Indexed OCR Text
Pages 161-180
- الحجر - له، فلمَّا قُدِّمَتْ انتصبَتْ حالاً. ويجوز أن تكونَ حالاً من الضمير المستترِ في الجارِّ، وهو ((لكلِّ بابٍ))، والعاملُ في هذه الحالِ ما عَمِل في هذا الجارِّ. ولا يجوز أن تكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في ((مَقْسُوم)) لأنَّ الصفةَ لا تعمل فيما قبل الموصوفِ. ولا يجوز أن تكونَ صفةً لـ ((باب)) لأنَّ البابَ ليس من الناس. وقرأ(١) أبو جعفر بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، كأنه ألقى حركةَ الهمزةِ على الزاي، ووَقَفَ عليها فَشَدِّدها، كقولهم: ((خالدٌ))، ثم أَجْرى الوصلَ مُجْری الوقفِ . آ. (٤٥): وكَسَرَ عِينَ ﴿عُيُون﴾: منكَّراً و ((العيون)) مُعَرَّفاً حيث وقع ابنُ كثير(٢) والأخوان وأبو بكر وابن ذكوان. والباقون بالضمُّ وهو الأصل. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوها﴾: العامَّةُ على وَصْلِ الهمزةِ من دَخْل يَدْخُل. وقد تقدَّم خلافُ القرَّاء في حركةِ هذا التنوين (٣)/ لالتقاء [٥٤٤/ب] الساكنين في البقرة. وقرأ (٤) يعقوب بفتح التنوين وكسرِ الخاء. وتوجيهُها: أنه أمرٌ مِنْ أَدْخَل يُدْخِل، فلمَّا وقع بعد ((عيون)) ألقى حركة الهمزة على التنوين لأنها همزةُ قطع، ثم حذفها. والأمرُ مِنَ الله تعالى للملائكةِ، أي أَدْخِلوها إیاهم . وقرأ(٥) الحسن ويعقوب أيضاً (أُدْخِلوها)) ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ (١) يعني لفظة ((جزء)). انظر: الإتحاف ١٧٥/٢، المحتسب ٤/٢، البحر ٤٥٥/٥. (٢) التيسير ١٣٦، النشر ٢٢٦/٢، البحر ٤٥٦/٥، الإتحاف ١٧٦/٢. (٣) في قوله ((عيونٍ ادخلوها)». (٤) البحر ٤٥٦/٥، ورَسْمُها ((وعيونْنَ دْخِلوها)). (٥) الإتحاف ١٧٦/٢، البحر ٤٥٦/٥، القرطبي ٣٢/١٠. ١٦١ - الحجر - يعقوبَ ضمَّ التنوين، ووجهُه: أنه أخذه مِنْ أَدْخَلَ رباعياً، فألقى حركة همزةٍ القطع على التنوين، كما ألقى حركةَ المفتوحةِ في قراءته الأولى. والحسن(١). كَسَره على أصلِ التقاءِ الساكنين، ووجهُه: أن يكونَ أجرى همزةَ القطعِ مُجْرى همزة الوصلِ في الإِسقاط. وقراءةُ الأمرِ على إضمارِ القول، أي: يُقال لأهل الجنة: ادْخُلوها. أو يُقال للملائكة: أَدْخِلُوها إياهم. وعلى قراءة الإِخبار يكون مستأنفاً مِنْ غِيرٍ إضمارٍ قولٍ. قوله: ((بسلامٍ)) حالٌ، أي: ملتبسين بالسلامة، أو مُسلَّماً عليكم. قوله: ((آمِنين)) حالٌ أخرى وهي بدلٌ مِمَّا قبلها: إمَّا بدلُ كلٍ من کلٍ ، وإمَّا بدلُ اشتمال؛ لأنَّ الأَمْنَ مُشْتملٌ على التحيةِ أو بالعكس. آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿إِخْواناً﴾: يجوز فيه أن يكونَ حالاً من ((هم)) في ((صدورِهم))، وجاز ذلك لأنَّ المضافَ جزءُ المضاف إليه. وقال أبو البقاء (٢): ((والعاملُ فيها معنى الإِلصاق)). ويجوز أن يكونَ حالاً مِنْ فاعل (ادْخُلوها)) على أنها حالٌ مقدرةٌ، كذا قال أبو البقاء(٣)، ولا حاجةً إليه، بل هي حالٌ مقارِنةٌ، ويجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في ((آمِنِين))، وأن يكونَ حالاً مِنَ الضمير في قوله ((في جنَّات)). -- قوله ((على ((سُرُرٍ) يجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ ((إخواناً)) لأنه بمعنى متصافّيْنَ على سُرُر. قاله أبو البقاء (٤)، وفيه نظرٌ من حيث تأويلُ جامٍ بمشتق بعيدٍ (١) رسم قراءته وعيوننٍ دخلوها. (٢) الإملاء ٢ /٧٥. (٣) الإملاء ٢ /٧٥. (٤) الإِملاء ٢ /٧٥. ١٦٢ - الحجر - منه. و((متقابلين)) على هذا حالٌ من الضمير في ((إخواناً))، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةً لإِخوان، وعلى هذا فـ (متقابلين)) حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ. ويجوز أن يتعلَّقَ بـ((متقابلين))، أي: متقابلين على سُرُرٍ، وعلى هذا فـ ((متقابلين)) حالٌ من الضمير في ((إخواناً) أو صفةٌ لـ «إخواناً» ويجوز نصبُه على المدح، يعني أنه لا يمكن أن يكون نعتاً للضمير فلذلك قُطِعَ. والسُّرُر: جمع سَرِيْر وهو معروفٌ. ويجوز في ((سُرُر)» ونحوِهِ ممَّا جُمِعَ على هذه الصيغةٍ مِنْ مضاعَف فعيل فَتْحُ العين تخفيفاً، وهي لغةً كلبٍ وتميم فيقولون: سُرَرٌ وذُلَّلٌ في جمع : سَرير وذليل. آ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿لا يَسُّهم فيها نَصَبٌ﴾: يجوز أن تكون هذه مستأنفةً، ويجوزُ أن تكونَ حالاً من الضمير في ((متقابلين)). والنَّصَب: التَّعَبُ. يُقال منه: نَصِبَ يَنْصَبُ فهو نَصِبٌ وناصِب، وأَنْصَبَني كذا. قال(١): ٢٩٤١ - تأوَّبَنِي هَمِّ مع الليلِ مُنْصِبُ وهَمِّ ناصِبٌ، أي: ذو نَصَب كـ لابنٍ وتامٍ. قال النابغة(٢): ٢٩٤٢- کِلِْنِي لِهَمّ یا أُمیمةُ ناصِبِ ولیلٍ أقاسيه بطِئْء الكواكبِ و ((منها)) متعلقٌ بـ ((مُخْرَجِيْن)). آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿أنا الغفورُ﴾: يجوز في ((أنا)) أن يكونَ تأكيداً، وأن يكونَ مبتدأُ، وأن يكونَ فصلاً. (١) لم أهتدٍ إلى قائله وتمامه وهو في المفردات ٤٩٤. (٢) تقدم برقم (٢٧٣٩). ١٦٣ - الحجر- آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿هو العذابُ﴾: يجوز في ((هو)» الابتداء والفصلُ، ولا يجوز التوكيدُ؛ إذ المُظْهَرُ لا يُؤَكَّد بالمضمرِ. آ. (٥٢) قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا﴾: في ((إذ)) وجهان: أحدُهما: أنه مفعولٌ بفعلٍ مقدَّر، أي: اذكر إذ دخلوا. والثاني: أنه ظرفٌ على بابِهِ. وفي العاملِ فيه وجهان، أحدُهما: أنه محذوفٌ تقديره: خبر ((ضيفٍ)). والثاني: أنه نفس ((ضيف)). وفي توجيه ذلك وجهان، أحدُهما: أنه لمَّا كان في الأصل مصدراً اعتُبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريَّته بعد الوصفِ بِه عدمُ مطابقته لِما قبله تثنيةً وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائمٌ مَقامَ وصفٍ، والوصفُ يعمل. والثاني: أنه على حَذْفِ مضاف، أي: أصحاب ضيفٍ إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدرُ باقٍ على حالِه فلذلك عَمِلَ. وقال أبو البقاء(١) : - بعد أنْ قَدَّر أصحابَ ضيافته -/ ((والمصدرُ على هذا مضافُ إلى المفعول)). قلت: وفيه نظر؛ إذ الظاهرُ إضافتُهُ لفاعلِهِ، إذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو ... (٢). [٥٤٥/أ] آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿لا تَوْجَلْ﴾: العامة على فتح التاء، مِنْ وَجِل كَشَرِب يَشْرَب، والفتحُ قياسُ فَعِل، إلا أنَّ العربَ آثرَتْ يَفْعِلِ بالكسْرِ في بعض الألفاظِ إذا كانت فاؤه واواً نحو: يَثِقُ. وقرأ(٣) الحسن (تُوْجَل)) مبنياً للمفعول من الإِيجال. وقُرِىء(٤) ((لا تَاجَل)) (١) الإملاء ٢/ ٧٥. (٢) بياض في الأصل وأسقطته النسخ الأخرى، من قوله: ((إذ النبي ◌َّر هو)). الإتحاف ١٧٧/٢، البحر ٤٥٨/٥، المحتسب ٤/٢. (٣) الإ (٤) نسبها في الشواذ ٧١ إلى أبي معاذ. وانظر: البحر ٤٥٨/٥. ١٦٤ - الحجر - والأصلُ (تَوْجَل)) كقراءة العامَّةِ، إلَّ أنه أبدل من الواو ألفاً لانفتاحِ ما قبلها، وإن لم تتحرَّْ، كقولهم(١): تابة وصامة، في تَوْبة وصَوْمَة، وسُمِع: ((اللهم تقبَّل تابتي وصامتي)). وقُرِىءٍ(٢) أيضاً ((لا تَوَاجَلْ)) من المواجلة. آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿أَبَثَّرْتمونيٍ﴾: قرأ(٣) الأعرج ((بَشِّرْتموني) بإسقاطِ أداةِ الاستفهام، فتحتمل الإِخبارَ، وتحتمل الاستفهامَ وإنما حذَّفَ أداته للعلمِ بها. قوله: ((على أنْ مَسَّنِيَ)) في محلِّ نصبٍ على الحال. وقرأ (٤) ابنُ محيصن ((الكُبْرُ)) بزنةٍ قُقْل. قوله: ((فِمَ تُبَشِّرون)) ((بِمَ)) متعلقٌ بـ («تُبَشِّرون))، وقُدِّم وجوباً لأنَّ له صدرَ الكلامِ. وقرأ العامَّةُ بفتح النون مخففةً على أنها نونُ الرفع، ولم يُذْكَرْ مفعولُ التبشير. وقرأ(٥) نافع بكسرها، والأصل ((تُبَشِّرُوْنِي)) فَحَذَفَّ الياءً مجتزِئاً عنها بالكسرة. وقد غلَّطه أبو حاتم وقال: ((هذا يكونُ في الشعرِ اضطراراً) . وقال مكي (٦): ((وقد طَعَنَ في هذه القراءةِ قومٌ لُبُعْدٍ مَخْرَجِها في (١) قال في اللسان (توب): «فأما قوله: تُبْتُ إليك فتقبَّلْ تابتي وصمتُ ربي فتقبَّل صامتي إنما أراد: توبتي وصومتي، فأبدل الواو ألفاً لضَرْبٍ من الخفة». (٢) نسبها في الشواذ ٧١ إلى أصحاب عبد الله . (٣) البحر ٤٥٨/٥ . (٤) البحر ٤٥٨/٥. (٥) السبعة ٣٦٧، النشر ٣٠٢/٢، البحر ٤٥٨/٥، التيسير ١٣٦، الحجة ٣٨٣، الإتحاف ١٧٧/٢. (٦) الكشف ٣١/٢. ١٦٥ - الحجر - العربيةِ؛ لأنَّ حَذْفَ النونِ التي تصحب الياءَ لا يَحْسُنُ إلا في شِعْرٍ، وإِن قُدِّر حَذْفُ النونِ الأولى حَذَفْتَ عَلَمَ الرفعِ من غيرِ ناصبٍ ولا جازمٍ ؛ ولأنَّ نُونَ الرفعِ كَسْرُها قبيحٌ، إنما حَقُّها الفتح)). وهذا الطعنُ لا يُلتفت إليه لأنَّ يَاءَ المتكلمِ قد كَثُرَ حَذْفُها مجتزَاً عنها بالكسرةِ، وقد قرىء بذلك في قوله: ((أفغير [اللَّهِ] تَأْمُرُوْنِّي))(١) كما سيأتي بيأنُه. ووجهُه: أنه لَمَّا اجتمع نونان إحداهما للرفع، والأخرىُ نونُ الوقاية، استثقل اللفظ: فمنهم مَنْ أدغم، ومنهم مَنْ حذف. ثم اخْتُلِف في المحذوفة: هل هي الأولى أو الثانية؟ وقد قدَّمْتُ دلائلَ كلِّ قولٍ مستوفاةً في سورة الأنعام(٢). وقرأ ابنُ كثير بتشديدِها مكسورةً، أدغم الأولى في الثانية وحَذَف ياءَ الإِضافةِ. والحسن أثبت الياءَ مع تشديدِ النون. ويرجِّح قراءةً مَنْ أثبت مفعولَ ((تُبَشِّرون)) وهو الياءُ قولُه: ((قالوا بَشِّرْناك)). آ. (٥٥): و﴿ بالحق﴾: متعلقٌ بالفعلِ قبله، ويَضْعُفُ أن يكون حالاً، أي: بُشَّرْناك ومعنا الحقُّ. آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾: هذا الاستفهامُ معناه النفي؛ ولذلك وقع بعده الإِيجابُ بـ ((إلا)). وقرأ(٣) أبو عمروٍ والكسائي ((يَقْنِطِ)) بكسرٍ عينٍ هذا المضارعِ حيث وقع، والباقون بفتحها، وزيدُ بن علي والأشهبُ بضمِّها. وفي الماضي لغتان: قَنِط بكسر النون، يَقْنَط بفتحها، (١) الآية ٦٤ من الزمر، ولم أرَ مَن نَصَّ على قراءة حذف الياء، قالوا: إن نافعاً قرأ بفتح الياء في ((تأمرونيَ)) ولم يفتحها ابن عامر: السبعة ٥٦٣، والمؤلف نفسه في إعرابه للآية في سورة الزمر لم يُشر إلى ذلك. (٢) انظر: الدر المصون ١٥/٥، الآية ٨٠ من الأنعام. (٣) البحر ٤٥٩/٥، السبعة ٣٦٧، الحجة ٣٨٣، التيسير ١٣٦، الإتحاف ١٧٧/٢. ١٦٦ - الحجر - وقَنَط بفتحِها يَقْنِطِ بكسرِها، ولولا أنَّ القراءةَ سُنَّةٌ متبعةٌ لكان قياسُ مِنْ قرأ (يَقْنَطُ)) بالفتح أن يقرأ ماضيه ((قَنِط)) بالكسر، لكنهم أَجْمعوا على فتحِه في قولِه تعالى في قوله(١): (مِنْ بعد ما قَنَطوا))(٢). والفتحُ في الماضي هو الأكثر ولذلك أُجْمِعَ عليه. ويُرَجِّح قراءةً ((يَقْنَطُ)) بالفتح قراءةُ أبي عمرٍ في بعض الروايات ((فلا تَكُنْ مِنَ القَنِطين))(٣) كَفَرِح يَفْرَحُ فهو فَرِح(٤). والقُنُوط: شدةٌ اليأسٍ من الخير. آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿إلا آلَ لوطٍ﴾: فيه [أوجهٌ] أحدُها: أنه مستثنى متصلٌ على أنه مستثنى من الضميرِ المستكنّ في ((مجرمين» بمعنى: أَجْرَموا كلُّهم إلا آلَ لوطٍ فإنهم لم يُجْرِموا، ويكونُ قولُه ((إنَّا لَمُنَجُوهم)) / [٥٤٥/ب] استئناف إخبارٍ بنجاتهم لكونهم لم يُجْرِموا، ويكون الإِرسالُ حينئذ شاملاً للمجرمين ولآلِ لوط، لإِهلاكِ أولئك، وإنجاءٍ هؤلاء. والثاني: أنه استثناءٌ منقطع؛ لأنَّ آلَ لوط لم يَنْدَرجوا في المجرمين البتّةَ. قال الشيخ(٥): ((وإذا كان استثناءً منقطعاً فهو ممَّا يجبُ فيه النصبُ؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن تُوَجُّه العاملِ إلى المستثنى فيه؛ لأنهم لم يُرْسَلوا إليهم، إنما أُرْسِلوا إلى القوم المجرمين خاصةً، ويكون قوله ((إِنَّا (١) قوله ((في قوله)) مقحمة في الأصل. (٢) الآية ٢٨ من الشورى. (٣) الآية ٥٥ من الحجر. وانظر: القرطبي ٣٦/١٠، الإتحاف ١٧٧/٢ منسوبة إلى الحسن . (٤) وجه الترجيح أن قراءته ((من القَنِطين)) تعني أنه اسم فاعل مِنْ فَعِل يَفْعَل، وقد نصُوا على أنَّ قياس اسم الفاعل من فَعل اللازم: فَعِل. ابن عقيل ٤٢٥/١. (٥) البحر ٤٦٠/٥. ١٦٧ - الحجر - لمنجُوهم)) جَرَى مجرى خبرِ ((لكن)) في اتصالِه بآلٍ لوطٍ، لأنَّ المعنى: لكن آل لوطٍ مُنَّجُّوهم. وقد زعم بعض النحويين في الاستثناءِ المنقطعِ المقدَّرِ بـ((لكن)) إذا لم يكن بعده ما يَصِحُ أن يكونَ خيراً أنَّ الخبرَ محذوفٌ، وأنه في موضعِ رفعٍ لجریان (( إلا )»وتقدیرها بـ (لكن)). قلت: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ قولَهم: لا يتوجَّه عليه العاملُ، أي: لا يمكن، نحو: ((ضحك القومُ إلا حمارَهم))، و((صَهِلَت الخيلُ إلا الإِبلَ)). وأمَّا هذا فيمكن الإِرسالُ إليهم مِنْ غيرٍ مَنْعٍ. وأمَّا قولُه (لأنَّهم لم يُرْسَلُوا إليهم)) فصحيحٌ لأنَّ حكمَ الاستثناءِ كلِّه هكذا، وهو أن يكونَ خارجاً عن ما حُكِم به عن الأولِ ، لكنه