Indexed OCR Text

Pages 181-200

- الحجر -
وقد اعتذر بعضُهم(١) عَمَّا قاله أبو محمدٍ فقال: ((الكافُ متعلقةٌ
بمحذوفٍ دَلَّ عليه المعنى تقديرُه: أنا النذيرُ بعذابٍ مثلٍ ما أنزلنا، وإنْ كان
المُنَزِّل اللَّهَ، كما يقول بعضُ خواصِّ المَلِك: أَمَرْنا بكذا، وإن كان المَلِكُ
هو الآمرَ، وأمَّا قولُ أبي محمدٍ: وأنْزَلْنَا عليهم كما أَنْزَلْنا عليك كلامٌ(٢) غيرُ
منتظمٍ ، ولعل أصلَه: وأَنْزَلْنا عليك كما أَنْزَلْنا عليهم، كذا أصلحه الشيخ(٣)
وفيه نظرً: كيف يُقَدَّر ذلك والقرآن ناطقٌ بخلافِهِ: وهو قولُه ((على
المُقْتَسِمين)»؟
التاسع: أنه متعلَّقُ بقوله ((لَنَسْأَلَنَّهم))(٤) تقديرُهُ: لَنَسْأَلَنَّهم أجمعين
مثلَ ما أَنْزَلْنا.
العاشر: أنَّ الكافَ مزيدةٌ تقديره: أنا النذير المُبين ما أنزلناه على
المقتسِمين، ولا بد مِنْ تأويلِ ذلك: على أنَّ ((ما)) مفعولٌ بالنذير عند
الكوفيين فإنهم يُعْمِلون الوصفَ الموصوفَ(٥)، أو على إضمارٍ فعلٍ لائق،
أي: أُنْذِركم ما أنزلناه كما يليق بمذهب البصريين.
الحادي عشر: أنه متعلّقٌ بـ ((قل)) التقديرُ: وقُلْ قولاً كما أنزَلْنا على
المقتسِمين: إنك نذيرٌ لهم، فالقولُ للمؤمنين في النِّذارة كالقولِ للكفارِ
المقتسِمين؛ لئلا تظنّ أن إنذارَك للكفارِ مخالفٌ لإنذار المؤمنين، بل أنت في
وصفِ النِّذارة لهم بمنزلةٍ واحدةٍ، تُنْذِر المؤمنَ كما تُنْذر الكافرَ، كأنه قال: أنا
النذيرُ المبينُ لكم ولغيرِكم.
(١) انظر: البحر ٤٦٩/٥.
(٢) الأفصح: فكلام.
(٣) البحر ٤٦٩/٥.
(٤) في الآية ٩٢.
(٥) الوصف ((النذير)) ووُصف بالمبين.
١٨١

- الحجر-
آ. (٩١) قوله تعالى: ﴿الذين جَعَلُوا﴾: فيه أوجهٌ، أظهرُها: أنه
نعتٌ للمقتسِمين. الثاني: أنه بدلٌ منه. الثالث: أنه بيانٌ له. الرابع: أنه
منصوبٌ على الذمِّ. الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. السادس: أنه منصوب
بالنذير المبين، قاله الزمخشري(١)، وهو مردودٌ بإعمال الوصفِ الموصوفِ
عند البصريين، وتقدَّم تقريرُه.
و((عِضْن)) جمع ((عِضَة)) وهي الفِرْقَةُ، فـ((العِضين)) الفِرَق، ومعنى
جَعْلِهم القرآنَ كذلك: أنَّ بعضَهم جعله شعراً، وبعضَهم سحراً، وبعضهم
كِهانةً، نعوذ بالله من ذلك. وقيل: العَضْهُ: السِّحْرُ بلغة قريش، يقولون:
هو عاضِةٌ وهي عاضِهَةٌ . قال(٢):
٢٩٥٣ - أَعُوذُ بربِّي مِن النَّافِثا تِ فِي عُقَدِ العاضِهِ المُعْضِهِ
وفي الحديث(٣): (لَعَنِ العاضِهَةِ وَالْمُسْتَعْضِهَة))، أي: الساحرة
والمُسْتَسْجِرَة. وقيل: هو مِنْ العِضَهِ، وهو الكذبُ والبُهْتانُ. يقال: عَضَهَهُ
عَضْهَاً وعَضِيْهَةً، أي: رماه بالبُهْتان، وهذا قولُ الكسائيِّ. وقيل: هو من
العِضَاه، وهي شجرُ لَه شَوْكٌ مُؤْذٍ، قاله الفراء(٤).
وفي لام ((عِضَة)) قولان يَشْهد لكلٍّ منهما التصريفُ: الواوُ، لقولهم:
عِضَوات، واشتقاقها من العُضْوِ، لأنه جزءٌ مِنْ كلِّ، ولتصغيرِها على عُضَيَّة، والهاءِ (٥)
(١) الكشاف ٣٩٨/٢
(٢) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في اللسان (عضه)، والقرطبي ٥٩/١٠.
(٣) انظر: النهاية ٢٥٥/٣.
(٤) لم يرد هذا المعنى في كتابه («معاني القرآن».
(٥) قوله ((والهاء)) معطوف على قوله: ((الواو)).
١٨٢

- الحجر -
/ لقولهم : عُضَيْهَة وعاضِهٌ وعاضِهَةٌ وعَضِهُ (١)، وفي الحديث (٢): [٥٤٨/ أ]
((لا تَعْضِيَةَ في مِيراثٍ)) وفُسِّر بأنْ لا تَفْرِيقَ فيما يَضُرُّ بِالوَرَثَةِ، تفريقُه كسيفٍ
يُكْسَر بنصفَيْن فَيَنْقُصُ ثمنُه.
وقال الزمخشريُّ (٣): ((عِضين: أجزاءٌ، جمع ◌ِضَة، وأصلُها عِضْوَة
فِعْلَة، مِنْ عَضَا الشاةَ إذا جَعَلها أعضاءً. قال (٤):
٢٩٥٤-
وليسَ دينُ اللَّهِ بِالمُعَضَّى
وُجُمِعَ ◌ِضَة على ◌ِضين، كما جُمع سَنَة وثُبَةِ(٥) وظُبَةَ(٦)، وبعضهم
يُجْرِي النونَ بالحركاتِ مع الياء، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك(٧)، وحينئذ تَثْبُتُ نونُه
في الإضافة فيقال: هذه عِضِينُك.
آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ﴾: أصلُ الصَّدْعِ: الشَّقُّ،
صَدَعْتُه فانصَدَعَ، أي: شَقَقْتُه فانْشَق، ومنه التفرقةُ أيضاً كقوله: ((يومئذ
يَصَّدَّعُون)) (٨).
(١) بَعِير عاضِهَ وعَضِةً: يرعى العضاه. وثمة معنى آخر وهو قولهم للساحر: عاضه،
وللساحرة: عاضِهَة، وللسحر: عِضَةٌ، وللنميمة: عَضْهُ.
(٢) سنن البيهقي ١٣٣/١٠. وانظر: النهاية ٢٥٦/٣.
(٣) الكشاف ٣٩٨/٢.
(٤) البيت لرؤبة من قصيدته التي مطلعها:
دايِنْتُ أَرْوَىْ والدُّيونُ تُقَضَىْ
وهو في دیوانه ٨١، والمحرر ٣٥٦/٨.
(٥) التُّبة: الجماعة، جمعه ثُبُوْن وثُبات.
(٦) الظُّبَة: حَدُّ السيف وما أشبهه، جمعه ظِبُون وظُبا.
(٧) انظر: الدر المصون ٣٦١/٤.
(٨) الآية ٤٣ من الروم.
١٨٣

- الحجر -
وقال(١):
كانَّ بياضَ غِرَّتِه صَدِيْعُ
٢٩٥٥-
والصَّديعُ: ضوء الفجر لانشقاقِ الظلمةِ عنه، ومعنى ((فاصدَعْ)) :
فافُرُقْ بين الحقِّ والباطلِ وافْصِلْ بينهما. وقال الراغب(٢): ((الصَّدْعُ شِقٌّ في
الأجسامِ الصُّلْبة كالزّجَاج والحديد، وصَدَّعْتُه بالتشديد فتصَدَّع، وصَدَعْتُه
بالتخفيفِ فَانْصَدَع، وصُداع الرأسِ منه لتوهُّمِ الانشقاقِ فيه، وصَدَعْتُ
الفَلاةَ، أي: قطعتُها)) مِنْ ذلك، كأنه تَوَهَّمَ تفريقَها.
و ((ما)) في ((بما تُؤْمَر )) مصدريةٌ أو بمعنى الذي، والأصلُ: تُؤْمَر به،
وهذا الفعلُ يَطَّرِدُ حَذْفُ الجارِّ معه، فَحَذْفُ العائدِ فصيحٌ، وليس هو كقولك
((جاء الذي مررت)) ونحوه(٣):
٢٩٥٦- أَمَرْتُكَ الخَيرَ فافعَلْ ما أُمِرْتَ به
والأصل: بالخير. وقال الزمخشري (٤): ((ويجوز أن تكونَ (( ما))
مصدريةً، أي: بأَمْرِك، مصدرٌ من المبني للمفعول)). انتهى. وهو كلامٌ
صحيحٌ. ونَقَل الشيخ(٥) عنه أنه قال: ((ويجوز أن يكونَ المصدرُ يُراد به ((أنْ)»
(١) البيت لعمرو بن معد يكرب، وصدره:
تَرَى السِّرْحَانَ مُفْتَرِشأُ يَدَيْهِ
وهو في ديوانه ١٣٣، واللسان (صدع)، والبحر ٤٧٠/٥ .
(٤) الكشاف ٣٩٩/٢.
(٣) تقدم برقم (٢٢١).
(٢) المفردات ٢٧٦ .
(٥) لم ينقل الشيخ عن الزمخشري ذلك، وليست هذه عبارة الزمخشري، وإنما قال.
الشيخ: ((وهذا ينبني على مذهب مَنْ يُجَوّز أن المصدرَ يُرادُ به ((أنْ)) والفعل المُبني
للمفعول)» البحر ٤٧٠/٥.
١٨٤

- الحجر -
والفعلِ المبنيِّ للمفعول)). ثم قال الشيخ(١): ((والصحيحُ أنَّ ذلك
لا يجوز)». قلت: الخلافُ إنما هو في المصدرِ المُصَرَّح به: هل يجوز أن
يَنْحَلَّ لحرفٍ مصدريٍ وفعلٍ مبني للمفعول أم لا يجوزُ ذلك؟ خلافٌ
مشهور، أمَّا أنَّ الحرفَ المصدريَّ هل يجوزُ فيه أن يُوْصَلَ بفعل مبني
للمفعول نحو: ((يُعجبني أن يُكْرَمَ عمرٌو)» أم لا يجوز؟ فليس محلّ النزاعِ .
[ انتهت سورة الحجر ]
(١) البحر ٤٧٠/٥.
١٨٥

