Indexed OCR Text
Pages 401-420
- هود - جوابُ القسم كُرِّرَتْ تأكيداً. وأحدها في ((ما)): أنها موصولة. الثاني: أنها نكرة. الثالث: أنها مزيدة للفصل بين اللامين. وأمَّا (١) قراءةُ أبي بكر ففيها أوجه /، أحدها: ما ذهب إليه الفراء(٢) [٤٩٩/أ] وجماعة من نحاة البصرة والكوفة، وهو أن الأصل: لَمِنْ ما، بكسر الميم على أنها مِنْ الجارة دخلت على ((ما)) الموصولة)) أو الموصوفة كما تقرّر، أي: لَمِنَّ الذين واللَّهِ ليوفِّنَّهم، أو لَمِنْ خَلْقٍ واللَّهِ ليوفِّهم، فلمّا اجتمعت النونُ ساكنةً قبل ميم ((ما)) وجب إدغامُها فيها فقُلِبَتْ ميماً، وأُدْغمت فصار في اللفظ ثلاثةُ أمثال، فخُفِّفَتْ الكلمةُ بحذف إحداها فصار اللفظُ كما ترى ((لمَّ)). قال نصر ابن علي الشيرازي(٣): ((وَصَلّ ((مِنْ)) الجارة بـ ((ما)) فانقلبت النون أيضاً ميماً للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فَحُذِفت إحداهن، فبقي ((لمَّا)) بالتشديد)). قال: ((وما) هنا بمعنى ((مَنْ)) وهو اسم لجماعة الناس كما قال تعالى: ((فانكحوا ما طاب لكم مِن النساء)) أي مَنْ طاب، والمعنى: وإنْ كلَّ مِن الذين ليوفِّهم ربُّك أعمالهم، أو جماعة ليوفِّنَّهم ربُّك أعمالَهم)). وقد عَيَّن المهدويُّ الميمَ المحذوفة فقال: ((حُذِفت الميمُ المكسورة، والتقدير: لَمِنْ خلقٍ ليوفُيَّنِّهم)). الثاني: ما ذهب إليه المهدويُّ ومكي (٤) وهو: أن يكونَ الأصل: لمَنْ ما بفتح ميم ((مَنْ)) على أنها موصولة أو موصوفة، و((ما)) بعدها مزيدةٌ فقال: (١) بتخفيف ((إنْ)) وتثقيل (لَّ)). (٢) معاني القرآن: ٢٩/٢. (٣) انظر: البحر: ٢٦٧/٥. وهو نصر الله بن علي الشيرازي الفارسيّ خطيب شيراز وعالمها، أخذ عن الكرماني. له التفسير، شرح الإيضاح. توفي بعد سنة ٥٦٥. البغية: ٣١٤/٢. (٤) المشكل: ٤١٥/١ بعبارة قريبة . ٤٠١ - هود - ((فقلبت النونُ ميماً، وأُدْغمت في الميم التي بعدها، فاجتمع ثلاثُ ميمات، فَحُذِفَتِ الْوُسْطَى منهن، وهي المبدلةُ من النون، فقيل ((لَّمَّ)). قال مكي (١): ((والتقدير: وإنْ كلَّ لَخَلْقٌ لَيوفيَنَّهم ربك أعمالهم))، فترجعُ إلى معنى القراءة الأولى بالتخفيف، وهذا الذي حكاه الزجاج عن بعضهم فقال: ((زَعَمَ بعضُ النحويين أن أصله لمَنْ ما، ثم قلبت النون ميماً، فاجتمعت ثلاثُ ميمات، فَحُذِفت الوسطى)) قال: ((وهذا القولُ ليس بشيءٍ، لأنَّ ((مَنْ)) لا يجوز حَذْفُ بعضها لأنها اسمٌ علی حرفين». وقال النحاس (٢): ((قال أبو إسحاق: هذا خطأ، لأنه تُحْذف النونُ مِنْ ((مَنْ)) فيبقى حرفٌ واحد)). وقد رَدَّه الفارسيُّ(٣) أيضاً فقال: ((إذا لم يَقْوَ الإدغام على تحريك الساكن قبل الحرف المدغم في نحو ((قدم مالك)) فأَنْ لا يجوزَ الحَذْفُ أَجْدَرُ» قال: «على أنَّ في هذه السورة ميماتٍ اجتمعَتْ في