Indexed OCR Text

Pages 41-60

- الرعد -
حوائِجَهم كالْمَساحي (١) من الحديد ونحوها. و ((مِنْ)) في قوله ((ومِمَّا يُوْقِدون)»
تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ لابتداءِ الغاية، أي: ومنه ينشأ زَبَدٌ مثلُ
زَبّدِ الماء. والثاني: أنها للتبعيضِ ، بمعنى: وبَعْضُه زَبَدٌ.
قوله: ((جُفاءً)) حال. والجُفَاءُ: قال ابن الأنباري: ((المتفرِّقُ)). يقال:
جَفَأَتِ الريحُ السحابَ، أي: قَطَعَتْه وفَرَّقته. وقيل: الجُفاء: ما يَرْمي به
السَّيْلُ. يُقال: جَفَأَتِ القِدْرُ بزَبَدِها تَجْفَأُ، وجَفَأَ السَّيْلُ بِزَبَدِهِ وَأَجْفَأَ وَأَجْفَلَ،
وباللامِ قرأ رُؤبة بن العجاج(٢). قال أبو حاتم: ((لا يُقرأ بقراءةِ رؤية، لأنه كان
يأكلُ الفارَ)) يعني أنه أعرابيُّ جافٍ. قلت: قد تقدَّم ثناءُ الزمخشري(٣) عليه
أولَ البقرة، وذِكْرُ فصاحتِه. وقد وجَّهوا قراءَتَه بأنها مِنْ أَجْفَلَتِ الريحُ الغنمَ،
أي: فَرَّقَتْه قِطَعاً فهي في المعنى كقراءةِ العامّة بالهمزة.
وفي همزة (جُفاء)) وجهان، أظهرُهما: أنها أصلٌ لثبوتِها في تصاريف
هذه المادةِ كما رأيتَ. والثاني: بدلٌ من واو، وكأنه مختارُ أبي البقاء (٤) وفيه
نظرٌ؛ لأنَّ مادة جفا يَجْفُو لا يليق معناها هنا، والأصلُ عدمُ الاشتراكِ.
قوله: ((كذلك يَضْرِب)) / الكافُ في محل نصبٍ، أي: مثلَ ذلك [٥٢٩/أ)
الضَّرْبِ يَضْرِب.
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا﴾: فيه وجهان،
أحدُهما: أنه متعلقٌ بـ ((يَضْرِب)) وبه بدأ الزمخشريُّ(٥). قال: ((أي: كذلك
يضرب الأمثالَ للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يَسْتَجيبوا)).
(١) المِسْحاة: أداة تُقْشَر بها الأرض وتجرف.
(٢) البحر ٣٨٢/٥، والقرطبي ٣٠٥/٩، والشواذ ٦٦.
(٣) الكشاف ٢٦٤/١.
(٤) الإملاء ٦٣/٢.
(٥) الكشاف ٣٥٦/٢.
٤١

- الرعدت
والحُسْنى صفةٌ لمصدرٍ ((استجابوا))، أي: استجابوا الاستجابةَ الحُسْنى.
وقوله: ((لو أنَّ لهم ما في الأرض)) كلامٌ مبتدأٌ في ذِكْر ما أَعَدَّ لغيرٍ
المستجيبين)). قال الشيخ(١): ((والتفسيرُ الأولُ أَوْلى)) يعني به أنَّ (للذين))
خبرٌ مقدَّم، و((الحُسْنِى)) مبتدأ مؤخر كما سيأتي إيضاحُه.
:
قال: ((لأن فيه ضَرْبَ الأمثالِ غيرُ مقيَّدٍ بمثل هذين، واللَّهُ تعالى قد
ضَرَبَ أمثالاً كثيرةً في هذين وفي غيرِهما، ولأنَّ فيه ذِكْرَ ثواب المستجيبين،
بخلاف قول الزمخشريِّ، فكما ذكر ما لغير المستجيبين من العقاب ذكر
ما للمستجيبين من الثَّواب؛ ولأنَّ تقديرَه بالاستجابة الحُسْنَى مُشْعِرٌ بتقييدٍ
الاستجابة، ومقابلُها ليس نفيَ الاستجابةِ مطلقاً، إنما مقابلُها نفيُ
الاستجابةِ(٢) الحسنى، واللَّهُ تعالى قد نفى الاستجابةَ مطلقاً، ولأنَّه على قولِه
يكون قولُه ((لو أنَّ لهم ما في الأرض)» مُفْلَتاً أو كالمُفْلَتِ(٣)؛ إذ يصير المعنى:
كذلك يَضْرِبُ اللَّهُ الأمثالَ للمؤمنين وللكافرين لو أنَّ لهم ما في الأرض،
فلو كان التركيبُ بحرفٍ رابطٍ ((لو))(٤) بما قبلَها زال التفلُّت، وأيضاً فيُوهِمُ
الاشتراكَ في الضمير، وإن كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً)).
قلت: قوله ((لأنَّ فيه ضرْبَ الأمثال غيرُ مقيَّدٍ)) ليس في قول الزمخشري
ما يقتضي التقييدَ. وقوله: ((ولأنَّ فيه ذِكْرَ ثوابِ المستجيبين)) إلى آخره،
ما ذكره الزمخشري أيضاً يُؤخذ مِنْ فحواه ثوابُهم. وقوله ((واللَّهُ تعالَى نفى
الاستجابة مطلقاً) ممنوعٌ؛ بل نفى تلك الاستجابةَ الأولى، لا يُقال: فَثَبَتَتْ
استجابةٌ غيرُ حسنى؛ لأنَّ هذه الصفةَ لا مفهومَ لها؛ إذ الواقعُ أنَّ الاستجابةَ
(١) البحر ٣٨٣/٥.
(٢) قوله ((الاستجابة)) مخزوم في الأصل.
(٣) قوله ((كالمفلت)) مخروم في الأصل.
(٤) قوله ((لو بما قبلها)) مخروم في الأصل.
٤٢

