Indexed OCR Text

Pages 341-360

- الإسراء -
وقد رَدَّ عليه الناس(١)، وله موضعٌ غيرُ هذا. والنسب إليها عند سيبويه(٢):
كِلْوِيّ كمذكَّرِها، وعند يونس: كِلْتَوِيّ لئلا تَلْتَبِسَ، وهذا القَدْرُ كافٍ في
هاتين اللفظتين.
قوله: ((أُنّ)) ((أُفَ)) اسمُ فعلٍ مضارعٍ بمعنى أتضجَّر، وهو قليلٌ؛
فإِنَّ أكثرَ بابٍ أسماء الأفعال أوامرُ، وأقلّ منه اسمُ الماضي، وأقلُّ منه اسمُ
المضارع كـ ((أُفّ)) وأَوَّه، أي: أتوجَّع، ووَيْ، أي: أَعْجَبُ. وكان مِنْ
حقّها أَنْ تُعرَبَ لوقوعِها موقعَ مُعْرَبٍ، وفيها لغاتٌ كثيرة وصلها الرُّمَّاني إلى
تسع وثلاثين، وذكر ابنُ عطية لفظةً، بها تمت الأربعون، وهي اثنتان
وعشرون مع الهمزةِ المضمومةِ: أُنُّ، أُنَّ، أُنّ، بالتشديدِ مع التنوين
وَعَدَمِهِ، أُفُ، أُفَ، أُفٍ، بالتخفيف مع التنوين وعدمه، أُفْ بالسكون
والتخفيف؛ أُفْ بالسكون والتشديد، أُقُه أُنَّه أُنِّه، أنَّا من غير إمالة، وبالإِمالة
المحضة، وبالإِمالة بين بين، أُقُو أُفِّي: بالواو والياء(٣) وإحدى عشرة مع كسرٍ
الهمزةِ إفَّ إنِّ: بالتشديد مع التنوينِ وعدمِه، إِفُ إِفَ إفِ بالتخفيفِ مع
التنوينٍ وعدمِه، إنَّا بالإِمالة. وستٌّ مع فتح الهمزة: أَنَّ أَفٍّ، بالتشديد مع
التنوينِ وعدمِه، أَفْ بالسكون، أفا بالألف. فهذه تسع وثلاثون لغةً، وتمامُ
الأربعين: ((أَفاءْ)) بهاء السكت. وفي استخراجها بغيرِ هذا الضابطِ الذي ذكرتُه
◌ُسْرٌ ونَصَبٌ يَحتاج في استخراجِه من كتب اللغة، ومن كلامِ أهلِها، إلى
(١) انظر المسألة في: شرح الملوكي ٢٩٣، ليس في كلام العرب ١٤٢، الممتع
٣٨٥، شرح الأبيات للفارسي ١٤٨ .
(٢) الكتاب ٨٢/٢.
(٣) هذه اثنتان وعشرون لغة هي على الترتيب الذي ذكره: أُفُّ، أُفَّ، أُفٍ، أُفُ، أُنَّاً،
أُفِّ، أُفْ، أُفٍ، أُفاً، أُفُ، أُفَ، أُفٍ أُنْ، أُتْ، أَنَّه أَنَّه، أُنْه، أُنَّا، أُقَّ بالإِمالة،
أُقًّا بالإِمالة بين بين، أُقُّو، أُنِّي.
٣٤١

- الإِسراء -
تتبع كثيرٍ، والشيخ(١) لم يَزِدْ على أَنْ قالَ: ((ونحن نَسْرَدُها مضبوطةً كما
رأيناها))، فذكرها، والنسَّاخُ خالفوه في ضبطه، فمِنْ ثَمَّ جاء فيه الخَلَلُ،
فَعَدَلْتُ إلى هذا الضابطِ المذكورِ ولله الحمدُ.
:
وقد قُرِىءٍ(٢) من هذه اللغاتِ بسبعٍ: ثلاثٍ في المتواتر، وأربعٍ في
الشاذ، فقرأ نافعٌ وحفصٌ بالكسر(٣) والتنوين، وابنُ كثير وابنُ عامر بالفتحِ
دون تنوين(٤)، والباقون بالكسر دون تنوين(٥)، ولا خلاف بينهم في تشديدٍ
الفاء. وقرأ نافعٌ في روايةٍ: أُفُ بالرفع والتنوين، وأبو السَّمَّال بالضمِّ مِنْ غير
تنوين، وزيد بن علي بالنصبِ والتنوين، وابنُ عباس: ((أفْ )) بالسكون.
وقوله: ((ولا تَنْهَرْهما))، أي: لا تَزْجُرْهما، والنَّهْرُ: الزَّجْرُ بصِياحٍ
[٥٧٢/ أ] وغِلْظة / وأصلُه الظهورُ، ومنه ((النَّهْر)» لظهوره. وقال الزمخشري (٦): ((النَّهْيُ
والنَّهْرُ والنّهْمُ أخواتٌ).
﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾: هذه استِعارةُ بليغة، قيل:
آ. (٢٤) قوله تعالى:
وذلك أنَّ الطائرَ إذا أراد الطيرانَ نَشَرَ جناحَيْه وَرَفَعَهما ليرتفعَ، وإذا أراد تَرْكَ
الطيران خَفَضَ جناحيه، فجعلَ خَفْضَ الجناحِ كنايةٌ عن التواضعِ واللَّين.
قال الزمخشري (٧): ((فإنْ قلتَ: ما معنى جَناح الذُّل؟ قلت: فيه وجهان،
(١) البحر ٢٣/٦.
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٧٩، النشر ٣٠٦/٢، التيسير ١٣٩، البحر ٢٧/٦،
الحجة ٣٩٩، الشواذ ٧٦، الإتحاف ١٩٦/٢.
(٣) أي كسر الفاء، وضم الهمزة.
(٤) أي: أُنّ.
(٥) أي: أُفِّ.
(٦) الكشاف ٢/ ٤٤٤
(٧) الکشاف ٤٤٥/٢.
٣٤٢

- الإِسراء -
أحدُهما: أن يكونَ المعنى: واخفِضْ لهما جناحَك كما قال: ((واخفِضْ
جناحَك للمؤمنين))(١) فأضافه إلى الذُّل أو الذِّل كما أُضيف حاتمٌ إلى الجودِ
على معنى: واخفِضْ لهما جناحَك الذليلَ أو الذَّلولَ. والثاني: أن تجعلَ لذُلِّه
أو لذِلِّه جناحاً خفيضاً، كما جعل لبيد للشمال يداً وللقَرَّةِ زِماماً - في قوله(٢):
إذ أصبحَتْ بيدِ الشَمالِ زِمامُها
٣٠٥١- وغداةِ ریحٍ قد كَشَفْتُ وقَرَّةٍ
مبالغةً في التذلُّل والتواضع لهما)) انتهى. يعني أنه عبَّر عن اللينِ
بالذُّلِ، ثم استعار له جناحاً، ثم رشَّح هذه الاستعارةَ بأَنْ أمرَه بخفضٍ
الجناح .
ومِنْ طريفٍ ما يُحكى: أن أبا تمام لَمَّا نظَم قوله(٣):
صَبُّ قد اسْتَعْذَبْتَ ماء بكائي
٣٠٥٢ - لا تَسْقِني ماءَ المَلام فإنني
جاءه رجلٌ بقَصْعةٍ وقال له: أَعْطني شيئاً من ماء المَلام. فقال: حتى
تأتيني بريشةٍ مِنْ جَناح الذُّلِّ)) يريد أن هذا مجازُ استعارةٍ كذاك. وقال
بعضهم(٤):
٣٠٥٣- أراشُوا جَناحِيْ ثم بلُّوه بالنّدی
فلم أَسْتَطِعْ مِنْ أَرْضِهم طَیَرانا
وقرأ العامَّةُ ((الذُّلِّ)) بضم الذَّال، وابن عباس(٥) في آخرين بكسرها،
(١) الآية ٨٨ من الحجر.
(٢) تقدم برقم (١٧٦٥)، ولم يرد البيت في ((الكشاف)).
(٣) ديوانه ٢٣/١.
(٤) نسبه أبو حيان لبعض المتأخرين. البحر ٢٨/٦. وأراش فلاناً: قوَّاه وأصلح مِنْ
حاله .
(٥) المحتسب ١٨/٢، القرطبي ٢٤٤/١٠، البحر ٢٨/٦، الشواذ، ونسبها الفراء في
معاني القرآن ١٢٢/٢ إلى عاصم.
٣٤٣

- الإسراء -
وهي استعارةٌ؛ لأنَّ الذِّلَّ في الدوابِّ لأنه ضدُّ الصعوبة، فاستعير للأناسيّ،
كما أن الذُّلِّ بالضمِّ ضدُّ العِزّ.
قوله: ((من الرحمة) فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها للتعليل فتتعلق
بـ ((اخفِضْ))، أي: أخفِضْ مِن أجل الرحمة. والثاني: أنها لبيانِ الجنس.
قال ابنُ عطية: ((أي: إنَّ هذا الخفضَ يكون من الرحمة المستكنَّة في
النفس)). الثالث: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ ((جَناح)).
الرابع: أنها لابتداء الغاية. قوله: ((كما ربَّانِيْ)) في هذه الكافِ قولان،
أحدهما: أنها نعتّ لمصدرٍ محذوف، فقدَّره الحوفيُّ: «ارْحَمْهما رحمةٌ مثلَ
تربيتهما لي)). وقدَّره أبو البقاء(١): ((رحمةً مثلَ رحمتِهما))، كأنه جعل التربيةَ
رحمةٌ. الثاني: أنها للتعليل، أي: ارْحَمْهما لأجلِ تربيتهما كقوله: ((واذكروه
كما هداكم)) (٢).
۔۔
آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ﴾: التَّبْذِيْرُ: التفريق ومِنه ((البَذْرُ))
لأنه يُفَرَّق في الأرضِ للزراعة. قال(٣):
كجَمْر النارِ بُذِّرَ بالظَّلامِ
٣٠٥٤- ترائبُ يَسْتَضِيْءُ الحَلْيُ فيها
ثم غَلَبَ في الإِسرافِ في النفقةِ.
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿ابتغاءَ رحمةٍ﴾: يجوز أنْ يكونَ مفعولاً من
أجله، ناصبُه ((تُعْرِضَنَّ) وهو مِنْ وَضْعِ المُسَبَّب موضعَ السببِ، وذلك أن
(١) الإِملاء ٢ /٩٠.
(٢) الآية ١٩٨ من البقرة.
(٣) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٢٣/٦. والترائب: موضع القلادة من الصدر.
والحَلْيُ : ما يُتْزَيُّن بِهِ.
٣٤٤

- الإسراء-
الأصل: وإمَّ تُعْرِضَنَّ عنهم لإِعسارِك. وجعله الزمخشريُّ (١) منصوباً بجواب
الشرطِ، أي: فقل لهم قولاً سهلاً ابتغاء رحمةٍ. وردًّ عليه الشيخ(٢): بأنَّ
ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها نحو: ((إن يَقُمْ زيدٌ عمراً فاضرِبْ)) فإنْ حَذَفْتَ
الفاءَ جاز عند سيبويهِ والكسائي نحو: ((إنْ يَقُمْ زيدٌ عمراً يَضْرِبْ)). فإن كان
الاسمُ مرفوعاً (٣) نحو ((إن تَقُمْ زيدٌ يَقُمْ)) جاز ذلك عند سيبويهِ(٤) على أنَّه
مرفوعٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّرِه الظاهرُ بعده، أي: إن تَقُمْ يَقُمْ زيدٌ يقمْ. ومنع مِنْ
ذلك الفراءُ وشيخُه .
وفي الردِّ نظرٌ؛ لأنه قد ثبت ذلك، لقولِه تعالى: ((فأمَّا اليتيمَ فلا
تَقْهَرْ))(٥) الآية. لأنَّ (اليتيمَ)) وما بعده منصوبان بما بعدَ فاءِ الجوابِ.
الثاني(٦): أنه موضعِ الحالِ مِنْ فاعلِ ((تُعْرِضَنَّ))(٧).
قوله: ((من ربِّك)) يجوز أن يكونَ / صفة لـ ((رحمةٍ))، وأَنْ يكونَ متعلَّقاً [٥٧٢/ب]
بـ ((تَرْجُوها))، أي: تَرْجُوها مِنْ جهةِ ربِّك، على المجاز.
قوله: ((تَرْجُوها)) يجوز أن يكونَ حالاً مِنْ فاعلِ ((تُعْرِضَنَّ))، وأَنْ يكونَ
صفةً لـ (( رحمةٍ )).
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿كلَّ الَّسْطِ﴾: نصبُ على المصدرِ
(١) الكشاف ٤٤٧/٢.
(٢) البحر ٣٠/٦.
(٣) أي معمول الفعل.
(٤) الكتاب ٤٥٨/١ .
(٥) الآية ٩ من الضحى.
(٦) أي في إعراب «ابتغاء)».
(٧) وذلك على تأويل المصدر بالوصف: مبتغياً.
٣٤٥