سورة النحل
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله تعالى: ﴿أتىْ أَمْرُ اللَّهِ﴾: في ((أتى)) وجهان،
أحدُهما : - وهو المشهورُ - أنه ماضٍ لفظاً مستقبلٌ معنى؛ إذ المرادُ به يومُ
القيامة، وإنما أُبْرِز في صورةٍ ما وَقَع وانقضى تحقيقاً له ولصِدْقِ المخبِرِ به.
والثاني: أنه على بابه، والمرادُ به مقدِّماتُه وأوائلُه، وهو نَصْرُ رسولِه صلى الله
عليه وسلم.
قوله: ((فلا تَسْتَعْجِلوه)) في الضميرِ المنصوبِ وجهان، أظهرُهما: أنَّه
للأمرِ، فإنَّه هو المُحَدَّثُ عنه. والثاني: أنه لله، أي: فلا تستعجلوا عذابه.
قوله: ((عَمَّا يُشْركون)) يجوز أن تكونَ ((ما)) مصدريةً فلا عائدَ عند
الجمهور(١)، أي: عن إشراكِهم به غيرَه، وأن تكونَ موصولةً اسميةً.
وقرأ العامَّةُ:((فلا تَسْتَعْجِلُوه)» بالتاء خطاباً للمؤمنين أو للكافرين. وابنُ
جبير(٢) بالياء من تحتُ عائداً على الكفار أو المؤمنين.
(١) لأنها حرف عندهم. وعند الأخفش وابن السراج أنها اسم.
(٢) البحر ٤٧٢/٥، الشواذ ٧٢.
١٨٧

- النحل -
وقرأ الأخَوان(١): ((تُشْرِكُون)) بتاءِ الخطابِ جَرْياً على الخطابِ في
(تَسْتَعْجِلُوْه)) والباقون بالياءِ عَوْداً على الكفار. وقرأ الأعمشُُ وطلحةُ
والجحدريُّ وجَمُّ غفيرٌ بالتاء من فوقُ في الفعلين.
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الملائكةَ﴾: قد تقدَّم الخلافُ في
(يُنْزِّل)) بالنسبة إلى التشديدِ والتخفيفِ في البقرة(٢). وقرأ(٣) زيدُ بن علي
والأعمشُ وأبو بكر عن عاصم ((تُنَزَّلُ)) مشدداً مبنياً للمفعول وبالتاءٍ مِنْ فوقُ،
((الملائكةُ)) رفعاً لقيامِه مَقامَ الفاعلِ وقرأ الجحدريُّ كذلك، إلا أنه خَفِّف
الزايَ. وقرأ الحسنُ والأعرجُ وأبو العالية والمفضَّل عن عاصم ((تَنَزَّلُ)) بتاءٍ
واحدةٍ مِنْ فوقُ، وتشديدِ الزايِ مبنياً للفاعل، والأصلُ: ((تَتْنَزَّل)) بتاءَيْن. وقرأ
ابنُ أبي عبلة ((نُنَزِّلُ)) بنونينٍ وتشديدِ الزايِ، ((الملائكةَ)) نصباً، وقتادةُ كذلك
[٥٤٨/ب] إلا أنه بالتخفيف. قال / ابن عطية (٤): ((وفيهما شذوذٌ)) ولم يُبَيِّن وجهَ ذلك،
ووجهُه: أنَّ ما قبله وما بعده مضمرٌ غائبٌ، وتخريجُه على الالتفات.
قوله: ((بالرُّوْحِ)) يجوز أن يكونَ متعلقاً بنفس الإِنزال، وأن يكونَ متعلقاً
بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((الملائكة))، أي: ومعهم الروحُ.
قوله: ((مِنْ أمرِهِ)) حالٌ من ((الرُّوحِ)). و((مِنْ)): إمَّا لبيانِ الجنسِ، وإمّا
للتبعيض .
(١) قراءة الأخوين بالخطاب هنا في الفعلين: في الآية ١ والآية ٣، وعبارة المصنف توهم
أن قراءة الأخوين بالخطاب مقصورة على الآية ١. انظر: التيسير ١٢١، والنشر ٢٨٢/٢،
والإتحاف ١٨٠/٢، والبحر ٤٧٢/٥، والحجة ٣٨٥، والشواذ ٧٢ .
(٢) الآية ٩٠. انظر: الدر المصون ٥١١/١، والسبعة ٣٧٠.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٧٠، البحر ٤٧٣/٥، القرطبي ٦٧/١٠، الحجة
٣٨٥، الشواذ ٧٢، المحرر ٣٦٧/٨:
(٤) المحرر ٣٦٧/٨.
١٨٨

- النحل -
قوله: ((أنْ أَنْذِروا)) في ((أَنْ)» ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها المُفَسِّرةُ؛ لأنَّ
الوحيّ فيه ضربٌ من القولِ، والإِنزالُ بالروحِ عبارةٌ عن الوحيِ. الثاني:
أنها المخففةُ مِنَ الثقيلة، واسمُها ضميرُ الشأنِ محذوفٌ تقديره: أنَّ الشأنَ
أقولُ لكم: إنه لا إله إلا أنا، قاله الزمخشريُّ(١). الثالث: أنها المصدريةٌ
التي من شأنها نصبُ المضارع ووُصِلَتْ بالأمر كقولهم: ((كتبت إليه بأنْ قُمْ))،
وقد مضى لنا فيه بحثٌ.
فإن قلنا: إنها المفسِّرةُ فلا مَحَلَّ لها، وإنْ قلنا: إنها المخففةُ أو الناصبةُ
ففي محلٌّها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها مجرورةُ المحلِّ بدلاً من ((الرُّوح))؛ لأنَّ
التوحيدَ رُوْحْ تَحْيا به النفوسُ. الثاني: أنها في محلٌّ جرِّ على إسقاطِ الخافضِ
كما هو مذهبُ الخليل. والثالث: أنها في محلَ نصب على إسقاطه
وهو مذهبُ سيبويه(٢)، والأصلُ: بأَنْ أَنْذِروا، فلمَّا حُذِفَ الجارُّ جَرَىُ
الخلافُ المشهورُ.
قوله: ((أنه لا إله إلا أنا» هو مفعولُ الإِنذارِ والإِنذار قد يكونُ بمعنى
الإِعلام، يقال: نَذَرْتُه وأَنْذَرته بكذا، أي: أَعْلِمُوهم التوحيدَ. وقوله ((فاتَّقونٍ»
التفاتُ إلى التكلمِ بعد الغَيْبة.
آ. (٤) قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: متعلَّقٌ بـ ((خَلَق)) و ((مِنْ))
(١) الكشاف ٤٠٠/٢.
(٢) تقدم لنا أن هذه النسبة لسيبويه ليست دقيقة، فهو يرى أن المحلَّ هو الجُرُّ، والخليل
يرى النصب كما في الكتاب ٤٦٤/١ - ٤٦٥. وانظر: الدر المصون ٢١١/١ -
٢١٢، ومعاني القرآن للفراء ١٤٨/١.
١٨٩

- النحل -
لابتداءِ الغاية. والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ من الماءِ، نَطَفَ رأسُه ماءً، أي: قَطَر.
وقيل: هي الماء الصافي ويُعَبَّرُ بها عن ماءِ الرجل، ويُكْنَى بها عن اللؤلؤة،
ومنه صبيٌّ مُنَطّف: إذا كان في أذنه لُؤلؤة، ويقال: ليلة نَطُوف: إذا جاء فيها
مطرٌ. والناطِف: ما سأل من المائعاتِ، نَطَفَ يَنْطِفُ، أي: سال فهو ناطِفٌ.
وفلانٌ يَنْطِفُ بسوءِ.
قوله: ((فإذا هو خَصِيمٌ)) عَطَفَ هذه الجملةَ على ما قبلَها. فإن قيل(١):
الفاءُ تدلُّ على التعقيب، ولا سيما وقد وُجِدَ معها ((إذا)) التي تقتضي
المفاجأةَ، وكونُه خصيماً مبيناً لم يَعْقُبْ خَلْقَه مِنْ نُطْفَة، إنما توسَّطَتْ بينهما
وسائطُ كثيرةٌ. فالجوابُ من وجهين، أحدُهما: أنه من باب التعبير عن حال
الشيءٍ بما يُؤُول إليه، كقوله تعالى: ((أَعْصِرُ خَمْراً))(٢). والثاني: أنه أشار
:
بذلك إلى سُرْعَةِ نِسْيانهم مَبْدَأَ خَلْقِهم. وقيل: ثَمَّ وسائِطُ محذوفةٌ. والذي
يظهر أنَّ قولَه ((خَلَقَ)) عبارةً عن إيجاده وتربيتِه إلى أن يبلغَ حدَّ هاتين
الصفتين .
و ((خصيم)) فَعِيْل، مثالُ مبالغةٍ مِنْ خَصَم بمعنى اختصم، ويجوز أن
يكونَ مُخاصِم كالخليط والجلیس.
آ. (٥) قوله تعالى: ﴿والأنعامَ خَلَقَها﴾: العامَّةُ على النصبِ وفيه
وجهان، أحدُهما: نصبُ على الاشتغالِ، وهو أرجحُ مِن الرفعِ لتقدُّمِ
جملةٍ فعليةٍ(٣). والثاني: أنه نصبُ على عَطفِه على ((الإِنسان))، قاله
(١) انظر: الإِملاء ٧٨/٢.
(٢) الآية ٣٦ من يوسف.
(٣) وهي قوله ((خلق الإِنسان)).
١٩٠

- النحل -
الزمخشريُّ(١) وابنُ عطية (٢)، فيكون ((خَلَقَها)) على هذا مؤكِّداً، وعلى الأول
مفسِّراً. وقُرىء (٣) في الشاذِّ((والأنعامُ)) رفعاً وهي مَرْجُوحَةٌ.
قوله: ((لكم فيها دِفْءٌ)) يجوز أن يَتَعَلَّقَ ((لكم)) بـ((خَلَقَها))، أي:
لأجلِكم ولمنافعِكم، ويكون ((فيها)) خبراً مقدماً، ((ودِفْءٌ)) مبتدأَ مؤخراً.
ويجوز أن يكونَ ((لكم)) هو الخبر، و(فيها)) متعلّقٌ بما تعلَّقَ به الخبرُ،
أو يكونَ ((فيها)) حالاً من ((دِفْءٌ)) لأنه لو تأخّر لكان صفةً له، أو يكونَ
((فيها )) هو الخبرَ، و((لكم)) متعلُّقُ بما تعلَّق به، أو يكونَ حالاً مِنْ ((دِفْءٌ))
قاله أبو البقاء(٤). ورَدَّه الشيخ(٥) بأنه إذا كان العاملُ في الحال معنوياً فلا يتقدَّم
على الجملةِ بأسرها، لا يجوز: ((قائماً في الدار زيدٌ)) فإنْ تأخّرَتْ نحو: «زيدٌ
في الدار قائماً)) جازّ بلا خلافٍ، أو توسَّطَتْ / فخلافٌ، أجازه الأخفشُ، ومنعه [٥٤٩/أ]
غیرُه.
قلت: ولقائل أن يقولَ: لَمَّا تقدَّمَ العاملُ فيها وهي معه جاز تقديمُها
عليه بحالها، إلَّ أنْ يقولَ: لا يَلْزَمُ مِنْ تقديمِها عليه وهو متأخرٌ تقديمُها عليه
وهو متقدمٌ، لزيادةِ القبح .
وقال أبو البقاء(٦) أيضاً: ((ويجوز أَنْ يرتفعَ ((دِفْء)) بـ ((لكم))
أو بـ ((فيها)) والجملةُ كلُّها حالٌ من الضمير المنصوب)). قال الشيخ(٧):
(١) الكشاف ٤٠١/٢.
(٢) المحرر ٣٧١/٨.
(٣) البحر ٤٧٥/٥ .
(٤) الإِملاء ٧٨/٢.
(٥) البحر ٤٧٤/٥ .
(٦) الإملاء ٧٨/٢.
(٧) البحر ٤٧٤/٥.
١٩١