- الرعد -
الله لا تكون إلا حُسْنى. وقوله: ((يصيرُ مُفْلَتاً)) كيف يكون مُفْلَتاً مع قول
الزمخشري: [كلامٌ] مبتدأٌ في ذِكْر ما أعدَّ لهم؟ وقوله: ((وأيضاً فيوهِمُ
الاشتراك)) كيف يُتَوَهَّمُ هذا بوجه من الوجوه؟ وكيف يقول ذلك مع قوله ((وإنْ
كان تخصيصُ ذلك بالكافرين معلوماً» فإذا عُلِم كيف يُتَوَهَّم؟
والوجه الثاني: أن يكونَ ((للذين)) خبراً مقدَّماً، والمبتدأ ((الحُسْنِىْ))،
و((الذين لم يَسْتجيبوا)) مبتدأٌ، وخبرُه الجملةُ الامتناعيةُ بعده. ويجوز على
الوجه الأول أن يكون ((والذين لم يستجيبوا)) مبتدأً، وخبره الجملةُ الامتناعية
بعده، وإنما خصَّ بضرب الأمثال الذين استجابوا، لانتفاعِهم دونَ غيرِهم.
آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾: كقولِه: ((أَفَلَمْ)) وقد تقدَّم
تقريرُ القولين فيه، ومذهب الزمخشري(١) فيه بُعْدٌ هنا.
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿الذين يُوْفُون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً
الأولي أو بدلاً منه أو بياناً له، أو مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أو منصوباً على
إضمار فِعْلٍ، كلاهما على المدح، أو هو مرفوعٌ بالابتداء، وما بعده عطفٌ
عليه. و((أولئك لهم عُقْبَى الدار)) خبره.
آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿ابتغاءَ وجهِ﴾: يجوز أن يكونَ مفعولاً له
وهو الظاهرُ، وأن يكونَ حالاً، أي: مُبْتَغِين، والمصدرُ مضافٌ لمفعوله.
قوله: ((عُقْبَى الدارِ) يجوز أن يكونَ مبتدأَ، خبرُه الجارُّ قبله، والجملةُ
خبرُ ((أولئك))، ويجوز أنْ يكونَ ((لهم)) خبرَ ((أولئك)) و((عُقْبِىْ)) فاعلٌ
بالاستقرار.
(١) مذهب الزمخشري تقدير فعل قبل الفاء عطف عليه ما بعده والهمزة في موضعها غير
منوي بها التأخير. انظر: الدر المصون ٣٢٨/١، والزمخشري في هذا الموضع
لم يقدِّرْ شيئاً.
٤٣

- البرعد -
آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿جناتُ عَدٍْ﴾: يجوز أن يكون بدلاً مِنْ
((عقبى))، وأن يكونَ بياناً، وأن يكونَ خبر مبتدأ مضمر، وأن يكون مبتدأُ خبرُه
(يَدْخُلونها)) وقرأ النخعيُّ (١) (جنةُ)) بالإِفراد. وتقدَّم الخلافُ في
(يَدْخُلونها))(٢).
والجملةُ مِنْ ((يَدْخُلونها)) تحتمل الاستئنافَ أو الحاليةَ المقدرةَ.
قوله: ((وَمَنْ صَلَحَ)) يجوز أن يكونَ مرفوعاً عطفاً على الواو، وأغنى
الفصلُ بالمفعول عن التأكيد بالضمير المنفصل، وأن يكونَ منصوباً على
المفعول معه، وهو مرجوحٌ.
وقرأ(٣) ابن أبي عبلة ((صَلُحَ)) بضم اللام، وهي لغةً مَرْجوحة.
قوله: ((مِنْ آبائهم)) في محلُّ الحال مِنْ ((مَنْ صَلَح)) و ((مِنْ)) لبيانِ
الجنس. وقرأ(٤) عيسى الثقفي ((وذُريَّتِهم)) بالتوحيد.
قوله: ((سلامٌ)) الجملةُ محكيّةٌ بقولٍ مضمر، والقولُ المضمرُ حالٌ مِنْ
فاعلٍ ((يَدْخُلون))، أي: يَدخُلون قائلين.
[٥٢٩/ب]
/ قوله: ((بما صَبَرْتم)) متعلُّقٌ بما تعلَّق به ((عليكم))، و((ما )) مصدريَّةٌ،
أي: بسبب صَبْركم. ولا يتعلَّقُ بـ ((سلامٌ)) لأنه لا يُفْصَل بين المصدرِ ومعمولِه
بالخبر.
(١) البحر ٣٨٦/٥.
(٢) يعني بذلك الخلاف بين البصريين والكوفيين إذا جرى الوصف على غير من هو له
فهل يجب إبراز الضمير؟
(٣) البحر ٣٨٧/٥، الكشاف ٣٥٨/٢.
(٤) البحر ٣٨٧/٥.
٤٤

- الرعد -
قاله أبو البقاء(١). وقال الزمخشري(٢): ((ويجوز أن يتعلَّق بـ ((سلام))،
أي: نُسَلِّم عليكم ونُكْرمكم بصبركم)»، ولمّا نقله عنه الشيخ(٣) لم يَعْترض
عليه بشيء. والظاهرُ أنه لا يُعْتَرَض عليه بما تقدَّم؛ لأنَّ ذلك في المصدر
المؤول بحرف مصدري وفعل، وهذا المصدرُ ليس من ذلك. والباءُ: إمّا
سببيَّةٌ كما تقدَّم، وإمّا بمعنى بَدَل، أي: بَدَلَ صبركم، أي: بما احتملتم
مَشاقُّ الصبر. وقيل: ((بما صَبَرْتُم)) خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هذا الثوابُ
الجزيل بما صبرتم.
وقرأ الجمهور ((فنِعْمَ)) بكسرِ النونِ وسكونِ العين، وابن يعمر(٥) بالفتحِ
والكسر، وقد تقدَّم أنها الأصلُ كقوله(٦):
نَعِمَ السَّاعُون في القومِ الشُّطُرْ
٢٨٥٣-
وابنُ وثاب بالفتح والسكون، وهي تخفيفُ الأصلِ ، ولغةُ تميم تسكينُ
عينٍ فَعِل مطلقاً. والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي: الجنة.
آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿والذين يَنْقُضُون﴾: مبتدأ، والجملةُ مِنْ
قوله ((أولئك لهم اللعنةُ)) خبرُه. والكلامُ في اللعنةِ كالكلامِ في ((عُقْبى
الدار))(٧) .
(١) الإملاء ٢ / ٦٤.
(٢) الكشاف ٣٥٨/٢.
(٣) البحر ٣٨٧/٥.
(٤) انظر لغات ((نعم)) في الخزانة ١٠١/٤.
(٥) البحر ٣٨٧/٥، المحتسب ٣٥٦/١.
(٦) البيت لطرفة وصدره:
خالتي والنفس قدماً إنهمْ
وهو في ديوانه ٧٢، والمحتسب ٣٥٧/١، والخزانة ١٠١/٤. والشطر:
مفردها شطير، يعني الغرباء.
(٧) من الآية ٢٢ .
٤٥