- الإِسراء -
الإِضافتِها إليه. و((فَتَقْعُدَ)) نصبُه على جواب النهي. و((مَلُوماً)): إمَّا حالٌ، وَإِمَّا
خبرٌ، كما تقدَّم(١).
آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿خِطْئاً﴾: قرأ(٢) ابن ذكوان: ((خَطَّأَ)) بفتح
الخاءِ والطاءِ مِنْ غيرِ مَدّ، وابنُ كثير بكسرِ الخاء والمِدّ، ويلزمُ منه فتحُ
الطاء، والباقون بالكشرِ وسكونِ الطاء.
فأمَّا قراءةُ ابنٍ ذكوانٍ فَخَرَّجها الزجَّاجِ (٣) على وجهين، أحدهما: أن
يكونَ اسمَ مصدرٍ مِنْ أَخْطأ يُخْطِىء خَطَأَ، أي: إخطاءً، إذا لم يُصِبْ.
والثاني: أن يكونَ مصدرَ خَطِىءَ يَخْطَأُ خَطَأً، إذا لم يُصِبْ أيضاً، وأنشد (٤).
٣٠٥٥- والناسُ يَلْحَوْن الأميرَ إذا هُمُ
خَطِئُوا الصوابَ ولا يُلامِ المُرْشِدُ
والمعنى على هذين الوجهين: أنَّ قَتْلهم كان غيرَ صواب. واستبعد قومٌ
هذه القراءةَ قالوا: لأن الخطأ ما لم يُتَعَمَّدْ فلا يَصِحُ معناه ههنا.
قلت: وخفي عنهم أنه يكون بمعنى أخطأ، أو أنه يقال: ((خَطِیء )» إذا
لم يُصِبْ.
وأمَّا قراءةُ ابنٍ كثير فهي مصدرُ خاطَاً يُخاطِىء خِطاءً مثل: قاتَلَ يُقاتِل
قِتالاً. قال أبو علي (٥): ((هي مصدرُ خاطَأَ يُخاطِىء، وإنْ كنَّا لم نجدْ ((خاطَأَ))
(١) سبق أن أشار إلى أنَّ ((قعد)) عند الفراء فعل ناقص. انظر: الورقة ٥٧٠].
(٢) انظر في قراءاتهنا: السبعة ٣٧٩، النشر ٣٠٧/٢، التيير ١٣٩، القرطبي
٢٥٣/١٠، الحجة ٤٠٠، البحر ٣٢/٦، الشواذ ٧٦.
(٣) معاني القرآن ٢٣٦/٣.
(٤) البيت لعبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ٤٢، ومعاني القرآن للزجّاج: ٢٣٦/٣،
واللسان (أمر)، ومعاني القرآن للأخفش ٣٨٩، والمحتسب ٢٠/٢.
(٥) الحجة (خ) ٠٣٤٨/٣
٣٤٦

- الإِسراء -
ولكنْ وَجَدْنا تخاطَاً وهو مطاوِعُ ((خاطَاً)) فَدَلَّنا عليه(١)، ومنه قولُ الشاعر(٢):
٣٠٥٦ - تخاطَأَتِ النَّبْلُ أَحْشاءَه وأَخَّرَ يَوْمِي فلم يَعْجْلِ
وقال الآخر(٣):
٣٠٥٧- تخاطأَه القَنَّاصُ حتى وَجَدْتُه وخُرْطُوْمُه في مَنْفَعِ الماءِ راسِبُ
فكأنَّ هؤلاء الذين يَقْتُلون أولادَهم يُخاطِئُون الحقَّ والعَدل.
وقد طَعَنَ قومُ على هذه القراءةِ حتى قال أبو جعفر(٤): ((لا أَعْرِفُ لهذه
القراءةِ وجهاً))، ولذلك جعلها أبو حاتم غَلَطاً. قلت: قد عَرَفه غيرُهما ولله
الحمدُ.
وأمَّا قراءةُ الباقين فهي جيدةٌ واضحةٌ لأنها مِنْ قولهم: خَطِىء يَخْطَأُ
خِطْئاً، كأَثِمَ يَأْثَمُ إِثْماً، إذا تَعَمَّد الكذبَ.
وقرأ الحسن: ((خَطاء)) بفتح الخاء والمدّ وهو اسمُ مصدر ((أَخْطَأَ))
كالعَطاء اسمٌ للإِعطاء.
وقرأ أيضاً (خَطا)) بالقصرِ، وأصلُه ((خَطَأ)) كقراءةِ ابن ذَْوان، إلا أنه
سَهَّل الهمزةَ بإبدالها ألفاً فَحُذِفت كعَصا.
وأبو رجاءٍ والزُّهْريُّ كذلك، إلا أنهما كسرا الخاء كـ ((زِنَى)) وكلاهما
مِنْ خَطِىء في الدِّين، وأَخْطأ في الرأي، وقد يُقام كلٌّ منهما مَقامَ الآخَر.
(١) قال: لأن ((تفاعَلَ)) مطاوع ((فاعل)).
(٢) البيت لأوفى بن مطر المازني، وهو في الحجة (خ) ٣٤٨/٣، واللسان (خطأ)،
والقرطبي ٢٥٣/١٠، والبحر ٣٢/٦.
(٣) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في الحجة(خ)٣٤٨/٣، والقرطبي ٢٥٣/١٠، والبحر ٣٢/٦.
(٤) وهو النحاس كما في البحر ٣٢/٦، ولم يُشِر إليها في ((إعراب القرآن)).
٣٤٧

