Indexed OCR Text
Pages 81-100
- إبراهيم - شجرةٍ مباركةٍ زَيْتونةٍ))(١) عطفَ بيان أيضاً. والصَّديدُ: ماءٌ يسيل مِنْ أجساد أهل النار. وقيل: ما حالَ بين الجلدِ واللحمِ مِنَ القَّبْحِ. آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُه﴾: يجوز أن تكونَ الجملةُ صفةٌ لـ «ماءٍ))، وأن تكونَ حالاً من الضمير في ((يُسْقَى))، وأن تكونَ مستأنفةً(٢). و ((تَجَرَّع)» تَفَعَّل وفيه احتمالاتٌ، أحدُها: أنه مطاوعٌ لجَرَّعْتُه نحو: عَلَّمْتُه فَتَعَلَّمَ. والثاني: أن يكونَ للتكلُّف نحو: تَحَلَّم، أي: يتكلَّفُ جَرْعَه، ولم يذكر الزمخشريُّ(٣) غيرَه. الثالث: أنه دالٌّ على المُهْلة نحو: فَهَّمته، أي: يتناوله شيئاً فشيئاً بالجَرْع، كما يَفْهم شيئاً فشيئاً بالتفهيم. الرابع: أنه بمعنى جَرَع المجرد نحو: ((عَدَوْت الشيءَ)) و («تَّعَدَّيْتُه)). ((ولا يكاد يُسِيغُه))، أي: لم يقارِبْ إساغتَه فكيف بحصولها؟ کقوله: (لم يَكَدْ يَرَاه))(٤) وستأتي إن شاء الله. قوله: ((ومِنْ ورائِه عذابٌ غليظٌ)) في الضمير وجهان، أظهرُهما: أنه عائدٌ على ((كل جبار)). والثاني: أنه عائدٌ على العذابِ المتقدِّمِ. آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الذين كفروا﴾: فيه أوجه، أحدُها: - وهو مذهبُ سيبويه(٥) - أنه مبتدأُ محذوفُ الخبرِ تقديرُه: فيما يُتْلَى عليكم مَثَلُ الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله ((أعمالُهم كرَمادٍ) مستأنفةٌ جواباً (١) الآية ٣٥ من النور. (٢) الأصل: ((مستأنفاً» وهو سهو. (٣) الكشاف ٣٧١/٢. (٤) الآية ٤٠ من النور. (٥) الكتاب ٧١/١ - ٧٢. ٨١ ٠٠ - إبراهيم - السؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مَثَلُهم؟ فقيل: كيت وكيت. والمَثَلُ استعارةٌ للصفةِ التي فيها غرابةٌ كقولِكَ: صفةُ زيدٍ: عِرْضُه مَصُوْنٌ، ومالُه مبذول. الثاني: أن يكونَ ((مَثَل)) مبتدأً، و ((أعمالُهم)) مبتدأ ثانٍ، و ((کرمادٍ)) خبرُ الثاني، والثاني وخبره خبرُ الأول. قال ابن عطية (١): ((وهذا عندي أرجحُ الأقوالِ ، وكأنك قلت: المتحصِّلُ في النفس مثالاً للذين كفروا هذه الجملةُ المذكورةُ». وإليه نحا الحوفي. قال الشيخ(٢): ((وهو لا يجوزُ لأنَّ الجملةَ التي وقعت خبراً للمبتدأ لا رابطً فيها يربطها بالمبتدأ(٣)، وليست نفسَ المبتدأ فَتَسْتَغْنِي عن رابطٍ)). قلت: بل الجملةُ نفسُ المبتدأ، فإِنَّ نفسَ مَثَلِهم هو نفسُ أعمالِهِم كرمادٍ في أنَّ كلّ منهما لا يفيد شيئاً، ولا يَبْقَى له أثرٌ، فهو [٥٣٤/أ] نظيرُ قولك: / «هِجِيْرىّ(٤) أبي بكر لا إلَهَ إلا اللَّهُ)). الثالث: أنَّ ((مَثَلَ)) مزيدةٌ، قاله الكسائيُّ والفراء (٥): أي: الذين كفروا أعمالُهم كرَمادٍ، فالذين مبتدأ و ((أعمالُهم)) مبتدأٌ ثانٍ و ((کرمادٍ)) خبرُه. وزيادة الأسماءِ ممنوعةٌ . الرابع: أن يكونَ «مَثَل)) مبتدأً، و ((أعمالُهم)) بدلٌ منه، على تقدير: مَثَلُ أعمالِهم، و((كرمادٍ)) الخبرُ. قاله الزمخشريُّ(٦)، وعلى هذا فهو بدلُ كل مِنْ كلٍ ، على حَذْفِ المضافِ كما تقدَّم. الخامس: أن يكونَ ((مَثَل)» مبتدأً، و((أعمالُهم)) بدلٌ منه بدلُ اشتمالٍ ، (١) المحرر ٢٢١/٨. (٢) البحر ٤١٥/٥. (٣) الذي هو ((مثل)) فَخَلَتْ مِنْ رابطٍ يعود عليه. (٤) أي عادته وشأنه. انظر: النهاية ٢٤٦/٥. (٥) لم يشر في إعرابه لها إلى مسألة الزيادة. انظر: معاني القرآن ٧٢/٢. (٦) الكشاف ٣٧٢/٢. ٨٢ - إبراهيم - و ((كرمادٍ)) الخبر، كقول الزَّبَّاءِ(١): ٢٨٧٤- ما للجمال مَشْبِها وئيدا أَجْنْدَلا يَحْمِلْن أم حديدا والسادس: أن يكونَ ((مَثَل)) مبتدأٌ، و((أعمالُهم)) خبرَه، أي: مَثَلُ أعمالِهم، فحذف المضاف. و((كرماد)) على هذا خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وقال أبو البقاء(٢) حين ذكر وجه البدل: ((ولو كان في غير القرآن لجاز إبدالُ ((أعمالهم)) من ((الذين)) وهو بدلُ اشتمال))، يعني أنه كان يُقْرَأُ ((أعمالِهِم)) مجرورةً، لكنه لم يُقرأ به. و(الرمادُ)) معروفٌ، وهو (٣) ما سَحَقَتْه النارُ من الأُجْرام، وجمعُه في الكثرة على رُمُد، وفي القلّة على أرْمِدَة كجَماد وجُمُد وأَجْمِدَة، وجمعُه على (أَرْمِدَاء)) شاذٍّ. والرَّماد: السَّنَةُ أيضاً، السَّنَةُ: المَحْلِ، أَرْمَدَ الماءُ، أي: صار بلون الرماد، والأُرْمَدُ: ما كان على لونِ الرَّماد. وقيل للبعوض ((رُمْد)) لذلك، ويقال: رَمادٌ رِمْدِدٌ، أي: صار هباءً. قوله: ((اشْتَدَّتْ به الريحُ)) في محلِّ جرِّ صفةٌ لرماد، و ((في يوم)) متعلُّقٌ بـ ((اشْتَدَّت)). قوله: ((عاصفٍ)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه على تقدير: عاصفٍ ريحُه، أو عاصفِ الريح، ثم حُذِف ((الريح)) وجُعلت الصفةُ لليوم مجازاً كقولهم: (يومٌ ماطر)) و ((ليلٌ نائم)). قال الهرويُّ: ((فَحُذِفَتْ لتقدُّم ذِكْرِها، كما قال(٤): (١) معاني القرآن للفراء ٧٣/٢، والأشموني ٤٦/٢، الهمع ١٥٩/١، الدرر ١٤١/١. والوثید: ذو صوت شدید. (٢) الإِملاء ٦٧/٢. (٣) انظر: اللسان: (رمد). (٤) لم أهتدٍ إلى قائله وتمامه، وهو في القرطبي ٣٥٣/٩. والبحر ٤١٥/٥. ٨٣ - إبراهيم - ٢٨٧٥ - إذا جاء يومُ مظلِمُ الشمسِ كاسفّ أي: كاسِفُ الشمسِ . الثاني: أنه على النَّسَب، أي: ذي عُصُوفٍ كلابِن وتامِر. الثالث: أنه خُفِض على الجوار، أي: كان الأصلُ أن يَتْبع العاصفُ الريحَ في الإِعراب فيُقال: اشتدَّتْ به الريحُ العاصفُ في يوم، فلمًّا وقع بعد اليوم أُعْرِبَ بإعرابهِ، كقولهم: ((جُحرُ ضَبّ خَرِبٍ)). وفي جَعْلِ هذا مِن باب الخفضِ على الجوارِ نظرُ، لأنَّ مِنْ شرطِه: أن يكون بحيث لو جُعِل صفةً لِما قُطع عن إعرابه لَصَحِّ كالمثال المذكورِ، وهنا لو جَعَلْتَه صفةٌ للريح لم يَصِحَّ لتخالفِهما تعريفا وتنكيراً في هذا التركيبِ الخاصِّ .. وقرأ(١) الحسن وابنُ أبي إسحاق بإضافة ((يوم)) لـ ((عاصِف)). وهي على حَذْفِ الموصوفِ، أي: في يومِ ريحٍ عاصِف، فَحُذِفَ لفَهْم المعنى الدالُّ على ذلك. ويجوز أن يكونَ من بابٍ إضافة الموصوف إلی صفته عند مَنْ يَرَىْ ذلك نحو: بَقْلَهُ الحَمْقَاءِ. ويقال: ريحُ عاصِفٌ ومُعْصِفٌ، وأصلُه من العَصْفِ، وهو ما يُكْسَرُ مِنْ الزَّرْع فقيل ذلك للريح الشديدة لأنها تَعْصِفُ، أي: تکسِرُ ما تَمُرُ عليه. قوله: ((لا يَقْدِرُوْنَ)) مستأنفٌ، ويَضْعُفُ أن يكونَ صفةٌ لیوم علی حَذْفٍ العائد، أي: لا يَقْدِرُون فيه، و((مِمَّا كَسَبُوا)) متعلِّقُ بمحذوفٍ، لأنّه حالٌ من ((شيء)) إذ لو تأخّر لكانَ صفةٌ. والتقديرُ: على شيءٍ مِمَّا كسبوا. ﴿أَلم تَرَ﴾: قرأ(٢) أبو عبد الرحمن بسكونٍ آ. (١٩) قوله تعالى: (١) المحتسب ٣٦٠/١، القرطبي ٣٥٤/٩، البحر ٤١٥/٥. (٢) البحر ٤١٥/٥، المحتسب: ٣٦٠/١. ٨٤ ٠ - إبراهيم - الراء وفيها وجهان، أحدُهما: أنه أَجْرَى الوصلَ مُجْرى الوقف. والثاني: أنَّ العربَ حَذَفَتْ لامَ الكلمة عند عدمِ الجازمِ فقالوا: ((ولوتَرَ ما الصبيانُ)) فلما دخل الجازمُ تخيَّلوا أن الراءَ محلُّ الجزم، ونظيرُه: لم أُبَلْ، فإنَّ أصلَه أبالي، ثم حذفوا لامَه رفعاً فلمَّا جزموه لم يَعْتَدُوا بلامِه، وتوهّموا الجزم في اللام. والرؤية هنا قلبيةٌ فـ((أنَّ)) في محلِّ المفعولَيْن أو أحدهما على الخلاف. وقرأ(١) الأخَوان هنا ((خالق السموات والأرض)) ((خالق )) اسمُ فاعلٍ مضافاً لِما بعده، فلذلك خفضوا ما عُطِفَ عليه وهو الأرض. وفي النور: ((خالقُ كلِّ دابَّة))(٢) اسمُ فاعل مضافاً لما بعده. والباقون (خَلَق)) فعلًا ماضياً، ولذلك نصبوا ((الأرضَ))، و((كلَّ دابة))، فكسرةُ ((السمواتِ)) في قراءة الأخوين خفضٌ، وفي قراءةٍ غيرِهما نصب. / ولوقيل بأنه في قراءة الأخوين [٥٣٤/ب] يجوزُ نَصْبُ ((الأرضَ)) على أحدٍ وجهين: إمَّا على المحلِّ، وإمَّا على حَذْفٍ التنوين لالتقاء الساكنين، فتكون ((السمواتِ)) منصوبةٌ لفظاً وموضعاً، لم يمتنعْ، ولكن لمْ يُقْرأْ به. و ((بالحقِّ)) متعلُّقٌ بـ((خلق)) على أن الباءَ سببيةٌ، وبمحذوفٍ على أنها حاليةُ: إِمّا من الفاعلِ ، أي: مُحِقّاً، وإمَّا من المفعول، أي: ملتبسةً بالحق. آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿تَبَعاً﴾: يجوز أن يكونَ جمع ((تابع)) كخادِمٍ وخَدَم وغائِب وغَيّب، ويجوزُ أن يكونَ مصدراً نحو: قومٌ عَدْلٌ، ففيه ثلاثةُ التأويلاتِ المشهورةِ(٣). قوله: ((مِنْ عذابِ الله مِنْ شيء)) في ((مِنْ)) و((مِنْ)) أوجهٌ، أحدُها: أنَّ (١) البحر ٤١٦/٥، السبعة ٣٦٢، النشر ٢٩٨/٢، الحجة ٣٧٦، الإتحاف ١٦٧/١. (٢) الآية ٤٥. (٣) أي تأويل