- الرعد -
آ. (٢٦) وقرأ(١) زيدُ بنُ عليّ ((ويَقْدُر)) بضم العين.
قوله: ((وفَرِحوا)) هذا استئنافُ إخبار. وقيل: بل [ هو عطفٌ على صلةٍ
((الذين))](٢) قبله. وفيه نظرً: من حيث الفصلُ بين أبعاضِ الصلةِ بالخبرِ،
وأيضاً فإنَّ هذا ماضٍ وما قبله مستقبلٌ، ولا بد من التوافق في الزمان (٣)، إلا أن
يُقال: المقصودُ استمرارُهم(٤) بذلك، وإِنَّ الماضي متى وقع صلةً صَلَحَ
للمُضِيِّ والاستقبال.
قوله: ((وما الحياة الدنيا في الآخرة))، أي: في جنب الآخرة. وهذا
الجارُّ في موضع الحال تقديرُهُ: وما الحياةُ القريبةُ كائنةً في جنب الآخرة
إلا متاعٌ، ولا يجوز تعلّقُه بالحياة ولا بالدنيا لأنهما لا يقعان في الآخرة .
آ. (٢٧) والضميرُ في ((عليه)) عائدٌ على الله تعالى، أي: إلى دينِهِ
وشَرْعه. وقيل: على الرسول. وقيل: على القرآن.
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئِنُ﴾: يجوز فيه خمسةٌ
أوجهٍ، أحدُها: أن يكون مبتدأَ خبرُه الموصولُ الثاني (٥)، وما بينهما اعتراضٌ.
[ الثاني: أنه بدلٌ](٦) مِنْ (مَنْ أناب)). الثالث: أنه عطفُ بيانٍ له. الرابع:
أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. الخامس: أنه منصوبٌ بإضمارٍ فعل.
قوله: ((بذِكْرِ الله)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بـ ((تطمئنُ)) فتكون الباءُ سببيةً، أي:
(١) البحر ٣٨٨/٥.
(٢) وهو قوله ((والذين ينقضون))، وما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٣) هذا الشرط غير واردٍ في الصلات المعطوفة
(٤) مخروم في الأصل.
(٥) وهو قوله ((الذين آمنوا)).
(٦) مخروم في الأصل.
٤٦

- الرعد -
بسبب ذِكْر الله. وقال أبو البقاء(١): ((ويجوز أن يكونَ مفعولاً به، أي:
الطمأنينةُ تَحْصُل بذِكْر الله، الثاني (٢): أنه متعلقٌ بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ
(قلوبُهم))، أي: تطمئنُّ وفيها ذِكْرُ اللَّهِ).
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وعَمِلوا﴾: فيه أوجه: أن
يكونَ بدلاً من ((القلوبُ)) على حَذْفِ مضاف، أي: قلوب الذين آمنوا، وأن
يكونَ بدلاً مِنْ ((مَنْ أناب))، وهذا على قولٍ مَنْ لم يجعلِ الموصولَ الأول
بدلاً مِن ((مَنْ أناب))، وإلا كان يَتّوالَى بدلان. وأن يكونَ مبتدأً،
و ((طُوْبَىْ لهم)) جملةٌ خبرية. وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمر. وأن يكونَ منصوباً
بإضمارٍ فعلٍ. والجملةُ مِنْ ((طُوْبَى لهم)) على هذين الوجهين حالٌ مقدَّرة،
العاملُ فيها ((آَمَنُوا وَعَمِلوا)).
وواوُ ((طُوْبَىْ)) منقلبةٌ عن ياءٍ لأنها من الطِّب، وإنما قُلِبَتْ لأجلِ
الضمة قبلها (٣) كُمُؤْسِر ومُؤْقِن من الْيُسْر واليقين. واختلفوا فيها: فقيل: هي
اسمٌ مفردٌ مصدر كُبُشْرى ورُجْعى، مِنْ طاب يطيب. وقيل: بل هي جمعُ
(طَيِّية)) كما قالوا: كُوْسَى في جمع كَيِّسَة، وضُوْقَى في جمعِ ضَيِّقة. ويجوز
أن يقال: ((طِيْبِىْ)) بكسر الفاء وكذلك الكِيْسَى والضِيقَى. وهل هي اسمٌ
لشجرةٍ بعينها أو اسمٌ للجنة بلغةِ الهند أو الحبشة؟ خلافٌ مشهور.
وجاز الابتداءُ بـ ((طُوْبَىْ)): إمّا لأنها عَلَمٌ لشيءٍ بعينه، وإمَّا لأنها نكرةً في
معنى الدعاء كسَلام عليك ووَيْل له، كذا قال سيبويه(٤). وقال ابن مالك: ((إنه
(١) الإِملاء ٢/ ٦٤.
(٢) أي مما أجازه أبو البقاء.
(٣) وكونها اسماً. انظر: الممتع ٤٩٣/٢.
(٤) الكتاب ١٦٦/١.
٤٧