- الإسراء -
وقرأ ابنُ عامرٍ في روايةٍ ((خَطْئًا)) بالفتح والسكون والهمزِ، مصدرُ
( خَطِیء » بالکسرِ .
وقرأ(١) ابنُ وثاب والأعمشُ ((تُقَتِّلوا))، و((خِشْية))(٢) بكسرِ الخاء.
آ. (٣٢) قوله تعالى: ﴿الزِّنَى﴾: العامَّةُ على قصرِه وهي اللغة
الفاشية. وقُرِىء(٣) بالمدِّ وفيه وجهان، أحدُهما: أنه لغةٌ في المقصور.
والثاني: أنه مصدر زانى يُزاني، كقاتل يُقاتل قِتالاً؛ لأنَّه يكونُ بين اثنين،
وعلى المدِّ قولُ الفرزدق (٤):
٣٠٥٨- أبا خالدٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤه
ومن يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا
وقول الآخر(٥):
٣٠٥٩- كانت فريضةُ ما تقولُ كما
كان الزَّناءُ فريضةَ الرَّجْمِ
وليس ذلك من باب الضرورةِ لثبوتِه قراءةً في الجملة .
قوله: ((وساء سبيلاً)) تقدَّم نظيره(٦). قال ابنُ عطيةَ: ((وسبيلاً: نَصِبُ
(١) البحر ٣٢/٦.
(٢) ذكرها في البحر ٣٢/٦ من غير نسبة.
(٣) لم أقف على نسبة هذه القراءة، وقال في اللسان: ((القصر لغة أهل الحجاز، والمد
لأهل نجد)). انظر: اللسان (زنى).
(٤) ديوانه ٣٧٣/١، واللسان (زنى)، ومجاز القرآن ٣٧٧/١.
(٥) البيت النابغة الجعدي، وهو في ديوانه ٢٣٥، والمجاز ٣٧٨/١، واللسان (زني)،
والقرطبى ٠.٢٥٣/١٠
(٦) انظر إعرابه للآية ٢٢ من النساء في الدر ٦٣٨/٣.
٣٤٨

- الإسراء -
على التمييز، أي: وساء سبيلاً سبيلُه)). ورَدَّ الشيخ(١) هذا: بأنَّ قولَه
((منصوبٌ على التمييز)) ينبغي أن يكونَ الفاعلُ ضميراً مُفَسَّراً بما بعده من
التمييز فلا يصحُّ تقديرُه: ساء سبيلُه سبيلاً؛ لأنه ليس بمضمٍ لاسم جنس (٢).
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿إلا بالحقِّ﴾: أي: إلا بسببِ الحق،
فيتعلَّقُ بـ ((لا تَقْتُلوا)) ويجوز أن يكونَ حالاً مِنْ فاعل ((لا تَقْتُلُوا)) أو مِنْ مفعولِه،
أو (٣) : لا تَقْتُلُوا إلا ملتبسين بالحق أو إلا ملتبسةٌ بالحقِّ، ويجوز أن يكونَ
نعتاً/ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلا قَتْلاً ملتبساً بالحق.
[٥٧٣/أ]
قوله: ((مَظْلُوماً)) حالٌ مِنْ مرفوع ((قُتِل)».
قوله: ((فلا يُسْرِفْ)) [قرأ] الأخَوان بالخطاب (٤)، على إرادةِ الوليِّ،
وكان الوليُّ [يَقْتُل ](٥) الجماعةَ بالواحد، أو السلطانِ رَجَع لمخاطبته بعد أن
أتى به غائباً.
والباقون بالغَيْبة، وهي تحتمل ما تقدَّم في قراءةِ الخطاب.
وقرأ أبو مسلم(٦) برفعِ الفاءِ على أنه خبرٌ في معنى النهي كقوله:
(١) البحر ٣٣/٦.
(٢) فإصلاحُ عبارة ابن عطية: ((وساء السبيل سبيلاً))، وليست في تقديره ((سبيله)) اسم
جنس .
(٣) الأنسب أن يقول: أي.
(٤) والجزم. انظر في قراءاتها: السبعة ٣٨٠، البحر ٣٤/٦، التيسير ١٤٠، القرطبي
٢٥٥/١٠، الحجة ٤٠٢، المحتسب ٢٠/٢، النشر ٣٠٧/٢.
(٥) زيادة من (ش).
(٦) في الكشاف ٤٤٨/٢، والمحتسب ٢٠/٢: ((أبو مسلم صاحب الدولة))، ونسب في
البحر ٣٤/٦ إلى ابن عطية أنه ((أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية))، كما
نسب إلى صاحب اللوامح بأنه ((أبو مسلم العجلي مولى صاحب الدولة)).
٣٤٩

- الإِسراء -
((فلا رَفَثَ))(١). وقيل: ((في)) بمعنى الباء، أي: بسبب القتلِ.
قوله: ((إنه كان))، أي: إنَّ الوليّ، أو إنَّ السلطانِ، أو إنَّ القاتل، أي:
إنه إذا عُوقِب في الدنيا نُصِر في الآخرة، أو إلى المقتولِ، أو إلى الدمِ
أو إلى الحق.
آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّ العهدَ كان مَسْؤولاً﴾: فيه وجهانِ،
أحدُهما: أنَّ الأصلَ على حَذْفِ مضافٍ، أي: إن ذا العهدِ كان مسؤولاً عن
الوفاءِ بعهده. والثاني: أن الضميرَ يعود على العهدِ، ونَسَبَ السؤالَ إليه مجازاً
كقوله: ((وإذا المَوُوْدَةُ سُئِلَتْ))(٢).
آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿بالقِسطاسٍ﴾: قرأ الأخوانِ وحفصٌ
بكسر (٣) القافِ هنا وفي سورة الشعراء بكسر(٤) القاف، والباقون بضمِّها(٥)
فيهما، وهما لغتان مشهورتان، وهو القَرَسْطُون(٦). وقيل: هو كل ميزان. قال
ابن عطية: ((واللفظةُ للمبالغة من القِسْط)). ورَدَّه الشيخ(٧) باختلافٍ
المادتين، ثم قال: ((إِلا أَنْ يَدَّعيَ زيادةَ السين آخراً كقُدْموس(٨)، وليس من
مواضع زيادتها)). ويقال بالسين والصاد. قال بعضُهم: هو روميٌّ معرَّبٌ.
(١) الآية ١٩٧ من البقرة.
(٢) الآية ٨ من التكوير.
(٣) في الأصل (بضم)) وهو سهو. وانظر: السبعة ٣٨٠، النشر ٣٠٧/٢، التيسير ١٤٠،
القرطبي ٢٥٧/١٠، الحجة ٤٠٢ .
(٤) في الأصل ((بضم))، والآية ١٨٢ من الشعراء.
(٥) في الأصل ((بكسرها)).
(٦) انظر: اللسان (قسطس).
(٧) البحر ٣٤/٦.
(٨) القدموس: الصخرة العظيمة، والملك، والسيد ..
٣٥٠

