ووفَرَ يُستعمل متعدِّياً، ومنه قولُ زهير(١): ٣٠٧٨- ومن يَجْعَلِ المعروفَ مِنْ دُوْنِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشتم يُشْتّمِ والآيةُ الكريمةُ من هذا، ويُستعمل لازماً يقال: وَفَرَ المالُ. آ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿واسْتَغْزِرْ﴾: جملةٌ أمريةٌ عُطِفَتْ على مِثلِها من قولِه ((اذهَبْ)). و((مَنْ استطَعْتَ)) يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنها موصولةٌ في محلِّ نصب مفعولاً للاستفزاز، أي: استفزِزْ الذي استطعْتَ استفزازَه منهم. والثاني: أنها استفهاميةٌ منصوبةُ المحلِّ بـ((استطعْتَ)) قاله أبو البقاء(٢)، وليس بظاهرٍ لأنَّ ((اسْتَغْزِزْ)) يطلبه مفعولاً به، فلا يُقطع عنه، ولو جَعَلْناه استفهاماً لكان مُعَلَّقاً له، وليس هو بفعلٍ قلبي / فيعلَّق. [٥٧٧/ب] والاسْتِفْزاز: الاستخفاف، واستفزَّني فلانٌ: استخفَّني حتى خَدَعني لِما يريده . قال(٣): ٣٠٧٩- يُطيع سَفِيهَ القوم إذ يستفزُّه ويَعْصي حليماً شَيِّبْه الهزاهِزُ (١) ديوانه ٣٠، وشرح القصائد السبع ٢٨٧. وقال: ((معناه: من اصطنع المعروف إلى الناس وقی عرضه)). (٢) الإملاء ٢/ ٩٤. لم أقف عليه. والهزاهز: الفتن يهتز فيها الناس. (٣) ٣٨١ - الإِسراء - ومنه سُمِّي ولدُ البقرة ((فَزَّأَ )). قال الشاعر(١): ٣٠٨٠- كما استغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ خَافَ العيونَ ولم يُنْظَرْبِهِ الحَشَكُ وأصلُ الفَزّ: القَطْعُ، يقال: تَفَزَّز الثوبُ، أي: تقطّع. قوله: ((وَأَجْلِبْ))، أي: اجْمَعْ عليهم الجموعَ مِنْ جُنْدِك يقال: أَجْلَبَ عليه وجَلَبَ، أي: جَمَعَ عليه الجموعَ. وقيل: أَجْلَبَ عليه: توعَّده بشرِّ. وقيل: أَجْلَبَ عليه: أعان، وأجلب، أي: صاح صِياحاً شديداً، ومنه الجَلَبَة، أي: الصِّياحِ. قوله: ((وَرَجِلِكِ)» قرأ(٢) حفصٌ بكسرِ الجيمِ، والباقون بسکونھا، فقراءة حفصٍ ((رَجِلَ)) فيها بمعنى رَجُل بالضم بمعنى راجل يُقال: رَجِلَ يَرْجَلُ إذا صار راجِلاً، فيكون مثل: حَذِر وحَذُر، ونَدِسُ ونَدُس(٣)، وهو مفردٌ أريد به الجمعُ. وقال ابن عطية: ((هي صفةٌ يقال: فلان يمشي رَجِلاً إذا كان غيرَ راكبٍ، ومنه قولُ الشاعر (٤): ٣٠٨١- رَجِلاً إلا بأصحابي قلت: یشیر إلى البيتِ المشهور وهو: فما أُقاتِلُ عن ديني على فَرَسي إلا كذا رَجِلاً إلا بأصحابي (١) تقدم برقم (٢٣٨٣) (٢) السبعة ٣٨٢، النشر ٣٠٨/٢، الحجة ٤٠٦، البحر ٥٨/٦، التيسير ١٤٠. (٣) رجل نَدس بسكون الدال وضمها وكسرها، أي: سريع السمع، فَطِنّ، فَهِم. (٤) البيت ليحيى بن وائل، وهو في اللسان (رجل) وروايته: ولا كذا رَجُلاً إلا بأصحاب أما أقاتل عن ديني على فرسٍ. وروى بعده: ما كنت أَرْغَم في جسمي من العابِ لقد لَقِيتُ إذاً شَرّاً وَأَدْركني ٣٨٢ - الإِسراء - أراد: فارساً ولا راجلاً. وقال الزمخشريُّ(١): ((على أن فَعِلًا بمعنى فاعِل نحو: تَعِب وتاعب، ومعناه: وجَمْعك الرَّجِلَ، وتُضَمُّ جيمُه أيضاً فيكون مثلَ: حَذُ(٢) وحَذِر، ونَدُس ونَدِس، وأخواتٍ لهما)». وأما قراءةُ الباقين فتحتملُ أَنْ تكون تخفيفاً مِنْ ((رَجِل)) بكسر الجيم أو ضمِّها، والمشهورُ: أنه اسمُ جمع لراجِل کرَكْب وصَحْب في راكِب وصاحِب. والأخفش(٣) يجعل هذا النحوَ جمعاً صريحاً. وقرأ(٤) عكرمةُ ((ورِجالك)) جمع رَجِل بمعنى راجل، أو جمع راجل كقائم وقيام. وقُرِىءٍ(٥) ((ورُجَّالك)) بضمِّ الراء وتشديد الجيم، وهو جمع راجِل كضارِب وضُرَّاب. والباء في (( بخّيْلِك)) يجوز أن تكونَ الحالية، أي: مصاحباً بخيلك، وأن تكون مزيدةً كقوله(٦): ٣٠٨٢- لا يَقْرَأْنِ بالشُّوَرِ وقد تقدَّم في البقرة(٧). (١) الكشاف ٤٥٦/٢. (٢) في مطبوعة الكشاف ((حدث)) وهو تحريف. (٣) معاني القرآن ٥٠٤، ومذهب الجمهور أنه اسم جمع لأنه خالف أوزان الجموع. (٤) المحتسب ٢١/٢، البحر ٥٩/٦. (٥) الكشاف ٤٥٦/٢. (٦) تقدم برقم (٧٤٧). (٧) انظر: الدر المصون ١٤٠/٢. ٣٨٣ - الإسراء- قوله: ((وما يَعِدُهُمْ الشيطانُ)) من بابِ الالتفات وإقامةِ الظاهر مُقَامَ المضمرٍ؛ إذ لو جَرَىُّ على