- النحل -
((ولا تُسَمِّى جملةً؛ لأنَّ التقدير: خلقها كائناً(١) لكم فيها دفءٌ، أو خَلَقها لكم
كائناً فيها دِفْءٌ)) قلت: قد تقدَّم الخلاف(٢) في تقدير متعلَّق الجارِّ إذا وقع
حالاً أو صفةً أو خبراً: هل يُقَدَّرُ فِعْلاً أو اسماً؟ ولعلَّ أبا البقاء نحا إلى الأول،
فتسميتُه له جملةً صحيحٌ على هذا.
والدِّفْء اسمٌ لِما يُدْفَأُ به، أي: يُسْخَنُ، وجمعُه أدفاء، ودَفِىءَ يومُنا فهو
دَفِىءٌ، ودَفِىءَ الرجلُ يَدْفَأُ دَفاءَةً ودَفَاءً فهو دَفْآنُ، وهي دقْأَى، کسَكْران
وسَكْرَىْ. والمُدْفَأة بِالتخفيفِ والتشديد(٣): الإِبلُ الكثيرةُ الوبرِ والشحمِ.
قيل: الدِّفْءُ: نِتَاجُ الإِبل وألبانُها، وما يُنْتفع به منها.
وقرأ(٤) زيدُ بنُ عليّ ((دِفٌ)) بنَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الفاء، والزهريُّ
كذلك، الا أنه شَدَّدَ الفاء، كأنه أجرى الوَصْلَ مُجْری الوقفِ نحو قولهم:
(هذا فَرُغْ)) بالتشديد وقفاً. وقال صاحب ((اللوامح))(٥): (ومنهم مَنْ يُعَوِّضُ
من هذه الهمزةَ فُيُشَدِّدِ الفاءَ، وهو أحدُ وجهَيْ حمزةَ بنِ حبيب وقفاً). قلت:
التشديد وَقْفاً لغةٌ مستقلةٌ، وإن لم يكن ثَمَّ حَذْفٌ من الكلمةِ الموقوفِ عليها.
قوله: ((ومنها تأكلون)) (( مِنْ)) هنا لابتداء الغاية، والتبعيض هنا ضعيفٌ.
قال الزمخشري(٦): ((فإن قلت: تقديمُ الظرفِ مُؤْذِنٌ بالاختصاصِ ، وقد يُؤْكَلُ
مِنْ غيرِها. قلت: الأكل منها هو الأصلُ الذي يعتمده الناسُ، وأمَّا غيرُها مِن
البَطُّ والدَّجاج ونحوِها من الصَّيْد فكغيرِ المُعْتَدُّ به)).
(١) سقط قوله ((كائناً)) من مطبوعة البحر.
(٢) انظر: الدر المصون ٣٨/١.
(٣) بالتشديد: المُدَقَّة. اللسان (دفأ).
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ٧/٢، البحر ٤٧٥/٥، الإتحاف ١٨١/٢.
(٥) انظر: البحر ٤٧٥/٥.
(٦) الكشاف ٤٠١/٢.
١٩٢

- النحل -
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿ولكم فيها جَمالٌ﴾: كقوله: ((لكم فيها
دِفْء))(١). و((حين)) منصوبٌ بنفس ((جمال))، أو بمحذوفٍ على أنه صفةً
له، أو معمولٌ لِما عَمِل في ((فيها)) أو في ((لكم )).
وقرأ(٢) عكرمةُ والضحاكُ ((حيناً)) بالتنوين على أنَّ الجملةَ بعدَه صفةً له،
والعائدُ محذوفٌ، أي: حيناً تُرِيْحون فيه، وحيناً تَسْرحُون فيه، كقوله تعالى:
((واتَّقوا يوماً تُرْجَعُون فيه))(٣).
وقُدِّمَتْ الإِراحةُ على السَّرْحِ ؛ لأنَّ الأنعامَ فيها أجملُ لِمَلْءٍ بطونِها
وتَحَفِّلٍ ضُروعِها.
والجَمالُ: مصدرُ جَمُلَ بضمِّ الميم يَجْمُل فهو جميل، وهي جميلة.
وحكى الكسائيُّ جَمْلَاء كَحَمْراء، وأنشد(٤):
٢٩٥٧۔ فھيَ جَمْلاءُ کَبَدٍْ طالعٍ
بَذِّتِ الخَلْقَ جميعاً بالجَمالْ
ويقال: أراحَ الماشيةَ وهَرَاحَها بالهاءِ بدلاً من الهمزة. وسَرَحَ الإِبلّ
يَسْرَحُها سَرْحاً، أي: أرسلَها، وأصلُه أن يُرْسِلَها لترعى السُّرْحَ، والسَّرْحُ
شجرٌ له ثمرٌ، الواحدة سَرْحَة. قال(٥):
٢٩٥٨ - أبى اللَّهُ إلا أنَّ سَرْحَةَ مالكٍ
على كلِّ أفنانِ العِضاهِ تَسرُوْقُ
--
(١) الآية المتقدمة: ٥.
(٢) البحر ٤٧٦/٥، الشواذ ٧٢.
(٣) الآية ٢٨١ من البقرة.
(٤) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في ابن يعيش ١٥/١، واللسان (جمل).
(٥) تقدم برقم (٧٨).
١٩٣