لو تَسَلَّطِ عليه لَصَحَّ ذلك، بخلافٍ ما ذكرْتُهُ مِنْ أمثلتِهم. آ. (٦٠) قوله تعالى: ﴿إلا امرأتَه﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ مِنْ آل لوط. قال أبو البقاء (١): ((والاستثناءُ إذا جاء بعد الاستثناءِ كان الاستثناءُ الثاني مضافاً إلى المبتدأ كقولك: ((له عندي عشرةٌ إلا أربعةً إلا درهماً) فإنَّ الدرهمَ يُستثنى من الأربعة، فهو مضافٌ إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشر إلا أربعةً، أو عشرة إلا ثلاثةً)) الثاني: أنَّها مستثناةٌ من الضمير المجرور في ((مُنجُّوهم)). وقد مَنْعَ الزمخشريُّ الوجهَ الأول، وعَيَّن الثاني فقال(٢): ((فإن قلتَ: فقوله ((إلا امرأته)» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناءٌ مِنْ استثناءٍ؟ قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله ((لمنجُوهُمْ)) وليس من الاستثناء من الاستثناء في شيءٍ؛ لأنَّ الاستثناءَ من الاستثناء إنما يكونُ فيما اتَّحد الحكمُ فيه، وأن يقالَ: أهلكناهم إلا آلَ لوطٍ إلا امرأتَه، كما اتحد في قولِ المُطَلِّق: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين (١) الإملاء ٧٦/٢. (٢) الكشاف ٣٩٣/٢. ١٦٨ - الحجر - إلا واحدةً، وقولِ المُقِرِّ لفلان: عليَّ (١) عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا درهماً، وأمّا الآيةُ فقد اختلف الحكمان لأنَّ ((إلا آلَ لوط)) متعلقٌ بـ ((أَرْسَلْنا)) أو بمجرمين، و ((إلا امرأتَه)» قد تعلَّق بقوله «لمنجُوهم)» فأنّى يكون استثناءً من استثناء»؟ قال الشيخ (٢): ((ولمَّا استسلف الزمخشريُّ أن ((امرأته)) استثناءً من الضمير في لمنجُوهم)) أنى (٣) أن يكون استثناءً من استثناء؟ ومَنْ قال إنه استثناءً من استثناء فيمكن تصحيحُ قولِه بأحدٍ وجهين، أحدُهما: أنَّه لمّا كان ((امرأته)) مستثنى من الضمير في ((لمُنجُوهم)) وهو عائدٌ على آل لوط صار كأنه مستثنى مِن آلِ لوط، لأنَّ المضمرَ هو الظاهر. والوجهُ الآخر: أن قولَه ((إلا آلَ لوط)) لمَّا حَكَمَ عليهم بغيرِ الحكم الذي حكم به على قومٍ مجرمين اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قولُه ((إِنَّا لمُنَجُوهم أجمعين)) تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آلَ لوط لم يُرْسَلْ إليهم بالعذاب، ونجاتُهم مترتبةٌ على عدمٍ الإِرسال إليهم بالعذاب، فصار نظيرَ قولِك: ((قام القومُ إلا زيداً لم يَقُمْ))، أو ((إلا زيداً فإنه لم يَقُمْ))، فهذه الجملةُ تأكيدٌ لِما تَضَمَّن الاستثناءُ من الحكم على ما بعد إلّ بضدِّ الحكم السابق على المستثنى منه، فـ ((إلا امرأته)) على هذا التقريرِ الذي قَرَّرْناه مستثنى مِنْ آل لوط، لأنَّ الاستثناءَ ممَّا جيء به للتأسيسِ أَوْلَى من الاستثناءِ ممَّا جِيْءَ به للتأكید». وقرأ(٤) الأخوان ((لُمُنْجُوْهم)) مخفّفاً، وكذلك خَفَّفا أيضاً فِعْلَ هذه الصفةِ في قولِه تعالى في العنكبوت(٥): (((أَنُنْجِيَّنَّه وأهلَه)) وكذلك خَفَّفا أيضاً (١) قوله ((عليَّ)) غير واضح في الأصل. (٢) البحر ٤٦٠/٥. (٣) عبارة البحر ((لم يجوِّز))، وعبارة السمين على تقدير الفاء، أي: فأنّى. الإتحاف ١٧٨/٢، السبعة ٣٦٧، النشر ٢٥٨/٢، التيسير ١٣٦، البحر ٤٦٠/٥. (٤) (٥) الآية ٣٢ من العنكبوت، انظر: السبعة ٥٠٠. ١٦٩ - الحجر - قولَه فيها(١): ((إِنَّا مُنْجُوك))، فهما جاريان على سَنَنٍ واحد. وقد وافقهما [٥٤٦/أ] ابنُ كثير / وأبو بكر على تخفيف ((مُنْجوك)) كأنهما جمعا بين اللغتين. وباقي السبعة بتشديد الكلِّ، والتخفيفُ والتشديدُ لغتان مشهورتان مِنْ نَجَّى وآنْجى كَأَنْزَلَ ونَزَّل، وقد نُطِقَّ بفعلهما قال: ((فلمَّا نَجَّاهم))(٢)، وفي موضعٍ آخرَ ((أنجاهم))(٣). قوله: ((قَدَّرْنا))(٤) أبو بكر(٥) بتخفيف [الدال](1) والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَرَ وقدَّر؛ وهذا الخلافُ أيضاً جارٍ في سورة النمل(٧). قوله: ((إنَّها)) كُسِرَتْ من أجلِ اللامِ في خبرها وهي معلِّقةٌ لِما قبلها، لأنَّ فِعْلَ التقديرِ يُعَلَّقُ إجراءً له مُجْرى العِلْمِ: إِمَّا لكونِه بمعناه، وإمَّا لأنَّه مترتّبٌ عليه. قال الزمخشري (٨): ((فإن قلتَ: لِمَ جاز تعليقُ فِعْلِ التقدير في قوله ((قَدَّرْنا إنها))، والتعليق مِنْ خصائصِ أفعالِ القلوب؟ قلت: لتضمّنٍ فِعْلِ التقدير معنى العِلْم)). قال الشيخ (٩): ((وكُسِرَتْ ((إنها)) إجراءً لفعل التقدير مُجْرى العِلْم)). قلت: وهذا لا يَصِحُّ علةً لكسرِها، إنما يَصْلُحُ عِلةٌ التعليقِها الفعلَ قبلها، والعلةُ في كسرِها ما قَدَّمْتُه في وجودِ اللامِ ولولاها لفُتِحَتْ. (١) الآية ٣٣ من العنكبوت، انظر: السبعة ٥٠٠. (٢) الآية ٣٥ من العنكبوت. (٣) الآية ٢٣ من يونس. (٤) الأصل «قدرناها» وهو سهو. (٥) الإتحاف ١٧٨/٢، البحر ٤٦٠/٥، التيسير ١٣٦، الحجة ٣٨٤، النشر ٣٠٢/٢ (٦) مخروم في الأصل. (٧) الآية ٥٧ ((قَدَّرناها)) وقرأ أبو بكر بالتخفيف. البحر ٨٦/٧. (٨) الكشاف ٣٩٤/٢. (٩) البحر ٤٦٠/٥. ١٧٠ - الحجر - آ. (٦٣) قوله تعالى: ﴿بل جِئْناك﴾: إضرابٌ عن المفعول المحذوفِ تقديرُه: ما جئناك بما يُنْكُرُ، بل جِئْناك. آ. (٦٥) وقد تقدَّم الخلافُ في قولِه تعالى: ﴿فَأَسْرِ﴾: قطعاً ووصلاً في هود(١). وقرأ(٢) اليمانيُّ فيما نقل ابن عطية(٣) وصاحب ((اللوامح)) ((فَسِرْ)) من السَّيْر. وقرأت(٤) فرقةً (بقِطَع)) بفتح الطاء. وقد تَقَدَّم في يونس(٥): أن الكسائيُّ وابنَ كثير قرآه بالسكون في يونس في قوله ((قطعاً»، والباقون بالفتح . قوله: (حیث تُؤمرون)) ((حیث» على بابِها مِنْ كونها ظرفَ مكانٍ مبهمٍ، ولإِبهامها تعدَّى إليها الفعلُ من غير واسطة على أنه قد جاء في الشعر تَعَدِّيْه إليها بـ ((في )) كقوله(٦): ٢٩٤٣ - فَأَصْبِحَ في حيثُ التَقْنا شریدُهُمْ طَليقٌ ومکتوفُ الیدین ومُزْعِفُ وزعم بعضُهم أنها هنا ظرفُ زمانٍ، مستدلاً بقولِه ((بقِطْعٍ من الليل))، ثم قال: ((وامْضُوا حيث تُؤْمَرون))، أي: في ذلك الزمان. وهو ضعيفٌ، ولو كان كما قال لكان التركيبُ: حيث أُمِرْتم، على أنه لو جاء التركيب كذا لم یکن فيه دلالةٌ. (١) الآية ٨١ من هود. وانظر: الدر ٣٦٤/٦. (٢) البحر ٤٦١/٥. (٣) المحرر ٣٣٣/٨. (٤) البحر ٤٦١/٥. (٥) اية ٢٧. وانظر: الدر المصون ١٨٦/٦. (٦) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٥٦٢، والكتاب ٢٢٢/١، والخزانة ٢٩٩/٢. الشريد: الطريد، والمزعف: الصريع. ١٧١ - الحجر - آ. (٦٦) قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إليه﴾: ضَمَّن القضاء معنى الإِيحاء، فلذلك تَعَدَّى تعديتَه بـ ((إلى))، ومثلُه: ((وقَضَيْنا إلى بني إسرائيل»(١). قوله: ((ذلك الأمرَ)) ((ذلك)) مفعولُ القضاء، والإِشارةُ به إلى ما وَعَدَ من إهلاك قومه، و ((الأمر»: إمّا بدلٌ منه أو عطفُ بیانٍ له. قوله: ((أنَّ دابِرَ)) العامَّةُ على فتحِ ((أنَّ)) وفيها أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ مِنْ ((ذلك)) إذا قلنا: ((الأمر)) عطفُ بيان. الثاني: أنها بدل من ((الأمر)) سواء قلنا: إنها بيانٌ أو بدل ممَّا قبلَه. والثالث: أنه على حَذْفِ الجارِّ، أي: بأنَّ دابِرَ، ففيه الخلافُ المشهور(٢). وقرأ(٣) زيدُ بن علي بكسرِها؛ لأنه بمعنى القولٍ، أو على إضمار القول. وعَلَّله الشيخُ(٤) بأنَّه لمَّا عَلَّق ما هو بمعنى العلم كُسِر. وفيه النظرُ المتقدم(٥). قوله: ((مُصْبِحِين)) حالٌ من الضمير المستتر في ((مقطوعٌ)) وإنما جُمِعِ حَمْلاً على المعنى، وجعله الفراء(٦) وأبو عبيد خبراً لـ ((كان)) مضمرة، قالا: ۔۔ (١) الآية ٤ من الإِسراء. (٢) أي: هل هو في محل جر أو نصب؟ وانظر: الدر المصون ٢١٢/١. (٣) البحر ٤٦١/٥، الكشاف ٣٩٥/٢. (٤) البحر ٤٦١/٥، وعبارته أوضح ((لَمَّا ضمَّن قَضَيْنا)) معنى أَوْحينا، فكان المعنى: أَعْلَمْنا، علَّق الفعلَ فكسَر ((إِنَّ)) ولمَّا كان القضاءُ بمعنى الإِيحاءُ معناه القول كسَرَ ((إنَّ)). (٥) يعني بذلك أنَّ كَوْنُ الفعلِ ((قضى)) بمعنى عَلِم لا يُسَوِّغ كسر همزة ((إن)). وانظر ٠٠ إعرابه للآية (٦٠) قبل قليل. (٦) ليس في ((معاني القرآن)) إشارة إلى ذلك. ۔۔ ١٧٢ - الحجر - ((تقديره: إذا كانوا مُصبِحِين نحو: ((أنتَ ماشياً أحسنُ منك راكباً)). وهو تكلُّفٌ. و((مُصْبِحِين)) داخلين في الصَّباح فهي تامّةٌ. آ. (٦٧) قوله تعالى: و﴿ يَسْتَبْشِرون﴾: حال. آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿هؤلاء بناتي﴾: يجوز فيه أوجه، أحدها: أن يكونَ ((بناتي)) مفعولاً بفعلٍ مقدرٍ، أي: تَزَوَّجوا هؤلاء. و (( بناتي)» بيانٌ أو بدلٌ. الثاني: أن يكونَ ((هؤلاء بناتي)) مبتدأُ وخبراً(١) ولا بُدَّ مِنْ شيءٍ محذوفٍ تَتِمُّ به الفائدةُ، أي: فَتَزَوَّجُوْهن. الثالث: أن يكونَ ((هؤلاء)) مبتدأً، و (( بناتي )) بدلٌ أو بيان، والخبرُ محذوفٌ، أي: هُنَّ أطهرُ لكم، كما جاء في نظيرتها(٢) .. قوله ((فلا تَفْضَحُونِ))(٣): الفَضْحُ والفَضْحَةُ البيان والظهور، ومنه فَضَحَه الصُّبْحُ قال (٤): ٢٩٤٤ - ولاحَ ضوءُ هِلالِ الليلِ يَفْضَحُنا مثلَ القُلامَةِ قد قُصَّتْ من الظُفُرِ إلا أنَّ الفضيحةَ اختصِّتْ بما هو عارٌ على الإِنسانِ عند ظهورِه. آ. (٧٢) قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: مبتدأٌ، محذوفُ الخبر وجوباً، ومثلُه: لايْمُنُ الله. و((إنهم )) وما في حَيِّزه جوابُ القسمِ تقديرُه: (١) الأصل ((وخبر)) وهو سهو. (٢) ((هؤلاء بناتي هُنَّ أطهرُ لكم)) الآية ٧٨ من هود. (٣) عاد إلى الآية ٦٨. (٤) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في البحر ٤٥٦/٥. برواية «هلالٍ كاد يفضحنا)). ١٧٣ - الحجر - لَعَمْرك قسمي أو يميني إنهم. والعَمْر والعُمْر بالفتح والضم هو البقاء، [٥٤٦/ب] إلا أنهم التزموا الفتح في القسم(١). قال / الزجاج(٢): ((لأنه أَخْفُّ عليهم، وهم يُكْثرون القَسَم بـ ((لَعَمْرِي)) و((لَعَمْرك)). وله أحكامٌ كثيرة منها: أنه متى اقترن بلامِ الابتداء لَزِم فيه الرفعُ بالابتداءِ، وحُذِفَ خبرُه، لِسَدِّ جوابٍ القسم مَسَدَّه. ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يَتَعَيَّن فيه، بخلافٍ غيرِه نحو: عهدُ اللَّه وميثاقُه. ومنها: أنه يَلْزَمُ فَتْحُ عينِهِ، فإن لم يقترنْ به لامُ الابتداء جاز نصبُهُ بفعل مقدر نحو: عَمْرَ اللَّهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذ في الجلالةِ وجهان: النصبُ والرفعُ، فالنصبُ على أنه مصدرٌ مضافٌ لفاعله وفي ذلك معنيان، أحدهما: أنَّ الأصلَ: أسألُكَ بتعميرك اللَّهَ، أي: بوصفِك اللَّه تعالى بالبقاء، ثم حُذِف زوائدُ المصدرِ. والثاني: أن المعنى: عبادتك الله، والعَمْر: العبادة، حكى ابن الأعرابي ((عَمَرْتُ ربي))، أي: عَبَدْته، وفلانٌ عامِرُ ربِّه، أي: عابدُه. وأمَّا الرفعُ: فعلى أنه مضافٌ لمفعولِه. قال الفارسي: ((معناه: عَمَّزَك اللَّهُ تَعْميراً)). وقال الأخفش: ((أصله: أسألك بتعميرك اللَّهَ، فَحُذِفَ زوائدُ المصدرِ والفعلُ والباءُ فانتصب، وجاز أيضاً ذِكْرُ خبرِهٍ فتقول: عَمْرُك قَسَمي لَقُوْمَنَّ، وجاز أيضاً ضَمُّ عينِهِ، ويُنْشَدُ بالوجهين قولُه (٣). ٢٩٤٥ - أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا عَمْرَكَ اللَّهَ كيفَ يلتقيانٍ (١) انظر: المقتضب ٣٢٧/٢ (٢) معاني القرآن ١٨٣/٣. (٣) البيت لعمر بن أبي ربيعة وهو في ديوانه ٤٩٥، وابن يعيش ٩١/٩، والمقتضب ٣٢٩/٢، والخزانة ٢٣٨/١، واللسان (عمر). ١٧٤ - الحجر - ويجوزُ دخولُ باءِ الجرِّ عليه، نحو: بعَمْرِكَ لأفعلَنَّ. قال(١): ٢٩٤٦ - رُقَيَّ بِعَمْرِكُمْ لا تَهْجُرِينا ومَنُِّنا المُنَى ثم امْطُلِيْنا وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يُقطع عنها، ويُضاف لكلِّ شيءٍ. وزعم بعضُهم أنه لا يُضاف إلى الله. قيل: كأنَّ قائل هذا تَوَهَّم أنه لا يُسْتعمل إلا في الانقطاع، وقد سُمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر(٢): لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجبني رِضاها ٢٩٤٧- إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ ومَنَع بعضُهم إضافته إلى ياءِ المتكلمِ قال: لأنه حَلْفٌ بحياة المُقْسِم، وقد وَرَدَ ذلك، قال النابغة (٣): ٢٩٤٨- لَعَمْري - وما عَمْري عليَّ بِهَيِّنِ - لقد نَطَقَتْ بُطْلًا عَلَيَّ الأقارِعُ وقد قَلَبَتْه العربُ بتقديمِ رائِه على لامه فقالوا: ((رَعَمْلي))، وهي رديئةٌ. والعامَّة على كسرٍ ((إنَّ)) لوقوعِ اللامِ في خبرها. وقرأ (٤) أبو عمروٍ في روايةِ الجَهْضَمِيِّ (٥) بفتحها. وتخريجُها على زيادةِ اللامِ وهي كقراءة (١) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ١٣٧، والمحتسب ٤٣/١، والهمع ٤١/٢، والدرر ٤٦/٢. (٢) تقدم برقم (٧٧). (٣) ديوانه ٤٩، والكتاب ٢٥٢/١، والخزانة ٤٢٦/١. والأقارع: الذي وَشَوْا به. (٤) البحر ٤٦٢/٥، الشواذ ٧١، وقال: إنها عن نصر أبيه عن أبي