سَنَنِ الكلامِ الأول لقال: وما تَعِدُهم، بالتاء من فوق. قوله: ((إلا غُروراً)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ وهو نفسُه مصدرُ، الأصل: إلا وَعْداً غروراً، فيجيء فيه ما في ((رجلٌ عَدْلٌ))، أي: إلا وَعْداً ذا غرور (١)، أو على المبالغة أو على: وعداً غارًّاً، ونسب الغرورَ إليه مجازاً. الثاني: أنه مفعولٌ مِنْ أجله، أي: ما يَعِدُهم ممَّا يَعِدُهم من الأماني الكاذبة إلا لأجل الغُرور. الثالث: أنه مفعولٌ به على الاتِّساع، أي: ما يَعِدُهم إلا الغرورَ نفسَه. آ. (٦٧) قوله تعالى: ﴿إلا إياه﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناءُ منقطعٌ لأنه لم يُنْدَرِجْ فيما ذُكِر، إذ المرادُ به آلهتهم من دون الله. والثاني: أنه متصلٌ؛ لأنهم كانوا يَلْجَؤون إلى آلهتهم وإلى اللَّهِ تعالى. آ. (٦٨) قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾: استفهامُ توبيخٍ وتقريع . وقدَّر الزمخشري (٢) على قاعدتِه معطوفاً عليه، أي: أَنَجَوْتم فَأَمِنْتُمْ. قوله: ((جانب البَّرِّ» فيه وجهان أظهرهما: أنه مفعولٌ به كقوله: ((فَخَسَفْنا به وبداره الأرضَ)) (٣). والثاني: أنه منصوبٌ على الظرف. و((بكم )) يجوز أن تكونَ حاليةً، أي: مصحوباً بكم، وأَنْ تكونَ للسببية. قيل: ولا يَلْزَمُ مِنْ (١) الأصل «غزوراً)) وهو سهو. (٢) الكشاف ٤٥٧/٢ . (٣) الآية ٨١ من القصص. ٣٨٤ - الإِسراء - خَسْفِه بسببهم أن يَهْلكوا. وأُجيب بأنَّ المعنى: جانبَ البر الذي أنتم فيه فيلزم بخَسْفِه هلاكُهم، ولولا هذا التقديرُ لم يكنْ في التوعُدِ به فائدةٌ. قوله: ﴿أَن يَخْسِفَ﴾: ((أو يُرْسِلَ)) ((أن يُعِيْدَكم)) ((فَيُرْسِلَ)) ((فَيُغْرِقكم)) قرأ هذه [ جميعَها ](١) بنون العظمة ابنُ كثير وأبو عمرٍو(٢)، والباقون بالياءِ فيها على الغيبة. فالقراءةُ الأولى على سبيل الالتفاتِ مِن الغائبِ في قولِه (( ربُّكم))(٣) إلى آخره، والقراءةُ الثانيةُ على سَنَنٍ ما تقدَّم من الغَيْبةِ المذكورة . قوله: ((حاصِباً))، أي: ريحاً حاصِباً، ولم يؤثّثه: إمّا لأنه مجازيٌّ، أو على النسَبِ، أي: ذاتَ حَصْبٍ. والحَصْبُ: الرميُّ بالحَصَى وهي الحجارةُ الصغار. قال الفرزدق(٤): ٣٠٨٣- مُسْتَقْبِلين شَمالَ الشامِ تَضْرِبُهم حَصْباءُ مثلُ نَدِيْفِ القُطْنِ مَنْثُوْرِ والحاصِبُ أيضاً: العارِضُ الذي يَرْمِي الْبَرَد. آ. (٦٩) قوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ /: يجوز أَنْ تكونَ المتصلة، أي: أيُّ [٥٧٨/أ] الأمرين كائن؟ ويجوز أَنْ تكونَ المنقطعةَ، و ((أن يُعِيْدَكم)) مفعولٌ به كـ ((أَنْ يخِفَ)). قوله «تارةً)» بمعنى مرةً وكَرَّة، فهي مصدرٌ، ويُجمع على تِيْرٍ وتاراتٍ. قال الشاعر(٥): ٣٠٨٤- وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ تارةً فَيْدُو وتارات يَجُمُّ فَيَغْرَقُ (١) مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش). (٢) السبعة ٣٨٣، النشر ٣٠٨/٢، البحر ٦١/٦، القرطبي ٢٩٣/١٠، الحجة ٤٠٦. (٣) من الآية ٦٦. (٤) ديوانه ٢٦٢/١، والقرطبي ٢٩٢/١٠. (٥) تقدم برقم (١٨٢٧). ٣٨٥ - الإسراء - وألفُها تحتمل أن تكونَ عن واوٍ أو ياء. وقال الراغب(١): ((وهو فيما قيل: مِنْ تَارَ الجُرْحُ: التََّمَ)). قوله: ((قاصِفاً)) القاصِفُ يحتمل أن يكون مِنْ قَصَفَ متعدياً، يقال: قَصَفَتِ الريحُ الشجرَ تَقْصِفها قَصْفاً. قال أبو تمام(٢): ٣٠٨٥- إنَّ الرياحَ إذا ما أَعْصَفتْ قَصَفَتْ عَيْدانَ نَجْدٍ ولم يَعْبَأْنَ بِالرَّمِ ! فالمعنى: أنها لا تُلْفِي شيئاً إلا قَصَفَتْه وَكَسَرَتْه. والثاني(٣): أن يكون مِنْ قَصِفَ قاصراً، أي: صار له قَصِيف يقال: قَصِفَتِ الريحُ تَقْصَفُ، أي: صَوَّتَتْ. و ((مِن الريح)) نعت. قوله: ((بما كَفَرْتُمْ)) يجوز أن تكونَ مصدريةً، وأن تكونَ بمعنى الذي، والباءُ للسببية، أي: بسببٍ كفرِكم، أو بسبب الذي كفَرْتم به، ثم اتَّسِع فيه فَحُذِفت الباءُ فوصل الفعلُ إلى الضميرِ، وإنما احتيج إلى ذلك لاختلافٍ المتعلق . وقرأ (٤) أبو جعفرٍ ومجاهد ((فَتُغْرِقَكم )) بالتاء من فوقُ أُسْنُد الفعِلُ لضمير الريح. وفي كتاب الشيخ (٥): ((فُتُغْرِقَكم بتاء الخطاب مسنداً إلى (١) المفردات ٧٦. (٢) ديوانه ٢٨٠/٣، والبحر ٤٥/٦. والعَيْدان: ج عَيْدانة وهي النخلة الطويلةُ والرتم. شجر بعينه . (٣) الأنسب أن يقول: ((ويحتمل أن يكون)) متابعةً للسياق. (٤) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٠٢/٢، والقرطبي ٢٩٣/١٠، البحر ٦١/٦، النشر ٣٠٨/٢. (٥) البحر ٦١/٦. ٣٨٦ - الإسراء - ((الريح)). والحسنُ وأبو رجاء بياء الغيبة وفتح الغين وشدِّ الراء، عَدَّاه بالتضعيف والمقرىء لأبي جعفر كذلك إلا أنه بتاء الخطاب)). قلت: وهذا: إمَّا سهوٌ، وإمَّا تصحيفٌ من النسّاخ عليه؛ كيف يَسْتقيم أن يقولَ بتاءِ الخطاب وهو مسندٌ إلى ضمير الريح، وكأنه أراد بتاء التأنيث فسبقه قلمُه أو صَحَّف عليه غيره . وقرأ(١) العامَّة ((الريحِ)) بالإِفراد، وأبو جعفر: ((الرياح )) بالجمع . قوله: ((به تَبْعًا)) يجوز في (( به)) أن يَتْعَلَّق بـ ((تَجِدوا))، وأن يتعلَّقَ بتبيع، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه حالٌ مِنْ تبيع. والتَّبِيْعِ: المطالِبُ بحقّ، الْمُلازِمُ(٢)، قال الشمَّاخ(٣): كما لاذَ الغَرِيمُ من التَّبيعِ ٣٠٨٦- وقال آخر (٤): ضوامِنُ مِنْ غُرْمٍ لهنَّ تَبيعُ ٣٠٨٧- غَدَوْا وغَدَتْ غِزْلانُهم فكأنَّها آ. (٧٠) قوله تعالى: ﴿كرَّمْنا بني آدم): عَدَّاه بالتضعيفِ، وهو مِنْ كُرُم بالضمِّ كشَرُف، وليس المرادُ من الكرمِ في المال. (١) الإِتحاف ٢٠٢/٢، النشر ٢٢٣/٢، القرطبي ٢٩٣/١٠. (٢) عدَّها الأنباري في ((الأضداد)) من ألفاظ الأضداد. ص ٣٧٢. (٣) صدره: تَلُوْذُ ثَعالِبُ الشَّرَفَيْنِ منها وهو في ديوانه ٢٢٧، واللسان (تبع)، والبحر ٦٠/٦. وتلوذ: تستتر وتفرُ، والغريم: المدين الذي عليه الدين. والبيت في وصف عقاب، فهذه الثعالب تجدُّ في الهرب من العقاب كما يجدّ المدين في الهرب من الدائن. (٤) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٦١/٦. ٣٨٧ - الإسراء - آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿يومَ نَدْعُو﴾: فيه أوجه، أحدها: أنهمنصوبٌ على الظرف، والعاملُ ((فَضَّلْناهم))، أي: فَضَّلْناهم بالثوابِ يوم نَدْعُو. قال ابن عطية(١) في تقريره: ((وذلك أنَّ فَضْلَ البشرِ على سائرِ الحيوان يوم القيامةِ بَيِّنٌ؛ إذ هم المُكَلَّفون المُنَّعَّمون المحاسَبون الذين لهم القَدْرُ. إلا أنَّ هذا يَرُدُّه أن الكفار[ يومئذٍ] أَخْسَرُ مِنْ كلِّ حيوان، لقولهم: ((يا ليتني كنت تراباً)(٢). الثاني: أنه منصوبٌ على الظرف، والعاملُ فيه اذكر، قاله الحوفيُّ وابنُ عطيةٍ . قلت: وهذا سهٌ؛ كيف يعمل فيه ظرفاً؟ بل هو مفعولٌ (٣). الثالث: أنه مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وإنما بُنِيَ لإِضافتِهِ إِلى الجملةِ الفعلية، والخبرُ الجملةُ بعده. قال ابنُ عطية في تقريره: ((ويَصِحُّ أَنْ يكونَ ((يوم)) منصوباً على البناء لَمَّا أُضيف إلى غيرِ متمكَّن، ويكون موضعُه رفعاً بالابتداء، وخبرُه في التقسيم الذي أتى بعدَه في قوله ((فَمَنْ أُوتِيَ كتابَه))، إلى قوله ((ومَنْ كان)). قال الشيخ (٤): ((قوله منصوبٌ على البناء)) كان ينبغي أن يقول: مبنيًّ على الفتح، وقوله (لَمَّا أُضيف إلى غيرِ متمكن)) ليس بجيدٍ؛ لأنَّ المتمكّنَ وغيرَ المتمكِّنِ إنما يكون في الأسماءِلا في الأفعالِ ، وهذا أُضيفَ إلى فعلٍ مضارع، ومذهبُ البصريين فيه أنه(٥) معربٌ، والكوفيون يُجيزون بناءَه. وقوله: ((والخبر في التقسيم)) إلى آخره، التقسيم عارٍ من رابطٍ يربط جملةَ التقسيم بالابتداء)). قلت: الرابطُ محذوفٌ للعلمِ بِهِ، أي: فَمَنْ أُوتي کتابه فيه . الرابع: أنه منصوبٌ بقولِه ((ثم لا تجدوا))(٦) / قاله الزجَّاج (٧). الخامس: أنه [٥٧٨/ب] (١) انظر: البحر ٦٢/٦ (٢) الآية ٤٠ من النبأ. (٣) أي لأن الفعل ((اذكُرْ)) متعدٍّ وليس بلازم. (٤) البحر ٦٢/٦. (٥) أي الظرف ((يوم)). وانظر المسألة في: الارتشاف ٥٢٢/٢. (٦) الأصل: «لا تجد» وهو سهو. (٧) مذهبه في معاني القرآن ٢٥٢/٣ أنه منصوب باذكر أو منصوب