- النحل -
وقال (١):
٢٩٥٩ - بَطَلِ كأن ثيابَه في سَرْحةٍ يُحْذَىْ نِعالَ السِّبْتِ ليس بتوْءَم
ثم أُطْلِقِ على كل إرسالٍ، واستُعير أيضاً للطّلاق فقالوا: سَرَّحَ فلانٌ
امرأته، كما استعير الطلاقُ أيضاً من إطلاق الإِبل من عُقُلِها (٢). واعْتُبِر من
السَّرْحِ المُضِيُّ فقيل: ناقَةٌ سُرُحٌ، أي: سريعة قال(٣):
٢٩٦٠ -... سُرُحُ اليَدْن
وحَذَفَ مفعولي (تُرِيْحون)) و((تَسْرَحُون)) مراعاةً للفواصل مع العلم
بهما .
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿لم تكونوا﴾: صفةٌ لـ ((بلد)) و ((إلا بشِئٍّ)
حالٌ من الضمير المرفوع في ((بالِغِيْه))، أي: لم تَبْلُغوه إلا ملتبسِيْنَ بِالمَشَفَّةِ.
والعامَّةُ على كسرِ الشين. وقرأ (٤) أبو جعفر، ورُوِيَتْ عن نافع
وأبي عمرو بفتحها. فقيل: هما مصدران بمعنىَّ واحدٍ، أي: المَشَّقَّةَ، فمِنَ
الكسر قولُه(٥):
٢٩٦١- رأى إِبِلَا تَسْعى، ويَحْسِبُها له
أُخِي نَصَبٍ مِنْ شِقُّها ودُۇُوْبٍ
(١) تقدم برقم (١٨٣٢).
(٢) الْعُقُل: ج ◌ِقال وهو الحبل الذي يُعْقل به البعير.
(٣) تقدم برقم (١٥٨٩). وأقحمت ((كأنها)) في الأصل بعد قوله ((اليدين)).
(٤) الإِتحاف ١٨١/٢، المحتسب ٧/٢، البحر ٤٧٦/٥، القرطبي ٧٢/١٠.
(٥) البيت للنمر بن تولب وهو في اللسان (شقق)، ورواية صدره فيه:
وذي إبل يَسْعی
والمحرر ٣٧٣/٨، والقرطبي ٧٢/١٠، والبحر ٤٧٦/٥.
١٩٤

- النحل -
أي: مِنْ مَشَقَّتها. / وقيل: المفتوحُ المصدرُ، والمكسورُ الاسمُ. [٥٤٩/ب]
وقيل: بالكسرِ نصفُ الشيء. وفي التفسير: إلا بنصفٍ أنفسكم، كما تقول:
(لم تَنَلْه إلا بقطعةٍ من كَبِدك)) على المجاز.
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿والخيلَ﴾: العامَّةُ على نصبِها نَسَقاً على
((الأنعامَ)). وقرأ(١) ابن أبي عبلة برفعِها على الابتداء والخبرُ محذوفٌ، أي:
مخلوقَةٌ أو مُعَدَّةٌ لتركبوها، وليس هذا ممَّا نابَ فيه الجارُّ منابَ الخبرِ لكونه
كوناً خاصاً.
قوله: ((وزينةً)) في نصبها أوجهٌ، أحدُها: أنها مفعولٌ من أجلِه، وإنما
وَصَل الفعلُ إلى الأول باللام في قوله: ((لتركبوها)) وإلى هذا بنفسِه لاختلالٍ
شرطٍ في الأول، وهو عَدَمُ اتحادِ الفاعلِ، فإن الخالقَ اللَّهُ، والراكبَ
المخاطبون بخلافٍ الثاني .
الثاني: أنها منصوبةٌ على الحال، وصاحبُ الحال: إمَّا مفعول
(خَلَقَها))، وإمَّا مفعولُ ((لتركبوها))، فهو مصدرٌ أقيم مُقامَ الحال.
الثالث: أَنْ ينتصِبَ بإضمارٍ فِعْلٍ، فقدَّره الزمخشري(٢) ((وخَلَقها
زينة)). وقدَّره ابن عطية (٣) وغيرُه ((وجَعَلها زينةً)).
الرابع: أنه مصدرٌ لفعلٍ محذوف، أي: وَيَتْزَيُّنُوْن بها زينةٌ.
وقرأ قتادةُ (٤) عن ابن عباس ((التّرْكَبوها زينةً)) بغير واوٍ، وفيها الأوجهُ
(١) البحر ٤٧٦/٥، القرطبي ٧٣/١٠.
(٢) الكشاف ٤٠٢/٢، ولكن تقديره هذا وَرَدَ على قراءة إسقاط الواو.
(٣) المحرر ٣٧٤/٨.
(٤) البحر ٤٧٦/٥، المحتسب ٨/٢، المحرر ٣٧٤/٨.
١٩٥

