Indexed OCR Text
Pages 361-380
- الإسراء - وقرأ(١) ابنُ كثيرٍ وحفصٌ ((يقولون)) بالياءِ مِنْ تحت، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ، وكذا قولُه بعد هذا ((سبحانه وتعالى عَمَّا يقولون)»(٢)، قرأه بالخطاب الأخَوان، والباقون بالغيب، فتحصَّل من مجموع الأمر أنَّ ابنّ كثير وحفصاً يَقْرآنهما بالغيب، وأن الأخوين قرآ بالخطاب فيهما، وأن الباقين قرؤوا بالغيب في الأول، وبالخطاب في الثاني . فالوجهُ في قراءةِ الغيبِ فيهما أنه: حَمَل الأولَ على قولِهِ: ((وما يزيدُهم إلا نُفوراً)(٣)، وحَمَل الثاني عليه. وفي الخطاب فيهما أنه حمل الأولَ على معنى: قل لهم يا محمد لو كان معه آلهةً كما تقولون، وحَمَل الثاني عليه. وفي قراءة الغيبٍ في الأولِ أَنَّه حَمَله على قوله ((وما يزيدهم)) والثاني التفت فيه إلى خطابهم . قوله: ((إذَنْ)) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ. قال الزمخشري(٤): ((وإذن دالَّةٌ على أنَّ ما بعدها وهو ((لا بتَغَوْا)) جوابٌ لمقالةِ المشركين وجزاءً لـ((لو)). وأدغم(٥) أبو عمرٍو الشينَ في السين، واستضعفها النحاةُ لقوةِ الشين. آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿وتعالى﴾: عطفُ على ما تضمَّنه المصدرُ، تقديرُه: تنَزَّه وتعالى. و((عن)) متعلقة به. أو بـ ((سبحان)) على (١) السبعة ٣٨١، البحر ٤٠/٦، التيسير ١٤٠، القرطبى ٢٦٥/١٠، الحجة ٤٠٤، النشر ٣٠٧/٢. (٢) الآية ٤٣ . (٣) الآية ٤١ . (٤) الكشاف ٤٥٠/٢ . (٥) قال في النشر ٢٩٢/١: ((روى إدغامه منصوصاً عبد الله بن اليزيدي عن أبيه، وهي رواية ابن شيطا مِنْ جميع طرقه عن الدوري ... ورَوى إظهاره سائر أصحاب الإدغام عن أبي عمرو)). ثم قال: ((والوجهان صحيحان قرأت بهما)). ٣٦١ - الإسراء - الإِعمال لأنَّ ((عن)) تعلَّقت به في قوله ((سبحان ربِّك ربِّ العزة عمّا يصفون))(١) و ((عُلُوّاً)) مصدرٌ واقع موقعَ التعالي، كقوله: ((أَنْبَتكم من الأرض نباتاً»(٢) في كونِه على غير الصدرٍ. آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿تُسَبِّح﴾: قرأ(٣) أبو عمرٍو والأخَوان وحفصٌ بالتاء، والباقون بالياء مِنْ تحت، وهما واضحتان؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ ولوجودِ الفصلِ أيضاً. وقال ابن عطية: ((ثم أعاد على السمواتِ والأرض ضميرَ مَنْ يَعْقِلُ لَمًّا أَسْنَدَ إليها فعلَ العاقلِ وهو التسبيحُ))، وهذا بناءً منه على أنَّ ((هُنَّ)) مختصّ بالعاقلات، وليس كما زَعَمَ، وهذا نظيرُ اعتذاره عن الإشارة بـ(( أولئك)» في قوله ((كلُّ أولئك)) وقد تَقَدَّم(٤). وقرأ(٥) عبدُ الله والأعمشُ ((سبَّحَتْ)) ماضياً بتاء التأنيث. آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿مَسْتُوراً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه على بابه بمعنى: مستور عن أعينِ الكفار فلا يَرَوْنه. وقيل: هو على النسب، أي: ذو سِتْرٍ كقولهم: مكان مَهُول(٦) وجاريةٌ مَغْنُوْجةٍ(٧)، أي: ذو هَوْل وذات غْنْجٍ ، ولا يُقال فيهما: هُلْتُ المكانَ ولا غَنَجْتُ الجارية(٨). وقيل: (١) الآية ١٨٠ من الصافات. (٢) الآية ١٧ من نوح. (٣) السبعة ٣٨١، البحر ٤١/٦، النشر ٣٠٧/٢، الإتحاف ١٩٩/٢. (٤) انظر: الورقة ٥٧٣ أ. (٥) البحر ٤١/٦، الإتحاف ١٩٩/٢ منسوبة إلى المطوعي. (٦) مكان مهول: فيه هَوْل. (٧) جارية مغنوجة: ذات دَلّ. (٨) أي إن أفعالها لازمة. ومع ذلك استعملت العرب منها صيغة مفعول. ٣٦٢ - الإسراء - هو وصفٌ على جهة المبالغة كقولهم: ((شِعْرُ شاعِر)). ورُدَّ هذا: بأنَّ ذلك إنما يكون في اسمِ الفاعلِ ومِنْ لفظِ الأولِ . والثاني: أنَّه بمعنى فاعِل كقولهم: مَشْؤُّوم ومَيْمون بمعنى : شائم ويامِن، وهذا كما جاء اسمُ الفاعلِ بمعنى مفعول كماء دافِقٍ، وهذا قولُ الأخفش(١) في آخرين. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿وَحْدَه﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنَّه منصوبٌ على الحال، وإن كان معرفةٌ لفظاً، لأنه في قوةِ النكرة؛ إذ هو في معنى ((منفرداً))، وهل هو مصدرٌ أو اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدرِ الموضوعِ موضعَ الحال، فـ ((وَحْدَه)) وُضِعَ موضعَ («إيحاد)) و((إيحاد)) وُضع موضعَ ((مَوْحَد )» وهو مذهب سيبويه(٢)، أو هو مصدرٌ على حَذْف الزوائد، إذ يقال: أَوْحَدَه يُوْحِدُه إيحاداً، أو هو مصدرٌ بنفسِه لـ (( وَحَد)) ثلاثياً. قال الزمخشري(٣): «وَحَدَ يَحِدُ وَحْداً وحِدَة نحو: وَعَد يَعِد وَعْدَاً وعِدَة، و((وَحْدَه )) من باب: ((رَجَع عَوْدَه على بَدْئه)) و((افعَلْه جهدَك وطاقتَك)) في أنه مصدرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحال، أصلُه يَجِدُ وَحْدَه، بمعنى واحداً)). قلت: وقد عرفت أن هذا ليس مذهبَ سيبويه. ے والثاني: أنه منصوبٌ على الظرفِ، وهو قولُ يونس(٤). واعلمْ أنَّ هذه الحالَ بخصوصِها - أعني لفظة ((وحده )) - إذا وَقَعَتْ بعد فاعلٍ ومفعولٍ نحو: «ضَرَبَ زِيدٌ عمراً وَحْده)» فمذهبُ سيبويه: أنه حالٌ من الفاعل، أي: (١) معاني القرآن ٣٩١. (٢) الكتاب ١٨٧/١ - ١٨٨. (٣) الكشاف ٤٥٢/٢. (٤) انظر: الكتاب ١٨٩/١. ٣٦٣ - الإِسراء - مُوَحِّداً له بالضرب. ومذهبُ المبردٍ: أنه يجوز أن يكونَ حالاً من المفعول. قال الشيخ(١): ((فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير: وإذا ذكرْتَ ربَّك مُوَحِّداً اللّه (٢)، وعلى مذهب المبرد يجوز أن يكونَ التقديرُ: مُوَحَّداً بالذِّكْر)). قوله: ((نُفوراً)» فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ على غيرِ الصَّدْر؛ لأنّ التولِّيَ والنفور بمعنى. والثاني: أنه حال مِنْ فاعل (( وَلَّوا)) وهو حينئذٍ جمع [٥٧٥/أ] نافرٍ، كقاعد وقُعود وجالس وجلوس. والضميرُ في ((وَلَّوا)) الظاهر/ عودُه على الكفارِ. وقيل: يعود على الشیاطین، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ. آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿بما يَستمعون﴾: متعلقٌ بـ((أَعْلَمُ). وما كان من باب العلمِ والجهلِ في أفْعَلِ التفضيلِ وأفعلَ في التعجب تعذَّى بالباء نحو: أنت أعلمُ به، وما أعلمك به !! وهو أجهلُ به، وما أجهلَه به !!. ومن غيرِهما(٣) يتعدَّى في البابين (٤) باللام نحو: أنت أَكْسَى للفقراء. و((ما)) بمعنى الذي، وهي عبارةٌ عن الاستخفاف والإِعراض فكأنه قال: نحن أعلمُ بالاستخفافِ والاستهزاء الذي يستمعون به. قاله ابنُ عطية. قوله: ((به)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنه حالٌ، فيتعلق بمحذوف. قال الزمخشري(٥): ((وبه في موضع الحالِ كما [تقول: ](٦) يستمعون بالهُزْء، أي: هازئين)). الثاني: أنها بمعنى اللام، أي: بما يستمعون له. الثالث: (١) البحر ٤٣/٦. (٢) البحر: موحِّداً له بالذكر. (٣) أي من غير العلم والجهل. (٤) أي في التفضيل والتعجب. (٥) الكشاف ٤٥٢/٢. (٦) من الكشاف. ٣٦٤ - الإِسراء - أنَّها على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أو بظاهرٍ أسماعهم، قالهما أبو البقاء (١). الرابع: قال الحوفيُّ(٢): ((لم يَقُلْ يَسْتمعونه ولا يستمعونك؛ لَمًّا كان الغرضُ ليس الإِخبارَ عن الاستماعِ فقط، وكان مُضَمِّناً أنَّ الاستماعَ كان على طريق الهُزْء بأن يقولوا: مجنون أو مسحور جاء الاستماع به وإلى، لِيُعْلَمَ أنَّ الاستماعَ ليس المرادُ به تَفَهُّمَ المسموعِ دون هذا المقصد)»، فعلى هذا أيضاً تتعلق الباء بـ (( يستمعون )). قوله: ((إذ يستمعون)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه معمولٌ لـ ((أَعْلَمُ )). قال الزمخشريُّ(٣): ((إذ يستمعون نصبٌ بـ((أَعْلَمُ))، أي: أَعْلَمُ وقتَ استماعِهم بما به يستمعون، وبما يتناجَوْن به، إذ هم ذَوُو نجوى)». والثاني : أنه منصوبٌ بـ ((يَسْتمعون)) الأولى. قال ابن عطية: ((والعاملُ في ((إذا)) الأولى وفي المعطوف ((يستمعون)) الأول. وقال الحوفي: ((فـ إذ الأولى تتعلق بـ ((يستمعون)) وكذا ((وإذ هم نَجْوى)) لأنَّ المعنى: نحن أعلمُ بالذي يستمعون إليك وإلى قراءتِك وكلامِك، إنما يستمعون لسَقْطِك، وتتُعِ عيبِك، والتماسِ ما يَطْعنون به عليك، يعني في زعمهم؛ ولهذا ذكر تعديته بالباء و ((إلى)). قوله: ((نَجْوى)) يجوز أن يكونَ مصدراً فيكونَ من إطلاقِ المصدرٍ على العينِ مبالغةً، أو على حَذْفِ مضاف، أي: ذوو نجوى، كما قاله الزمخشريُّ(٤). ويجوز أَنْ يكونَ جمعَ نَجِيّ كقتيل وقَتْلَى. قاله أبو البقاء(٢). (١) الإِملاء ٩٢/٢. (٢) انظر: البحر ٤٣/٦. (٣) الكشاف ٤٥٢/٢. (٤) الكشاف ٤٥٢/٢. (٥) الإملاء ٢ /٩٢. ٣٦٥ - الإسراء- قوله: ((إِذْ يقولُ)) بدلٌ مِنْ ((إذ)) الأولى في أَحَد القولين، والقولُ الآخر: أنها معمولةٌ لـ «اذكرْ)» مقدراً. قوله: ((مَسْحوراً)) الظاهرُ أنه اسمُ مفعولٌ من ((السِّحْر)) بكسرٍ السين، أي: مَخْبولَ العقلِ أو مخدوعَه. وقال أبو عبيدة(١): «معناه أن له سَخْراً، أي: رِئة بمعنى أنه لا يَسْتغني عن الطعام والشرابِ، فهو بشرٌ مثلُكم. وتقول العرب للجبان: ((قد انتفخ سَحْره)) بفتح السين، ولكلِّ مَنْ أكل وشرب: مَسْحُور، ومُسْحَرٍ. فمِنْ الأولِ قولُ امرىء القيس(٢): ٣٠٦٩ - أرانا مُوْضَعِيْنَ لأمرٍ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطعامِ وبِالشَّرابِ أي: نُغَذَّى ونُعَلَّلُ. ومِن الثاني قول لبيد(٣): ٣٠٧٠- فإنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نحنُ فإنَّنا عصافيرُ مِنْ هذا الأنامِ المُسَخَّرِ ورَدَّ الناسُ على أبي عبيدة قولَه لُبُعْدِه لفظاً ومعنى. قال ابن قتيبة (٤): («لا أَدْري ما الذي حَمَل أبا عبيدةً على هذا التفسيرِ المستكرَهِ مع مَا فَسَّره السلفُ بالوجوهِ الواضحةِ)). قلت: وأيضاً فإن ((السَّجْر)» الذي هو الرِّئَة لم يُضْرَبْ له فيه مَثَلُ بخلاف ((السِّحْر))، فإنهم ضربوا له فيه المَثَلَ، فما بعد الآيةِ مِنْ قولِه ((انظر كيف ضَرَبُوا لك الأمثالَ)) لا يناسِبُ إلا ((السِّخْر)) بالكسرِ. (١) مجاز القرآن ٣٨١/١ بعبارة قريبة. (٢) تقدم برقم (٦٤٣). (٣) ديوانه ٥٦، والمجاز ٣٨١/١، والقرطبي ٣٧٣/١٠، واللسان (سحر). وعصافير: صِغار ضِعاف . (٤) تفسير غريب القرآن ٢٥٦. ٣٦٦ - الإِسراء - آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿أإذا كنَّا﴾: قد تقدَّم خلافُ القراء في الاستفهامين كهذه الآيةِ في سورة الرعد(١)، وتحقيقُ ذلك. والعاملُ في ((إذا)) محذوفٌ تقديرُه: أنْبْعَثُ أو أنحْشَرُ إذا كنَّا، دلَّ عليه ((لمَبْعوثون))، ولا يعملُ فيها ((مَبْعوثون)) هذا؛ لأنَّ ما بعد ((إنَّ)) لا يعملُ فيما قبلها، وكذا ما بعدَ الاستفهامِ لا يعملُ فيما قبله، وقد اجتمعا هنا، وعلى هذا التقدير الذي ذكرْتُه تكون ((إذا)) متمخِّضةً للظرفيةِ، ويجوز أَنْ تكونَ شرطيةٌ فَيُقَدَّرُ العاملُ فيها جوابَها، تقديرُه: أإذا كنا عظاماً ورُفاتاً نُبْعَثُ أو نُعادُ، ونحو ذلك، فهذا المحذوفُ جوابُ الشرطِ عند سيبويه والذي انصبَّ عليه / الاستفهامُ [٥٧٥/ب] عند يونس . قوله: ((ورُفاتً)) الرُّفات: ما بُوْلِغَ في دَقِّه وَتَفْتِيتِه وهو اسمٌ لأجزاءٍ ذلك الشيءِ الْمُفَتَّتِ. وقال الفراء (٢): ((هو التراب)). ويؤيِّده أنه قد تكرَّر في القرآن (تُراباً وعِظاماً)). ويقال: رَفَتَ الشيءَ يَرْفِت بالكسرِ، أي: كَسرَه. والفُعال يغلب في التفريق كالحُطام والدُّقاق والفُتات. قوله: ((خَلْقاً)) يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ من معنى الفعلِ لا مِنْ لفظِه، أي: نُبْعَثُ بَعْثاً جديداً. والثاني: أنه في موضع الحالِ ، أي: مخلوقین . آ. (٥١) قوله تعالى: ﴿الذي فطركم﴾: فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مبتدأ وخبرُه محذوف، أي: الذي فطركم يعيدُكم. وهذا التقديرُ فيه مطابقةٌ بين السؤالِ والجوابٍ. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: مُعِيْدُكم. (١) انظر: الورقة ٥٢٥ أ، ب. (٢) معاني القرآن ١٢٥/٢. ٣٦٧ - الإسراء- الذي فطركم. الثالث: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدر، أي: يعيدُكم الذي فطركم، ولهذا صُرِّح بالفعل في نظيره عند قوله: ((لَيَقُوْلُنَّ خَلَقْهُنَّ العزيزُ العليمُ))(١). و ((أولَ مرةٍ)) ظرفُ زمان ناصبُه ((فَطَركم)). قوله: ((فسَيُنْغِضُون))، أي: يُحَرِّكونها استهزاءً. يقال: أَنْغَضَ رأسَه يُنْغِضها، أي: حَرَّكها إلى فوقُ، وإلى أسفلَ إنغاضاً، فهو مُنْغِضٌ، قال(٢): ٣٠٧١- أَنْغَضَ نحوي رأسَه وأَقْنَعا كأنه يطلُبُ شيئاً أَطْمعا وقال آخر (٣): ٣٠٧٢- لَمَّا رَأَتْنِي أَنْغَضَتْ لِي الرَّأْسا وقال أبو الهيثم: ((إذا أُخْبِرَ بشيءٍ فَحَرَّك رأسَه إنكاراً له فقد أَنْغَضَ)). قال ذو الرمة (٤). ٣٠٧٣- طَعائِنُ لم یُسْكُنَّ أَكْنافَ قریةٍ بِسِيْفٍ ولم تَنْغُضْ بهنَّ القَناطِرُ أي: لم