Indexed OCR Text
Pages 261-280
- النحل - ٢٩٩٧- بئس الصُّحاةُ وبئس الشَّرْبُ شَرْبُهُمُ إذا جَرَىْ فيهم المُزَّاءُ والسَّكَرُ الثاني: أنه في الأصل مصدرٌ، ثم سُمِّي به الخمرُ. يقال: سَكِر يَسْكَرُ سُكْراً وسَكَراً، نحو: رَشِد يَرْشَدُ رُشْداً وَرَشَداً. قال الشاعر (١): ٢٩٩٨ - وجاؤْنا بهم سَكَرٌ علينا فَأَجْلَىْ اليومُ والسَّكْران صاحي قاله الزمخشري (٢). الثالث: أنه اسمٌ للَخَلِّ بلغةِ الحبشة(٣)، قاله ابن عباس. الرابع: أنه اسمٌ للعصير ما دام حُلْواً، كأنه سُمِّي بذلك لمآله لذلك لو تُرِكَ. الخامس: أنه اسمٌ للطُعْم قاله أبو عبيدة (٤)، وأنشد(٥): جَعَلْتَ أعراضَ الكرامِ سَكَراً ٢٩٩٩- أي: تتقلَّبُ بأعراضِهم. وقيل في البيت: إنه من الخمر، وإنه إذا انتهك أعراضَ الناسِ كأنه تَخَمَّر بها. وقوله: ((ورِزْقاً حَسَناً)) يجوز أن يكونَ مِنْ عطف المغايرات، (١) البيت لغنيّ بن مالك العقيلي وهو في المشوف المعلم ٣٦٠/١، واللسان (سكر)، وشواهد الكشاف ٤١٧/٤. ورواه في اللسان ((سُكُرٌ))، ثم قال: أراد ((سُكْر)). وأجلى بمعنى جلا أي: انكشف، يقول: جاؤونا غضاباً علينا ولكننا هزمناهم. (٢) الكشاف ٤١٧/٢. (٣) انظر: تفسير القرطبي ١٢٨/١٠، ولم يرد في ((لغات القبائل)) لأبي عبيد. (٤) المجاز ٣٦٣/١. (٥) نسبه في المجاز لجندل، وروايته فيه: " جعلتَ عيبَ الأكرمين سَكْراً وهو في القرطبي ١٢٩/١٠، واللسان (سكر)، ٥١١/٥. ٢٦١ - النحل - وهو الظاهرُ. وفي التفسير: أنه كالزَّبيب والخَلِّ ونحو ذلك، وأن يكونَ من عطفِ الصفاتِ بعضِها على بعضٍ، أي: تتخذون منه ما يَجْمَعُ بين السَّكْرِ والرِّزْقِ الحسن كقوله(١): ٣٠٠٠- إلى المَلِكِ القَرْمِ وابن الهُمامِ البيت. آ. (٦٨) قوله تعالى: ﴿أن الَّخِذِي﴾: يجوز أن تكونَ مفسِّرةً، وأن تكون مصدريةً. واستشكل بعضُهُم كونَها مفسرةً. قال: ((لأنَّ الوَحْيَ هنا ليس فيه معنى القول؛ إذ هو إلهامٌ لا قولَ فيه)). وفيه نظرٌ؛ لأنَّ القولَ لِكلِّ شيءٍ بحسبه . والنَّحْلُ: يذكَّر ويؤنَّثُ على قاعدةٍ أسماء الأجناس. والتأنيثُ فيه لغةُ الحجاز(٢)، وعليها جاء ((أَنْ اتَّخِذِي)). وقرأ(٣) ابن وثَّاب ((النَحَل)) فُيُحتمل أن يكون لغةً مستقلةً، وأن يكونَ إتباعاً. و ((من الجبال)) (( مِنْ)) فيه للتبعيض؛ إذ لا يتهيَّأُ لها ذلك في كلِّ جبلٍ ولا شجرٍ. وتقدَّم القول(٤) في ((يَعْرشون))، ومَنْ قرأ بالكسر والفتحِ في الأعراف. آ. (٦٩) قوله تعالى: ﴿ذُلُلًا﴾: جمع ذَلُول. ويجوز أن تكونَ حالاً مِن السُّبُل، أي: ذَلَّلها لها اللَّهُ تعالى، كقوله: ((هو الذي جَعَلَ لكم (١) تقدم برقم (١٢١). (٢) وهو ما اعتمده الفراء في المذكر والمؤنث ٨٥. (٣) القرطبي ١٣٣/١٠، البحر ٥١١/٥. (٤) انظر: الدر ٤٤١/٥. قرأ ابن عامر وأبو بكر بالضم، والباقون بالكسر. ٢٦٢ - النحل - الأرضَ ذَلُولاً))(١)، وأن تكونَ حالاً مِنْ فاعلِ ((اسْلُكي))، أي: مطيعةً منقادةٌ. وفي التفسير المعنيان منقولان . وانتصابُ (( سُبُل)) يجوز أن يكونَ على الظرفية، أي: فاسْلُكي ما أكلْتٍ في سُبُلِ ربِّك، أي في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النَّوْر(٢) ونحوه عَسَلاً، وأن يكونَ مفعولاً به، أي: اسْلكي الطرقَ التي أَفْهَمَكِ وعَلَّمَكِ في عَمَلٍ العسل . و(( مِنْ)) في ((مِنْ كلِّ الثُّمَرات)) يجوز أن تكونَ تبعيضيةً، وأن تكونَ للابتداء على معنى: أنها تأكُلُ شيئاً ينزل من السماء شِبْهَ التَّرَنْجَبِيْن (٣) على وَرَق الشجر وثمارِها، لا أنها تأكلُ نَفْسَ الثمرات، وهو بعيدٌ جداً. قوله: (يَخْرُج مِنْ بطونِها)) التفاتُ وإخبارٌ بذلك، ولوجاءَ على الكلام الأُوَّل لقيل: مِنْ بطونكِ. والهاء في / ((فيه)) تعودُ على ((شَراب))، [٥٦٠/ ب] وهو الظاهرُ، وقيل: تعودُ على القرآن. آ. (٧٠) قوله تعالى: ﴿لِكَيْلا﴾: في هذه اللامِ وجهان، أحدهما: أنها لامُ التعليل، و((كي)) بعدها مصدريةٌ ليس إلا، وهي ناصبةٌ بنفسِها للفعلِ بعدَها، وهي ومنصوبُها في تأويلِ مصدرٍ مجرورٍ باللام، واللامُ متعلقةٌ بـ ((يُرَدُّ)). وقال الحوفيُّ: ((إنها لامُ كي، وكي للتأكيد)) وفيه نظرً؛ لأنَّ اللامَ للتعليلِ و((كي)) مصدريةٌ لا إشعارَ لها بالتعليل والحالةُ هذه، وأيضاً فعملُها مختلفٌ. (١) الآية ١٥ من الملك. (٢) ش: النور المرّ. والنِّوْر: الزهر. (٣) شيء حلو يسقط على الشجر، انظر: اللسان (منن). ٢٦٣ - النحل- الثاني: أنها لامُ الصَّيْرورةِ. قوله: ((شيئاً)) يجوز فيه التنازع؛ وذلك أنه تقدمه عامِلان: ((يَعْلَمْ)) و((عِلْمٍ)). فعلى رأي البصريين - وهو المختار - يكون منصوباً بـ((عِلْم))، وعلى رأيِ الكوفيين يكون منصوباً بـ ((يَعْلم )). وهو مردودٌ؛ إذ لو كان كذلك لُأَضْمَرَ فِي الثاني، فكان يُقال: لكيلا يعلمَ بعد عِلْمٍ إياه شيئاً. آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِيه سَواءٌ﴾: في هذه الجملةِ أوجهٌ، أحدُها: أنها على حَذْفِ أداةِ الاستفهام تقديرُهُ: أَفَهُمْ فيه سواءٌ، ومعناه النفيُ، أي: ليسوا مُسْتَوين فيه. الثاني: أنها إخبارٌ بالتساوي، بمعنى: أن ما تُطْعِمونه وتُلْبِسُونه المماليككم إنما هو رِزْقِي أَجْرَيْتُه على أيديهم، فهم فيه سواءٌ. الثالث: قال أبو البقاء (١): ((إنها واقعةٌ موقعَ فعلٍ))، ثم جَوَّز في ذلك الفعلِ وَجْهَيْنِ، أحدهما: أنه منصوبٌ في جوابٍ النفي تقديرُه: فما الذِين فُضِّلوا برادِّي رزقِهم على ما ملكَتْ أيمانُهم فَيَسْتَوُوا. والثاني: أنه معطوفٌ على موضع (( برادي ﴾ فيكون مرفوعاً تقديرُه: فما الذين فُصِّلُوا يَرُثُّون فما يَسْتُوْن. وقرأ(٢) أبو بكر ((تَجْحَدُون)) بالخطابِ مراعاةً لقولِه (( بعضَكم))، والباقونَ بالغَيْبةِ مراعاةً لقولِه ((فما الذين فُضِلُوا)). آ. (٧٢) قوله تعالى: ﴿وَحَفَدَةٍ﴾: في ((حَفَدَة)) أوجهُ. أظهرُها: أنه معطوفٌ على (( بنين)) بقيدٍ كونِه من الأزواج، وفُسِّر هنا بأنه (١) الإِملاء ٨٤/٢. وغبارته «الجملة من المبتدأ والخبر هنا واقعة موقع الفعل والفاعل ... )). (٢) السبعة ٣٧٤، النشر ٣٠٤/٢، الإتحاف ١٨٦/٢، البحر ٥١٥/٥، الحجة ٣٩٢. ٢٦٤ - النحل - أولادُ الأولادِ. الثاني: أنه مِنْ عطفِ الصفاتِ لشيءٍ واحدٍ، أي: جَعَل لكم بنِينَ خَدَماً، والحَفَدَةُ: الخَدَمُ. الثالث: أنه منصوبٌ بـ ((جَعَلَ)) مقدرةً، وهذا عند مَنْ يُفَسِّرِ الحَفَدة بالأعوان(١) والأُصْهار، وإنما احتيج إلى تقدير ((جَعَلَ)) لأنَّ (( جَعَلَ)) الأولى مقيدةٌ بالأزواج، والأعوانُ والأصهارُ ليسوا من الأزواج. والحَفَدَةُ: جمع حافِد كخادِمٍ وخَدَم. وفيهم للمفسرين أقوالٌ كثيرةٌ، واشتقاقُهم مِنْ قولهم: حَفَد يَحْفِد حَفْداً وحُفوداً وحَفَداناً، أي: أسرع في الطاعة. وفي الحديث(٢): ((وإليك نَسْعَىْ ونَحْفِدُ))، أي: نُسْرعٍ في طاعتك. قال الأعشى(٣): ٣٠٠١- كَلَّفْتُ مجهولَها نُوْقاً يَمانيةٌ إذا الحُداة على أَكْسائها حَفَدُوا وقال الآخر (٤): بأكفِّهِنَّ أَزِمَّةَ الأجْمالِ ٣٠٠٢ - حَفَدَ الولائدُ حولَهُنَّ وأَسْلَمَتْ ويستعمل ((حَفَدَ )) أيضاً متعدياً. يقال: حَفَدَني فهو حافِدٌ، وأُنْشِد(٥): كَرَماً ذلك منهم غيرَ ذُلِّ ٣٠٠٣- يَحْفِدون الضيفَ في أبياتِهمْ (١) العين في الأصل غير واضحة. وفي (ش): الإِخوان. (٢) قطعة من قنوت عمر في صلاة الفجر. انظر: المغني والشرح الكبير ٧٨٦/١. (٣) ليس في ديوانه، ونسبه الماوردي في تفسيره ٤٠٢/٢ إلى الراعي، وليس في ديوانه. وهو في القرطبي ١٤٣/١٠، والمحرر ٤٦٨/٨. والأكساء: ج كُشْيٍ وهو مؤخر العجز. وقوله ((حَفَدوا)) ضبطه في الأصل بكسر الفاء ولم أجده، لعله سهو. (٤) البيت لجميل وليس في ديوانه. وهو في القرطبي ١٤٣/١٠، واللسان (حفد)، والمجاز ٣٦٤/١، والمحرر ٤٦٧/٨. ونسبه أبو عبيد في غريب الحديث ٣٧٤/٣ إلى الأخطل، وليس في ديوانه . (٥) البيت لطرفة وليس في ديوانه، وهو في تفسير الماوردي ٤٠٢/٢، والبحر ٥٠٠/٥. ٢٦٥ - النحل - وحكى أبو عبيدة (١) أنه يقال: ((أَحْفَدَ)) رباعياً. وقال بعضهم: ((الحَفَدَةُ: الأَصْهار، وأنشد (٢): لها حَفَدٌ مِمَّا يُعَدُّ كَثِيرُ ٣٠٠٤- فلو أنَّ نفسي طاوَعَتْني لأصبحَتْ عَيُوفٌ لإِصهارِ اللَّامِ قَذُوْرُ ولكنها نَفْسٌ عليَّ أَبِيَّةٌ ويقال: سيفٌ مُحْتَفِدٌ، أي: سريعُ القطع. وقال الأصمعيُّ: ((أصلُ الحَفْدِ: مقارَبَةُ الخَطْوِ)). و ((مِنْ)) في ((من الطيبات)) للتبعيض. آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿شيئاً﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه منصوبٌ على المصدرِ، أي: لا يَمْلِكُ لهم مِلْكاً، أي: شيئاً من المِلْك. والثاني: أنه بدلُ مِنْ ((رِزْقً))، أي: لا يَمْلِكُ لهم شيئاً. وهذا غيرُ مفيدٍ؛ إذ من المعلوم أنَّ الرزقَ شيءٌ من الأشياء، ويؤيِّد ذلك: أنَّ البدلَ يأتي لأحدٍ معنيين: البيانِ أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيانٌ؛ لأنه أعمُّ، ولا تأكيدَ. الثالث: أنه منصوبٌ بـ ((رِزْقاً)) على أنه اسمُ مصدرٍ، واسمُ المصدرِ يعمل عملَ المصدر على خلافٍ في ذلك. ونقل مكيٌّ (٣) أن اسمَ المصدرِ لا يعملُ عند البصريين إلا في شعرٍ (٤). [٥٦١/ أ] قلت: وقد اختلفتِ النقلةُ/ عن البصريين: فمنهم مَنْ نَقَلَ المَنْعَ، ومنهم مَنْ (١) ليس في المجاز، ولعله أبو عبيد فقد حكى هذه اللغة في غريب الحديث ٣٧٥/٣. (٢) البيت لجميل. وليس في ديوانه، وهو في القرطبي ١٤٤/١٠، واللسان (حفد)، والبحر ٥٠٠/٥. (٣) المشكل ٢٠/٢. (٤) انظر: المساعد ٢٣٩/٢. ٢٦٦ - النحل - نَقَّلَ الجوازَ. وقد ذكر الفارسيُّ(١) انتصابَه بـ ((رِزْقاً)) كما تقدَّم. ورَدَّ عليه ابنُ الطَّراوة بأن الرزْقَ اسم المرزوق كالرِّعْيِ والطَّحْنِ. وَرُدَّ على ابنِ الطراوة: بأنَّ الرِّزْقَ بالكسرِ أيضاً مصدرٌ، وقد سُمِعَ فيه ذلك. قلت: فظاهرُ هذا أنه مصدرٌ بنفسِه لا اسمُ مصدرٍ. وقوله: ((من السموات)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلقٌ بـ((يملك))، وذلك على الإِعرابين الأوَّلَيْنِ في نصبٍ ((شيئاً)). الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ((رزقاً)). الثالث: أن يتعلَّقَ بنفس ((رِزْقاً)) إن جعلناه مصدراً. وقال ابن عطية(٢) : - بعد أن ذكر إعمالَ المصدرِ منوَّناً - ((والمصدرُ يعمل مضافاً باتفاق؛ لأنه في تقديرِ الانفصالِ، ولا يَعْمل إذا دخله الألفُ واللام؛ لأنه قد تَوَغَّل في حالِ الأسماءِ، وبَعُد عن الفعليّة، وتقدير الانفصالِ في الإِضافةِ حَسِّنَ عملَه، وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشَّاعر (٣): ٣٠٠٥- ضعيفُ النكايةِ أعداءه [ وقوله ](٤): .. فلم أَنْكُلْ عن الضَرْبِ مِسْمَعا ٣٠٠٦- (١) الإِيضاح العضدي ١ /١٥٥. (٢) المحرر ٤٧١/٨. (٣) تقدم برقم (٢٦٩٧). (٤) تمامه : لقد عَلِمَتْ أُولِي المُغيرةِ أنني لَحِقْتُ وهو للمرار الأسدي أو مالك بن زغبة الباهلي، وهو في الكتاب ٩٩/١، وابن يعيش ٩/٦، والخزانة ٤٣٩/٣، والهمع ٩٢/٢، والدرر ١٢٥/٢. ٢٦٧ - النحل- قال الشيخ (١): (أمَّا قولُه ((باتفاق)): إن عَنَى من البصريين فصحيحٌ، وإن عَنَّى مِنْ النحويين فليس بصحيحٍ ؛ إذ قد ذهب بعضُهم إلى أنه لا يعمل. فإن وُجِد بعده منصوبٌ أو مرفوعٌ قَدَّر له عاملاً. وأمَّا قولُه «في تقدیر الانفصال» فلیس کذلك؛ لئلا تکون إضافته غیرَ محضةٍ، كما قال به ابن الطراوة وابن بَرْهان(٢). ومذهبُهما فاسدٌ؛ لأنَّ هذا المصدرَ قد نُعِتَ وأُكِّد بالمعرفة(٣). وقوله ((لا يعمل)) إلى آخره ناقَضَه بقوله ((وقد جاء عاملاً)» إلى آخرِه. قلت: فغايةُ ما في هذا أنه نحا إلى أقوالٍ قال بها غيرُه. وأمّا المناقضةُ فليست صحيحةً؛ لأنه عَنَى أولاً أنه لا يَعْمل في السَّعَة، وثانياً أنه قد جاء عاملا في الضرورة، ولذلك قيَّده فقال: ((في قول الشاعر)). قوله: ((ولا يَسْتطيعون)) يجوز في الجملة وجهان: العطفُ على صلةٍ ((ما)»، والإِخبارُ عنهم بنفيِ الاستطاعةِ على سبيلِ الاستئنافِ، ويكون قد جَمَع الضمير العائدَ على ((ما )) باعتبارِ معناها؛ إذ المرادُ بذلك