- النحل :-
المتقدمةُ، ويزيد أن تكونَ حالاً من فاعل ((لتركبوها))، أي: تركبونها مُتَزَيِّنين
بها .
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿ومنها جائِرٌ﴾: الضميرُ يعود على السبيل
لأنها تُؤَنَّثُ: ((قل هذه سبيلي)(١)، أو لأنها في معنى سُبُل، فَأَنَّثَ على معنى
الجمع.
والقَصْدُ مصدرٌ يُوْصَفُ به فهو بمعنى قاصِد، يُقال: سبيلٌ قَصْدٌ
وقاصِدٌ، أي: مستقيم كأنه يَقْصِد الوجهَ الذي يَؤُمُّه السَّالكُ لا يَعْدِل عنه.
وقيل: الضمير يعود على الخلائق، ويؤيِّده قراءةُ عيسى وما في مصحف
عبد الله: ((ومنكم جائِرٌ))، وقراءةُ عليٍّ: ((فمنكم جائر)» بالفاء.
وقيل: أل في السبيل للعَهْدِ، فعلى هذا يعود الضميرُ على ((السبيل))
التي يتضمَّنها معنى الآيةِ كأنه قيل: ومِن السبيل، فأعاد عليها وإنْ لم يَجْرِ لها
ذِكْرٌ؛ لأنَّ مقابلَها يَدُلُّ عليها. وأمَّا إذا كانت أل للجنس فتعودُ على لفظها.
والجَوْرُ: العُدولُ عن الاستقامةِ. قال النابغة(٣):
٢٩٦٢-
يَجُور بها الملَّحُ طَوْراً ويَهْتدي
(١) الآية ١٠٨ من يوسف.
(٢) البحر ٤٧٧/٥، الشواذ ٧٢.
(٣) هذا سهو؛ لأن البيت لطرفة، وصدره:
عَدَوْلِيَّةٌ أو مِنْ سَفينِ ابنِ يامٍِ
وهو في ديوانه ٧، والقرطبي ٨١/١٠. والعدولية: سفينة منسوبة إلى عَدَوْلَى قرية
بالبحرین.
١٩٦

- النحل -
وقال آخر(١):
٢٩٦٣- ومن الطريقةِ جائرٌ وهُدى
قَصْدُ السبيلِ ومنه ذُو دَخْلٍ
وقال أبو البقاء(٢): ((وقَصْدُ مصدرٌ بمعنى إقامةِ السبيل وتَعْديلِ
السبيلِ، وليس مصدرَ قصّدْتُه بمعنىْ أَتَّتُه)).
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿ماءً لكم منه شَرابُ﴾: يجوزُ في
((لكم)) أن يتعلَّقَ بـ ((أَنْزَلَ))، ويجوزُ أن يكونَ صفةٌ لـ((ماءً))، فيتعلَّقَ
بمحذوفٍ، فعلى الأولِ يكون ((شرابٌ)) مبتدأً و((منه)) خبرُه مقدَّمٌ عليه،
والجملةُ أيضاً صفةٌ لـ ((ماءً)) وعلى الثاني يكون ((شرابٌ)) فاعلًا بالظرف،
و ((منه)) حالٌ من ((شراب))(٣). و ((مِنْ)) الأولى للتبعيض، وكذا الثانيةُ عند
بعضِهم، لكنه مجاز لأنه لمَّا كان سَقْيُه بالماء جُعِل كأنه من الماء
كقوله(٤):
٢٩٦٤ - أسْنِمَة الأبالِ في رَبابَهْ
أي: في سَحابة، يعني به المطرَ الذي يَنْبُتُ به الكلّا الذي تأكلُه الإِبِلُ
فَتَسْمَنُ أَسْنِمَتُها.
وقال أبو بكر بن الأنباري: ((هو على حذف مضاف إمّا من الأول، يعني
(١) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ٢٣٨، والقرطبي ٨١/١٠. والدخل: الفساد.
(٢) الإملاء ٧٨/٢.
(٣) تقديره ((منه)) حالاً من شراب لأن الصفة إذا تقدَّمت على الموصوف كانت حالاً،
وتقدير الأصل: شراب مستقر منه، ثم صار التقدير: مستقراً منه شراب، فشراب
فاعل بهذه الحال. ويجوز أن يتعلق ((منه)) بالفعل استقرَّ فلا يكون ثمة حال.
(٤) تقدم برقم (٢١٧٩).
١٩٧

- النحل :-
قبل الضمير، أي: مِنْ سَقْبِه وجِهِه شجرٌ، وإمَّا من الثاني، يعني قبل شجر،
أي: شُرْب شجر أو حياة شجر)). وجعل أبو البقاء (١) الأولى للتبعيض والثانية
للسببية، أي: بسببه، ودَلَّ عليه قولُه: ((يُنْبِتُ لكم به الزَّرْعَ)).
والشَّجَرُ هنا: كلُّ نباتٍ من الأرض حتى الكلا، وفي الحديث:
((لا تأكُلُوا الشجرَ فإنه سُحْتٌ))(٢) يعني الكلأ، ينهى عن تحجُّر(٣) المباحاتِ
المحتاجِ إليها بشدة. وقال(٤):
٢٩٦٥- نُطْعِمُها اللحمَ إذا عَزَّ الشجَرْ
۔۔
وهو مجاز؛ لأنَّ الشجرَ ما كان له ساقٌ.
قوله: (فيه تُسِيْمُون)) هذه صفةٌ أخرى لـ ((ماءً)). والعامَّة على
((تُسِيمون)) بضمُّ الياء مِنْ أسام، أي: أَرْسَلَها لِتَرْعى، وزيد(٥) بن علي
بفتحِها، فيحتمل أن يكونَ متعدياً، ويكون فَعَل وأَفْعَل بمعنى، ويحتمل أن
يكون لازماً على حذفٍ مضافٍ، أي : تَسِيْمُ مواشِيَكُمْ.
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ﴾: تحتمل هذه الجملةُ الاستئنافَ
والتبعيةَ كما في نظيرتِها(٦) .. ويقال: ((أَنْبت اللَّهُ الزرعَ)) فهو مَنْبُوْت، وقياسُه
(١) الإملاء ٧٩/٢.
(٢) نسب ابن عطية هذا القول لعكرمة بلفظ ((لا تأكلوا ثمر الشجر ... )) المخرر
٣٨٠/٨، ولم أجده حديثاً، وانظر: البحر ٤٧٨/٥ وممن ذهب إلى أن الشجر هنا
الكلأ ابن قتيبة واستشهد بقول عكرمة. انظر: تفسير غريب القرآن له ٢٤٢. وفي
رواية الزمخشري في الكشاف ٤٠٣/٢: ((لا تأكلوا ثمن الشجر ... )).
(٣) لعله مِنْ ((حَجَّرَ الأرضَ)) إذا وضع على حدودها أعلاماً بالحجارة ونحوها لحيازتها.
(٥) البحر ٤٧٨/٥.
(٤) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٤٧٨/٥.
(٦) لعله يعني بنظيرتها الجملة وقعت رأس آية، فإمّا أن تكون تابعة لما قبلها أو تستأنف
كلاماً جديداً.
١٩٨