- الرعد -
يُلتزمِ رَفْعُها بالابتداء، ولا تدخُلُ عليها نواسِخُه)). وهذا يَرُدُّ عليه: أنَّ بعضَهم
جعلها في هذه الآيةِ منصوبةً بإضمارٍ فِعْلٍ، أي: وجَعَلَ لهم طُوْبَى، وقد
يَتَأَيَّد ذلك بقراءةٍ (١) عينى الثقفي ((وحُسْنَ مآب)) بنصب النون. قال(٢): ((إنه
معطوفٌ على ((طُوْبَىْ))، وإنها في موضع نَصْبٍ)). قال ثعلب: ((وطُوْبَىْ
على هذا مصدرٌ كما قالوا: سُقْياً)). وخَرَّج هذه القراءةً صاحبُ ((اللوامح))
على النداء كـ ((يا أسفا))(٣) على الفَوْت(٤)، يعني أنَّ ((طُوْبَى)) تضاف
[٥٣٠/أ] للضمير، واللام / مقحمةٌ، كقوله(٥):
يا بُؤْسَ للجهلِ ضَرَّاراً لأقوامٍ
٢٨٤٥_
و [قوله ](٦):
وَضَعَتْ أراهِطَ فاستبراحُوا
٢٨٥٥- يا بُوسَ للحَرْبِ التي
ولذلك سقط التنوينُ مِنْ («بؤس)) كأنه قيل: يا طِيْباهم، أي: ما أطيّهم
وأحسنَ مآبَهم. قال الزمخشري (٧): ((ومعنى طُوْبَى لك: أَصَبْتَ خيراً
وطِيباً، ومحلُّها النصبُ أو الرفع كقولك: طِيباً لك وطِيبٌ لك، وسلاماً لك،
وسلامٌ لك، والقراءةُ في قوله: ((وحُسن مآب)) بالنصب والرفع تدلُّك على
مَحَلَّيْها، واللامُ في ((لهم))(٨) للبيان، مثلها في ((سَقْياً لك)). فهذا يدلُّ على
أنها تتصرَّفُ ولا تلزم الرفعَ بالابتداء.
(١) البحر ٣٩٠/٥، والإتحاف ١٦٢/٢.
(٢) نسب أبو حيان هذا القول الثعلب. البحر ٣٩٠/٥.
(٣) الآية ٨٤ من يوسف.
(٤) أي یندب ما فاته .
(٥) تقدم برقم (٤٠٠).
(٦) تقدم برقم (٢٧٠٠)
(٧) الكشاف ٣٥٩/٢.
(٨) الأصل: ((لك)) وهو سهو.
٤٨

- الرعد -
وقرأ(١) مَكْوَزَةُ الأعرابي ((طِيْبَىْ)) بكسرِ الطاءِ لِتَسْلَمَ الياءُ نحو:
بِيْض(٢) ومَعِيْشة(٣).
وقُرِىء(٤) ((وحُسْنَ مآبٌ)) بفتح النون ورفع «مآب)) على أنه فعلٌ
ماضٍ، أصلُه (حَسُن)) فَنُقِلَت ضمةُ العينِ إلى الفاءِ قَصْداً للمدح،
کقولهم(٥) :
حُسْنَ ذا أَدَبا
٢٨٥٦-
و «مَآب)» فاعلُه.
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿كذلك أَرْسْناك﴾: الكافُ في محلٌّ
نصبٍ كنظائرها. قال الزمخشري(٦): ((مثلَ ذلك الإِرسالِ أَرْسلناك، يعني:
أرسلناك إرسالاً له شأن)). وقيل: الكافُ متعلقةٌ بالمعنى الذي في قوله «إنّ
(١) في البحر ٣٩٠/٥ ((بكرة))، وفي الكشاف ٣٥٩/٢ - كما في السمين - «مكوزة))،
وفي الشواذ ٦٧ ((مكورة)» ولم أقف عليه.
(٢) أصلها (بَيْض)) جمع أبيض كصُفْر جمع أصفر، ولو لم تكسر الباء لقلنا: بُوض.
الممتع ٤٥٨ .
(٣) تابع السمينُ الزمخشريَّ في هذا المثال، ولعله لا يصحُّ لأنَّ أصلَها مَعْيِشَة، نُقِلَتْ
كسرة الياء إلى العين الساكنة فأين تغيير الضم إلى الكسر؟
(٤) البحر ٣٩٠/٥.
(٥) تمامه:
لم يَمْنَعِ الناسُ مني ما أردْتُ وما
أعطيهُمُ ما أرادوا حُسْنَ ذا أدبا
وهو لسهم بن حنظلة الغنوي، في اللسان ((حسن))، والأصمعيات ٥٦،
والخزانة ١٢٣/٤.
(٦) الكشاف ٣٥٩/٢.
٤٩

- الرعد -
اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدي))(١)، أي: ((كما أنفذ اللَّهُ هذا كذلك أرسلناك))(٢).
وقال ابن عطية(٣): ((الذي يظهر لي أن المعنى: كما أَجْرَيْنا العادةَ بأنَّ الله
يُضِلُّ ويَهْدِيْ لا الآياتِ المقترحةَ، فكذلك أيضاً فَعَلنا في هذه الأمّةِ: أرسَلْنَاك
إليها بوجيٍ لا بآيات مقترحة)).
وقال أبو البقاء(٤): ((كذلك)) [التقديرُ: ](٥) الأمر كذلك فجعلها في
موضعِ رفعٍ. وقال الحوفي: «الكافُ للتشبيه في موضع نصب، أي :
كفِعْلِنا الهدايةَ والإِضلال)). والإِشارةُ بـ ((ذلك)) إلى ما وَصَفَ به نفسَهُ مِنْ أَنَّ
اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدِي مَنْ يشاء.
قوله: ((قد خَلَتْ)) جملةٌ [في محلٌّ جرِّ صفةً](٦). و((لتلُو) متعلَّقٌ
بـ ((أَرْسَلْناك)).
قوله: ((وهم يكفرون)) يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةٌ وأن تكونَ
حاليةٌ، والضميرُ في ((وهم)) عائدٌ على ((أمة)) من حيث المعنى، ولو عاد على
لفظِها لكان التركيبُ ((وهي تكفر)». وقيل: الضميرُ عائدٌ على ((أُمَّة)) وعلى
(أُمَم). وقيل: على الذين قالوا: ((لولا أُنْزِل))(٧).
آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿ولو أنَّ قرآناً﴾: جوابُها محذوفٍ، أي:
لكان هذا القرآنُ، لأنه في غاية ما يكونُ من الصحة. وقيل: تقديرُه:
(١) الآية ٢٧ .
(٢) ذكر ابن عطية هذا القول في تفسيره ١٦٩/٨.
(٣) المحرر ١٦٩/٨.
(٤) الإملاء ٢/ ٦٤.
(٥) زيادة من (ش) والإملاء.
(٦) ما بين معقوفين مخروم في الأصل.
(٧) في الآية ٢٧ .
٥٫٠