بمعنى يعيدكم الذي فطركم . ٣٨٨ - الإسراء - منصوبٌ بـ ((يُعيدكم )) مضمرةً، أي: يُعيدكم يومَ نَدْعو. السادس: أنه منصوبٌ بما دَلَّ عليه ((ولا يُظْلَمون)» بعده، أي: ولا يُظْلَمون يوم ندعو، قاله ابن عطية وأبو البقاء(١). السابع: أنه منصوبٌ بما دَلَّ عليه ((متى هو))(٢). الثامن: أنه منصوبٌ بما تقدَّمه مِنْ قولِه تعالى: ((فَتَسْتجيبون بحَمْده))(٣). التاسع: أنه بدلٌ مِنْ ((يومَ يَدْعوكم))(٤). وهذان القولان ضعيفان جداً لكثرة الفواصل. العاشر: أنه مفعولٌ به بإضمار ((اذكر))، وهذا - وإن كان أسهلَ التقاديرِ - أظهرُ ممَّا تقدم؛ إذ لا بُعْدَ فيه ولا إضمار(٥) کثیرٌ. وقرأ العامَّة ((نَدْعو)) بنون العظمة، ومجاهدٌ(٦) ((يَدْعُو)) بياء الغيبة، أي: الله تعالى أو المَلَك. و((كلَّ)) نصب مفعولاً به على القراءتين. وقرأ الحسن فيما نقله الدانيُّ عنه ((يُدْعَى)) مبنياً للمفعول، ((كلُّ)» مرفوعٌ لقيامِهِ مَقامَ الفاعلِ، وفيما نقله عنه غيرُه(٧) (( يُدْعَو)) بضمَّ الياء وفتح العين، بعدها واوٌ. وخُرِّجَتْ على وجهين، أحدُهما: أن الأصلَ: يُدْعَوْن فَحُذِفت نونُ الرفعِ كما حُذِفَتْ في قولِه عليه السلام(٨): ((لا تَدْخُلُوا الجنة حتى تُؤْمِنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا)) وقوله(٩): (١) الإِملاء ٢/ ٩٤. (٢) في الآية ٥١. (٣) في الآية ٥٢ . (٤) في الآية ٥٢ . (٥) الأصل: ((والإِضمار)) والتصحيح من (ش). (٦) انظر في قراءاتها: البحر ٦٢/٦، الكشاف ٤٥٩/٢، الشواذ ٧٧ . (٧) قال الفراء في معاني القرآن ١٢٧/٢ ((رَؤؤْه عن الحسن فأخبرته أني لا أعرفه)). (٨) رواه أبو داود: إفشاء السلام ٣٧٨/٥، الترمذي (التحفة) إفشاء السلام ٤٦٠/٧. (٩) تقدم برقم (١٣٢٩). ٣٨٩ - الإسراء- وَجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكي ٣٠٨٨- أَبْتُ أَسْرِيْ وتَبيتي تَدْلُكِيْ و((كلُّ)) مرفوعٌ بالبدلِ من الواوِ التي هي ضميرٌ، أو بالفاعليةِ والواوُ علامةٌ على لغةِ ((يتعاقبون فيكمْ ملائكةٌ)(١). والتخريجُ الثاني: أنَّ الأصلَ ((يُدْعَىْ)) كما نَقَله عنه الدانيُّ، إلا أنه قَلَبَ الألفَ واواً وَقْفاً، وهي لغةٌ لقومٍ ، يقولون: هذه أُفْعَوْ وعَصَوْ، يريدون: أَفْعِىْ وَعَصا، ثم أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ. و((كلُّ)) مرفوعٌ لقيامِه مِقَامَ الفاعلِ على هذا ليس إلا . قوله: ((بإمامِهم)) يجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ متعلقةً بالدعاء، أي: باسم إمامهم، وأن تكونَ للحالِ فيتعلَّقَ بمحذوف، أي: نَدْعُوهم مصاحبين لكتابهم. والإِمام: مَنْ يُقْتَدَى به. وقال الزمخشري(٢): ((ومن بِدَع التفاسير: أن الإِمامَ جمع ((أُمّ))، وأنَّ الناسَ يُدْعَوْن يومَ القيامة بأمهاتهم دونَ آبائهم، وأن الحكمةَ فيه رِعايةُ حقِّ عيسى، وإظهارُ شرفِ الحسن والحسين، وأن لا يُفْضَحَ أولادُ الزّنى)» قال: ((وليت شعري أيهما أَبْدَعُ: أصحةُ لفظِه أم بَهَاءُ معناه؟)). قلت: وهو معذورٌ لأن ((أُمّ)) لا يُجْمع على ((إِمام))، هذا قولُ مَنْ لا يَعْرِف الصناعةَ ولا لغةً العربِ، وأمَّا ما ذكروه من المعنى فإنَّ الله تعالى نادى عيسى باسمِه مضافاً لأُمِّه في عدةِ مواضعَ من قوله ((يا عيسى بنَ مريم))(٣)، وأَخْبر عنه كذلك نحو: ((وإذ قال عيسى بن مريم))(٤)، وفي ذلك (١) رواه البخاري (الفتح) ٣٣/٢، مسلم: المساجد ٤٣٩/١، ابن حنبل ٢٥٧/٢. (٢) الكشاف ٤٥٩/٢. (٣) الآية ١١٠ من المائدة. (٤) الآية ٦ من الصف. ٣٩٠ ۔۔ - الإِسراء - غضاضةٌ من أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه وکرَّم وجهَه. قوله : ((فَمَنْ أُوْتِي)) يجوز أن تكونَ شرطيةً، وأن تكونَ موصولةً، والفاءُ الشَّبَهه بالشرط. وحُمِل على اللفظِ أولاً في قوله ((أُوْتِيَ كتابه بيمينه)) فَأُفْرِد، وعلى المعنى ثانياً في قوله: ((فأولئك)» فَجُمِع. آ. (٧٢) قوله تعالى: ﴿ومَنْ كان في هذه﴾: يجوز في ((مَنْ)) ما جاز في ((مَنْ)) قبلها. وأمال(١) الأخَوان وأبو بكر ((أعمى)) في الموضعين من هذه السورة، وأبوعمرٍو أمال الأولَ دون الثاني، والباقون فتحوهما، فالإِمالةُ لكونِهما من ذوات الياء، والتفخيمُ لأنه الأصل. وأمَّا أبو عمرٍو فإنه أمال الأولَ لأنه ليس أفعلَ تفضيلٍ فألفُه متطرفةٌ لفظاً وتقديراً، والأطرافُ محلُّ التغيير غالباً، وأمَّا الثاني فإنه للتفضيلِ ولذلك عَطَف عليه ((وأَضَلُّ)) فألفُه في حكم المتوسطة؛ لأنَّ ((مِنْ)) الجارَّةَ للمفضول كالملفوظ بها، وهي شديدةٌ الاتصالِ بأَفْعَلِ التفضيلِ فكأنَّ الألفَ وقعت حَشْواً فتحصَّنَتْ عن التغيير. قلت: كذا قرَّره الفارسيُّ(٢) والزمخشري(٣)، وقد رُدَّ هذا بأنهم أمالوا ((ولا أَدْنَى من ذلك))(٤) مع التصريح بـ (( مِنْ)) فَلَأَنْ يُميلوا ((أَعْمَى)) مقدَّراً معه « مِنْ )) أَوْلَی وأَحْرَى. وأمَّا (أَعْمى)) في طه(٥) فأماله الأخَوان وأبو عمرو، ولم يُمِلْه أبو بكر، وإن كان يُميله هنا، وكأنه جَمَعَ بين الأمرين وهو مقيَّدٌ باتّباع الأثر. وقد فَرَّق (١) السبعة ٣٨٣، التيسير ١٤٠، الحجة ٤٠٧، النشر ٥٤/٢. (٢) الحجة (خ) ٣٦٤/٣. (٣) الكشاف ٤٦٠/٢. (٤) الآية ٧ من سورة المجادلة. (٥) الآية ١٢٤ . ٣٩١ - الإسراء - بعضُهم: بأنَّ ((أعمى)) في طه مِنْ عَمَى البصرِ، وفي الإِسراء مِنْ عَمَىْ البصيرة؛ ولذلك فسَّروهِ هنا بالجَهْل فأُمِيْلَ هنا، ولم يُمَلْ هناك للفرقِ بين [٥٧٩/أ] المعنيين. قلت: والسؤال باقٍ؛ / إذ لقائلٍ أن يقولَ: فَلِمَ خُصِّصَتْ هذَه بالإِمالةِ، ولو عُكِسَ الأمرُ كان الفارقُ قائماً. آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُوْنك﴾: ((إِنْ)) هذه فيها (١) المذهبان المشهوران: مذهبُ البصريين(٢): أنها مخففةٌ، واللامُ فارقةٌ بينها وبين ((إِنْ)) النافية، ولهذا دَخَلَتْ على فعلٍ ناسخٍ، ومذهبُ الكوفيين أنها بمعنى ((ما)) النافيةِ، واللامُ بمعنى ((إلا)). وضُمِّنَ (يَفْتِنُوْنَك)) معنى يَصْرِفُونك، فلهذا عُذِّي بـ((عن )) تقديرُهُ: لَيَصْرِفُونَكَ بفتنتِهم. و((لتفترِيَّ)) متعلُّقٌ بالفتنةِ. قوله: ((وإذَنْ لاَتَّخَذُوك)) ((إذن)) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ؛ ولهذا تقع أداةُ الشرطِ موقعَها، و((لاَتَّخذوك)) جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديرُه: إذن واللّهِ لأَّخذوك، وهو مستقبلٌ في المعنى، لأنَّ ((إذَنْ)) تقتضي الاستقبالَ؛ إذ معناها المجازاةُ. وهذا كقوله: ((وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيْحاً فَرَأَوْهِ مُصْفَرًّاً لَظَلُّوا))(٣)، أي: ليَظَلُّنَّ. وقولُ الزمخشري(٤): ((أي: ولو اتَّبَعْتَ مرادَهم لاَّخَذُوك)) تفسيرُ معنى لا إعرابٍ، لا يريد بذلك أنَّ (لاتَّخَذُوك)) جوابٌ لـ ((لو)) محذوفةً إذ لا حاجةً إليه . (١) الأصل: ((فيه)) والتصحيح من (ش). (٢) انظر المسألة في المغني ٣٠٦. (٣) تمام الآية ((من بعده يكفرون)) الآية ٥١ من الروم. :٠ (٤) الكشاف ٤٦١/٢ . ٣٩٢ - الإسراء - آ. (٧٤) قوله تعالى: ﴿تَرْكَنُ﴾: العامّة على فتح الكاف مضارع رَكِنَ بالكسر، وقتادة(١) وابنُ مُصَرِّف وابنُ أبي إسحاق ((تَرْكُن)) بالضمِّ مضارِعَ رَكَنَ بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدَّم تحقيقه في أواخر هود(٢) . وقوله ((شيئاً)): منصوبٌ على المصدر، وصفتُه محذوفة، أي: شيئاً قليلاً من الرُّكون. آ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿ضِعْفَ الحياة﴾: قال الزمخشري(٣): فإن قلت: كيف حقيقةُ هذا الكلام؟ قلت: أصلُه: لَأَذَقْنَاك عذابَ الحياةِ وعذابَ المماتِ ؛ لأنَّ العذابَ عذابان، عذابٌ في المماتِ وهو عذابُ القبرِ، وعذابٌ في حياةِ الآخرةِ وهو عذاب النار، والضِّعْفُ يُوْصفَ به، نحوَ قولِه تعالى: (فآتِهِمْ عذاباً ضِعْفاً من النار)) (٤) يعني عذاباً مُضاعَفاً، فكأنَّ أصلَ الكلامِ: لأَذْناك عذاباً ضِعْفاً في الحياة، وعذاباً ضِعْفاً في المَمَات، ثم حُذِف الموصوفُ، وأُقيمت الصفةُ مُقامه وهو الضِّعْف، ثم أُضِيْفَتِ الصفة إضافةً الموصوف فقيل: ضِعْفَ الحياة، وضِعْفَ المماتِ، كما لو قيل: أليمَ الحياةِ، وأليمَ الممات)). والكلامُ في ((إذن)) و((لَأَذَقْناك)) كما