- الإسراء-
والمَحْسُور(١): المنقطعُ السيرٍ، حَسَرْتُ الدابة: قَطَعْتُ سيرَها،
وحَسير: أي كليل تعبانُ بمعنى مَحْسُور، والجمع: حَسْرى قال(٢):
فِيْضٌ وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيْبُ
٣٠٦٠- بها جِيَفُ الحَسْریْ فأمّا عِظامُها
وحَسَر عن كذا: كشف عنه، كقوله(٣):
يَحْسِرُ الماءُ تارةً
٣٠٦١-
قوله: ((تأويلاً) منصوب على التفسير(٤). والتأويلُ: المَرْجِعُ مِنْ آَلَ
يؤولُ، أي: أحسن عاقبةٌ.
آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ﴾: العامَّةُ على هذه القراءةِ،
أي: لا تَتَّبِعْ، مِنْ قفاه يقْفوه إذا تتبّع أثرَه، قال النابغة (٥):
٣٠٦٢- ومثلُ الدُّمى شُمُّ العَرانينِ ساكنٌ
بهنَّ الحياءُ لا يُشِعْنَ النَّقافيا
وقال الكميت(٦):
٣٠٦٣ - فلا أَرْمي البريْءَ بغيرِ ذنبٍ ولا أَقْفو الحواصِنَ إِن قُفِيْنا
وقرأ زيدُ بن عليّ: ((ولا تَقْفُو)) بإثباتِ الواو، وقد تقدَّم أن إثباتَ حرفِ
(١) عاد إلى الآية ٢٩ .
(٢) تقدم برقم (١٥٤) .
(٣) تقدم برقم (١٨٢٧).
(٤) أي التمييز.
(٥) هو النابغة الجعدي في ديوانه ١٨٠، ومجاز القرآن ٣٧٩/١، والبحر ٣٦/٢، وتفسير
الماوردي ٢/ ٤٣٤.
(٦) القرطبي ٢٥٨/١٠، والبحر ٣٦/٢.
٣٥١

- الإسراء -
العلةِ جزماً لغةُ قوم، وضرورةً عند غيرهم كقوله(١):
٣٠٦٤-
مِنْ هَجْوِ زِبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَذَعِ
وقرأ(٢) معاذ القارىء ((ولا تَقُفْ)) بزنةٍ تَقُلْ، مِنْ قاف يَقُوف، أي: تَتَبِّع
أيضاً، وفيه قولان، أحدُهما: أنه مقلوبٌ مِنْ قفا يَقْفُو، والثاني - وهو
الأظهرُ - أنه لغةٌ مستقلةٌ جيدة كجَبَذَ وجَذَب، لكثرة الاستعمالين، ومثله:
قَعا الفحلُ الناقةَ وقاعَها(٣).
قوله: ((والفُؤادَ)) قرأ(٤) الجَرَّاحِ العقيلي(٥) بفتح الفاء وواوٍ خالصة.
وتوجيهُها: أنه أبدل الهمزةَ واواً بعد الضمة في القراءةِ المشهورة، ثم فتح فاءً
الكلمة بعد البدلِ لأنها لغةٌ في الفؤاد، يقال: فُوَّاد وفَآد، وأنكرها أبو حاتمٍ،
أعني القراءةَ، وهو معذورٌ.
والباء في (( به)) متعلقةٌ بما تَعَلَّق به ((لك)) ولا تتعلَّق بـ ((عِلْم)) لأنه
مصدر(٦)، إلا عند مَنْ يتوسَّع في الجارِّ.
قوله: ((أولئك)) إشارة إلى ما تقدَّم من السمعِ والبصر والفؤادِ كقوله(٧):
(١) تقدم برقم (٢٣٥٨).
(٢) البحر ٣٦/٦، القرطبي ٢٥٨/١٠، معاني القرآن للفراء ١٢٣/٢.
(٣) قاع الفحلُ الناقة وقعاها: ضربها.
(٤) المحتسب ٢١/٢، البحر ٣٦/٦.
(٥) لم أهتدِ إلى ترجمته.
(٦) لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه.
(٧) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٥٥١ برواية ((الأقوام))، والمقتضب ١٨٥/١،
وأبن يعيش ١٢٦/٣، والخزانة ٤٦٧/٢.
٣٥٢

- الإسراء -
والعيشَ بعد أولئك الأيام.
٣٠٦٥- ذُمَّ المنازل بعد منزلة اللُّونی
فـ ((أولئك)) يُشار به إلى العقلاءِ وغيرِهم من الجموع. واعتذر ابنُ عطيةً
عن الإِشارةِ به لغير العقلاءِ فقال(١): ((وعَبَّر عن السمعِ والبصَرِ والفؤاد
بـ «أولئك)» لأنها حواسُ لها إدراكٌ، وجعلها في هذه الآيةِ مسؤولةً فهي حالةٌ مَنْ
يَعْقِلُ، ولذلك عَبَّر عنها بكنايةِ مَنْ يَعْقِلُ، وقد قال سيبويه(٢) - رحمه الله -
في قوله ((رأيتُهم لي ساجدين))(٣) إنما قال «رأيتُهم)) في نجوم؛ لأنه لَمًّا وصفها
بالسجود - وهو فِعْلُ مَنْ يَعْقِل - عَبَّر عنها بكنايةِ مَنْ يَعْقِلُ. وحكى الزجاج (٤)
أنَّ العرب تُعَبِّر عَمِّن يَعْقِلُ وعَمِّن لا يَعْقِل بـ ((أولئك))، وأنشد هو (٥)
والطبري(٦) :
- ذمَّ المنازلَ بعد منزلة اللَّوى والعيش بعد أولئكَ الأيامِ
وأمَّا حكايةُ أبي إسحاقَ عن اللغةِ فأمرٌ يُوْقَفُ عنده، وأمَّا البيتُ فالروايةُ
فيه ((الأقوام))(٧). ولا حاجةً إلى هذا الاعتذار لِما عرفْتَ. وأمَّا قولُه: ((إنَّ
الروايةَ: ((الأقوامِ)) فغيرُ معروفةٍ (٨) والمعروفُ إنما هو ((الأيَّام)).
قوله: ((كلُّ أولئك)) مبتدأٌ، والجملةُ مِنْ ((كان)) خبرُه، وفي اسمِ
((كان)) وجهان، أحدُهما: أنه عائدٌ على ((كل)) باعتبارِ لفظِها، وكذا الضميرُ
(١) انظر: البحر ٣٦/٦.
(٢) الكتاب ٢٤٠/١.
(٣) الآية ٤ من يوسف.
(٤) معاني القرآن ٢٣٩/٣.
(٥) أي الزجاج.
(٦) تفسير الطبري ٨٧/١٥.
(٧) هنا ينتهي كلام ابن عطية .
(٨) وهي رواية الديوان.
٣٥٣