تُحَرَّك، وأمَّا نَغَضَ ثلاثياً، يَنْغَضُ ويَنْغُضُ بالفتح والضم، فبمعنىْ تَحَرَّكُ، لا يَتَعَدَّى يقال: نَغَضَتْ سِنُّه، أي: تَحَرَّكت، تَنْغُضُ نَغْضاً (١) الآية ٩ من الزخرف. (٢) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في القرطبي ٢٧٥/١٠، والبحر ٤٥/٦. وأقنع رأسه: أي رفع بصره ووجهه . : (٣) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٤٥/٦، ومجاز القرآن ٣٨٢/١، والقرطبي ١٠/ ٢٧٥. (٤) ديوانه ١٠١٩/٢، ومجاز القرآن ٣٨٣/١، والبحر ٤٥/٦، واللسان (نغض). أكناف: نواحٍ. والسيف: ساحل الماء. أي: لم يسرن على القناطر كما تشير دواب الريف. ٣٦٨ - الإسراء - ونُغوضاً. قال(١): ٣٠٧٤ - ونَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أسنانُها قوله: ((عسى أن يكونَ)) يجوز أن تكونَ الناقصة، واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على البعثِ والحشرِ المدلولِ عليهما بقوة الكلام، أو لتضمُّنِه في قوله ((مَبْعوثون))، و((أن يكونَ)) خبرُها، ويجوز أن تكونَ التامّةَ مسندةً إلى ((أنَّ)) وما في حيِّزها، واسمُ ((يكونَ)) ضميرُ البعثِ كما تقدَّم. وفي ((قريباً) وجهان، أحدُهما: أنه خبر ((كان )) وهو وصفٌ على بابِه. والثاني: أنه ظرفٌ، أي: زماناً قريباً، و((أن يكونَ)) على هذا تامةٌ، أي: عسى أن يقع العَوْد في زمانٍ قريب. آ. (٥٢) قوله تعالى: ﴿يومَ يَدْعُوْكم﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من ((قريباً))، إذا أَعْرَبْنا «قريباً» ظرفَ زمان كما تقدم. الثاني: أنه منصوبٌ بـ ((يَكونَ)) قاله أبو البقاء(٢)، وهذا عند مَنْ يُجيز إعمالَ الناقصةِ في الظرفِ، وإِذا جَعَلْناها تأمَّةً فهو معمولٌ لها عند الجميع. الثالث: أنه منصوبٌ بضميرٍ المصدرِ الذي هو اسمُ ((يكون)) أي: عسى أن يكونَ العَوْدُ يومٍ يَدْعوكم. وقد منعه أبو البقاء(٣) قال: ((لأنَّ الضميرَ لا يعمل)) يعني عند البصريين، وأمَّا الكوفيون فُعملون ضميرَ المصدرِ كُمُظْهَرِهِ فيقولون: مروري بزيدٍ حَسَنٌ، وهو بعمرٍو قبيحٌ)) وعندهم متعلِّق بـ ((هو)) لأنَّه ضمير المرور، وأنشدوا قول زهير على ذلك (٤): (١) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في مجاز القرآن ٣٨٢/١، والقرطبي ٣٨٢/١٠. (٢) الإملاء ٩٣/٢. (٣) الإملاء ٩٣/٢. (٤) تقدم برقم (٥). ٣٦٩ - الإسراء :- ٣٠٧٥- وما الحربُ إلا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ فـ (هو)) ضميرُ المصدرِ، وقد تَعَلَّق به الجارُّ بعده، والبصريون يُؤْوِّلونِه. الرابع: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، أي: اذكُرْ يومَ يَدْعوكم. الخامس: أنه منصوبٌ بالبعثِ المقدَّر، قالهما أبو البقاء(١). قوله: (بحَمْدِهِ)) فيه قولان، أحدُهما: أنها حالٌ، أي: تستجيبون حامِدِين، أي: منقادين طائعين. والثاني: أنها متعلقةٌ بـ ((يَدْعوكم)) قاله أبو البقاء(٢)، وفيه قَلَقٌ. قوله: ((إنْ لَبِثْتُمْ)) ((إِنْ)) نافيةٌ، وهي معلِّقَةُ للظنِّ عن العمل، وقلَّ مَنْ يذكُر ((إِنْ)) النافيةَ، في أدواتِ تعليق هذا الباب. و((قليلاً)) يجوز أن يكون نعتَ زمانٍ أو مصدرٌ(٣) محذوفٌ، أي: إلا زماناً قليلاً، أو إلا لُبْئاً قليلاً. آ. (٥٣) وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لعبادِيْ﴾: تقدَّم نظيرُه في إبراهيم (٤) . قوله: ((إِنَّ الشيطانَ يَنْزَغُ)) يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ اعتراضاً بين المفسَّر والمفسِّر، وذلك أنَّ قوله: ((ربُّكم أعلمُ بكم إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم)) وَقَعَ تفسيراً لقوله ((التي هي أحسنُ)) وبياناً لها، ويجوز أن لا تكونَ معترِضَةً بل مستأنفةٌ . (١) الإملاء ٩٣/٢. (٢) الإِملاء ٩٣/٢. (٣) على تقدير: أو هو مصدر. (٤) الآية ٣١ . ٣٧٠ - الإِسراء - وقرأ(١) طلحة ((يُنْزِغ) بكسر الزاي وهما لغتان، كَيَعرِشون ويَعْرُشون(٢)، قاله الزمخشري (٣). قال الشيخ(٤): ((ولو مَثَّل بـ ((يَنْطَح)) و ((يَنْطِح))/، كأنه [٥٧٦/أ] يعني من حيث إن لامَ كلٍ منهما حرفُ حَلْقٍ، وليس بطائلٍ . آ. (٥٥) قوله تعالى: ﴿وربُّكَ أَعْلَمُ بَمَنْ في السموات﴾: في هذه الباءِ قولان، أظهرُهما: أنها تتعلَّقُ بـ ((أَعْلَمُ)) كما