المصدر باسم الفاعل، أو تقدير مضاف، أي: ذو كذا، أو على إرادة المبالغة حتى كأنه نفس العدل. انظر: أوضح المسالك ٤٧٢ . ٨٥ - إبراهيم - (((مِنْ)) الأولى للتبيين، والثانيةَ للتبعيض، تقديرُه: مُغْنون عنا بعضَ الشيءِ الذي هو عذابُ الله، قاله الزمخشري(١). قال الشيخ(٢): ((هذا يقتضي التقديم في قوله ((من شيء)) على قوله ((مِنْ عذاب الله))؛ لأنه جَعَلَ ((من شيء)) هو المُبَيَّنَ بقولِهِ من عذاب، و((مِنْ)) التبيينيةُ مقدَّمٌ عليها ما تُبِّنه ولا يتأخّر)). قلتُ: كلامُ الزمخشري صحيحٌ من حيث المعنى، فإنَّ ((مِنْ عذاب الله)) لو تأخّر عن ((شيء)) كان صفةً له ومُبَيِّاً، فلمَّا تقدَّم انقلب إعرابُه من الصفة إلى الحال، وأمَّا معناه وهو البيانُ فباقٍ لم يتغيّرْ. الثاني: أن تكونا للتبعيضِ معاً بمعنى: هل أنتم مُغْنُوْن عنا بعضَ شيءٍ هو بعضُ عذابِ الله؟ أي: بعض بعض عذاب الله، قاله الزمخشري(٣). قال. الشيخ(٤): ((وهذا يقتضي أن يكونَ بدلاً، فيكونَ بدلَ عامٍّ مِنْ خاص(٥)، وهذا لا يُقال؛ فإنَّ بَعْضِيَّةَ الشيء مطلقةٌ، فلا يكون لها بعضٌ)). قلت: لا نزاع أنه يُقال: بعضُ البعضُ، وهي عبارةٌ متداولةٌ، وذلك البعضُ المُتَبَعِّضُ هوكلّ لأبعاضِه بعضٌ لكلِّه، وهذا كالجنسِ المتوسط هو نوعٌ لِما فوقَه، جنسٌ لما تحته. الثالث: أنَّ ((مِنْ)) في ((مِنْ شيء)) مزيدةٌ، و((مِنْ)) في ((مِنْ عذاب» فيها وجهان، أحدُهما: أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنها في الأصل صفةً لشيء، فلمَّا تقدَّمَتْ نُصِبت على الحال. والثاني: أنها تتعلَّق بنفس ((مُغْنُوْنَ)) على أن يكون «من شيء)» واقعاً موقعَ المصدر، أي: غِنى. ويوضح هذا ما قاله (١) الكشاف ٣٧٣/٢ (٢) البحر ٤١٧/٥. (٣) الكشاف ٣٧٣/٢ (٤) البحر ٤١٧/٥. (٥) قال: لأنَّ ((من شيء)) أعمُّ من قوله ((من عذاب الله). ٨٦ - إبراهيم - أبو البقاء (١)، قال: ((ومِنْ زائدةٌ، أي: شيئاً كائناً من عذاب الله، ويكون محمولاً على المعنى تقديره: هل تمنعون عنا شيئاً؟ ويجوز أن يكونَ ((شيء)» واقعاً موقعَ المصدر، أي: غِنَى، فيكون ((مِنْ عذاب الله)) متعلقاً بـ «مُغْنُوْن)). وقال الحوفيُّ أيضاً: ((ومِنْ عذاب الله)) متعلقٌ بـ ((مُغْنُون))، و((مِنْ)) في ((مِنْ شيء)) الاستغراقِ الجنسِ زائدةٌ للتوكيد)». قوله: ((سَواءٌ علينا)) إلى آخرِهِ، فيه قولان، أحدهما: أنه مِنْ كلام المستكبرين. والثاني: أنه من كلام المستكبرين والضعفاءِ معاً. وجاءَتْ كلُّ جملةٍ مستقلةٍ من غيرٍ عاطف دلالةً على أنَّ كلَّ من المعاني مستقلُّ بنفسه كافٍ في الإِخبار. وقد تقدَّم الكلامُ في التسويةِ والهمزةِ بعده في أول البقرة(٢). والجَزَعُ: عدمُ احتمالِ الشِّدَّة. قال امرؤ القيس (٣): ٢٨٧٦ - جَزِعْتُ ولم أَجْزَعْ من البَيْنِ مَجْزَعاً وعَزَّيْتَ قلباً بالكواعب مُولَعا وقال الراغب (٤): ((أصلُ الجَزَعِ: قَطْعُ الحَبْلِ مِنْ نصفه يقال: جَزَعْتُه فانْجَزَع، ولتصَوُّرِ الانقطاع فيه قيل: جَزْعُ الوادي لمُنْقَطَعِه، ولانقطاعِ اللونِ بتغيُّره. قيل للخرزِ المتلوّن: جَزْعٌ، واللحمُ المُجَزَّع ما كان ذا لونين، والبُسْرة المُجَزَّعَةِ أن يَبْلِغَ الإِرطابُ نصفَها، والجازِعِ خشبةٌ تُجعل في وسط البيت تلقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وكأنه سُمِّي بذلك تَصَوُّراً لجَزَعِهِ لِما حُمِل عليه من العِبْء أو لقطعِه وسطَ البيت)) والجَزَعُ أخصُّ من الحزن، فإنَّ الجَزَعَ حُزْنٌ يَصْرِف الإِنسان عمَّا هو بصددِه. (٢) الدر المصون ١٠٥/١. (١) الإملاء ٦٧/٢. (٣) ديوانه ٢٤٠، والبحر ٤١٤/٥. (٤) المفردات ٩٢. ٨٧ - إبراهيم - والمَحيصُ: يكون مصدراً ويكون مكاناً. ويقال: جاض(١) بالضاد المعجمة وجَيْضاً، بها(٢) وبالجيم. آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿وَعْدَ الحق﴾: يجوز أن يكونَ من إضافةٍ الموصوفِ لصفته، أي: الوعد الحق، وأن یراد بالحق صفةُ الباري تعالی، أي: وَعَدَكم الله وَعْدَهُ، وأن يراد بالحقِّ البعثُ والجزاءُ على الإِجمال، فتكونَ إضافةً صريحةٌ .. قوله: ((إلا أنْ دُعَوْتُكم)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه استثناءٌ منقطعُ لأنَّ دعاءَه ليس من جنسِ السلطانِ وهو الحُجَّةُ البَِّةُ. والثاني: أنه متصلٌ، لأنَّ القدرةَ على حَمْلِ الإِنسانِ على الشرِّ تارةً تكون بالقَهْرِ، وتارةً تكون بقوة الداعية(٣) في قلبه، وذلك بالوسوسة إليه فهو نوعٌ من التسلَّطِ. وقُرِىء (٤) ((فلا يَلُوْموني)) بالياء من تحتُ على الالتفاتِ، كقولهِ(٥): ((حتى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْن بهم)). قوله: ((بِمُصْرِخِيَّ)) العامَّةُ على فتحِ الياءِ؛ لأنَّ الياءَ المدغمَ فيها تُفْتَحُ أبداً لا سيما وقبلها(٦) كسرٌ ثانٍ. وقرأ(٧) حمزةُ بكسرِها، وهي لغةُ بنِي يَرْبُوع. وقد اضطربت أقوالُ الناس في هذه القراءةِ اضطراباً شديداً: فمِنْ مُجْتَرِىءٍ (١) جاض: عدل عن القصد. (٢) أي بالضاد. (٣) (ش): الباعث. (٤) البحر ٤١٩/٥، ونسبها في الشواذ ٦٨ إلى مبشر بن عبيد. (٥) الآية ٢٢ من يونس. (٦) الأفصح أن يقول، ولا سيما قبلها. (٧) الإتحاف ١٦٧/٢، السبعة ٣٦٢، الحجة ٣٧٧، البحر ٤١٩/٥، النشر ٢٩٨/٢، القرطبي ٣٥٧/٩. وهي قراءة الأعمش أيضاً. ٨٨ - إبراهيم - عليها مُلَحَّنٍ لقارئها، ومِنْ مُجَوٍِّ لها من غيرِ ضعفٍ، ومِنْ مجوِّزٍ لها بضعفٍ. قال حسين الجعفي: ((سألْتُ أبا عمروٍ عن كسرِ الياءِ فأجازه)). وهذه الحكايةُ تُحكى عنه بطرقٍ كثيرة، منها ما تقدَّم، ومنها: ((سألت أبا عمروٍ وقلت: إن أصحابَ النحوِ يُلَحِّنُوننا فيها فقال: هي جائزة أيضاً، إنما أراد تحريك الياء، فلستَ تبالي إذا حَرَّكْتَها إلى أسفلَ أم إلى فوقُ)). وعنه: مَنْ شاء فتحَ، ومَنْ شاء كسر، ومنها أنه قال: إنها بالخفضِ حسنةٌ. وعنه قال: قَدِمِ علينا أبو عمرو بن العلاء فسألتُه عن القرآن فوجدْتُه به عالماً، فسألته عن شيء [ مِنْ ] قراءة الأعمش واستشعرتُه ((وما أنتم بمُصْرِخِيٍّ)) بالجرِّ فقال: هي جائزةٌ، فلما أجازها وقرأ بها الأعمشُ أَخَذْتُ بها. وقد أنكر أبو حاتم على أبي عمروٍ تحسينَه لهذه القراءةِ، ولا التفات إليه لأنه عَلَمٌ من أعلامِ القرآن واللغة والنحوِ، واطّلع على ما لم يطّلع عليه [مَنْ فوقَ السجستاني](١): ٢٨٧٧ - وابنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ لم يستطعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القناعيسِ (٢) ثم ذكر العلماءُ في ذلك توجيهات: منها أنَّ الكسرَ على أصلِ التقاءِ الساكنين، وذلك أنَّ / ياءَ الإِعرابِ ساكنةٌ، وياءَ المتكلمِ أصلُها السكونُ، [٥٣٥/أ] فلمَّا التقيا كُسِرَتْ لالتقاء الساكنين. الثاني: أنها تُشْبِهُ هاءَ الضميرِ في أنَّ كلَّ منهما ضميرٌ على حرف واحد، وهاءُ الضميرِ تُوْصَلُ بواوٍ إذا كانت مضمومةً، وبياءٍ إذا كانت مكسورة، وتُكْسَرُ بعد الكسرةِ والياءِ الساكنة، فَتُكْسَرُ كما تُكْسَرُ الهاءُ في ((عليْهِ))، وبنو يربوعٍ يَصِلونها بياءٍ، كما يَصِل ابن كثير(٣) نحو: (١) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل، أثبتناه من (ش). (٢) تقدم برقم (٤٧٦). (٣) انظر: النشر ٣٠٤/١. ٨٩ - إبراهيم - (عليهي)) بياء، فحمزةُ كسرَ هذه الياءَ من غير صلةٍ، إذ أصلُه يقتضي عدمَها. وزعم قطرب أيضاً أنها لغةُ بني يربوع، قال: يزيدون على ياء الإِضافة ياءً، وأنشد(١): قال لها: هل لكِ ياتَا فِيِّ ٢٨٧٨- ماضٍ إذا ما هَمَّ بالمُضِيِّ أنشده الفراء(٢) وقال: ((فإِنْ يَكُ ذلك صحيحاً فهو ممَّا يلتقي من الساكنين))(٣). وقال أبو عليّ(٤): ((قال الفراء في كتاب ((التصريف)) له: زعم القاسم بن معن أنه صوابٌ، وكان ثقةً بصيراً)). ومِمِّن طعن عليها أبو إسحاقَ قال(٥): ((هذه القراءةُ عند جميعِ النحويين رديئةٌ مَرْذُوْلَةٌ ولا وجهَ لها إلا وجهٌ ضعيفٌ)). وقال أبو جعفر(٦): ((صار هذا إدغاماً(٧)، ولا يجوز أن يُحْمل كتابُ اللَّهِ تعالى على الشذوذ)). وقال الزمخشري (٨): ((هي ضعيفةٌ، واستشهدوا لها ببيتٍ مجهول(٩): ٢٨٧٩- قال لها: هل لكِ ياتا فيِّ قالت له: ما أنت بالمَرْضِيِّ وكأنه قدَّر ياء الإضافة ساكنةً، وقبلها ياءٌ ساكنة، فحرَّكها بالكسر (١) من أرجوزة للأغلب العجلي. وهو في معاني القرآن للفراء ٧٦/٢، والمحتسب. ٤٩/٢، والخزانة ٢٥٧/٢. والماضي : الذي لا يتوانى وبعده: قالَتْ له: ما أنت بالمَرْضِيِّ وانظر بحثاً مفصلاً حول الموضوع في: الخزانة ٢ /٢٥٧. . (٢) معاني القرآن ٧٦/٢. (٣) ثم قال: ((فُيُخفض الآخِر منهما وإن كان له أصل في الفتح)). (٥) معاني القرآن ١٥٩/٣. (٤) الحجة (خ) ٣٠٢/٣. (٦) وهو النحاس في ((إعراب القرآن ١٨٣/٢. (٧) في ((إعراب القرآن)): صار هذا بإجماع لا يجوز. (٨) الكشاف ٣٧٤/٢. (٩) تقدم برقم (٢٨٧٨). ٩٠ - إبراهيم - لِما عليه أصلُ التقاءِ الساكنين، ولكنه غيرُ صحيحٍ ؛ لأنَّ ياءَ الإِضافةِ لا تكونُ إلا مفتوحةً حيث قَبْلها ألفٌ نحو: ((عصايَ)) فما بالُها وقبلَها ياءٌ؟ فإن قلتَ: جَرَتِ الياءُ الأولى مَجْرى الحرفِ الصحيح لأجل الإِدغامِ فكأنها ياءً(١) وقعَتْ [ ساكنةً ](٢) بعد حرفٍ صحيحٍ ساكنٍ فَحُرِّكَتْ بالكسرِ على الأصل. قلت: هذا قياسٌ حسنٌ، ولكن الاستعمالَ المستفيضَ الذي هو بمنزلةِ الخبرِ المتواترِ تتضاءلُ إليه القياساتُ)). قال الشيخ(٣): ((أمَّا قولُه ((واستشهدوا لها ببيتٍ مجهولٍ)) فقد ذكر غيرُهُ أنه للأغلبِ العجليّ، وهي لغةٌ باقيةٌ في أفواهِ كثيرٍ من الناس إلى اليوم يقولون: ((ما فِيِّ أفعلُ)) بكسر الياء)). قلت: الذي ذكر صاحبَ هذا الرجزِ هو الشيخُ أبو شامةً، قال: ((ورأيتُه أنا في أول ديوانِهِ، وأولُ هذا الرجز(٤): ٢٨٨٠ - أقبل في ثَوْبٍ مَعافِرِيٍّ عند اختلاط الليلِ والعَشيِّ ثم قال الشيخ(٥): ((وأمَّا التوجيهُ الذي ذكره فهو توجيه الفراء(٦) نقله عنه الزجَّاجُ. وأمَّا قولُه في غضونِ كلامِه ((حيث قبلها ألفٌ)) فلا أعلم ((حيث)) تضاف إلى الجملةِ المصدرة بالظرف نحو: ((قعد زيد حيث أمام(٧) عمروٍ بكر)» فيحتاج هذا التركيب إلى سماع)). قلت: إطلاقُ النحاةِ قولَهم: إنها (١) أي الثانية . (٢) من الكشاف. (٣) البحر ٤١٩/٥ . (٤) الخزانة ٢٥٨/٢. ومعافر: حي من همدان وإليهم تنسب الثياب المعافرية. والأصل ((ثوبَيْ)) وهو تصحيف. وانظر: إبراز المعاني لأبي شامة ٥٥١ . (٥) البحر ٤١٩/٥. (٦) معاني القرآن للفراء ٧٦/٢، وللزجاج ١٥٩/٣. (٧) الأصل: ((أمامه)) والتصويب من البحر. ٩١ - إبراهيم - تضافُ إلى الجملِ كافٍ في هذا، ولا يُحتاج [ إلى ] تَتَبُّع كلُّ فردٍ فردٍ، مع إطلاقِهم القوانين الكلية. ثم قال: وأمَّا قولُه «ياءِ الإِضافةِ إلى آخره)» قد (١) رُوي سكونُ الياءِ بعد الألف، وقد قرأ بذلك القراءُ نحو ((محياَيْ(٢))). قلت: مجيءُ السكون في هذه الياءِ لا يُفيده ههنا، وإنما كان يفيده لو جاء بها مكسورةً بعد الألف فإنه مَحَلُّ البحثِ. وأنشد النحاة بيت الذبياني بالكسرِ والفتحِ ، وهو قوله(٣): ٢٨٨١- عليَّ لِعمروٍ نِعْمةٌ بعد نعمةٍ لوالدِه ليسَتْ بذاتِ عَقاربٍ وقال الفراء(٤) في كتاب ((المعاني)) له: ((وقد خَفَضَ الياءُ مِنْ ((بمُصْرِخِيٍّ)» الأعمشُ ويحيى بنُ وثاب جميعاً، حدَّثني بذلك القاسمُ بن مَعْن عن الأعمش، ولعلها مِنْ وَهْم القرَّاء، فإنه قَلَّ مَنْ سَلِمَ منهم مِنَ الوَهْمِ، ولعله ظنَّ أن الباءَ في ((بمُصْرِخِيٌّ)) خافضةٌ للفظِ كلِّه، والياءُ للمتكلم خارجةٌ من ذلك)). قال: ((ومما نرى أنهم وَهِمُوا فيه قوله ((نُوَلِّهْ ما تولَّى ونُصْلِهْ جهنّمْ))(٥) بالجزم في الهاء)). ثم ذكر غيرَ ذلك. وقال أبو عبيد: ((أمَّا الخفضُ فإنَّا نراه غلطاً، لأنهم ظنّوا أن الباءَ تَكْسِرُ كلَّ ما بعدها، وقد كان في القرَّاء مَنْ يجعله لحناً، ولا أحبُّ أن أبلغَ به هذا كلَّه، ولكنَّ وجه القراءةِ عندنا غيرُه)). (١) الفصيح: فقد. (٢) الآية ١٦٢ من الأنعام. وهي قراءة نافع. انظر: الدر المصون ٠٠٢٣٨/٥. (٣) ديوانه ٥٥، والمحتسب ٤٩/٢، وأمالي الشجري ١٨٠/٢، وعمرو هو ابن الحارث بن أبي شَمِر. ليست بذات عقارب: لا يُكَدِّرها ولا يَمُنُّها. (٤) معاني القرآن ٧٥/٢. (٥) الآية ١١٥ من النساء وهي قراءة أبي عمرو وحمزة وأبي بكر. انظر: الإِتحاف ١ /٥٢٠. ٩٢ - إبراهيم - قال الأخفش (١): ((ما سَمِعْتُ بهذا مِنْ أحد من العرب ولا من أحدٍ من النحويين)). قال النحاس(٢): ((فصار هذا (٣) إجماعاً)). قلت: ولا إجماعَ. فقد تقدَّم ما حكاه الناسُ من أنها لغةٌ ثانيةً لبعضٍ العرب. وقد انتدب لنُصْرةِ هذه القراءة أبو عليّ الفارسيّ، قال في ((حُجَّته)) (٤): ((وجهُ ذلك أن الياءَ ليسَتْ تخلُو مِنْ أَنْ تكونَ في موضعٍ نصبٍ أو جرّ، فالياءُ في النصبِ والجرِّ كالهاء فيهما، وكالكاف في ((أكرمتُك)) و ((هذا لك)»، فكما أنَّ الهاءَ قد لحقّتْها الزيادةُ في هذا: لهُوْ، وضَرَبَهُوْ، / ولحقَ [٥٣٥/ب] الكاف أيضاً الزيادةُ في قولِ مَنْ قال ((أَعْطَيْتُكاه)) و ((أَعْطَيْتُكِيْه)) فيما حكاه سيبويه(٥)، وهما (٦) أختا الياء، ولحقت التاءَ الزيادةُ في قول الشاعر(٧): ٢٨٨٢ - رَمَيْتِيْهِ فَأَصْمَيْتِ وما أَخْطَأْتِ [في] الرَّمْيَةْ كذلك ألحقوا الياءَ الزيادةَ مِن المدِّ فقالوا: ((فِيٌّ))، ثم حُذِفَتْ الياءُ الزائدةُ على الياءِ كما حُذِفَتِ الزيادةُ مِن الهاء في قولِ مَنْ قال(٨): ٢٨٨٣- .. لَهْ أَرِقانٍ وزعم أبو الحسنِ أنها لغةً)). (١) معاني القرآن له ٣٧٥/٢. (٢) إعراب القرآن له ١٨٣/٢. (٣) أي كونها غير جائزة. (٤) الحجة (خ) ٣٠٢/٣. (٥) الكتاب ٢٩٦/٢. (٦) أي الكاف والهاء. (٧) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في الحجة (خ) ٣٠٢/٣. والارتشاف ٤٦٣/١. وأصمى الرمية: أنفذها وينبغي قطع همزة ((الرمية)) للوزن العروضي على رواية إسقاط ((في)). (٨) تقدم برقم (١٣٣٧). ٩٣ - إبراهيم - قلت: مرادُ أبي عليٍّ بالتنظير بالبيت في قوله: ((لَهْ أَرِقان)) حَذْفُ الصلةِ، واتفق أن في البيت أيضاً حَذْفَ الحركةِ، ولو مَثَّل بنحو ((عليهِ )) و ( فيه )) لكان أولى. ثم قال الفارسيُّ: ((كما حُذِفت الزيادةُ من الكاف فقيل: أعطيتكَهُ وَأَعْطَيْتُكِهِ، كذلك حُذِفِت الياءُ اللاحقةُ للياء كما حُذِفَتْ من أُخْتَيْها، وأُقِرَّتْ الكسرةُ التي كانت تلي الياء المحذوفةَ فبقيت الياءُ على ما كانت عليه من الكسرِ)). قال: ((فإذا كانت الكسرةُ في الياء على هذه اللغةِ - وإن كان غيرُها أَفْشى منها، وعَضَدَه مِن القياسِ ما ذكرنا - لم يَجُزْ لقائلٍ أن يقول: إن القراءةَ بذلك لحنٌ لاستقامةِ(١) ذلك في السماعِ والقياسِ، وما كان كذلك لا یکون لحناً». قلت: وهذا التوجيهُ هو توضيحٌ للتوجيه الثاني الذي قدَّمْتُ ذِكْرَه. وأما التوجيهُ الأولُ فأوضحِهِ الفراءُ أيضاً، قال الزجاج(٢): ((أجاز الفراء(٣) على وجهٍ ضعيفٍ الكسرَ لأَنَّ أَصْلَ التقاءِ الساكنين الكسرُ». قال الفراء: ((ألا ترى أنهم يقولون: مُذُّ اليوم، ومُذِ اليوم، والرفعُ في الذال هو الوجهُ، لأنه أصلُ حرکةٍ (منذ))، والخفضُ جائزٌ، فكذلك الياءُ من ((مُصْرِخِيِّ)) خُفِضَتْ ولها أصلٌ فِي النصب)» . قلت: تشبيهُ الفُراءِ المسألةَ بـ«مذ اليوم)» فيه نظر؛ لأنَّ الحرفَ الْأُولَ صحيحٌ، لم يتوالَ قبله كَسْرٌ بخلافٍ ما نحن فيه، وهذا هو الذي عناه الزمخشريُّ (٤) بقوله فيما قدَّمْتُه عنه: ((فكأنها(٥) وقعَتْ بعد حرفٍ صحيحٍ)). (١) الحجة: ((لاستفاضة)). (٢) معاني القرآن له ١٥٩/٣ .. (٣) معاني القرآن له ٢/ ٧٥. (٤) الكشاف ٣٧٥/٢. (٥) الكشاف: فكأنها ياء. ٩٤ - إبراهيم - وقد اضطرب النقلُ عن الفراء في هذه المسألةِ كما رأيْتَ: مِنْ نَقْلِ بعضِهم عنه التخطئةَ مرةً، والتصويبَ أخرى، ولعل الأمرَ كذلك، فإنَّ العلماءَ يُسألُون فُيُجيبون بما يَحْضُرهم حالَ السؤالِ وهي مختلفةٌ . التوجيهُ الثالث: أنَّ الكسرَ للإِتباع لِما بعدها، وهو كسرُ الهمزِ من ((إِنِّي)) كقراءةِ ((الحمدِ لِلَّه))(١)، وقولهم: بِعِير وشِعِير وشِهيد، بكسر أوائلها إتباعاً لما بعدها، وهو ضعيفٌ جداً. التوجيه الرابع: أنَّ المسوِّغ لهذا الكسرِ في الياء وإن كان مستثقلاً أنَّها لَمَّا أُدْغِمَتْ فيها التي قبلها قَوِيَتْ بالإِدغامِ، فأشبهتِ الحروفَ الصِّحاحَ فاحتملتِ الكسرَ؛ لأنه إنما يُسْتَثْقَلُ فيها إذا خَفَّتْ وانكسر ما قبلها، ألا ترى أن حركاتِ الإِعرابِ تجري على المشدَّدِ وما ذاك إلاّ لإلحاقِه بالحروفٍ الصِّحاح. والمُصْرِخُ: المُغِيْثِ يُقال: اسْتَصْرَخْتُه فَأَصْرَخَني، أي: أعاني، وكأنَّ همزتَه للسَّلْب، أي: أزال صُراخي. والصَّارخ هو المستغيثُ. قال الشاعر(٢): ٢٨٨٤- ولا تَجْزَعوا إني لكمْ غيرُ مُصْرِخٍ وليس لكم عندي غَناءٌ ولا نَصْرُ ويُقال: صَرَخَ يَصْرُخُ صَرْخاً وصُراخاً وصَرْخَة. قال (٣): (١) الآية ١ من الفاتحة، وهي قراءة الحسن البصري. انظر: الدر المصون ٤١/١. (٢) البيت لأمية بن أبي الصلت، وليس في ديوانه، والقرطبي ٣٥٧/٩، والبحر ٠٤١٤/٥ (٣) البيت لسلامة بن جندل وهو في المحرر ٢٢٨/٨، والقرطبي ٣٥٧/٩، والبحر ٤١٤/٥. والظنابيب: ج: ظُنْبوب وهو حرف الساق اليابس من قدم البعير، وقرع