- الإسراء -
في ((عنه))، و((عنه)) متعلقً بـ ((مَسْؤولاً))، و «مسؤولاً » خبرُها. والثاني:
أنَّ اسمَها ضميرٌ يعود على القافي، وفي ((عنه)) يعودُ على ((كل)) وهو من
الالتفاتِ؛ إذ لو جَرَى على ما تقدَّم لقيل: كنتَ عنه مسؤولاً. وقال
[٥٧٣ /ب] الزمخشريُّ (١): و((عنه)) في موضع الرفع بالفاعلية/، أي: كلُّ واحدٍ كان
مسؤولاً عنه، فمسؤول مسندٌ إلى الجارِّ والمجرور كالمغضوبِ في قوله ((غيرٍ
المغضوب عليهم))(٢). انتهى. وفي تسميته مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه فاعلاً
خلافُ الاصطلاح.
وقد رَدَّ الشيخ (٣) عليه قولَه: بأنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ حكمه حكمُه،
فلا يتقدَّم على رافعِهِ كأصلِه. وليس لقائلٍ أَنْ یقول: يجوزُ على رأي.
الكوفيين فإِنَّهم يُجيزون تقديمَ الفاعلِ؛ لأنَّ النحاس (٤) حكى الإِجماع على
عدم جوازِ تقديمِ القائم مقامَ الفاعل إذا كان جارًّاً ومجروراً، فليس هو نظيرَ
قولِه ((غيرِ المغضوب عليهم)» فحينئذٍ يكون القائمُ مقَامَ الفاعلِ الضمير
المستكنَّ العائدَ على ((كل)) أو على القافي.
آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿مَرَحاً﴾: العامَّةُ على فتحِ الراء وِفِيه
أوجهٌ، أحدُها: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ ، أي: مَرِحاً بكسر الراء، ويدلُّ
عليه قراءةُ بعضِهم(٥) فيما حكاه يعقوبُ ((مَرِحاً)) بالكسر. الثاني: أنَّه على
حَذْفِ مضافٍ، أي: ذَا مَرَحٍ . الثالث: أنه مفعولٌ مِنْ أجله .
(١) الكشاف ٢ /٤٤٩.
(٢) الآية ٧ من الفاتحة
(٣) البحر ٣٧/٦.
(٤) قال أبو حيان: ذكر ذلك في كتاب ((المقنع)).
(٥) نسبها في الشواذ ٧٦ إلى يحيى بن يعمر. وانظر: البحر ٣٧/٦، والقرطبي
٢٦١/١٠.
۔۔
٣٥٤

- الإسراء -
والمُرَحُ: شِدَّةُ السرورِ والفرحِ. مَرِح يَمْرَحِ مَرَحاً فهو مَرِحْ كَفَرِحِ يَفْرَح
فَرَحاً فهو فَرِحْ.
قوله: ((طُوْلاً)) يجوز أنْ يكونَ حالاً مِنْ فاعل ((تَبْلُغ)) أو مِنْ مفعولِه،
أو مصدراً مِنْ معنى ((تَبْلُغ)) أو تمييزاً أو مفعولاً له. وهذان ضعيفان جداً
لعدم المعنى.
وقرأ(١) أبو الجرَّاحِ: (لن تَخْرُق)) بضمِّ الراءِ، وأنكرها أبو حاتمٍ ، وقال:
((لا نَعْرِفُها لغةً البتةَ)).
آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿كان سَيِّئُه﴾: قرأ(٢) ابنُ عامٍ والكوفيون
بضمِّ الهمزةِ والهاء، والتذكيرِ، وتَرْكِ التنوين. والباقون بفتح الهمزة وتاءٍ
التأنيث منصوبةً منونةً. فالقراءةُ الأولى أشير فيها بذلك إلى جميعِ ما تقدَّم،
ومنه السَِّىءُ والحَسَنُ، فأضاف السِّىءَ إلى ضميرٍ ما تقدَّم، ويؤيِّدها ما قرأ به
عبدُ الله: ((كلُّ ذلك كان سَيِّآته)) بالجمع مضافاً للضمير، وقراءةُ أُبَيّ
((خبيثُهُ)) والمعنى: كلُّ ما تقدَّم ذِكْرُهُ ممَّا أُمِرْتُمْ به ونُهِيْتُمْ [ عنه ](٣) كان سَبُِّه
- وهو ما نُهِيْتُمْ عنه خاصةً ــ أمراً مكروهاً. هذا أحسنُ ما يُقْدَّر في هذا
المكان .
وأمَّا ما استشكله بعضُهم من أنَّه يصير المعنى: كلُّ ما ذُكِرَ كان سَيِّئَةً،
ومِنْ جملةِ كلِّ ما ذُكِر: المأمورُ به، فَيَلْزَمُ أن يكونَ فيه سيِّيءٌ، فهو استشكالٌ
واوٍ؛ لِما ذكرْتُ من تقدير معناه.
(١) في البحر ٣٧/٦ ((الجراح الأعرابي))، وفي الشواذ ٧٦ ((الجراح قاضي البصرة)).
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٨٠، النشر ٣٠٧/٢، القرطبي ٢٦٢/١٠، الحجة
٤٠٣، التيسير ١٤٠، البحر ٣٨/٦.
(٣) زيادة من (ش).
٣٥٥

۔۔
- الإسراء -
و ((مكروهاً)) خبر ((كان))، وحُمِل الكلامُ كلُّه على لفظ ((كل)» فلذلك
ذكَّر الضميرَ في ((سَيِّئُهُ))، والخبرُ وهو: مكروه.
وأمَّا قراءةُ الباقين: فتحتمل أن تقعَ الإِشارةُ فيها بـ(( ذلك)) إلى
مصدري النَّهْبَيْنِ المتقدِّمَيْن قريباً وهما: قَفْوُ ما ليس به عِلْمٌ، والمَشْيُ في
الأرض مَرَحاً. والثاني: أنه أُشيرَ به إلى جميعِ ما تقدَّم مِنَ المناهي.
و ((سَيِّئَةً)) خبرُ كان، وأنَّثَ حَمْلً على معنى ((كُل))، ثم قال ((مَكْروهاً))
حَمْلًا على لفظها.
وقال الزمخشريُّ(١) كلاماً حسناً وهو: أنَّ ((السيئة في حكمِ الأسماءِ
بمنزلةِ الذَّتْبِ والإِثمِ زال عنه حكمُ الصفاتِ، فلا اعتبارَ بتأنيثِه، ولا فرق بين
مَنْ قرأ ((سَيِّئَة)) ومَنْ قَرأ ((سَيِّئاً)) ألا ترى أنَّك تقولُ: الزِّنَى سيئة، كما تقول:
السرقةُ سيئةٌ، فلا تُفَرِّقُ بين إسنادِها إلى مذكر ومؤنث)).
وفي نَصْبِ ((مكروهاً)) (٢) أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه خبرٌ ثانٍ لـ (( كان))،
وتعدادُ خبرِها جائزٌ على الصحيح. الثاني: أنه بدلٌ مِنْ ((سيئة)). وضعِّف
هذا: بأنَّ البدلَ بالمشتقِ قليلٌ. الثالث: أنه حالٌ من الضمير المستتر في ((عند
ربك)) لوقوعِه صفةً لـ ((سَيِّئَة)). الرابع: أنه نعتٌ لـ ((سَيِّئة))، وإنما ذكِّر لأن
تأنيثَ موصوفِه مجازيٌّ. وقد رُدَّ هذا: بأن ذلك إنَّما يجوزُ حيث أُسْنِد إلى
المؤنثِ المجازيِّ، أَمَّا إذا أُسْنِدَ إلى ضميرِهِ فلا، نحو: ((الشمسُ طالعةٌ))،
لا يجوز: ((طالعٌ)) إلا في ضرورةٍ كقوله(٣).
ولا أرض أبقلَ إيقالها
٣٠٦٦-
(١) الكشاف ٤٥٠/٢.
(٢) أي في قراءة ((سيئة))
(٣) تقدم برقم (٢٨٣).
٣٥٦
--

- الإسراء-
وهذا عند غيرِ ابنِ كَيْسان، وأمَّا ابنُ كَيْسان فُيُجيز في الكلام: «الشمسُ
طَلَعَ، وطالعٌ)).
وأمّا قراءةُ عبدِ الله (١) فهي ممَّا أُخْبر فيها عن الجمعِ إخبارَ الواحدِ لَسَدِّ
الواحدِ مَسَدَّه كقوله(٢):
٣٠٦٧- فإمَّا تَرَيْني ولِيْ لِمَّةٌ فإنَّ الحوادثَ أَوْدَى بها
لو قال: فإنَّ الحَدَثان / لصَحَّ من حيث المعنى، فَعَدَلَ عنه ليَصِحَّ [٥٧٤/أ]
الوزنُ.
وقرأ عبدُ اللَّهِ أيضاً ((كان سَيِّئَاتٍ)) بالجمعِ من غير إضافةٍ وهو خبرُ
((كان ))، وهي تؤيد قراءةَ الحَرَمِيِّين وأبي عمرو.
آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿ذلك ممّا أَوْحَى﴾: مبتدأ أو خبر،
و ((ذلك)) إشارةٌ إلى جميعِ ما تقدَّم من التكاليفِ وهي أربعةٌ وعشرون نوعاً،
أولُها قولُه: ((لا تجعلْ مع اللَّهِ إلتهاُ آخرَ))(٣)، وآخرُها: ((ولا تَمْشِ في
الأرضِ مَرَحاً)(٤). و((ممَّا أَوْحِى)) ((مِنْ)) للتبعيضِ ؛ لأنَّ هذه بعضُ ما أوحاه
اللهُ تعالى إلى نبيّه.
قوله: ((مِنَ الحكمةِ)) يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ حالاً مِنْ
عائدِ الموصولِ المحذوف تقديرُهُ: مِن الذي أوحاه حالَ كونِهِ من الحكمة،
(١) بلفظ الجمع: ((سيئاته)).
(٢) تقدم برقم (٣٩٠).
(٣) الآية ٢٢ .
(٤) الآية ٣٧.
٣٥٧