- الرعد -
لما آمنوا. ونُقِل عن الفراء (١) أنَّ جوابَ ((لو)) هي الجملة مِنْ قولِه
((وهم يكفُّرون)) ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، وما بينهما اعتراضٌ. وهذا في
الحقيقة دالٌّ على الجوابِ. وإنما حُذِفَت التاءُ في قوله ((وكُلِّم به المَوْتِى))
وثَبَتَتْ في الفعلَيْن قبله لأنه من باب التغليب؛ لأنَّ ((المَوْتَى)) يشمل المذكرّ
والمؤنث(٢).
قوله: ((أَفَلَمْ يَبْشَ الذين)» أصلُ الْيَأْسِ: قَطْعُ الطمعِ عن الشيء
والقُنوطُ فيه. واختلف الناسُ فيه ههنا: فقال بعضهم: هو هنا على بابه،
والمعنى: أفلم يَيْشَسِ الذين آمنوا من إيمانِ الكفّار من قريش، وذلك أنهم لَمَّا
سألوا هذه الآياتِ طَمِعوا في إيمانِهم وطلبوا نزولَ هذه الآيات ليؤمِنَ الكفار،
وعَلِم اللَّهُ أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم يَيْشَوا من إيمانهم، قاله الكسائي. وقال
الفراء (٣): ((أَوْقَعَ الله للمؤمنين أنْ لو يشاء اللَّهُ لهدى الناسَ جميعاً فقال: أفلم
يْئسوا عِلْماً، يقول: أَيْئَسهم العِلْم مضمراً، كما تقول في الكلام: يَئِست
منك أن لا تفلح، كأنه قال: عَلِمه علماً)، قال: فَيَئِسَتْ بمعنى عَلِمَت، وإنْ
لم یکنْ قد سمع، فإنه یتوجّه إلی ذلك بالتأويل».
وقال ابن عطية (٤): ((ويحتمل أن يكونَ ((اليأسُ)) في هذه الآية على بابه،
وذلك: أنه لمَّا أَبْعَدَ إيمانَهم في قوله: ((ولو أنَّ قرآناً)) على التأويلين في
المحذوفِ المقدَّر قال في هذه: أفلم يَيْئسِ المؤمنون من إيمان هؤلاءِ عِلْماً
منهم أن لو يشاء اللَّهُ لهدَىُ الناسَ جميعاً)).
(١) معاني القرآن ٦٣/٢.
(٢) الأقرب أن يقول: إن جمع التكسير يجوز في فعله التأنيث والتذكير.
(٣) معاني القرآن ٦٣/٢.
(٤) المحرر ١٧٢/٨.
٥١

- الرعد -
وقال الزمخشري(١): ((ويجوز أن يتعلَّقَ ((أنْ لو يشاء)» بآمَنوا على: أولم
يَقْنَطْ عن إيمانِ هؤلاءِ الكَفَرةِ الذين آمنوا بأن لو يشاءُ اللَّهُ لهدى الناسَ جميعاً
ولهداهم)) وهذا قد سبقه إليه أبو العباس.
[٥٣٠/ب]
وقال الشيخ(٢): ((ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ آخرُ غيرُ الذي / ذكروه: وهو أنَّ
الكلامَ تامّ عند قوله ((أفلم يَيْشَس الذين آمنوا)) وهو تقريرٌ، أي: قد يَئِس
المؤمنون من إيمان المعاندين، و((أنْ لو يشاءُ اللَّهُ)) جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ،
أي: وأُقْسِمُ لويشاء الله لهدى الناس جميعاً، ويدلُّ على هذا القُسَمِ وجودُ
(أنْ)) مع ((لو))، كقول الشاعر(٣):
٢٨٥٧- أَمَا واللَّهِ أنْ لو كنتَ حُرَّأَ
وما بالحُرِّ أنت ولا القَمينِ
وقول الآخر(٤) : !
٢٨٥٨ - فأُقسمُ أنْ لَوِ التقينا وأنتُمُ
لكان لكم يومٌ من الشرِّ مظلِمُ
وقد ذكر سيبويه(٥) أنَّ ((أنْ)) تأتي بعد القَسَم، وجعلها ابنُ عصفور(٦)
رابطةً للقَسَم بالجملة المُقْسَمِ عليها .
(١) الكشاف ٣٦١/٢.
(٢) البحر ٣٩٢/٥.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في المغني ٥٠، وشرح التصريح ٢٣٣/٢، ويروى
(«ولا العتيقِ».
(٤) البيت للمسيب بن غلس، وهو في الكتاب ٤٥٥/١، وابن يعيش ٩٤/٩، والخزانة
٢٢٤/٤، والمغني ٥٠، وشرح التصريح ٢٣٣/٢.
(٥) الكتاب ٤٥٥/١.
(٦) شرح جمل الزجاجي له ٥٢٨/١.
٥٢

- الرعد -
وقال بعضُهم: ((بل هو هنا بمعنى عَلِمَ وتَبَيَّن. قال القاسم بن معن(١)
وهو من ثقاتِ الكوفيين: ((هي لغة هوازن))(٢). وقال ابن الكلبي: ((هي لغةً
حيّ من النُّخَعِ(٣)، ومنه قولُ رباح بن عدي (٤):
٢٨٥٩ - ألم يَيْشَسِ الأقوامُ أني أنا ابنُهُ
وإن كنتُ عن أرض العشيرةِ نائیا
وقول سحيم(٥):
٢٨٦٠ - أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَأْسِرُونني
ألم تَيْئَسُوا أني ابنُ فارسٍ زَهْدَمِ
وقول الآخر(٦):
٢٨٦١ - حتى إذا يَئْسَ الرُّمَاةُ وأَرْسَلوا
غُضْفاً دواجنَ قافِلا أعْصامُها
وردِّ الفراء(٧) هذا وقال: ((لم أَسْمَعْ يَئِسْتُ بمعنى عَلِمْتُ)). ورُدِّ عليه:
بأنَّ مَنْ حَفِظ حجةٌ على مَنْ لم يَحْفَظُ، ويَدُلُّ على ذلك قراءةُ(٨) عليّ
وابن عباس وعكرمة وابن أبي مُلَيْكة(٩) والجحدري وعلي بن الحسين وابنه
(١) من علماء الكوفة بالعربية والفقه والحديث. له: النوادر في اللغة وغريب المصنف.
توفي سنة ١٧٥، أو ١٨٨. انظر: بغية الوعاة ٢٦٣/٢.
(٢) وهذا قول أبي عبيد في ((لغات القبائل)) ص ١٥٠.
(٣) النخع: قبيلة باليمن. انظر: القاموس (نخع).
(٤) المحتسب ٣٥٧/١، البحر ٣٩٢/٥. (٥) تقدم برقم (٩٤٤).
البيت للبيد، وهو في ديوانه ٣١١، والبحر ٣٩٢/٥، والغضف: المسترخية الآذان.
(٦)
الدواجن: المعوّدة للصيد. قافل: يابس. أعصامها: قلائدها. والواو في ((أرسلوا))
زائدة .
(٧) معاني القرآن ٦٣/٢.
(٨) البحر ٣٩٣/٥، المحتسب ٣٥٧/١، والشواذ ٦٧، والقرطبي ٣٢٠/٩.
(٩) عبد الله بن عبيد الله أبو بكر، التابعي، روى عن إسماعيل بن عبد الملك. توفي
سنة ١١٧. طبقات ابن الجزري ٤٣/١.
٥٣