آلهتُهم، ويجوز أن يكونَ الضميرُ عائداً على العابدين. آ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْناه﴾: يجوزُ في ((مَنْ)) هذه أن (١) البحر ٥١٦/٥. (٢) عبد الواحد بن علي، صاحب العربية واللغة، قرأ على عبد السلام البصري وابن بطة، مات سنة ٤٥٦ هـ. انظر: بغية الوعاة ٢ /١٢٠. (٣) معروف أن الإضافة غير المحضة لا تفيد تعريفاً، والإِضافة المحضة تفيده، فإذا كانت غير محضةٍ فهي في تقدير الانفصال، نحو: حَسَنُ الوجه، أي : حسنٌ وجهُه، فإذا كانت إضافةُ المصدر غيرَ مَحْضةٍ فكيف جاز أن يُنْعَتَ ويؤكّد بالمعرفة؟ نحو: عجبت من ضربٍ زيدٍ عمراً الشدید. ٢٦٨ - النحل - تكونَ موصولةً، وأن تكونَ موصوفةً. واختاره الزمخشري(١) قال: «کأنه قیل: وحُرَّا رَزَقْناه، ليطابقَ عَبْدً)). ومحلُّها النصبُ عطفاً على ((عبداً)). وقد تقدَّم الكلامُ(٢) في المَثَلِ الواقعِ بعد ((ضَرَبَ)). قوله: ((سِرَّاً وجَهْراً) يجوز أن يكونَ منصوباً على المصدر، أي: إنفاقَ سِرِّ وجَهْر، ويجوز أن يكونَ حالاً . قوله: ((هل يَسْتَوُوْن)) إنما جُمِعَ الضميرُ وإن تَقَدَّمَه اثنان؛ لأنَّ المرادَ جنسُ العبيدِ والأحرارِ المدلولِ عليهما بعبد وبَمَنْ رَزَقْناه. وقيل: على الأغنياءِ والفقراءِ المدلولِ عليهما بهما أيضاً. وقيل: اعتباراً بمعنى (( مَنْ)) فإنَّ معناها جمعٌ، راعى معناها بعد أن راعَىْ لفظَها. قوله: ((وأنتم لا تَعْلمون))(٣) حُذِفَ مفعولُ العِلْمِ اختصاراً أو اقتصاراً. آ. (٧٦): والكَلُّ: الثقيل، والكَلُّ: العِيال، والجمع: كُلُول. والكَلُّ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والدَ، والكُلُّ أيضاً: اليتيم، سُمِّي بذلك لتَّقْلِه على كافِلِه. قال الشاعر (٤): ٣٠٠٧- أَكُولٌ لِمالِ الكَلِّ قبل شبابِه إذا كان عَظْمُ الكَلِّ غيرَ شديدٍ قوله: ((أينما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ)) شرطُ وجزاؤه. وقرأ (٥) ابنُ مسعودٍ (١) الكشاف ٤٢٠/٢. (٢) انظر: الورقة ٥٣٦ أ. (٣) عاد إلى الآية ٧٤ . (٤) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في اللسان (كلل)، والمحرر ٤٧٧/٨، والقرطبي ١٠ /١٤٩. (٥) انظر في قراءاتها: المحتسب ١١/٢، البحر ٥٢٠/٥، الشواذ ٧٣. ٢٦٩ - النحل - وابن وثاب وعلقمةُ ((يُؤَجِّهْ)) بهاءٍ ساكنة للجزم. وفي فاعلِه وجهان، أحدُهما: أنه ضميرُ الباري تعالى، ومفعولُه محذوفٌ، تقديرُه كقراءةِ العامة. والثاني: أنه ضميرُ الأبكم، ويكون ((يُوَجِّه)) لازماً بمعنى تَوَجَّه، يقال: وَجَّه وتوجّه بمعنی . وقرأ علقمةُ أيضاً وطلحةُ كذلك، إلا أنه بضم الهاء، وفيها أوجهُ، أحدها: أنَّ ((أينما)) ليست هنا شرطيةً و((يُوَجِّهُ)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: [٥٦١/ب] أينما هو يُوَجِّهُ، أي: الله تعالى، والمفعولُ محذوفٌ / أيضاً، وحُذِفَتْ الياءُ مِنْ ((لا يَأْتِ)) تخفيفاً، كما حُذِفَتْ في قولِه ((يوم يأتِ))(١) و ((إذا يَسْرِ))(٢). ورُدَّ هذا بأن ((أينما)) إما شرط أو استفهام فقط، والاستفهام هنا غير لائق. والثاني: أنَّ لامَ الكلمةِ حُذِفَتْ تخفيفاً لأجلِ التضعيفِ، وهذه الهاءُ هي هاء الضمير فلم يُحِلَّها جزم. ذكر هذين الوجهين أبو الفضل الرازي. الثالث: أن ((أينما)) أُهْمِلَتْ حَمْلاً على ((إذا)) لما بينهما من الآخُوَّة في الشرط(٣)، كما حُمِلَتْ ((إذا)) عليها في الجزم في نفسِ المواضع، وحُذِفت الياءُ مِنْ ((يَأْتِ)) تخفيفاً أو جزماً على التوهم، ويكون ((يُوَجِّهُ)) لازماً بمعنى يَتَوَجَّه كما تقدَّم . [وقرأ عبدُ الله أيضاً](٤). وقال أبو حاتم(٥) - وقد حكى هذه القراءة (٦) - ((هذه ضعيفةٌ؛ لأنَّ الجزمَ لازمٌ)) وكأنه لم يعرف توجيهَها .. (١) ((يوم يأتِ لا تَكْلَّمُ نفسُ إلا بإذنه)) الآية ١٠٥ من هود. وانظر: الدر ٣٨٧/٦. (٢) ((والليل إذا يسر)) الآية ٤ من الفجر. (٣) ذكر هذا الوجه أبو حيان في البحر ٥٢/٥. (٤) ما بين معقوفين لعله مقحم في الأصل، فهو لم يذكر قراءة، وكذا