الظنبوب: أن يقرعه الرجل ليركبه، والمراد سرعة الإِجابة . ٩٥ - إبراهيم - ٢٨٨٥- كنَّا إذا ما أتانا صارخٌ فَزِعٌ كان الصُّراغُ له قَرْعَ الظَّابِيبِ يريد: كان بدل الإِصراخ، فحذف المضافَ، وأقام مصدرَ الثلاثي نُقام مصدرِ الرباعي نحو: ((أَنْبتكم من الأرضِ نَّبَاتً)(١). والصَّرِيْخُ: القومُ المُسْتَصْرِخونَ قال(٢): ٢٨٨٦ - قومٌ إذا سَمِعُوا الصَّريخَ رأيتَهُمْ ما بين مُلْجِمٍ مُهْرِهِ أو سافِعِ والصَّريخُ أيضاً: المُغِيثون فهو من الأضداد، وهو محتملٌ أَنْ يكون وَصْفاً على فَعِيْل كالخليط، وأن يكونَ مصدراً في الأصل. وقال: ((فلا صَريخَ لهم))(٣) فهذا يُحتمل أن يكونَ مصدراً، وأن يكونَ فعيلاً بمعنى المُفْعِل، أي: فلا مُصْرِخَ لهم، أي: ناصر، وتَصَرَّخ: تكلّف الصُّراخ. قوله: ((بما أَشْركتمونٍ)) يجوزُ في ((ما)) وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ بمعنى الذي. ثم في المراد بهذا الموصولِ وجهان، أحدُهما: أنه الأصنامُ، تقديرُه: بالصنمِ الذي أطعتموني كما أَطَعْتُمُوه، كذا قال أبو البقاءِ (٤)، والعائدُ محذوفٌ، فقدَّره أبو البقاء: بما أشركتموني به، ثم حُذِفَ، يعني بعد حذف [٥٣٦/ أ] الجارِّ ووصولٍ / الفعلِ إليه، ولا حاجةً إلى تقديرِه مجروراً بالباء؛ لأنَّ هذا الفعلَ متعدٍّ لواحدٍ نحو: شَرَكْتُ زيداً، فلمَّا دَخَلَتْ همزةُ النقل أَكْسَبته ثانياً هو العائد، تقول: أَشْرَكْتُ زيداً عمراً، جعلتُه شريكاً له. الثاني: أنه الباري (١) الآية ١٧ من نوح. (٢) تقدم برقم (٦٣٥) (٣) الآية ٤٣ من يس: (وإن نشأ نغرقْهم فلا صريخَ لهم)). (٤) الإِملاء ٦٨/٢. ٩٦ - إبراهيم - تعالى، أي: بما أشركتموني، أي: بالله تعالى، والكلامُ في العائدِ كما تقدَّم، إلا أنَّ فيه إيقاعَ ((ما)) على مَنْ يَعْلَمُ، والمشهورُ فيها أنها لغير العاقل. قال الزمخشريُّ(١): ((ونحو ((ما)) هذه ((ما)» في قولهم: سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ»، ومعنى إشراكهم الشيطانَ بالله تعالى طاعتُهم له فيما كان يُزَيِّنُه لهم مِنْ عبادةِ الأوثانِ)). قال الشيخ(٢): ((ومن مَنّع ذلك جَعَل ((سبحان)) عَلَماً للتسبيح كما جعل ((بَرَّة)) عَلَماً للمَبَّرَّة، و((ما)) مصدرية ظرفية))، أي: فيكون على حذفِ مضافٍ، أي: سبحانَ صاحبٍ تسخيرِكنَّ؛ لأنَّ التسبيحَ لا یلیڤُ إلاّ بالله. الثاني من الوجهين الأولين (٣): أنها مصدريةٌ، أي: بإشراككم إياي. قوله : (مِنْ قبلُ)) متعلِّقٌ بـ ((كَفَرْتُ)) على القولِ الأول، أي: كفرتُ مِنْ قبلُ، حين أَبَيْتُ السجودَ لآدمَ بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى، وبـ (أشركْتُ)) على الثاني، أي: كفرتُ اليومَ بإشراكِكم إيَّاي مِنْ قبلِ هذا اليوم، أي في الدنيا، كقوله: ((ويومَ القيامة يَكْفُرون بِشِرْكِكم))(٤) هذا قولُ الزمخشريِّ(٥). وأمَّا أبو البقاء(٦) فإنه جَوَّز تعلُّقَه بكفرْتُ وبأشركتموني، مِن غير ترتيبٍ على كون (( ما)) مصدريةً أو موصولية فقال: ((ومِنْ قبلُ: متعلِّقٌ بأشركتموني، أي: كفرْتُ الآن بما أَشْرَكْتموني مِنْ قبل. وقيل: هي متعلَّقَةٌ بـ (كفرتُ))، أي: كَفَّرْتُ مِنْ قبلِ إشراكِكم فلا أنفعُكم شيئاً». (١) الكشاف ٣٧٥/٢. (٢) البحر ٤٢٠/٥. (٣) في إعراب ((بما أشركتمون)). (٤) الآية ١٤ من فاطر. (٥) الكشاف ٣٧٥/٢. (٦) الإملاء ٦٨/٢. ٩٧ - إبراهيم :- وقرأ(١) أبو عمرو بإثباتِ الياء في ((أشركتموني)) وَصْلاً وحَذْفِها وقفاً، وحَذَفها الباقون وصلاً ووقفاً. وهنا تمَّ كلامُ الشيطان. وقوله ((إن الظالمين)) مِنْ كلامِ الله تعالى، ويجوز أن يكونَ مِنْ كلامِ الشيطان. و((عذاب)) يجوز رَفْعُه بالجارِّ قبلَه على أنه الخبر (٣)، وعلى الابتداء وخبرُه الجارُّ. آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ﴾: قرأ العامَّةُ ((أُدْخِلَ)) ماضياً مبنياً للمفعولِ، والفاعلُ اللَّهُ أو الملائكة. والحسن(٣) وعمرو بن عبيد ((وأُدْخِلُ)) مضارعاً مسنداً للمتكلم وهو اللَّهُ تعالى، فمحَلُّ الموصولِ على الأول رفعٌ، وعلى الثانية نصبٌ. قوله: ((بإذن ربِّهم)) في [قراءةٍ] العامَّةِ يتعلق بأُدْخِلَ، أي: أُدْخِلوا بأمرِه وتيسيرِه. ويجوز تعلَّقه بمحذوف على أنه حالٌ، أي: ملتبسين بأمرٍ ربهم، وجوَّز أبو البقاء (٤) أن يكون من تمام ((خالدين)) يعني أنه متعلَّقٌ بهِ، وليس بممتنعٍ. وأمَّا على قراءة الشيخين فقال الزمخشري(٥): ((فيم تتعلَّقْ في القراءة الأخرى، وقولُك ((وأُدْخِلُ أنا بإذنٍ ربُّهم)) كلامٌ غير مُلْتثمٍ؟ قلت: الوجهُ في هذه القراءة أَنْ يتعلق بما بعده، أي: تحيتُهم فيها سلامٌ بإِذن ربهم)). ورَدَّ عليه الشيخ(٦) هذا بأنه لا يتقدَّم معمولُ المصدر عليه(٧). (١) ونافع كذلك في رواية إسماعيل بن جعفر وابن جمَّاز. انظر: السبعة ٣٦٤، التيسير ١٣٥، النشر ٣٠١/٢، الإتحاف ١٦٨/٢. (٢) على تقدير: إن الظالمين استقر بهم العذاب. (٣) الإِتحاف ١٦٨/٢، البحر ٤٢٠/٥، القرطبي ٣٥٨/٩، المحتسب ٣٦١/١. (٤) الإملاء ٦٨/٢. (٥) الكشاف ٣٧٦/٢. (٦) البحر ٤٢٠/٥. (٧) ((بإذن ربهم)) معمول للمصدر ((تحيتهم)) والمصدر ينحل بحرف مصدري وفعل. ٩٨ - إبراهيم - وقد عَلَّقه غيرُ الزمخشري بأُدْخِلُ، ولا تنافُرَ في ذلك؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أن المتكلم - في قوله: وأُدْخِلُ أنا - هو الربُّ تعالى. وأحسنُ من هذين أن تتعلَّقَ في هذه القراءة بمحذوفٍ على أنه حالٌ كما تقدَّم تقريرُه. و ((تحيتُهم)) مصدرٌ مضاف لمفعولِه، أي: يُحَيِّهم الله أو الملائكة. ويجوز أَنْ يكونَ مضافاً لفاعله، أي: يُحَيِّي بعضُهم بعضاً. ويعضد الأولَ: ((والملائكةُ يَدْخُلون عليهم من كلِّ بابٍ سَلامٌ عليكم))(١). و «فيها)) متعلقٌ به. آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كلمةً﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ ((ضَرَبَ)) متعديةُ لواحدٍ، بمعنى: اعتمد مثلاً، ووضَعَه، و ((كلمةً)) على هذا منصوبةٌ بمضمرٍ، أي: جعل كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبة، وهو تفسيرٌ لقولِه ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلً)) كقولك: ((شرَّفَ الأميرُ زيداً كساه حُلَّة، وحمله على فرس»، وبه بدأ الزمخشري(٢). قال الشيخ(٣): ((وفيه تكلُّفُ إضمار لا ضرورةَ تدعو إليه)). قلت: بل معناه محتاج إليه فيُضطرُّ إلى تقديرٍهٍ محافظةً على لَمْح هذا المعنى الخاصِّ. الثاني: أنَّ ((ضَرَب)) متعديةٌ لاثنين لأنها بمعنى ((صَيَّر))، لكنْ مع لفظ ((المَثَل)) خاصة، وقد تقدُّم تقريرُ هذا أولَ هذا الموضوع ، فتكون (كلمةً)) مفعولاً أولَ، و ((مَثَلَّاً)) هو الثاني، فيما تقدَّم. الثالث: أنه متعدّ لواحدٍ وهو ((مَثَلاً)) و((كلمةً)) بدلٌ منه، و(( كشجرةٍ )» خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي كشجرةٍ طيبةٍ، وعلى الوجهين قبله تكون ((كشجرةٍ)» نعتاً لـ((كلمة)). (١) الآية ٢٣ من الرعد. (٢) الكشاف ٣٧٦/٢. (٣) البحر ٤٢١/٥. ٩٩ - إبراهيم - وقُرِىءٍ (١) «كلمةٌ)) بالرفع، وفيها وجهان. أحدهما: أنها خبرُ مبتدأ مضمر، أي: هو، أي: المَثَلُ كلمةُ طيبةٌ، وتكون ((كشجرةٍ)) على هذا نعتباً لكلمة. والثاني: أنها مرفوعةٌ بالابتداء، و(( كشجرةٍ )) خبرُه. وقرأ(٢) أنس بن مالك ((ثابتٍ أصلُها)). قال الزمخشري(٣): ((فإن قلت: أيُّ فرقٍ بين القراءتين؟ قلت: قراءةُ الجماعةِ أقوى معنىً؛ لأنَّ قراءةً أنسٍ [٥٣٦/ب] أُجْرِيَتِ الصفةُ على ((الشجرة»/ وإذا قلت: ((مررتُ برجلٍ أبوه (٤) قائمٌ)) فهو أقوىْ مِنْ ((برجل قائمٍ أبوه) لأنَّ المُخْبَرَ عنه إنما هو الأبُ لا رجل)). والجملةُ مِنْ قولِهِ ((أصلُها ثابتٌ)) في محلِّ جرّ نعتاً لشجرة. آ. (٢٥): ﴿تُوْتِي أَكُلَها﴾: ويجوز فيهما أَنْ تكونا مستأنفتين. وجوَّز أبو البقاء(٥) في ((تُؤْتِي)) أن تكونَ حالاً من معنى الجملة التي قبلها، أي: ترتفع مُؤْتِيَةً. وتقدَّم(٦) الخلاف في ((أُكُلَها)) بالنسبة إلى القرّاء. آ. (٢٦): وقُرِىء ((ومَثَلَ)) بنصب ((مثلَ)) عطفاً على ((مثلَ))(٧) الأول، و(«اجْبُثَّتْ)) صفةٌ لشجرة. ومعنى ((اجْتُنَّتْ)): بَلَغَتْ جُثَّتَها، أي: شخصَها، والجُثّةُ: شَخْصُ الإِنسانِ قاعداً ونائماً يقال: اجْتَنْتُ الشيءَ، أي: اقتَلَعْتُ، فهو افتِعالٍ من لفظ الجُثَّة، وجَثْتُ الشيءَ: قَلَعْتُهُ. قال لقيط (١) البحر ٤٢١/٥. (٢) المحتسب ٣٦٢/١، البحر ٤٢٢/٥. (٣) الكشاف ٣٧٦/٢. (٤) الأصل: ((أبو)) وهو سهو. (٥) الإملاء ٦٨/٢. (٦) انظر: الدر المصون: ٥٩٣/٢. (٧) في الآية ٢٤ . ١٠٠