- الرعد-
زيد وجعفر بن محمد وابن يزيد المديني(١) وعبد الله بن يزيد وعلي ابن
بَذِيمة(٢): ((أو لم يتبيَّنْ))، مِنْ تبيِّنْتُ كذا إذا عَرَفْتَه. وقد افترى مَنْ قال: ((إنما
كتبه الكاتب وهو ناعِسٌ، وكان أصله ((أفلم يتبيّن)) فَسَوَّى هذه الحروفَ فَتُوُهِّمَ
أنها سين)».
قال الزمخشري(٣): ((وهذا ونحوُهُ ممَّا لا يُصَدَّقُ في [كتاب الله الذي
لا يأتيه](٤) الباطلُ مِنْ [بينِ] يديه ولا مِنْ خلفِه، وكيف يَخْفَى هذا حتى يَبْقَى
بين دَقََّيْ الإِمام، وكان متقلِباً في أيدي أولئك الأعلامِ المحتاطِيْنَ في
دین الله، المهیمنین علیه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقِه، خصوصاً عن
القانون الذي إليه المرجعُ، والقاعدةُ التي عليها المبنى، هذه واللَّهِ فِرْيَةٌ،
ما فيها مِرْيَةٌ)). وقال الزمخشري (٥) أيضاً: ((وقيل: إنما اسْتَعْمَلَ اليأسَ بمعنى
العِلْم، لأن الآيسَ(٦) عن الشيء عالمٌ بأنه لا يكونُ، كما اسْتَعْمل الرجاءَ في
معنى الخوف والنسيان والتركِ لتضمّن ذلك».
ويُحتمل في (أَنْ)) قولان، أحدُهما: أنها المخففةُ من الثقيلة فاسمُها
ضميرُ الشأنِ، والجملةُ الامتناعيةُ بعدها خبرُها، وقد وقع الفصلُ بـ ((لو))،
و ((أنْ)) وما في حَيِّزها إن عَلَّقْناها بـ ((آمنوا)) تكونُ في محلِّ نصبٍ أوجَرّ على
(١) كذا في الأصل، وفي البحر: ((أبوزيد المزني))، وفي المحتسب: ((أبو يزيد المدني))
ولعله الصحيح وهو نزيل البصرة مقبول من الرابعة كما في تقريب التهذيب ٦٨٥.
(٢) علي بن بذيمة الجزري، رمي بالتشيُع. وثّقه ابن معين والنسائي، توفي سنة
١٨٦. انظر في ترجمته: التقريب ٣٩٨، ميزان الاعتدال ١١٥/٣.
(٣) الكشاف ٣٦٠/٢:
(٤) ما بين معقوفين مخروم في الأصل.
(٥) الكشاف ٣٦٠/٢
(٦) الكشاف: ((اليائس))، واستعمل المصنف لغة القلب المكاني: أيس.
٥٤

- الرعد -
الخلاف بين الخليلِ وسيبويه(١)، إذ أصلُها الجرُّ بالحرفِ، أي: آمَنوا بأن لو
يشاءُ الله، وإن عَلَّقْناها بـ (بَيْئَس)) على أنه بمعنى ((عَلِمَ)) كانت في محلٌّ
نصبٍ لِسَدِّها مَسَدَّ المفعولين.
والثاني: أنها رابطةٌ بين القَسَمِ والمُقْسَمِ عليه كما تقدم(٢).
قوله: ((أو تَحُلُّ)) يجوز أن يكونَ فاعلُه ضميرَ الخطاب [أي:] أو تَحُلُّ
أنت يا محمدُ، وأن يكونَ ضميرَ القارعة، وهذا أَبْيَنُ، أي: تُصيبهم قارِعَةٌ،
أو تَحُلُّ القارعة.
وقرأ(٣) ابن جبير ومجاهد ((يَحُلُّ)) بالياءِ مِنْ تحتُ، والفاعلُ على ما تقدم :
إمَّا ضميرُ القارعة، وإنما ذكَّر الفعلَ لأنها بمعنى العذاب، أو لأن التاءَ
للمبالغة، والمرادُ قارِع، وإمَّا ضميرُ الرسول، أتى به غائباً. وقرآ أيضاً ((مِنْ
ديارهم)» جمعاً (٤) وهي واضحة.
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هو قائم﴾: ((مَنْ)) موصولةٌ، صلتُها
((هو قائم)) والموصولُ مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ تقديرُه: كَمَنْ ليس
كذلك مِنْ شركائِهم التي لا تَضُرُّ ولا تنفع. ودلَّ على هذا المحذوفِ قولُه
((وجَعَلُوا للَّهِ شركاء)»، ونحوُه قولُه تعالى: ((أَفَمَنْ شَرَح اللَّهُ صدرَه للإِسلام)»(٥)
تقديره: كَمَنْ قَسا قلبُهُ، يَدُلُّ عليه ((فَوَيْلٌ للقاسيةِ قلوبُهم مِنْ ذِكْر الله)) وإنما
حَسَّن حَذْفَه كونُ الخبرِ مقابلاً للمبتدأ. وقد جاء منفياً كقوله: ((أفمَنْ يَخْلُق
(١) انظر: الدر المصون ٢١٢/١.
(٢) وهو مذهب ابن عصفور. انظر: شرح الجمل له ١ /٥٢٨.
(٣) البحر ٣٩٣/٥.
(٤) البحر ٣٩٣/٥، الشواذ ٦٧.
(٥) الآية ٢٢ من الرمز.
٥٥