في النسخ. وقد تقدمت قراءة عبد الله بن مسعود في أول الآية: يُوَجِّهْ. (٥) انظر: البحر ٥٢٠/٥. (٦) أي قراءة علقمة ((يُوَجِّهُ)). ٢٧٠ - النحل - وقرأ علقمةُ وطلحةُ أيضاً ((يُوَجَّهْ)) بهاءٍ واحدة ساكنةٍ للجزم والفعلُ مبنيّ للمفعولِ ، وهي واضحةٌ. وقرأ ابن مسعود أيضاً ((تُوَجَّهْه)) كالعامَّةِ، إلا أنه بتاء الخطاب وفيه التفاتٌ. وفي الكلام حَذْفٌ، وهو حَذْفُ المقابلِ لقوله ((أحدُهُما أبكمُ)) كأنه قيل: والآخرُ ناطِقٌ متصرفٌ في مالِه، وهو خفيفٌ على مولاه، أينما يُوَجِّهْهُ يأتِ بخيرٍ. ودَلَّ على ذلك قولُه: ((هل يَسْتوي هو ومَن يَأْمُرُ بالعدلِ)). ونَقَل أبو البقاء(١) أنه قُرِىء ((أينما تَوَجَّهَ)) فعلًا ماضياً، فاعلُه ضميرُ الأبكم. وقوله: ((ومَنْ يَأْمُرُ)) الراجحُ أَنْ يكونَ مرفوعاً عطفاً على الضميرِ المرفوعِ في ((يَسْتَوي))، وسَوَّغَه الفصلُ بالضمير. والنصبُ على المعيَّة مرجوحٌ. ((وهو على صراطٍ)) الجملةُ: إِمَّا استئنافٌ أو حالٌ. آ. (٧٧) قوله تعالى: ﴿أُو هو أقربُ﴾:، أي: أو أَمْرُ، فالضميرُ للأمر، والتقدير: أو أمرُ الساعةِ أقربُ من لَمْحِ البصر. آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿لا تعلمون شيئاً﴾: الجملةُ حالٌ مِنْ مفعول ((أَخْرجكم))، أي: أخرجكم غيرَ عالِمِين. و((شيئاً)) إمَّا مصدرٌ، أي: شيئاً من العلم، وإِمَّ مفعولٌ به. والعِلْمُ هنا العِرْفان. وقد تقدَّم الكلامُ في ((أمَّهاتكم)) في النساء(٢). (١) الإملاء ٨٤/٢. (٢) انظر: الدر المصون ٦٣٩/٣. ٢٧١ - النحل - قوله: ((وجَعَلَ)) يجوز أن يكونَ معطوفاً على ((أَخْرجكم)) فيكونَ داخلاً فيما أَخْبر به عن المبتدأ، ويجوز أن يكونَ مستأنفاً. والأَفْئِدَةُ: جمعُ ((فؤاد )) وقد تقدَّم(١). وقال الرازي: ((إنما جُمِع جَمْعَ قِلَّة؛ لأنَّ أكثرَ الناسِ مشغولون بأفعالٍ بهيمية فكأنهم لا فؤادَ لهم)). وقال الزمخشري(٢): ((إنه من الجموع التي استُعْمِلت للقلة والكثرة، ولم يُسمع فيها غيرُ القلة، نحو: ((شُسُوع))(٣) فإنها للكثرة، ويستعمل في القِلة، ولم يُسْمَعْ غيرُ شُسُوع)). كذا قال، وفيه نظر. سُمِع منهم ((أَشْسَاع)) فكان ينبغي أن يقول: غَلَبَ شُسُوع. آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾: يجوز أن تكون الجملةُ حالاً من الضمير المستتر في ((مُسَخِّراتٍ))، ويجوز أن تكونَ من ((الطير))، ويجوز أن تكونَ مستأنفةً . آ. (٨٠) قوله تعالى: ﴿سَكَناً﴾: يجوز أن يكون مفعولاً أولّ، على أنَّ الجَعْلَ تصييرٌ، والمفعولُ الثاني أحدُ الجارَّيْنِ قبله. ويجوز أن يكونَ الجَعْلُ بمعنى الخَلْقِ فيتعدَّى لواحدٍ. وإنما وَجَّد السَّكن لأنه بمعنى ما تَسْكُنُون فيه، قاله أبو البقاء(٤). وقد يُقال: إنه في الأصل مصدرٌ، وإليه ذهب ابن عطية (٥) فتوحيدُه واضحٌ. إلا أنَّ الشيخ (٦) منع كونَه مصدراً، ولم يذكر (١) انظر: الدر المصون ١١٠/٥. (٣) شِسْعُ النَّعْلَ: قِبالها الذي يُشَدُّ إلى السَّيْر. (٢) الكشاف ٤٢٢/٢. (٤) الإِملاء ٨٤/٢ . (٥) المحرر ٤٨١/٨. (٦) البحر ٠٥٢٣/٥ ٢٧٢ - النحل - وَجْهَ المنعِ، وكأنه اعتمد على قول أهل اللغة أن ((السَّكَن )) فَعَل بمعنى مَفْعول كالقَبَضِ والنَّقَض بمعنى المقبوض والمنقوض، وأنشد الفراء(١): ٣٠٠٨- جاء الشتاءُ ولَمَّا أتخِذْ سَكَناً يا ويحَ نفسي مِنْ حَفْرِ القراميصِ قوله: ((يَوْمَ طَعْنِكم)) قرأ(٢) نافعٌ وابن كثير وأبو عمرو بفتح العين؛ والباقون بإسكانها، وهما لغتان بمعنىَّ كالنَّهْر والنَّهَر. وزعم بعضُهم أن الأصلَ الفتحُ، والسكونُ تخفيفُ لأجلِ حرفِ الحلق كالشَّعْر في الشعر. قوله: ((أثاثً) فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ عطفاً على ((بُيوتاً))، أي: وجَعَلَ لكم من أصوافِها أثاثاً، وعلى هذا فيكونُ قد عطف مجروراً على مجرور ومنصوباً على منصوبٍ، ولا فَصْلَ هنا بين حرفِ العطفِ والمعطوف حينئذٍ. وقال أبو البقاء(٣): ((وقد فُصِلَ بينه وبين حرفِ العطفِ بالجارِّ والمجرور وهو قولُه ((ومن أصوافِها))، وهو ليس بفصلٍ مستقبَحٍ كما زعم في ((الإِيضاح)) (٤)؛ لأنَّ الجارَّ والمجرورَ مفعول، وتقديمُ / مفعولٍ على مفعولٍ [٥٦٢/أ] قياسٌ)). وفيه نظرٌ؛ لِما عَرَفْتَ من أنه عَطْفُ مجرورٍ على مثلِه ومنصوبٍ على مثله . والثاني : أنه منصوبٌ على الحالِ، ويكون قد عَطَفَ مجروراً على مثلِه، تقديرُه: وجَعَل لكم مِنْ جلودِ الأنعام ومِنْ أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها بيوتاً (١) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في اللسان (قرمص)، والبحر ٥٢٣/٥. والقِرْماص: حفرة يستدفىء فيها الإِنسان من البرد. (٢). السبعة ٣٧٥، النشر ٣٠٤/٢، الإتحاف ١٨٧/٢، البحر ٥٢٣/٥، الحجة ٣٩٣. (٣) الإملاء ٨٤/٢. (٤) وهو الفارسي، ولم أجد هذا القول في ((الإِيضاح)). ٢٧٣ - النحل - حالَ كونِها أثاثاً، فَفَصَل بالمفعول بين المتعاطفين. وليس المعنى على هذا، إنما هو على الأول. وقوله: ((كُلَمْحِ البَصَرِ))(١): اللَّمْحُ مصدرُ لَمَحَ يَلْمَحِ لَمْحاً وَلَمَحاناً، أي: أَبْصَرَ بسرعة. وقيل: أصلُه من لَمْحِ البرق، وقولهم ((لُأُرِيَنَّك لَمْحَاً باصراً))(٢)، أي: أمراً واضحاً. وقوله ((في جَوِّ السماء)(٣): الجُوُّ: الهواء، وهو ما بين السماءِ والأرض. قال(٤) تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السماءِ يَصُوبُ ٣٠٠٩- فلستَ لإِنْسيِّ ولكن لِمَلْأَكٍ وقيل: الجَوُّ ما يلي الأرضَ فِي سَمْتِ العُلُّوِّ، واللُّوح والسُّكاك(٥) أبعدُ منه . وقوله: (ظَعْنِكم)) مصدرُ ظَعَن، أي: ارْتَحَلَ، والظَّعِيْنَةُ الهَوْدَجُ فَيه المرأةُ، وإلا فهو مَحْمَلٌ، ثم كَثُرحتى قيل للمرأة: ظَعينة. وقال أهل اللغة: الأصوافُ للضَّأْن، والأَوْبار للإِبِل، والشَّعْر للمَعِز. والأثاث: مَتَاعُ البيت إذا كان كثيراً. وأصلُه مِنْ أَنَّ الشعرُ والَّباتُ إِذا كَثُفا وتكاثرا. قال امرؤ القيش(٦): : (١) عاد إلى الآية ٧٧ . (٢) انظر: اللسان (لمح). (٣) في الآية ٧٩ . (٤) تقدم برقم (٢٢٧). (٥) اللوح والسُّكاك: الهواء بين السماء والأرض. (٦) تقدم برقم (١٧٤٦). ٢٧٤ - النحل - أثيثٍ كقِنْوِ النخلةِ المُتَعَشْكِلِ ٣٠١٠- وفَرْعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسودَ فاحمٍ ونساء أَثائِثُ، أي: كثيراتُ اللحمِ، كأنَّ عليهن أَثاثاً، وَتَأَثَّث فلانٌ: كَثُر أثاثُه. وقال الزمخشري (١): ((الأثاث ما جَدَّ مِنْ فَرْشِ البيت، والخُرْئِيُّ: ما قَدُم منها)»، وأنشد (٢): ٣٠١١- تقادَم العهدُ مِنْ أُمِّ الوليد بنا دَهْراً وصار أثاثُ البيتِ خُرْيًّا وهل له واحدٌ من لفظه(٣)؟ فقال الفراء: لا. وقال أبو زيد: ((واحده: أَثاثَةٌ، وجمعُه في القلّة ((أَئِنَّة، كَبَتات(٤) وَبِتَّة)). قال الشيخ(٥): ((وفي الكثير على ((أَثَثٍ)). وفيه نظر؛ لأنَّ (٦) فَعالاً المُضَعَّف يلزمُ جَمْعُه على أفْعِلَة في القلة والكثرة، ولا يُجْمع على فُعُل إلا في لفظتين شَذَّتا، وهما: عُنُن وحُجُج جمع عِنان (٧) وحجاج (٨)، وقد نصَّ النحاة على مَنْع القياس عليهما، فلا يجوز: زِمام وزُهُم بل أَزِمَّة. وقال الخليل: ((الأَثَاثُ والمَتاع واحدٌ، وجُمِع بينهما لاختلافٍ لَفْظَيْهما كقوله (٩): (١) الكشاف ٥٢١/٢ في تفسيره لقوله تعالى: ((هم أحسنُ أثاثاً». (٢) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في شواهد الكشاف ٥٦٤/٤. (٣) انظر: اللسان ((أُثث)). (٤) البتات: متاع البيت. (٥) البحر ٥١٨/٥. (٦) انظر: شرح الشافية ١٢٦/٢، وحكم فَعال هو حكم فِعال. (٧) عِنان اللجام: السّير الذي تُمسك به الدابَّة. وهذا الجمع نادر والكثير أعِنَّة. انظر: اللسان (عنن). (٨) الحجاج: بالكسر والفتح: العظم المستدير حول العين. انظر: اللسان (حجج). (٩) تقدم برقم (٤٦٥). ٢٧٥ - النحل :- ٣٠١٢- وأَلْفَىْ قولَها كَذِبباً ومَيْنَا [ وقوله ](١): ٣٠١٣- أتىْ مِنْ دونِها النّأَيُ والْبُعْدُ آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿أَكْناناً﴾: جمع ((كِنّ)) وهو ما حَفِظ مِن الريح والمطرِ، وهو في الجبل: الغار. قوله: ((تَقِيْكم الحَرَّ) قيل: حُذِف المعطوفُ لفَهْمِ المعنى، أي: والبردَ كقوله(٢): ٣٠١٤- كأنَّ الحصى مِنْ خلفِها وأمامِها إذا نَجَلْه رِجْلُها خَذْفُ أَعْبِرًا أي: ويدُها، وقيل: لا حاجةَ إلى ذلك لأنَّ بلادَهم حارّة. وقال الزجاج (٣): ((اقتصر على ذِكْر الحرِّ؛ لأنَّ ما يقيه يَقي البردَ). وفيه نظرٌ للاحتیاج إلی زیادةٍ كثيرةٍ لوقایة البرد. قوله: ((كذلك يُثِمُّ))، أي: مِثْلَ ذلك الإِتمامِ السابقِ يُتُّ نعمتَه عليكم في المستقبل. وقرأ(٤) ابن عباس: ((تَتَّمُّ )) بفتح التاءِ الأولى، ((نِعْمَتُه)) بالرفع على الفاعلية. وقرأ(٥) أيضاً ((نِعَمه)) جمع ((نعمة)) مضافةً لضميرٍ الله تعالى. وعنه(٦): ((لعلكم تَسْلَمُوْن)) بفتح التاءِ واللامِ مضارع ((سَلِم)) من (١) تقدم برقم (٤٦٦). (٢) تقدم برقم (٦٨٨). (٣) معاني القرآن ٢:١٥/٣ . (٤) البحر ٥٢٤/٥، القرطبي ١٦١/١٠. (٥) البحر ٥٢٤/٥. (٦) البحر ٥٢٤/٥، القرطبي ١٦١/١٠. ٢٧٦ - النحل - السَّلامة، وهو مناسبٌ لقولِه ((تَقِيْكم بَأْسَكم))؛ فإنَّ المرادَ به الدُّروعُ الملبوسةُ في الحرب. آ. (٨٢) قوله تعالى: ﴿فإنْ تَوَلَّوا﴾: يجوز أن يكونَ ماضياً، ويكون التفاتاً مِن الخطاب المتقدِّم، وأن يكونَ مضارعاً، والأصل: تَتَوَّلَّوا بتاءَيْن، فحذف نحو: ((تَنَزَّلُ))(١) و((تَذَكَّرون))(٢)، ولا التفاتَ على هذا بل هو جارٍ على الخطابِ السابق. قوله: ((فإنَّما عليك البلاغُ)) هو جواب الشرط، وفي الحقيقة جوابُ الشرطِ محذوفٌ، أي: فأنتَ معذورٌ، وإنما ذلك على إقامةِ السببِ مُقامَ المسبب؛ وذلك لأنَّ تبليغَه سببٌ في عُذْرِهِ، فَأُقيم السببُ مُقَامَ الْمُسَبَّب. آ. (٨٣) قوله تعالى: ﴿ثم يُنْكرونها﴾: جِيْءَ بـ((ثُمَّ)) هنا للدلالةِ على أنَّ إنكارَهم أمرٌ مستبعدٌ بعد حصولِ المعرفة؛ لأنَّ مَنْ عَرَفَ النعمة حَقُّه أن يَعْتَرِفَ لا أَنْ يُنْكِرَ. آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿ويومَ نَّبْعَثُ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ بإضمارٍ اذكر. الثاني: بإضمارِ ((خَوِّفْهم)). الثالث: تقديره (٣): ويوم نَّبْعَثُ وقعوا في أمرٍ عظيم. الرابع: أنه معطوفٌ على ظرفٍ محذوف، أي: ينكرونها اليومَ ويوم نّبْعَثُ. / قوله: ((ثم لا يُؤْذَنُ)) قال الزمخشري (٤): ((فإن قلتَ: ما معنى ((ثم)) [٥٦٢/ب] (١) الآية ٤ من سورة القدر. (٢) الآية ١٥٢ من سورة الأنعام. (٣) الأصل ((تقدير)) والتصويب من (ش). (٤) الكشاف ٤٢٣/٢ . ٢٧٧ - النحل - هذه؟ قلت: معناه أنهم يُمَّنَّوْن بعد شهادةِ الأنبياء بما هو أَطَمُّ منه(١)، وهو أنهم يُمْنَعُون الكلام، فلا يُؤْذَنُ لهم في إلقاءِ مَعْذرةٍ ولا إدلاءٍ بحجةٍ)). انتهى. ومفعولُ الإِذنِ محذوفٌ، أي: لا يُؤْذَنُ لهم في الكلامِ، كما قاله الزمخشري، أو: في الرجوع إلى الدنيا. قوله: ((ولاهم يُسْتَعْتَبُون))، أي: لا تُزال عُتْباهم، وهي ما يُعْتَبُون عليها ويُلامون. يقال: اسْتَعْتَبْتُ فلاناً بمعنىْ أَعْتَبْتُه، أي: أزلت عُتْباه، واستفعل بمعنىْ أَفْعَل غيرُ مُسْتَنْكَرٍ. قالوا: اسْتَدْنَّيْتُ فلاناً، وَأَدْنَيْتُه، بمعنىٍ واحد. وقيل: السين على بابها من الطلب، ومعناه: أنهم لا يُسْأَلُون أن يَرْجِعُوا عَمًّا كانوا عليه في الدنيا، فهذا استعتابُ معناه طَلَبُ عُتْباهم. وقَال الزمخشري (٢): ((ولا هم يُسْتَرْضَوْن، أي: لا يُقال لهم: أَرْضُوا ربّكم؛ لأن الآخرةَ ليست بدارٍ عملٍ)). وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ إن شاء الله في سورة حم السجدة (٣)؛ لأنه أَلْيَقُ به لاختلافِ القرَّاء فيه. آ. (٨٥) قوله تعالى: ﴿فلا يُخَفِّفُ﴾: هذه الفاءُ وما في حَيِّزِها جوابُ ((إذا ))، ولا بُدَّ من إضمارٍ مبتدأ قبلَ هذه الفاءِ، أي: فهو لا يُخَفَّفُ، لأنَّ جوابَ ((إذا)) متى كان مضارعاً لم يَحْتَجْ إلى فاءٍ سواءً كان موجباً