- النحل -
مُنْبَتْ. وقيل: ((أَنْبت)) قد يجيْءُ لازماً كـ ((نَبَتَ))، أنشد الفراء(١):
٢٩٦٦ - رأيتَ ذوي الحاجاتِ حولَ بيوتِهمْ
فَطِيناً لهم حتى إذا أَنْبَتَ البَقْلُ
وأباه الأصمعي، والبيتُ حجةٌ عليه، وتأويلُه بـ ((أَنْبت البقلُ نفسَه)) على
المجاز بعيدٌ جداً.
وقرأ(٢) أبو بكر ((نْبِتُ)) بنون العظمة، / والزهري ((نُنَبِّتُ)) بالتشديد. [٥٥٠/أ]
والظاهر أنه تضعيف المتعدي. وقيل: بل للتكرير. وقرأ أَبَي ((يَنْبُت)) بفتحِ
الياءِ وضم الباء، ((الزَّرُ)) وما بعده رفعٌ بالفاعلية .
آ. (١٢): وقد تقدَّم خلافُ القراء في رفع ((الشمس)) وما بعدها
ونصبِها، وتوجيهُ ذلك في سورة الأعراف(٣) .
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿وما ذَرَأْ﴾: عطفٌ على ((الليل)) قاله
الزمخشري (٤) يعني ما خَلَقَ فيها من حيوانٍ وشَجَر. وقال أبو البقاء(٥): ((في
موضعِ نصبٍ بفعلٍ محذوف، أي: وخَلَقَ وأَنْبَتَ)). كأنه استبعد تَسلّطَ
((سَخَّر)) على ذلك فقدَّر فعلًا لائقاً. و((مختلفاً)) حالٌ منه، و((ألوانُه))
فاعلٌ به.
(١) البيت لزهير، وهو في ديوانه ١١١، والمحتسب ٨٩/٢، واللسان (نبت). والقطين:
سكان الدار. يريد أن الناس يقيمون بينهم وقت القحط حتى يخصبوا.
(٢) السبعة ٣٧٠، البحر ٤٧٨/٥، التيسير ١٣٧، الحجة ٣٨٦، النشر ٣٠٢/٢،
الإتحاف ١٨١/٢.
(٣) الآية ٥٤. وانظر الدر ٣٤٣/٥.
(٤) الكشاف ٢/ ٤٠٤ .
(٥) الإِملاء ٧٩/٢.
١٩٩

- النحل -
وخَتَمَ الآيةَ الأولى بالتفكُّر؛ لأنَّ ما فيها يحتاج إلى تأمُّلٍ ونَظَر، والثانيةً
بالعقل؛ لأنَّ مدارَ ما تقدَّم عليه، والثالثةَ بالتذكّر؛ لأنه نتيجةُ ما تقدَّمَ. وجَمَعَ
((آيات))(١) في الثانية دونَ الأولى والثالثةِ؛ لأنَّ ما نِيْطَ بها أكثرُ، ولذلك ذَكْرَ
معها العقلَ.
آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿منه لَحْماً﴾: يجوز في «منه » تعلّقُه
بـ ((لتأكلوا))، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من النكرة بعده. و((مِنْ))
لابتداء الغاية أو للتبعيضٍ ، ولا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ، أي: مِنْ حیوانه.
و ((طَرِيّاً)) فَعِيْلِ مِنْ طَرُوَ يَطْرُوْ طَراوةً كسَرُوَ(٢) يَسْرُوْ سَراوَةً. وقال
الفراء: ((بل يقال: طَرِي يَطَرَى طَراوةً وطَراءٌ مثل: شَقِيَ يَشْقَىْ شَقَاوَةً
وشَقاءً)). والطّراوةُ ضد اليَيُوسة، أي: غَضأً جديداً. ويُقال: الثيابُ المُطَرَّةِ.
والإِطراء: مَدْحٌ تَجَدَّد ذِكْرُه، وأمّا ((طَرَأَ)) بالهمز فمعناه طَلَع.
قوله: ((حِلْيَةً)) الحِلْيَةُ: اسمٌ لِما يُتَحَلَّى به، وأصلُها الدلالةُ على الهيئة
كالعِمَّة والخِمْرَة. و((تَلْبَسُونها)) صفةٌ. و((منه)) يجوز فيه ما جاز في
((منه))(٣) قبله. وقوله ((وتَرَى)) جملةٌ معترضةٌ بين التعليلين وهما ((لتأكلوا))
و ((لِتَبْتَغُوا))، وإنما كانَتْ اعتراضاً لأنها(٤) خطابٌ لواحد بين خطابين
لجمعٍ.
قوله: ((فيه)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بـ ((ترى))، وأَنْ يتعلَّقَ بـ ((مواخِرَ)) لأنها
(١) في الآية ١٢ .
(٢) سَرُوَ: شَرُفَ.
(٣) في قوله ((لتأكلوا منه)).
(٤) قوله ((لأنها)) غير واضح في الأصل.
٢٠٠