- الرعد -
كمن لا يَخْلُق))(١) ((أَفَمَّنْ يَعْلَمُ أنما أُنْزِل إليك مِنْ ربك الحقُّ كَمَنْ
هو أَعْمیْ))(٢).
قوله: ((وجَعَلُوا» يجوز أن يكونَ استئنافاً وهو الظاهرُ، جيء به للدلالة
على الخبرِ المحذوفٍ كما تقدم تقريرُه. وقال الزمخشري(٣): ((ويجوز أن
يُقَدَّر ما يقع خبراً للمبتدأ، ويُعْطَفَ عليهِ ((وجعلُوا))، وتمثيلُه: أَفَمَنْ هو بهذه
[٥٣١/أ] الصفةِ لم يوحّدوه، / وجعلوا له وهو اللَّهُ الذي يستحقُّ العبادةَ وحدَه شركاءَ.
قال الشيخ (٤): ((وفي هذا التوجيهِ إقامةُ الظاهر مُقَامَ المضمر في قوله ((وجعلوا
الله: أي له))، وفيه حَذْفُ الخبرِ عن المقابل، وأكثرُ ما جاء هذا الخبرُ مقابلاً).
وقيل: الواو للحال والتقدير: أَفَمَنْ هو قائمٌ على كل نفسٍ موجودٌ، والحالُ
أنهم جعلوا له شركاءَ، فَأُقيم الظاهرُ - وهو الله - مُقامَ المضمرِ، تقريراً
للإِلَهية وتصريحاً بها.
وقال ابن عطيّة(٥): ((ويظهر أن القولَ مرتبطٌ بقوله: ((وجعلوا الله
شركاء))، كأن التقديرَ: أَفَمَنْ له القدرةُ والوحدانيةُ، ويُجْعَلُ له شريكٌ، أَهْلٌ
أن ينتقمَ ويعاقِبَ أم لا؟)). وقيل: ((وجعلوا)) عطفُ على ((استُهْزىء)) بمعنى:
ولقد استهزؤُّوا وجعلوا.
وقال أبو البقاء(٦): ((هو معطوفٌ على ((كَسَبَتْ))، أي: وبَجَعْلِهم الله
شرکاء)) .
(١) الآية ١٧ من النحل.
(٢) الآية ١٩ من الرعد.
(٣) الكشاف ٣٦١/٢.
(٤) البحر ٣٩٤/٥.
(٥) المحرر ١٧٥/٨.
(٦) الإملاء ٦٤/٢.
٥٦

- الرعد -
قوله: ((أم تُنَبِّئونه)) أم هذه منقطعةٌ مقدَّرةً بـ ((بل)) والهمزةِ، والاستفهامُ
للتوبيخ: بل أتْنَبِّئونه شركاء لا يعلمهم في الأرض، ونحوُه: ((قل أَتْنَبِّئُون اللَّهُ
بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض)) (١)، فجعل الفاعلَ ضميراً عائداً
على الله، والعائدُ على ((ما)) محذوفٌ، تقديرُه: بما لا يعلمُهُ اللَّهُ، وقد تقدَّم
في تلك الآيةِ أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على ((ما )) وهو جائزٌ هنا أيضاً.
قوله: ((أم بظاهرٍ)) الظاهرُ أنها منقطعة. و((الظاهر)» هنا قيل: الباطلُ.
وأنشدوا(٢):
٢٨٦٢ - أَعَيَّرْتَنا ألبانَها ولحومَها وذلك عارٌيا بنَ رَيْطَةً ظاهِرُ
أي باطِلُ، وفَسَّره مجاهدٌ ((بكذبٍ)) وهو (٣) موافقٌ لهذا. وقيل: ((أم))
متصلةً، أي: أتنبئونه بظاهرٍ لا حقيقةً له.
قوله: ((وصُدُّوا)) قرأ(٤) الكوفيون ((وصُدُّوا)) مبنياً للمفعول، وفي غافر
((وصُدَّ عن السبيل))(٥) كذلك. وباقي السبعة مبنيًّين للفاعل. و((صَدَّ)) جاء
لازماً ومتعدياً فقراءةُ الكوفةِ من المتعدِّي فقط، وقراءةُ الباقين تحتمل أن يكونَ
من المتعدّي ومفعولُه محذوفٌ، أي: وصَدُّوا غيرَهم أو أنفسَهم، وأن يكونَ
مِنَ اللازم، أي: أَعْرَضوا وتَوَلُّوا.
وقرأ(٦) ابنُ وثاب ((وصِدُّوا)) و((صِدَّ عن السبيل)) بكسرِ الصاد، وهو
(١) الآية ١٨ من يونس.
(٢) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٣٩٥/٥، والقرطبي ٣٢٣/٩.
(٣) قوله ((وهو)) مخروم في الأصل.
(٤) السبعة ٣٥٩، التيسير ١٣٣، الحجة ٣٧٤، البحر ٣٩٥/٥، النشر ٢٩٨/٢.
(٥) الآية ٣٧. وانظر السبعة ٥٧٠ - ٥٧١.
(٦) الإِتحاف ١٦٢/٢، البحر ٣٩٥/٥، القرطبي ٣٢٣/٩. وانظر في تخريج آية غافر:
البحر ٤٦٦/٧، والقرطبي ٣١٥/١٥.
٥٧

- الرعد-
مبنيٌّ للمفعول، أجراه مُجْرىْ قِيْل وبِيْع، فهو كقراءة(١) ((رِدَّت إلينا))،
[وقوله: ](٢)
٢٨٦٣ - وما حِلَّ مِنْ جهلٍ حُبا حُلَمَائِنا
وقد تقدم.
آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الجنَّةِ﴾: مبتدأ، وخبرُه محذوفٌ
تقديره: فيما قَصَصْنَا، أو فيما يُتْلَى عليكم مَثَلُ الجنَّة، وعلى هذا فقولُه
((تُجري مِنْ تحتِها الأنهارُ)) تفسيرٌ لذلك المَثَلِ. وقال أبو البقاء(٣): ((فعلى
هذا (تَجري)) حالٌ من العائدِ المحذوف في ((وُعِد)»، أي: وُعِدَها مُقَدَّراً
جَرَيانُ أنهارها)). ونقل عن الفراء(٤) أنه جعل الخبر قوله ((تجري)). قال:
(وهذا خطأً عند البصريين)). قال: ((لأنَّ المَثَلَ لا تَجْري مِنْ تحتِهِ الأنهارُ،
وإنما هو من صفاتِ المضافِ إليه، وشُبْهَتُه: أنَّ المَثَل هنا بمعنى الصفة فهو
كقولِه ((صِفَةُ زيدٍ أنه طويلٌ))، ويجوز أن يكونَ ((تجري)) مستأنَفً».
قلت: وهذا الذي ذكره أبو البقاء نَقَل نحوَه الزمخشريُّ(٥). ونَقَل غيره
عن الفراء(٦) في الآية تأويلين آخرين، أحدُهما: على حذف لفظةِ (أَنَّها))
والأصلُ: صفةُ الجنَّةِ أنها تجري، وهذا منه تفسيرُ معنىَّ لا إعرابٍ، وكيف
(١) الآية ٦٥ من يوسف وهي قراءة علقمة ويحيى والأعمش. انظر: الدر المصون
٦ /٥١٩.
(٢) تقدم برقم (١٨٨).
(٣) الإِملاء ٦٥/٢.
(٤) معاني القرآن ٦٥/٢.
(٥) الكشاف ٣٦٢/٢.
(٦) معاني القرآن ٦٥/٢.
٥٨