تَعَلَّقَتْ الباءُ بـ ((أَعْلَمُ)) قبلها(٥)، ولا يلزمُ مِنْ ذلك تخصيصُ علمِه بمَنْ في السموات والأرض فقط. والثاني: أنها متعلَّقَةٌ بـ (يَعْلَمُ)) مقدراً. قاله الفارسي محتجاً بأنه يَلزَمُ مِنْ ذلك تخصيصُ عِلْمِهِ بِمَنْ في السموات والأرض، وهو وَهْمٌ، لأنه لا يَلْزَمُ من ذِكْرٍ الشيءٍ نَفْيُ الحكمِ عَمَّا عداه. وهذا هو الذي يقول الأصوليون: إنه مفهومُ اللقَب، ولم يَقُلْ به إلا أبو بكر الدقاق(٦) في طائفةٍ قليلة. قوله: ((زَبُورا)) قد تقدَّم خلافُ القراءِ فيه(٧)، ونكّره هنا دلالةٌ على التبعيضِ ، أي: زَبُوراً من الزُّبُر، أو زَبُوراً فيه ذِكْرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأُطْلِقَ على القطعةِ منه زَبورٌ، كما يُطْلَقُ على بعضِ القرآن، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((زَبُور)) عَلَماً، فإذا دَخَلَتْ عليه أل كقوله: ((ولقد كَتَبْنا في الزّبور))(٨) (١) البحر ٤٩/٦، الكشاف ٤٥٣/٢. (٢) من الآية ١٣٧ من الأعراف. قرأ ابن عامر وأبو بكر بالضم، والباقون بالكسر. الدر ٤٤١/٥. (٣) الكشاف ٤٥٣/٢. (٤) البحر ٦ /٤٩. (٥) في قوله ((ربكم أعلمُ بکم)). (٦) هو القاضي محمد بن محمد البغدادي، أصولي شافعي. توفي سنة ٣٩٢. انظر: طبقات الأسنوي ٥٢٢/١. (٧) قرأ الجمهور بفتح الزاي، وحمزة بضمها. انظر: الدر المصون ١٥٨/٤. (٨) الآية ١٠٥ من الأنبياء. ٣٧١ - الإسراء ــ كانت لِلَمْحِ الأصلِ كعبَّاس والعبَّاس، وفَضْل والفضل .. آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿الذين زَعَمْتُمْ﴾: مفعولا الزَّعِم محذوفان لفَهْمِ المعنى، أي: زَعَمْتُوهم آلهةً، وحَذْفُهما اختصاراً جائزٌ، واقتصاراً فيه خلافٌ. آ. (٥٧) قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يَدْعُون﴾: ((أولئك)) مبتدأً، وفي خبره وجهان، أظهرُهما: أنه الجملةُ مِنْ ((يبتغون)) ويكون الموصولُ نعتاً أو بياناً أو بدلاً، والمرادُ بأسم الإِشارة الأنبياءُ الذين ◌ُبِدوا مِنْ دون الله. والمرادُ بالواوِ العبَّادُ لهم، ويكون العائدُ على ((الذين)» محذوفاً، والمعنى: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُونِهِم المشركون(١) لكَشْفِ ضُرِّهم - أو يَدْعُونهم آلهةً، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان _ یَبْتَغون. ويجوز أن يكونَ المرادُ بالواوِ ما أُريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياء الذين يَدْعُون ربَّهم أو الناسَ إلى الهدى يَبْتَغون، فمفعولُ ((يَدْعُون)) محذوف. والثاني (٢): أن الخبرَ نفسُ الموصولِ، و((يَبْتَغُون)) على هذا حالٌ مِنْ فاعل ((يَدْعُون)) أو بدلٌ منه. وقرأ العامَّةُ ((يَدْعُون)) بالغيبِ، وقد تقدَّم الخلافُ في الواو: هل تعودُ على الأنبياء أو على عابِدِيْهم. وزيد(٣) بن علي بالغَيْبة أيضاً، إلا أنه بناه للمفعول. وقتادةُ وابنُ مسعودٍ بتاء الخطاب. وهاتان القراءتان تقوِّيان أن الواوَ للمشركين لا للأنبياءِ في قراءة العامَّة . قوله: ((أيُّهم أَقْرَبُ)) في ((أيُّ)) هذه وجهان، أحدُهما: أنها استفهاميةٌ. (١) كذا على لغة أكلوني البراغيث. (٢) أي في خبر المبتدأ ((أولئك)). (٣) أنظر في قراءاتها: البحر ٥١/٦، القرطبي ٢٧٩/١٠، والشواذ ٧٧ . ٣٧٢ - الإِسراء - والثاني: أنها موصولةٌ بمعنىُ الذي، وإنما كَثُرَ كلامُ المُعْرِبين فيها من حيث التقديرُ. فقال الزمخشري(١): ((وأيُّهم بدلٌ مِنْ واو ((يَبْتغون)) و((أُّ)) موصولةٌ، أي: يبتغي مَنْ هو أقربُ منهم وأَزْلَفُ، أو ضُمِّن [يَبْتَغُون](٢) الوسيلةَ معنى يَحْرِصُون، فكأنه قيل: يَحْرِصُون أيُّهم يكون أقربَ)). قلت: فَجَعَلَها في الوجهِ الأولِ موصولةً، وصلتُها جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبر، حُذِف المبتدأ وهو عائدُها، و((أَقْرَبُ)) خبرُ ((هو)). واحتملت ((أيُّ)) حينئذٍ أن تكونَ مبنيةً، وهو الأكثرُ فيها، وأن تكونَ مُعْرَبةً، ولهذا موضعٌ هو أليقُ به في مريم(٣). وفي الثاني جَعَلَها استفهاميةٌ بدليل أنه (٤) ضَمَّن الابتغاءَ معنى شيء يُعَلَّقُ وهو ((يَحْرِصُون))، فيكون (( أيُّهم)) مبتدأً و((أقربُ)) خبرَه، والجملةُ في محلٌّ نصبٍ على إسقاطِ الخافض؛ لأنَّ ((يَحْرِص)) يتعدَّى بـ ((على)) قال تعالى: ((إنْ تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ))(٥)، ((أَحْرَصَ الناسِ على حياة))(٦). وقال أبو البقاء (٧): ((أيُّهم)) مبتدأ، و((أقربُ)) خبرُه وهو استفهامُ في موضع نصب(٨) بـ ((يَدْعُوْنَ))، ويجوز أن يكونَ (( أُّهم)) بمعنى الذي، وهو بدلٌ مِنَ الضميرِ في ((يَدْعُوْن)). قال الشيخ(٩): ((علَّق ((يَدْعُون)) وهو ليس فعلاً قلبياً، وفي الثاني فَصَلَ (١) الكشاف ٢/ ٤٥٤. (٢) من الكشاف. (٣) الآية ٦٩. (٤) الأصل ((أنها)) والتصحيح من (ش). (٥) الآية ٣٧ من النحل. (٦) الآية ٩٦ من البقرة. (٧) الإِملاء ٩٣/٢. (٨) الإِملاء: ((والجملة في موضع نصب)). (٩) البحر ٥٢/٦. ٣٧٣ - الإسراء - بين الصلةِ ومعمولِها بالجملةِ الحاليةِ، ولا يَضُرُّ ذلك لأنها معمولةٌ للصِّلة)). قلت: أمَّا كونُ ((يَدْعُون)) لا يُعَلَّق هو (١) مذهبَ الجمهور. وقال يونس: يجوز تعليقُ الأفعالِ مطلقاً، القلبيةِ وغيرِها. وأمَّا قولُه ((فَصَل بالجملة الحالية)) يعني بها ((يَبْتَغُون)) فَصَل بها بين ((يَدْعُون)) الذي هو صلةُ ((الذين)) وبين معمولِه وهو (أيُّهم أقربُ)) لأنه مُعَلَّقُ عنه كما عَرَفْتَه، إلا أنَّ الشيخَ لم يتقدَّم في كلامِه إعرابُ (يبتغون)) حالاً، بل لم يُعْرِبْها إلا خبراً للموصول، وهذا قريب. وجعل أبو البقاء أيَّ الموصولة بدلاً من واو ((يَدْعُون))، ولم أر أحداً وأفقه على ذلك، بل كلُّهم يجعلونها مِنْ واو ((يَبْتَغون)) وهو الظاهر. وقال الحوفي: ((أيُّهم أقرب)) ابتداءً وخبر، والمعنى: ينظرون أبُّهم [٥٧٦/ب] أقربُ فيتوسَّلون به، ويجوز أن يكونَ ((أيُّهم أقربُ))/بدلاً من واو (يَبْتغون)). قلت: فقد أضمر فعلاً معلّقاً وهو ((ينظرون))، فإن كان مِنْ نَظَرِ البصَرِ تَعَدَّى بـ((إلى))، وإن كان مِنْ نَظَرِ الفِكْرِ تعدّى بـ ((في)»، فعلى التقديرين الجملةُ : الاستفهامية في موضعٍ نصبٍ بإسقاطِ الخافضِ ، وهذا إضمارُ ما لا حاجةً . إليه . وقال ابن عطية: ((وأيُّهم ابتداءٌ، و((أقربُ)) خبرُه، والتقدير: نَظَرُهم ووَكْدُهم (٢) أَيُّهم أقربُ، ومنه قولُ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه: ((فيات الناس يَدُوكون(٣) أَيُّهم يُعطاها))، أي: يتبارَوْن في القُرْب)). قال الشيخ (٤): (١) الأفصح: ((فهو))، لسبق ((أمَّا)). (٢) الوَكْد: المراد والهَمُّ. قال في اللسان (وكد): فكأن الوُكد اسم والوَكْدَ المصدر. (٣) وذلك القول في حديث خيبر عندما قال النبي وَله: ((لَاعْطِيَنَّ الراية غداً رجلًا يفتح الله على يديه)) ويذوكون: يخوضون ويختلفون فيه. انظر: النهاية ١٤٠/٢، اللسان (دوك). (٤) البحر ٥٢/٦. ٣٧٤ - الإِسراء - ((فَجَعَل المحذوفَ ((نَظَرُهم ووَكْدُهم)) وهذا مبتدأ، فإن جعلْتَ ((أيُّهم أقرب)) في موضعِ نصبٍ بـ ((نَظَرُهم)) بقي المبتدأ بلا خبر، فَيَحْتاج إلى إضمار خبر، وإن جعلت ((أيُّهم أقرب)) [ هو](١) الخبر لم يَصِحَّ؛ لأنَّ نظرَهم ليس هو أيهم أقرب، وإنْ جَعَلْتَ التقدير: نَظَرُهم في أيهم أقربُ، أي: كائنٌ أو حاصلٌ، لم يَصِحَّ ذلك؛ لأنَّ كائناً وحاصلاً ليس ممَّا يُعَلِّق)). قلت: فقد تحصَّل في الآيةِ الكريمةِ ستةُ أوجهٍ، أربعةٌ حالَ جَعْلٍ ((أيّ)) استفهاماً. الأولُ: أنها مُعَلُّقةٌ للوسيلة كما قرَّره الزمخشري. الثاني: أنها مُعَلَّقَةٌ لـ ((يَدْعُون)) كما قاله أبو البقاء. الثالث: أنها مُعَلِّقَةٌ لـ((يَنْظرون)) مقدَّراً، كما قاله الحوفيُّ. الرابع: أنها مُعَلِّقةٌ لـ((نَظَرُهُمْ)) كما قدَّره ابن عطية. واثنان حالَ جَعْلِها موصولةً، الأول: البدلُ مِنْ واو ((يَدْعُون)) كما قاله أبو البقاء. الثاني: أنها بدلٌ مِنْ واو ((يَبْتَغون)) كما قاله الجمهور. آ. (٥٨) قوله تعالى: ﴿وإنْ مِنْ قريةٍ﴾: ((إن)) نافيةٌ و ((مِنْ)) مزيدةٌ في المبتدأ لاستغراقِ الجنس. وقال ابنُ عطية: ((هي لبيانِ الجنسِ ، وفيه نظرٌ مِنْ وجهين، أحدهما قال الشيخ(٢): ((لأنَّ التي للبيان لا بُدَّ أَنْ يتقدَّمَها مبهمٌ ما، تُفَسِّرِه كقوله: ((ما يَفْتَحِ اللَّهُ للناسِ مِنْ رحمةٍ)(٣)، وهنا لم يتقدَّم شيءٌ مبهمٌ)). ثم قال ((ولعلَّ قولَه لبيانِ الجنسِ من الناسخِ، ويكون هو قد قال: الاستغراقِ الجنس، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: ((وقيل: المرادُ الخصوصُ». وخبرُ المبتدأ الجملةُ المحصورةُ مِنْ قوله: ((إلا نحن مُهْلِكوها)». (١) زيادة من البحر. (٢) البحر ٥٢/٦. (٣) الآية ٢ من فاطر. ٣٧٥ - الإسراء- والثاني(١): أنَّ شَرْطَ ذلك أَنْ يَسْبِقَها مُحَلَّى بأل الجنسية، وأن يَقَعَ موقعَها (٢) ((الذي)) كقوله: ((فَاجْتَنِبُوا الرُّجْسَ من الأوثان))(٣). آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بالآيات إلا أنْ كذَّب﴾: ((أنْ)) الأولى وما في خَيِّزها في محلٌّ نصبٍ أو جرٍ على اختلاف القولين؛ لأنها على خَذْفِ الجارِّ، أي: مِنْ أَنْ نُرْسل، والثانية وما في حَيِّزُها في محلٌّ رفعٍ بالفاعلية، أي: وما مَنَعَنا مِنْ إرسال الرسلِ بالآياتِ إلا تكذيبُ الأوَّلين، أي: لو أَرْسلنا الآياتِ المقترحةَ لقريش لأَهْلِكوا عند تكذيِهم كعادة مَنْ قبْلَهم، لكنْ عَلِمَ اللَّه أنه يُؤْمِنُ بعضُهم، ويكذِّبُ بعضُهم مَنْ يؤمن، فلذلك لم يُرْسِلِ الآياتِ لهذه المصلحةِ. وقَدَّر أبو البقاء(٤) مضافاً قبل الفاعلِ فقال: «تقديرُه: إلا إهلاكُ التكذيب، كأنه يعني أنَّ التكذيبَ نفسَه لم يمنعْ من ذلك، وإنما مَنَّعَ منه ما يترتَّبُ على التكذيبِ وهو الإِهلاك، ولا حاجةً إلى ذلك لاستقلالِ المعنى بدونه . قوله: ((مُبْصِرَة)) حالٌ، وزيدُ(٥) بن علي يرفعُها على إضمارٍ مبتدأ، أي : . هي، وهو إسنادٌ مجازيٌّ، إذ المرادُ إبصارُ أهلِها، ولكنها لمّا كانت سبباً في (١) وهو النظر الثاني على تقدير ابن عطية السابق. (٢) الأصل ((موقعه)) وهو سهو؛ لأن حديث المؤلف عن ((مِنْ)) كان بضمير التأنيث. قال المرادي: ((وعلامتها أن يَحْسُنَ جَعْلُ ((الذي)) مكانها؛ لأن المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن)). انظر: الجنى الداني ٣١٠. (٣) الآية ٣٠ من الحج. (٤) الإملاء ٩٣/٢. (٥) انظر في قراءاتها: البحر ٥٣/٦، الشواذ ٧٧، وفيه أن قتادة قرأ («مُبْصَرة)). ٣٧٦ - الإسراء- الإِبصار نُسِب إليها. وقرأ قومٌ بفتحِ الصاد، مفعولٌ على الإِسناد الحقيقي. وقتادة بفتح الميم والصاد، أي: مَحَلَّ إبصارٍ كقوله عليه السلام(١): ((الولدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٍ))، وكقوله(٢): والكفرُ مَخْبَثَةٌ لنفسِ المُنْعِمِ ٣٠٧٦- أجرى هذه الأشياءَ مُجْرى الأمكنةِ نحو: أرضٌ مَسْبَعَة ومَذْأَبَة . قوله: ((إلا تَخْويفاً)) يجوز أنْ يكونَ مفعولاً له، وأن يكون مصدراً في موضع الحال: إمَّا من الفاعل، أي: مُخَوِّفين أو من المفعولِ، أي: مُخَوَّفاً بها . آ. (٦٠) قوله تعالى: ﴿والشجرةَ﴾: العامَّة على نصبها نَسَقاً على ((الرؤيا))، و((الملعونةَ)) نعت، قيل: هو مجازٌ؛ إذ المُراد: الملعونُ طاعِموها؛ لأنَّ الشجرةَ لا ذَنْبَ لها وهي شجرةُ الزُقُّوم. وقيل: بل على الحقيقة، ولَعْنُها: إبعادُها مِنْ رحمة الله، لأنها تخرجُ في أصلِ الجحيم. وزيد(٤) بن علي برفعِها على الابتداء. وفي الخبر احتمالان، أحدُهما: هو محذوفٌ، أي: فتنة. والثاني : - قاله أبو البقاء(٥) - أنه قولُه ((في القرآن)) وليس بذاك. (١) تقدم تخريجه. (٢) البيت لعنترة من معلقته، وصدره: نُبِّتُ عمراً غيرَ شاكرٍ نعمتي وهو في ديوانه ٢١٤، ومعاني القرآن للفراء ١٢٦/٢، والخزانة ١٦٣/١، وقال البغدادي: ((ولم يتكلم علماء التصريف على هذه الصيغة)). والكفر هنا: الجحود. (٤) الكشاف ٤٥٦/٢، البحر ٥٦/٦. (٥) الإِملاء ٩٣/٢. ٣٧٧ - الإِسراء - قوله: ((ونُخَوِّفُهم)» قراءةُ العامَّةِ بنون العظمة. والأعمش(١) بياء الغيبة. آ. (٦١) قوله تعالى: ﴿طِيْناً﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه حالٌ من : ((لِمَنْ)) فالعاملُ فيها ((أَسْجُدُ))، أو مِنْ عائد هذا الموصولِ، أي: خلقتّه طِيْناً، فالعاملُ فيها ((خَلَفْتَ))، وجاز وقوعُ طين حالاً، وإن كان جامداً، لدلالتِه على الأصالةِ كأنه قال: متأصِّلاً من طين. الثاني: أنه منصوبٌ على إسقاطِ [٥٧٧/أ] الخافض، أي: مِنْ طين، كما صَرَّح به في الآية الأخرىُ: / ((وخَلَقْتَه من طين))(٢). الثالث: أنه منتصِبُ على التمييز، قاله الزجاج(٣)، وتبعه ابنُ عطية، ولا يظهرُ ذلك إذا لم يتقدَّم إبهامُ ذاتٍ ولا نسبةٍ . آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾: قد ذُكِرَتْ مستوفاةً فِي الأنعام (٤). وقال الزمخشري(٥): ((الكافُ للخطاب، و((هذا)) مفعول به، والمعنى: أَخْبِرْني عن هذا الذي كَرَّمْتَه علي، أي: فَضَّلْتَه لِمَ كَرَّمْتَه وأنا خيرٌ منه؟ فاختصر الكلامَ)). وهذا قريبٌ من كلام الحوفي . وقال ابنُ عطيةٍ: ((والكافُ في ((أَرَأَيْتَكَ)) حرفُ خطابٍ لا موضعَ لها من الإِعراب، ومعنى ((أَرَأَيْتَ)) أَتأمُّلْتَ ونحوه، كأنَّ المخاطِبَ يُنَبِّه المخاطَب ليستجمعَ لما يُنْصُّ عليه [ بعدُ]. وقال سيبويه(٦): ((هي بمعنى أَخْبِرْني، ومَثَّل بقوله: ((أَرَأَيْتك زيداً أبو من هو؟)) وقولُ سيبويهِ صحِيحٌ، حيث يكون (١) الإتحاف ٢٠٠/٢، ونسبها إلى المطوعي، البحر ٥٦/٦. (٢) الآية ٧٦ من ص. (٣) معاني القرآن ٢٤٩/٣ وأجاز أيضاً الحالية. (٤) الآية ٤٠. وانظر: الدر المصون ٤ /٦١٥. (٥) الكشاف ٤٥٦/٢. (٦) الكتاب ١٢٢/١. ٣٧٨ - الإسراء - بعدها استفهامٌ كمثالِه، وأمَّا في الآية فهي كما قلتُ، وليست التي ذكر سيبويهِ)). قلت: وهذا الذي ذكره ليس بمُسَلَّمٍ، بل الآيةُ كمثالِه، غايةُ ما في البابِ أنَّ المفعولَ الثاني محذوفٌ وهو الجملةُ الاستفهاميةُ المقدَّرةُ، لانعقادِ الكلام مِنْ مبتدأ وخبر، لوقلت: هذا الذي كَرَّمْتَه عليَّ لِمَ كرَّمته؟ وقال الفراء(١): ((الكافُ في محلِّ نصب، أي: أَرَأَيْتَ نفسَك كقولك: أَتَدَبَّرْتَ آخرَ أَمرِك فإني صانعٌ فيه كذا ثم ابتدأ: هذا الذي كرَّمْتَ عليَّ)). وقال أبو البقاء (٢): ((والمفعولُ الثاني محذوفٌ، تقديرُه: تفضيلَه أو تكريمه)). قلت. وهذا لا يجوز لأنَّ المفعول الثاني في هذا البابٍ لا يكونُ إلا جملةً مشتملةً على استفهام)) . قال الشيخ (٣): ((ولو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ (٤) الجملة القسمية هي المفعولُ الثاني لكان حَسَناً)). قلت: يَرُدُّ ذلك التزامُ كونِ المفعولِ الثاني جملةً مشتملةً على استفهامٍ . وقد تقرَّر جميعُ ذلك في الأنعام(٥) فعليك باعتباره هنا. قوله: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ)) قرأ(٦) ابن كثير بإثباتِ ياءِ المتكلمِ وصلاً ووقفاً، ونافع وأبو عمرو بإثباتِها وَصْلاً وحَذْفِها وقفاً، وهذه قاعدةُ مَنْ ذُكِرَ في الياءاتِ الزائدة على الرسم، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، هذا كلُّه في حرفِ هذه (١) معاني القرآن ٣٣٣/١ في إعراب آية الأنعام وأما في هذا الموضع فلم يقل شيئاً. (٢) الإملاء ٢/ ٩٤. (٣) البحر ٥٧/٦ . (٤) عبارة البحر: ((إلى أن ((هذا)) مفعول أول لقوله ((أرأيتك)). (٥) انظر: الدر المصون ٦١٥/٤. (٦) السبعة ٣٨٢، النشر ٣٠٩/٢، الإتحاف ٢٠١، التيسير ١٤١. ٣٧٩ - الإسراء- السورةِ، أمَّا الذي في المنافقين(١) في قوله (لولا أخَّرْتَني)) فأثبتَه الكلُّ لثبوتِها في الرسم الکریم. قوله (لأَحْتَنِكَنَّ)) جوابُ القسمِ المُوَطَّأ له باللام. ومعنى ((لَأَحْتَنِكَنَّ) لأَسْتَوْلِيَنَّ عليهم استيلاءَ مَنْ جَعَلَ في حَنَكِ الدابَّةِ حَبْلاً يقودُها به فلا تأبى ولا تَشْمُسُ عليه. يقال: حَنَك فلانٌ الدابةَ واحْتَنَكها، أي: فَعَلَ بُها ذلك، واحْتَنَكَ الجرادُ الأرضَ: أكِلَ نباتها قال(٢): ٣٠٧٧- نَشْكُو إليك سَنَةً قد أَجْحَفَتْ جَهْداً إلى جَهْدٍ بنا فأضعَفَتْ واحتنكَتْ أموالنا وجَلَّفَتْ وحكى سيبويه(٣): ((أحْنَكُ الشاتَيْن))، أي: آكَلُّهما، أي: أكثرُهُما أَكْلًا .. آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿اذهَبْ فَمَنْ﴾: تقدَّم أنَّ الباءَ تُدْغَمُ في الفاءِ في ألفاظٍ (٤) منها هذه، عند أبي عمروٍ والكسائيِّ وحمزةَ في رواية خلَّدٍ عنه بخلافٍ في قوله ((ومَنْ لم يُتُبْ فأولئك))(٥). قوله: ((جزاؤكم)) يجوز أن يكونَ الخطابُ التغليبَ لأنه تقدَّم غائبٌ ومخاطَبٌ في قولِه: ((فَمَنْ تَّبِعَكَ منهم)) فغلَّب المخاطَب، ويجوز أن يكونَ. الخطابُ مراداً به ((مَنْ)) خاصةً ويكونُ ذلك على سبيل الالتفات. قوله: ((جَزاءً)) في نصبِه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ على المصدرِ، (١) الآية ١٠. (٢) لم أهتدِ إلى قائلها، وهي في مجاز القرآن ٣٨٤/١، ومعاني القرآن للزجاج ٢٤٩/٣، والقرطبي ٢٨٧/١٠، والبحر ٤٥/٦. وجَلَّفَتْ: أذهبت بالمال. (٣) الكتاب ٢٥٢/٢. (٤) انظر هذه الألفاظ في: النشر ٨/٢. (٥) الآية ١١ من الحجرات. ٣٨٠