كقولِه تعالى: ((وإذا تُتْلَى عليهم آياتنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ))(٤) أم منفيّاً نحو: ((إذا جاء زيدٌ لا یکرمُك». (١) الكشاف: ((منها)). وأطُّ منه مِنْ ((طَمَّ)) إِذا كَثُرَ وعلا. (٢) الكشاف ٤٢٣/١. (٣) ((وإن يَسْتَعتِبوا فماهم من المُعْتَبين)) الآية ٢٤ من فصلت. وقرأ الحسنُ وآخرون ((يُسْتَعْتَبُوا ... المُعْتِبِين)). انظر: البحر ٤٩٤/٧، والمحتسب ٢٤٥/٢. (٤) الآية ٧٢ من سورة الحج. ٢٧٨ - النحل - آ. (٨٧) قوله تعالى: ﴿السَّلَم﴾: العامَّةُ على فتحِ السين واللام. وقرأ(١) أبو عمرٍو في روايةٍ بسكونِ اللامِ. ومجاهدٌ بضم السين واللام، وكأنه جمع ((سَلام)) نحو قَذَال وقُذُل، والسَّلام والسَّلَم واحدٌ، وقد تقدَّم الكلامُ عليهما في سورة النساء(٢). آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿الذين كفروا﴾: يجوز أن يكونَ مبتدأً، والخبرُ ((زِدْناهم)) وهو واضحٌ. وجوَّز ابنُ عطية(٣) أن يكونَ ((الذين كفروا)» بدلاً مِنْ فاعلِ ((يَفْتَرُوْن))، ويكون ((زِدْناهم)) مستأنفاً. ويجوز أن يكونَ ((الذين كفروا)) نصباً على الذمِّ أو رفعاً عليه، فَيُضْمَرُ الناصبُ والمبتدأُ وجوباً. آ. (٨٩) قوله تعالى: ﴿يَبْياناً﴾: يجوز أن يكونَ في موضعٍ الحال، ويجوز أن يكونَ مفعولاً مِنْ أجله وهو مصدرٌ، ولم يَجِىء من المصادرِ على هذه الزُّنَةِ إلا لفظان: هذا وتِلْقاء، وفي الأسماء كثيرٌ نحو: النِّمْساح والتِّمْثال. وأمَّا المصادرُ فقياسُها فتحُ الأولِ دلالةً على التكثير كالتَّطواف والتَّجْوال. وقال ابن عطية (٤): ((إن التُّبْيان اسمُ وليس بمصدرٍ))، والنَّحْويون على خلافِهِ . قوله: ((للمُسْلمين)) متعلقٌ بـ ((بُشْرَى))، وهو متعلقٌ من حيث المعنى بـ «هدىً ورحمةً)) أيضاً. وفي جوازِ كونِ هذا من التنازعِ نظرٌ من حيث لزومُ الفصلِ بين المصدرِ ومعمولِه بالمعطوفِ حالَ إعمالِك غيرَ الثالث فتأمَّله. وقياسُ مَنْ جَوَّز التنازعَ في فعلِ التعجبِ والتزم إعمال الثاني لئلا يَلْزَمَ الفصلُ أن يُجِوِّز هذا على هذه الحالةِ. (١) البحر ٥٢٦/٥ - ٥٢٧، وقال في المحرر ٤٩١/٨: إنها رواية يعقوب عنه. (٣) المحرر ٤٩١/٨. (٢) انظر: الدر المصون ٤ /٦٩. (٤) المحرر ٤٩٣/٨. ٢٧٩ - النحل - آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿وإيتاءِ ذِي الْقُرْبِ﴾: مصدرٌ مضافٌ لمفعوله ولم يَذْكر متَعلِّقاتِ العدلِ والإِحسانِ والْبَغْيِ لِيَعُمَّ جميعَ ما يُعْدَلُ فيه، ويُحْسَنُ به إليه، ويُبْغى فيه؛ فلذلك لم يذكُرِ المفعولَ الثاني للإِيتاء، ونَصَّ على الأول حَضَّأَ عليهِ لإِدلائه بالقرابة، فإِنَّ إيتاءَه صدقَةٌ وصِلَةٌ. قوله: (يَعِظُكُم) يجوز أن يكونَ مستأنفاً في قوة التعليل للأمرِ بما تقدَّم، أي: إنَّ الوعظَ سببٌ في أمرِه لكم بذلك. وجَوَّز أبو البقاء (١) أن يكونَ حالاً من الضمير في ((يَنْهَىْ))، وفي تخصيصِه الحالَ بهذا العاملِ فقط نظرٌ؛ إذ يظهرُ جَعْلُه حالاً مِنْ فاعل ((يأمرُ» أيضاً، بل أَوْلِى؛ فإن الوعظ يكونُ بالأوامر والنواهي، فلا خصوصيةً له بالنهي . ۔۔ آ. (٩١) قوله تعالى: ﴿بعد تَوْكِيْدِها﴾: متعلقٌ بفعل النهي. والتوكيدُ مصدرُ وَكَّدُ يُؤَكِّدُ بالواو، وفيه لغةٌ أخرى: أَكَّد يُؤكِّد بالهمز، وهذا كقولهم: وَرَّحْتُ الكتابَ وأَرَّخْتُه، وليست الهمزة بدلاً من واوٍ كما زعم أبو إسحق(٢)؛ لأنَّ الإستعمالين في المادتين متساويان، فليس ادِّعاءُ كونٍ أحدهما أصلاً أَوْلَى مِن الآخر. وتبع مكيٌّ (٣) الزجاجَ في ذلك ثم قال: ((ولا يَحْسُن أَنْ يقال: الواوُ بدلُ من الهمزة، كما لا يَحْسُنُ أن يقالَ ذلك في ((أَحَد))؛ إذ أصلُه ((وَحَدٍ))، فالهمزةُ بدل من الواو)). يعني أنه لا قائلَ بالعكس، وكذلك تَبِعه في ذلك [٥٦٣/أ] الزمخشري (٤) أيضاً. و ((تَوْكيدِه)) مصدرٌ/ مضافٌ لمفعوله. (١) لم يَرِدْ هذا في مطبوعة ((الإِملاء)). (٢) معاني القرآن ٢١٧/٣. وهو الزجاج. (٣) المشكل ٢٠/٢. (٤) الكشاف ٤٢٥/٢. ٢٨٠