- الرعد -
يَحْذِفُ ((أنها)) من غير دليلٍ. والثاني(١): أنَّ لفظةً ((مثل)) زائدةٌ، والأصل:
الجنة تجري مِنْ تحتها الأنهار، وزيادةُ ((مَثَل)) كثيرةٌ في لسانِهم، ومنه ((ليس
كمِثْلِه [شيءٌ] (٢))) ((فإِنْ أَمَنُوا بِمِثْل ما آمنْتُمْ))(٣) وقد تقدَّم.
وقال الزمخشري (٤): ((وقال غيرُه : - أي سيبويه(٥) - الخبر («تجري مِنْ
تحتها الأنهار)) كما تقول: صفةُ زيدٍ أسمرُ)). قال الشيخ(٦): ((وهذا أيضاً
لا يَصِحُّ أن يكونَ ((تَجْري)) خبراً عن الصفةِ، ولا (أسمر)» خبراً عن الصفة،
وإنما يُتَأَوَّل ((تجري)) على إسقاطِ ((أنْ)) ورفعِ الفعل، والتقدير: أَنْ تَجْري،
أي: جَرَیانُها)».
وقال الزجَّاجِ(٧): ((مَثّل الجنَّة جَنَّةٌ تجري، على حَذْفِ الموصوفِ تمثيلاً
لِما غاب عنَّا بما نشاهده)). ورَدَّ عليه أبو عليَّ قال: ((لا يَصِحُّ ما قال الزجاج،
لا على معنى الصفة، ولا على معنى الشَّبَه؛ لأنَّ الجنَّةَ التي قَدَّرها جثةٌ
ولا تكونُ الصفة، ولأنَّ الشَّبه عبارةٌ عن المماثلةِ التي بين المتماثلين وهو
حَدَثٌ، والجنَّةُ جثّةٌ فلا تكون المماثلةُ، والجمهورُ على أن المَثَلَ هنا بمعنى
الصفة فليس هنا ضَرْبُ مَثَلٍ ، فهو كقولِه تعالى: ((ولله المَثَلُ الأعلى))(٨) وأنكر
أبو علي أَنْ تكون بمعنى الصفة، وقال: معناه الشبه.
(١) لم يرد هذا التأويل عند الفراء في هذه الآية.
(٢) الآية ١١ من الشورى.
(٣) الآية ١٣٧ من البقرة، وانظر: الدر المصون ١٤٠/٢.
(٤) الكشاف ٣٦٢/٢.
(٥) انظر مذهب سيبويه في ذلك: الكتاب ١ /٧١.
(٦) البحر ٣٩٦/٥.
(٧) معاني القرآن ١٤٩/٣ بعبارة قريبة.
(٨) الآية ٦٠ من النحل.
٥٩

- الرعد -
وقرأ(١) عليَّ وابن مسعود ((أمثال الجنة))، أي: صفاتها.
· و ((أُكُلُها دائمٌ)) كقوله ((تَجْرِيْ)) في الاستئناف التفسيري أو الخبرية
أو الحالية. وقد تقدَّم خلافُ القرَّاءِ فيه في البقرة))(٢).
آ. (٣٦) قوله تعالى: [ ﴿ولا أُشْرِكُ﴾]: قرأ نافع(٣) في روايةٍ
عنه برفع ((ولا أُشْرِكُ)) وهي تحتمل القطع، أي: وأنا لا أَشْرِك، وقيل: هي
حالٌ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المنفيَّ بـ((لا)) كالمُثْبِتِ في عدم مباشرة واوِ الحال له.
آ. (٣٧) و: ﴿حُكْماً﴾: حال / من مفعولِ ((أنزلناه)). والكاف في
((كذلك)) نصب، أي: وكما يَسَّرنا هؤلاء للفرحِ، وهؤلاء لإِنكار البعض
كذلك أنْزَلْناه حُكْماً.
[٥٣١/ب]
آ. (٣٩): وقرأ(٤) أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ وعاصمُ: ((ويُثبتُ)) مخففاً مِنْ
أَثْبَتَ، والباقون بالتشديد والتضعيف، والهمزةُ للتعدية. ولا يَصِحُّ أن يكونَ
التضعيفُ للتكثير؛ إذْ من شرطِه أن يكون متعدياً قبل ذلك. ومفعولُ ((يُثْبِتُ))
محذوفٌ، أي: ويُثْبِتُ ما يشاء.
آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿فَإَنَا عليك البلاغُ﴾: جوابٌ للشرط
قبله. قال الشيخ(٥): ((والذي تقدَّم شرطان؛ لأنَّ المعطوفَ على الشرط
شرطٌ: فأمَّا كونُه جواباً للشرط الأول فليس بظاهرٍ؛لأنه لا يترتّب عليه؛ إذ يصير
(١) البحر ٣٩٦/٥، معاني القرآن للفراء ٦٥/٢.
(٢) الآية ٢٦٥. وانظر: الدر المصون ٥٩٣/٢.
(٣) البحر ٣٩٧/٥، القرطبي ٣٢٦/٩.
(٤) السبعة ٣٥٩، الحجة ٣٧٤، التيسير ١٣٤، البحر ٣٩٩/٥، القرطبى ٣٢٩/٩.
(٥) البحر ٣٩٩/٥.
٦٠