عمرو. (٥) أبو الحسن علي بن نصر الجهضمي البصري، من أصحاب الخليل وسيبويه، محدِّث ثقة صدوق. توفي سنة ١٨٧. انظر: البغية ٢١١/٢، تاريخ العلماء النحويين للتنوخي ٨٩، طبقات النحويين ٧٥. ١٧٥ - الحجر بـ ابن جبير: ((إلاّ أنهم ليأكلون الطعام))(١) بالفتح. والأعمش (٢) ((شَكْرِهم))(٣) دون تاءٍ. وابن أبي عبلة ((سَكَراتهم)) جمعاً. والأشهبُ (( سُكْرَتِهم)) بضم السين. و ((يَعْمَهُوْن)) حالٌ: إمَّا من الضميرِ المستكنِّ في الجارِّ، وإِمَّا من الضميرِ المجرورِ بالإِضافةِ. والعامل: إمَّا نفسُ ((سَكْرَة)) لأنها مصدرٌ، وإمَّا معنى الإِضافة . آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿مُشْرِقِين﴾: حالٌ مِنْ مفعول (أَخَذَتْهم ))، أي: داخلين في الشُّروق. آ. (٧٤): والضميرُ في ((عاليَها سافلَها)) للمدينة. وقال الزمخشري (٤): ((لقرى قوم لوطٍ)). ورُجِّح الأولُ بأنه تقدَّم ما يعود عليه لفظاً بخلاف الثاني . آ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِيْنَ﴾: متعلُّقٌ بمحذوف على أنه صفةٌ لآيات. والأجودُ أَنْ يتعلَّق بنفس ((آياتٍ)) لأنها بمعنى العلامات. والتّوَسُمْ تَفَعُّلٌ مِنَ الوَسْمِ، والوَسْم: أصلُه التثُّتُ والتفكُّر، مأخوذٌ من الوَسْمَ، وهو التأثير بحديدةٍ في جِلْد البعير أو غيره. وقال ثعلب: ((الواسم: الناظرُ [٥٤٧/ أ] إليك مِنْ قَرْنِكَ إِلى قَدَمِك))، وفيه معنى التثُبُّت. وقيل: / أصلُه: استقصاءُ : أ (١) الآية ٢٠ من الفرقان. وانظر البحر ٤٩٠/٦، شرح الرضي ٣٥٦/٢. (٢) انظر في قراءاتها: الشواذ ٧١، البحر ٤٦٢/٥، المحرر ٣٤١/٨. (٣) اختلفوا في ضبط السين بين الفتح والضم. (٤) الكشاف ٣٩٦/٢. ١٧٦ - الحجر - التعرُّفِ يُقال: تَوَسَّمْتُ، أي: تَعَرَّفْتُ مُسْتَقْصِياً وجوهَ التعرُّف. قال(١): ٢٩٤٩ - أوَ كلما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةٌ بَعَثَتْ إِليَّ عريفَها يتوسَّمُ وقيل: هو تَفَعُّل من الوَسْمِ، وهو العَلامَةُ: تَوَسَّمْتُ فيك خيراً، أي: ظَهَر له مِيْسَمُه عليك. قال ابن رواحة في النبي صلَّى الله عليه وسلم(٢): ٢٩٥٠- إنِّي تَوَسَّمْتُ فيك الخيرَ أَعْرِفُه والله يَعلم أني ثابتُ البَصَرِ وقال آخر(٣): ٢٩٥١ - تَوَسَّمْتُه لَمَّا رَأَيْتُ مَهابَةً عليهِ وقُلْتُ: المرءُ مِنْ آلِ هاشمِ ويُقال: اتَّسَمَ الرجلُ: إذا اتَّخَذَ لنفسِه علامةٌ يُعْرَفُ بها، وتَوَسَّمَ: إذا طلبَ كَلَّ الوَسْمِيِّ، أي: العشْبِ النابتِ في أولِ مطرِ [ الربيعِ] (٤). آ. (٧٦) قوله تعالى: ﴿وإنها لِسَبِيلٍ﴾: الظاهرُ عَوْدُ الضميرِ على المدينة أو القُرى. وقيل: على الحجارةِ. وقيل: على الآيات. آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿وإنْ كان أصحابُ﴾: ((إنْ)) هي (١) البيت لطريف بن تميم العنبري، وهو في الكتاب ٢١٥/٢، والأصمعيات ١٢٧، والمنصف ٦٦/٣. (٢) القرطبي ٤٣/١٠، المحرر ٣٤٣/٨. (٣) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في القرطبي ٤٣/١٠، والمحرر ٣٤٢/٨. (٤) زيادة من اللسان (وسم) وفي (ش): ((في أول المطر)). ١٧٧ - الحجر - المخففةُ واللامُ فارقةٌ، وقد تَقَدَّم حكمُ ذلك(١). والأَيْكَةُ: الشجرةُ المُلْتَفَّةُ، واحدةُ الأَيْكِ. قال (٢): ٢٩٥٢ - تَجْلُوْ بقادِمَتَّيْ حَمامةِ أَيْكةٍ بَرَداً أُسِفَّ لِثاتُه بِالإِثْمِدِ ويقال: لَيْكَة. وسيأتي بيانُ هذا عند اختلافِ القرَّاءِ فيه إن شاء الله تعالى في الشعراء(٣). آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿وإنّهما لبإمامٍ﴾: في ضمير التثنيةِ أقوالٌ، أَرْجَحُها: عَوْدُه على قريتَيْ قومٍ لوطٍ وأصحابِ الأيكة وهم قوم شُعَيب لتقدُّمِهما ذِكْراً. وقيل: يعودُ على لوٍ وشُعَيْبٍ، وشعيبٌ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، ولكِنْ دَلَّ عليه ذِكْرُ قومِه. وقيل: يعود على الخبرين: خبرِ إهلاكِ قومٍ لوٍ، وخبر إهلاكِ قومٍ شعيب. وقيل: يعودُ على أصحابِ الأيكةِ وأصحابِ مَدْيَنَ؛ لأنه مُرْسَلٌ إليهما فَذِكْرُ أحدِهما مُشْعِرٌ بالآخرِ. آ. (٨٣): و ((مُصْبِحِين)) حالٌ كما تقدَّم، وهي تامَّةٌ. آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿فما أَغْنَى﴾: يجوز أن تكونَ نافيةٌ، أو استفهاميةً فيها معنى التعجبِ. و(( ما))(٤) يجوزُ أنْ تكونَ مصدريةً، أي: كَسْبُهم، أو موصوفةً، أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، أي: شيءٌ یکسبونه، أو الذي یکسبونه. (١) انظر: الدر ١٥٥/٢. (٢) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ٣٦، والقرطبي ٤٥/١٠. وقادمتا الحمامة: الريشتان في مقدم الجناحين، شَبَّه لون شفتيها بهما، ويبقى السواد مع بياض الأسنان، وهذا مما يُتَزَيِّنُ به. وأُسِفَّ: حُشِي به. (٣) الآية ١٧٦. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز. السبعة ٤٧٣. (٤) في قوله ((ما كانوا)). ١٧٨ - الحجر - آ. (٨٥) قوله تعالى: ﴿إِلا بالحقِّ﴾: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: خَلْقاً ملتبساً بالحقِّ . آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿كما أَنْزَلْنَا﴾: فيه أقوالٌ، أحدُها: أنَّ الكافَ متعلقٌ بـ (( آتيناك))، وإليه ذهب الزمخشري(١) فإنه قال(٢): ((أي: أَنْزَلْنا عليك مثلَ ما أَنْزَلْنا على أهل الكتاب، وهم المقتسِمُون الذين جعلوا القرآن عِضِينَ)). والثاني: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ منصوبٌ بـ((آتيناك)) تقديرُه: آتَيْنَاك إِنْياناً(٣) كما أَنزَلْنا. الثالث: أنه منصوبٌ نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، ولكنه مُلاقٍ لـ ((آتيناك)) من حيث المعنى لا من حيث اللفظُ، تقديرُه: أَنْزَلْنا إليك إنزالاً كما أَنْزَلْنا، لأنَّ ((آتيناك)) بمعنى أَنْزَلْنَا إليك. الرابع: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، العاملُ فيه مقدرٌ أيضاً تقديرُه: مَتَّعْناهم تمتيعاً كما أَنْزَلْنا، والمعنى: نَعَّمْنا بعضَهم كما عَذَّبنا بعضَهم. الخامس: أنه صفةٌ لمصدرٍ دَلَّ عليه ((النذير)) والتقدير: أنا النذيرُ إنْذاراً كما أَنْزَلْنا، أي: مثلَ ما أنزلناه. السادس: أنه نعتُ لمفعولٍ محذوف، الناصبُ له ((النذير))، تقديرُه: النذير عذاباً، كما أنزلنا على المُقْتَسِمين، وهم قومُ صالحٍ لأنهم قالوا: (لُنُبَِّنَّهُ وأهلَه))(٤) فَأَقْسموا على ذلك، أو يُراد بهم قريشٌ حين قَسَموا القرآنَ إلى سِحْرٍ وشِعْرٍ وافتراء. وقد رَدَّ بعضُهم هذا بأنه يلزمُ منه إعمالٌ الوصفِ موصوفاً، وهو غيرُ جائزٍ عند البصريين، جائزٌ عند الكوفيين، فلو عَمِل ثم وُصِفَ جاز عند الجميعِ. (١) الكشاف ٣٩٨/٢. (٢) أقحم في الأصل بعد ((قال)): ((الزمخشري)). (٣) الأصل ((إتيا)) وسقطت ((نا) سهواً. (٤) الآية ٤٩ من النمل. ١٧٩ - الحجر- السابع: أنه مفعولٌ به، ناصبُه ((النذير)) أيضاً. قال الزمخشريُّ(١): ((والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بقوله: ((وقل: إني أنا النذيرُ المبين، أي: وأَنّذِرْ قريشاً [٥٤٧/ب] مثلَ ما أَنْزَلْنَا من العذابِ على المقتسمين، يعني اليهود وهو ما جرى على قُرَيْظَةً وَالنَّضِيرِ)). وهذا مردودٌ بما تقدم من إعمالِ الوصفِ موصوفاً. الثامن: أنه منصوبٌ نعتاً لمفعولٍ به مقدرٍ، والناصبُ لذلك المحذوفِ مقدَّرُ أيضاً لدلالةِ لفظِ ((النذير)) عليه، أي: أُنْذِرُكم عذاباً مثلَ العذابِ المنزَّلِ على المقتسمين، وهم قومُ صالحٍ أو قريشٌ، قاله أبو البقاء(٢)، وكأنه فَرِّ مِنْ كونِهِ منصوباً بلفظِ ((النَّذير)) لِما تقدَّم من الاعتراض البَصْرِيِّ. وقد اعترض ابنُ عطيةً على القول السادس فقال(٣): ((والكافُ من قوله ((كما » متعلقةُ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: وقل إني أنا النذيرُ المبينُ عذاباً كما أَنزَلْنا (٤)، فالكافُ اسمٌّ في موضع نصبٍ، هذا قولُ المفسِّرين. وهو عندي غيرُ صحيحٍ، لأنَّ ((كما أنْزَلْنا)) ليس مما يقولُه محمدٌ عليه السلام، بل هو مِنْ كلامِ اللَّهِ تعالى، فينفصِلُ الكلامُ، وإنما يترتَّبُ هذا القولُ بأن الله تعالى قال له: أَنْذِرْ عذاباً كما، والذي أقول في هذا: ((المعنى: وقل: إني أنا النذيرُ المبين، كما قال قبلَكِ رسلُنا، وأنزلْنا عليهم كما أَنْزَلْنا عليك. ويُحْتمل أن يكونَ المعنى: وقل إني أنا النذيرُ المُبينُ، كما قد أَنْزَلْنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً، على أنَّ المُقْتَسِمين أهلُ الكتاب)). انتهى. (١) الكشاف ٣٩٨/٢. (٢) الإِملاء ٧٧/٢. (٣) المحرر ٣٥٤/٨. (٤) عبارة المطبوعة: ((النذير بعذاب كالذي أنزلنا)). ١٨٠