- الإسراء-
أو حالٌ(١) من نفسِ الموصولِ. الثاني: أنه متعلق بأَوْحِى، و((مِنْ)) إِمَّا
تبعيضيةٌ؛ لأنَّ ذلك بعضُ الحكمةِ وإمَّ للابتداءِ، وإمَّا للبيان. وحينئذٍ تتعلَّقُ
بمحذوفٍ. الثالث: أنها مع مجرورِها بدلٌ مِنْ ((مِمَّا أَوْحِىْ)).
آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفاكم﴾: ألفُ ((أَصْفِى)) عن واوٍ،
لأَنَّه من صفا يَصْفو، وهو استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ .
قوله: ((واتَّخَذَ)) يجوز أن يكونَ معطوفاً على ((أَصْفاكم)) فيكونَ داخلاً
في حَيِّز الإِنكار، ويجوز أن تكونَ الواوُ للحالِ، و ((قد)) مقدرةٌ عند قومٍ.
و ((أَنَّخذ)) يجوز أَنْ تكونَ المتعديةَ لاثنين، فقال أبو البقاء (٢): ((إنَّ ثانيهما
محذوفٌ، أي: أولاداً، والمفعولُ الأولُ هو ((إناثاً)). وهذا ليس بشيءٍ، بل
المفعولُ الثاني هو ((من الملائكة)) قُدِّم على الأول ، ولولا ذلك لَزِمَ أن يُبتدأ
بالنكرةِ من غير مسوِّغ(٣)، لأنَّ ما صَلُح أن يكونَ مبتدأَ صَلُح أن يكونَ
مفعولاً أول في هذا الباب، وما لا فلا. ويجوز أن تكونَ متعدِّيةً لواحدٍ كقولِه:
((وقالوا اتَّخذ اللَّهُ ولداً)) (٤)، و((من الملائكةِ)) متعلُّقٌ بـ((أَتَّخذ)) أو بمحذوفٍ
على أنه حالٌ من النكرةِ بعده.
آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿ولقد صَرَّفْنا﴾: العامَّةُ على تشديد الراء،
وفي مفعول ((صَرَّفْنا)) وجهان، أحدُهما: أنه مذكورُ، و((في)) مزيدةٌ فيه،
(١) على تقدير: أو هو حال.
(٢) الإِملاء ٢ / ٩٢.
(٣) وإذا قدَّرنا ((من الملائكة)) متعلقةً بالمفعول الثاني المحذوف، فإنَّ مسوِّغ مجيء
المفعول الأول - الذي هو مبتدأ في الأصل - التقديم والتأخير، والخبر جار ومجرور
كقولنا: ((في الدار رجل)).
(٤) الآية ١١٦ من البقرة.
٣٥٨

- الإسراء-
أي: ولقد صَرَّفْنا هذا القرآنَ، كقوله: ((ولقد صَرَّفْناه بينهم))(١)، ومثلُه(٢):
٣٠٦٨-
... يَجْرَحْ فِي عَراقيِها نَصْلِيْ
وقوله تعالى: ((وأَصْلِحْ لي في ذُرِّيَّتِي))(٣)، أي: يَجْرَحْ عراقيَها،
وأَصْلِح لي ذريتي. ورُدَّ هذا بأنَّ ((في)) لا تُزاد، وما ذُكِرَ متأول، وسيأتي إنْ
شاءَ اللّه تعالى في الأحقاف.
الثاني: أنَّه محذوفٌ تقديرُه: ولقد صَرَّفْنا أمثالَه ومواعظَه وقصصَه
وأخبارَه وأوامره .
وقال الزمخشري(٤) في تقدير ذلك: ((ويجوز أن يُراد بـ ((هذا القرآن)»
إبطالُ إضافتهم إلى الله البناتِ؛ لأنه ممَّا صرَّفه وكرَّر ذِكْرَه، والمعنى: ولقد
صَرَّفْنا القولَ في هذا المعنى، وأوقَعْنا التصريفَ فيه، وجَعَلْناه مكاناً للتكرير،
ويجوز أن يريد بـ ((هذا القرآن)) التنزيلَ، ويريد: ولقد صَرَّفناه(٥)، يعني هذا
المعنى في مواضعَ من التنزيل، فترك الضميرَ لأنه معلومٌ)). قلت: وهذا
التقديرُ الذي قَدَّره الزمخشريُّ أحسنُ ؛ لأنه مناسِبٌ لما دَلَّتْ عليه الآيةُ وسِيْقَتْ
(١) الآية ٥٠ من الفرقان.
(٢) البيت لذي الرمة، وتمامه:
وإن تعتذِرْ بالمَحْل من ذي ضُروعها على الضيف
وهو في ديوانه ١٥٧/١، وابن يعيش ٣٩/٢، والخزانة ٢٨٤/١. والعُرْقوب:
العصب الغليظ خلف الكعبين. وعرقبت الدابة: قطعت عرقوبها. والمحل: انقطاع
المطر. والنصل: السيف.
(٣) الآية ١٥ من الأحقاف.
(٤) الكشاف ٤٥٠/٢ .
(٥) في المطبوعة: ((صرفنا)).
٣٥٩

- الإسراء-
لأجلِه، فقدَّرَ المفعولَ خاصًّاً، وهو: إمَّا القولُ، وإمَّا المعنى، وهو الضمير
الذي قَدَّره في ((صَرَّفْناهِ))، بخلافٍ تقديرٍ غيرِهِ، فإنَّه جَعَلَه عاماً.
وقيل: المعنى: لم نُنَزِّلْه مرةً واحدة بل نجوماً، والمعنى: أَكْثَرْنا صَرْفَ
جبريلَ إليك، فالمفعولُ جبريل عليه السلام.
وقرأ(١) الحسن بتخفيفِ الراء فقيل: هي بمعنى القراءةِ الأولى، وفَعَل
وفَعَّل قد يَشْتركان. وقال ابنُ عطية: ((أي: صَرَفْنا الناسَ فيه إلى الهدىُ)).
قوله: ((لِيَذَّكَّرُوا)) متعلقٌ بـ ((صَرَّفْنا)). وقرأ(٢) الأخَوان هنا وفي
الفرقان(٣) بسكون الذال وضمِّ الكاف مخففةٌ مضارع ((ذكر)) من الذِّكر
أو الذُّكر، والباقون بفتح الذال والكافُ مشددةٌ، والأصلُ: يتذكَّروا، فأدغم
التاءَ في الذال، وهو من الاعتبار والتدبُّر.
قوله: ((وما يزيدُهم))، أي: التصريفُ، و((نُفوراً)) مفعولٌ ثانٍ.
آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿كما يقولون﴾: الكافُ في موضعٍ
نصبٍ، وفيها وجهان، أحدُهما: أنها متعلقةٌ بما تعلُّقَتْ به ((مع)) من
[٥٧٤/ب] الاستقرار، قاله الحوفي. والثاني: أنها / نعتٌ لمصدر محذوف، أي: كوناً
كقولكم (٤) قاله أبو البقاء (٥).
(١) الإِتحاف ١٩٨/٢، والمحتسب ٢١/٢، والبحر ٤٠/٦، والقرطبي ٢٦٥/١٠.
(٢) السبعة ٣٨١، التيسير ١٤٠، القرطبي ٢٦٥/١٠، النشر ٣٠٧/٢، الحجة ٤٠٤،
البحر ٤٠/٦.
(٣) الآية ٥٠.
(٤) على حسب القراءة، كما سيأتي .
(٥) الإِملاء ٢/ ٩٢.
٣٦٠