تقدَّم في نظيره(٥). آ. (٧٦) قوله تعالى: ﴿وإِذَنْ لا يَلْبَثُون﴾: قرأ العامَّةُ برفع الفعل بعد ((إِذَنْ)) ثابتَ النون، وهي (٦) مرسومةٌ في مصاحف العامَّة. ورفعُهُ وعدمُ (١) البحر ٦ /٦٥. (٢) انظر: الدر المصون ٤١٨/٦. (٣) الكشاف ٤٦١/٢ . (٤) الآية ٣٨ من الأعراف. (٥) في الآية ٧٣. (٦) الأصل (هو)) وهو سهو. ٣٩٣ - الإسراء - إعمالِ ((إذن)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها توسَّطَتْ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه. قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: ما وجهُ القراءتين؟ قلت: أمَّا الشائعةُ - يعني برفعِ الفعلِ - فقد عُطِف فيها الفعلُ على الفعلِ، وهو مرفوعٌ لوقوعِه خبرَ كاد، وخبرُ («كاد)) واقعٌ موقعَ الاسم)). قلت: فيكون ((لا يَلْبَثُون)) عطفاً على قَولِهِ (((لَيَسْتَفِزُّونك)). الثاني: أنها متوسطةٌ بين قسمٍ محذوفٍ وجوابِهِ فَأُلْغِيَتْ لذلك، والتقدير: وواللَّهِ إذن لا يلبثون. الثالث: أنها متوسطةٌ بين مبتدأ محذوفٍ وخبرِهِ، فَأُلْغِيَتْ لذلك، والتقدير: وهم إذن لا يلبثون. وقرأ أُبَيِّ(٢) بحذفِ النون، فَنَصْبُه بإذن عند الجمهور، وبـ ((أَنْ)) مضمرةً بعدها عند غيرِهم، وفي مصحف عبد الله ((لا يَلْبِثُوا)) بحذفِها(٣). ووجهُ النصبِ أنه لم يُجعل الفعلُ معطوفاً على ما تقدَّم ولا جواباً ولا خبراً. قال الزمخشري (٤) «وأمَّا قراءةُ أُبَيّ ففيها الجملةُ برأسها التي هي: إذاً لا يَلْبثوا(٥)، عَطَفَ على جملة قوله ((وإن كادوا لَيَسْتَفِزُّونك)). وقرأ عطاء ((لا يُلَبَّثُوْن)) بضمِّ الياء وفتحِ اللام والباء، مشددةً مبنياً للمفعول، مِنْ لَبََّه بالتشديد .. وقرأها يعقوب كذلك إلا أنه كسرَ الباءَ، جَعَلَهِ مبنياً للفاعل. قوله: ((خِلافَك)) قرأ(٦) الأخَوان وابنُ عامر وحفصٌ: ((خِلافَك)) بكسر الخاء وألفٍ بعد اللام، والباقون بفتح الخاء وسكونِ اللام. والقراءتان بمعنى (١) الكشاف ٤٦٢/٢. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ٦٦/٦، الشواذ ٧٧، الإتحاف ٢٠٢ . (٤) الكشاف ٤٦٢/٢. (٣) أي بحذف النون من (يلبثون)). (٥) في الأصل ((لا يلبثون)) والتصحيح من ((الكشاف))، لأن الحديث عن قراءة أُبَيّ. (٦) السبعة ٣٨٣، النشر ٣٠٨/٢، التيسير ١٤١، القرطبي ٣٠٢/١٠. ٣٩٤ - الإِسراء - واحدٍ. وأنشدوا(١) في ذلك: /٣٠٨٩ - عَفَتِ الديارُ خِلافَهم فكأنما بَسَطَ الشَّواطِبُ بينهنَّ حَصِيْرا [٥٧٩/أ] وقال تعالى: ((خِلافَ رسول الله))(٢) والمعنى: بعد خروجك. وكثُر إضافةُ قبل وبعد ونحوِهما إلى أسماءِ الأعيان على حَذْفِ مضافٍ، فَيُقَدَّر من قولك: جاء زيدٌ قبل عمرو: أي قبل مجيئه. قوله: ((إلا قليلاً)) يجوز أن تكونَ صفةٌ لمصدرٍ أو لزمانٍ محذوف، أي: إلا ◌ُبْئاً قليلاً، أو إلا زماناً قليلاً. آ. (٧٧) قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن ينتصِبَ على المصدرِ المؤكِّد، أي: سَنَّ الله ذلك سُنَّةَ، أو سَنَّنًا ذلك سُنَّةَ. الثاني : - قاله الفراء(٣) - أنه على إسقاطِ الخافضِ، أي: كسُنَّةِ اللَّهِ، وعلى هذا لا يُوقف على قولِه ((إلا قليلًا)). الثالث: أن ينتصبَ على المفعول به، أي: اتبعْ سُنَّةً. آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿لِدُّلُوك﴾: في هذه اللامِ وجهان، أحدُهما: أنها بمعنى ((بَعْد))، أي: بَعْدَ دُلوكِ الشمسِ، ومثلُه قول متمم بن نويرة (٤): (١) البيت الحارث بن خالد المخزومي، وهو في مجاز القرآن ٣٨٧/١، واللسان (خلف) وروايته فيه : عَقَبَ الربيعُ خِلافَهم فكأنما نَشَط وتفسير القرطبي ٣٠٢/١٠، وتفسير الماوردي ٤٤٨/٢، والبحر ٦٦/٦، والشواطب: مفرده ((الشاطبة)) وهي المرأة التي تشق الخُوْصَ لتتخذ منه الحُصْر. (٢) الآية ٨١ من التوبة. (٣) معاني القرآن ١٢٩/٢ . (٤) المفضليات ٢٦٧، أمالي الشجري ٢٧١/٢، الهمع ٣٢/٢، الدرر ٣١/٢. ٣٩٥ : - الإسراء- ٣٠٩٠- فلمَّا تَفَرَّقْنا كأني ومالِكاً لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا ومثلُه قولُهم: ((كَتَّتُه لثلاثٍ خَلَوْنَ)). والثاني: أنها على بابها، أي: لأجلِ دُلُوك. قال الواحدي: ((لأنها إنما تَجِبُ بزوالِ الشمس)). والدُّلوك: مصدرُ دَلَكت الشمسُ، وفيه ثلاثةُ أقوالٍ، أشهرُها: أنّه الزوالُ، وهو نِصْفُ النهار. والثاني: أنه من الزوال إلى الغروب. قال الزمخشري(١): ((واشتقاقُه من الدَّلْكِ؛ لأنَّ الإِنسانَ يَدْلُكُ عينَه عند النظرِ إليها))(٢). قلت: وهذا يُفْهِم أنه ليس بمصدرٍ؛ لأنه جعله مشتقاً من المصدر . والثالث: أنه الغروبُ، وأنشد الفراءُ عليه قولَه (٣): ٣٠٩١ - هذا مُقامُ قَدَمَيْ رَباحِ ذَبِّبَ حتَى ذَلَكَتْ بِرَاحٍ أي: غَرَبَتْ بَراحٍ ، وهي الشمسُ. وأنشد ابن قتيبة (٤) على ذلك قول ذي الرمة (٥) : ٣٠٩٢- مصابيحُ ليسَتْ باللواتي تقودها نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدوالِكِ (١) الكشاف ٤٦٢/٢. (٢) الضمير في كلام الزمخشري يعود للشمس. (٣) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ١٢٩/٢، والماوردي ٤٤٩/٢، والقرطبي ٣٠٣/١٠، واللسان (دلك)، وفى قوله ((براح)) رويتان: بكسر الباء على أنها حرف جر، وفتحها على أنها من أصل الكلمة. وقوله ((غدوة)) كذا رواية · البحر ٦ / ٦٨، والمشهور في البيت ((ذَّب))، أي: طرد الناس. (٤) تفسير غريب القرآن ٢٥٩ . (٥) ديوانه ١٧٣٤/٣، وتفسير القرطبي ٣٠٣/١٠، والبحر ٦٨/٦. والبيت في وصف الإِبل. المصباح من الإبل: الذي يبرك في معرسه، فلا ينهض حتى يصبح. ٣٩٦ - الإسراء - أي: الغارِبات، وقال الراغب(١): دُلُوْكُ الشمسِ مَيْلُها للغُروب، وهو مِنْ قولِهِم: دَلَكْتُ الشمسَ: دفعتُها بالرَّاحِ(٢)، ومنه: دَلَكْتُ الشيءَ في الراحةِ، ودَلَكْتُ(٣) الرجلَ: مَاطَلْتُه، والدَّلُوك: ما ذَلَكْتَه مِنْ طِيبِ، والدَّلِيْكُ: طعامٌ يُتْخذ مِنْ زُبْدٍ وَتَمْر)). قوله: ((إلى غَسَقِ الليل)) في هذا الجارِّ وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ بـ ((أَقِمْ )) فهي لانتهاءِ غايةِ الإِقامةِ، وكذلك اللامُ في ((لِدُلوك)) متعلقةٌ به أيضاً. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الصلاة))، أي: أَقِمْها مَمْدودةٌ إلى غَسَق الليل، قاله أبو البقاء(٤). وفيه نظرُ: من حيث إنه قَدَّر المتعلَّق كوناً مقيداً، إلا أَنْ يريدَ تفسيرَ المعنى لا الإِعرابِ. والغَسَقُ: دخولُ أولِ الليل، قاله ابنُ شميل. وأنشد(٥): ٣٠٩٣- إنَّ هذا الليلَ قد غَسَقا واشتكيْتُ الهَمَّ والأرقا وقيل: هو سَوادُ الليلِ وظُلْمَتُه، وأصلُه من السَّيَلان: غَسَقَتِ العين، أي: سالَ دَمْعُها فكأن الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ على العالَم وَتَسِيْل عليهم قال(٦): ٣٠٩٤- ظلَّتْ تجودُ يداها وهي لاهِيَةٌ حتى إذا هَجَمَ الإِظْلامُ والغَسَقُ (١) المفردات ١٧١ . (٢) قال أبو عبيدة في المجاز ٣٨٨/١: ((يضع كفه على حاجبيه من شعاعها)). (٣) مطبوعة المفردات: ((دالكت)). (٤) الإِملاء ٢/ ٩٥. (٥) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ١٨٧، ومجاز القرآن ٣٨٨/١، واللسان (غسق)، والقرطبي ٣٠٤/١٠، والبحر ٦٨/٦. (٦) البيت لزهير وليس في ديوانه، والقرطبي ٣٠٤/١٠، والماوردي ٤٥٠/٢، والبحر ٦٨/٦، والرواية المشهورة ((جنح)) مكان ((هجم)). ٣٩٧ - الإسراء :- ويُقال: غَسَقَتِ العينُ: امتلَّتْ دَمْعاً، وغَسَقَ الجرحُ: امتلأ دَماً، فكأنَّ الظّلْمَةَ مَلَّتِ الوجودَ، والغاسِقُ في قوله: ((ومِنْ شَرِّ غاسِقٍ))(١) قيل: المرادُ به القمرُ إذا كَسَف واسْوَدَّ. وقيل: الليل. والغَساقُ بالتخفيف والتشديدِ ما يَسِيل مِنْ صَدِيدِ أهلِ النار. ويُقال: غَسَقِ الليلُ وأَغْسَقَ، وظَلَمَ وَأَظْلَمَ، ودجى وأَدْجَى، وغَبَشَ وأَغْبَشَ، نقله الفرَّاء. قوله: ((وقرآنَ الفَجرِ» فيه أوجهٌ، أحدها: أنه عطفُ على ((الصلاة))، أي: وأَقِمْ قرآنَ الفجرِ، والمرادُ به صلاةُ الصبحِ، عَبَّر عنها ببعضِ أركانِها. والثاني: أنه منصوبٌ على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجر، كذا قدَّره الأخفشُ (٢) وتَبِعِه أبو البقاء(٣)، وأصولُ البصريين تَأْبَى هذا؛ لأنَّ أسماءً الأفعالِ لا تعملُ مضمرةً. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، أي: كَثِّر قرآن أو الزَمْ قرآنَ الفجرِ . آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿ومن الليلِ﴾: في ((منْ)) هذه وجهان، أحدُهما: أنها متعلقةٌ بـ ((تَهَجَّدْ))، أي: تَهَجَّدْ بالقرآنِ بعضَ الليل، والثاني : أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ تقديرُه: وقُمْ قَوْمةً من الليل، أو واسهرْ من الليل، ذَكَرهما الحوفيُّ. وقال الزمخشري (٤): ((وعليك بعضَ الليل فتهَجَّدْ به)) فإنْ كان أراد تفسيرَ المعنى فقريبٌ، وإن أراد تفسيرَ الإِعراب فلا يَصِحُّ لأنَّ المُغْرَىْ به لا يكون حرفاً، وجَعْلُه (( مِنْ)) بمعنى بعض لا يَقْتضي اسميَّها، بدليل أنَّ واوَ ((مع )) ليسَتْ اسماً بإجماع، وإن كانت بمعنى اسمٍ صريحٍ [٥٨٠/أ] وهو (( مع)). / (١) الآية ٣ من سورة القلق. (٢) معاني القرآن ٣٩٢/٢. (٣) الإِملاء ٩٥/٢. الكشاف ٤٦٢/٢. (٤) ۔۔ ٣٩٨ - الإسراء - والضميرُ في ((به)) الظاهرُ عَوْدُهُ(١) على القرآنِ من حيث هو، لا بقيد إضافتِه إلى الفجر. والثاني: أنها تعودُ على الوقت المقدَّرِ، أي: وقُمْ وقتاً من الليل فتهَجَّدْ بذلك الوقتِ، فتكونُ الباءُ بمعنى ((في )). قوله ((نافِلَةٌ )) فيها أوجهٌ، أحدُها: أنها مصدرٌ، أي: تَتَفَّلُ نافلةٌ لك على الصلواتِ المفروضةِ. والثاني: أنها منصوبةٌ بـ ((تَهَجَّدْ)) لأنَّه في معنى تَنَفَّلْ، فكأنه قيل: تنفَّل نافلة. والنَّافِلَةُ، مصدرٌ كالعاقِبة والعافية. الثالث: أنها منصوبةٌ على الحالِ، أي: صلاةً نافِلَةٍ، قاله أبو البقاء(٢) وتكون حالاً من الهاء في ((به )) إذا جَعَلْتَها عائدةً على القرآن لا على وقتٍ مقدر. الرابع: أنها منصوبةٌ على المفعولِ بها، وهو ظاهرُ قولِ الحوفيِّ فإنه قال: ((ويجوز أن ينتصِبَ ((نافلةً)) بتهجَّدْ، إذا ذَهَبْتَ بذلك إلى معنى: صَلِّ به نافلةً، أي: صَلِّ نَافِلَةً لك)). والتهَجِّدُ: تَرْكُ الهُجُودِ وهو النَّوْمُ، وتَفَعَّل يأتي للسَّلْب نحو: تَحَرَّجَ وتَأَثَّمَ، وفي الحديث(٣): ((كان يَتَحَنَّثُ بغارِ حراءٍ». وفي الهُجود خلافٌ بين أهل اللغةِ فقيل : هو النوم. قال(٤): (١) الأصل ((عودها)) والتصحيح من (ش). (٢) الإملاء ٩٥/٢. (٣) رواه البخاري ولفظه ((وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه)) ١ : كتاب بدء الوحي، الباب الثالث، رقم ٣. (الفتح ٢٢/١). (٤) البيت لطرفة، وعجزه: بَوادِيّها أمشي بعَضْب مُجَرَّدٍ وهو في ديوانه ٤٤ برواية ((نوادِيَه)) بدلاً من «بواديها)»، واللسان (برك)، والبحر ٦٨/٦. والبرك: جماعة إبل الحي، والهجود: النيام. والعضب المجرد: السيف المجرد المسلول. ٣٩٩ - الإسراء- ٣٠٩٥- وبَرْكُ هُجودٍ قد أثارَتْ مَخافتي وقال آخر (١): ٣٠٩٦- ألا طَرَقْنا والرِّفاقُ هُجودُ وقال آخر(٢): ٣٠٩٧ - ألا زارَتْ وأهلُ مِنَىَّ هُجودُ وليت خيالَها بمِنَىِّ يعودُ فَهُجُوْدٌ: نياٌ، جمعُ ((هاجِد)) كساجِد وسُجود. وقيل: الْهُجود: مشترك بين النائِمِ والْمُصَلِّي. قال ابن الأعرابي(٣): ((تَهَجَّدَ: صلَّى من الليل، وتَهَجَّدَ: نامَ))، وهو قول أبي عبيدةً(٤) واللَّيْث. قوله: (عَسَىْ أَنْ يَبْعثِكِ رَبُّك مقاماً) في نصب (مَقاماً)) أربعةُ أوجه، أحدها: أنه منصوبٌ على الظرف، أي: يبعثُك في مَقام . الثاني : أن ينتصِبَ بمعنى ((يَبْعَثُك )) لأنه في معنىْ يُقيمك، يقال: أُقِيم مِنْ قبرِه وبُعِث منه، بمعنىَّ فهو نحو: قعد جلوساً. الثالث: أنه منصوبٌ على الحال، أي: يَبْعَثُك ذا مقامٍ محمودٍ. الرابع: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ، وناصبُه مقدَّرٌ، أي: فيقوم مقاماً. و ((عَسَىْ)) على الأوجهِ الثلاثةِ دونَ الرابع يتعيَّن فيها أن تكونَ .(١) لم أهتدٍ إلى قائله، وعجزُه: فباتّتْ بِعَلَّاتِ النَّوالِ تجودُ وهو في البحر ٦٨/٦، والقرطبي ٣٠٨/١٠، والماوردي ٤٥١/٢. والعلَّت: ما يُتَعَلَّل به. (٢) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في البحر ٦٨/٦، والقرطبي ٣٠٨/١٠، والماوردي ٤٥٠/٢. (٣) انظر: اللسان (هجد). (٤) مجاز القرآن ٣٨٩/١. ٤٠٠