الإِدغام أكثرَ ممَّا كانَتْ تجتمع في ((لَمَنْ ما)) ولم يُحذفْ منها شيءٌ، وذلك في قوله تعالى: (وعلى أُمَمٍ مَّمَّن معك))(٤)، فإذا لم يُحْذَفْ شيءٌ مِنْ هذا فأن لا يُحْذَفَ ثَمَّ أَجْدَرُ)). قلت: اجتمع في ((أمم ممَّن مَعَك)) ثمانيةً ميماتٍ وذلك أن ((أمما) فيها ميمان وتنوين، والتنوين يُقْلِب ميماً لإِدغامه في ميم ((مِنْ)) ومعنا نونان: نونُ مِنْ الجارة ونون مَنْ الموصولة فيقلبان أيضاً ميماً لإِدغامهما في الميم بعدهما، ومعنا ميم ((معك))، فحَصَّل معنا خمسُ ميماتٍ ملفوظٌ بِهَا، وثلاثٌ منقلبةٌ إحداها عن تنوين، واثنتان نون. واستدلَّ الفراء على أن أصل ((لَمَّا)) ((لمِنْ ما))(٥) بقول الشاعر(٦): (١) المشكل: ٤١٥/١. (٢) إعراب القرآن: ١١٥/٢. (٣) الحجة (خ): ٢٤٢/٣. (٤) الآية ٤٨ من سورة هود. (٥) هذا رأيٌ يخالف الفرض السابق، مِنْ هنا بكسر فسكون، والفرض السابق بفتح فسكون. (٦) تقدم برقم ١٥٩٨. ٤٠٢ - هود - على رأسِه تُلقي اللسانَ من الفم ٢٧١٦ - وإنَّا لِمِنْ ما نَضْرِبُ الكبشَ ضَرْبَةً وبقول الآخر(١): ٢٧١٧ - وإني لَمِنْ ما أُصْدِرُ الأمرَ وجهَه إذا هو أَعْيا بالسبيل مصادرُهْ قلت: وقد تقدَّم في سورة آل عمران في قراءة مَنْ قرأ ((وإذ أخذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينِ لَّمَّا آتَيْتُكم))(٢) بتشديد ((لمَّ)) أن الأصل: (لمن ما)) فَفُعل فيه ما تقدَّم، وهذا أحد الأوجه المذكورة في تخريج هذا الحرف في سورته، وذكرْتُ ما قاله الناسُ فيه، فعليك بالنظر فيه. وقال أبو شامة: ((وما قاله الفراء استنباطٌ حسنٌ وهو قريبٌ من قولهم: (لكنَّا هو اللَّه ربي))(٣) إن أصله: لكن أنا، ثم حُذِفت الهمزة، وأُدْغِمَتِ النونُ في النون، وكذا قولهم: ((أمَّا أنت منطلقاً انطلقت، قالوا: المعنى لإِنْ كنتَ منطلقاً)). قلت: وفيما قاله نظرً؛ لأنه ليس فيه حَذْفُ البتةَ، وإنما كان يَحْسُنُ التنظيرُ أن لوكان فيما جاء به إدغامٌ، ثم حُذف، وأمَّ مجرَّدُ التنظير بالقلبِ والإِدغامِ فغيرُ طائلٍ . ثم قال أبو شامة: ((وما أحسنَ ما استخرج الشاهد من البيت)) يعني الفراء، ثم الفراء(٤) أراد أن يجمع بين قراءتَي / التخفيفِ والتشديدِ مِنْ ((لمَّا)) [٤٩٩/ب] في معنى واحد فقال: ((ثُمَّ تُخَفَّفُ كما قرأ بعض القراء ((والبَغْيْ يَعِظكم))(٥) (١) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن: ٢٩/٢؛ الطبري: ٤٩٤/١٥. (٢) الآية ٨١، وهي قراءة سعيد والحسن. انظر: الدر المصون: ٢٨٤/٣. والأصل: «اتیناکم» وهو سھو. (٣) الآية ٣٨ من سورة الكهف. (٤) معاني القرآن: ٢٩/٢. (٥) الآية ٩٠ من سورة النحل. ولم أقف على صاحب هذه القراءة. ٤٠٣ - هود - بحذف الياء عند الياء، أنشدني الكسائي(١): ٢٧١٨ - وأَشْمَتَّ العُداةَ بنا فأضْحَوا لَدَيْ يَتباشَرُون بما لَّقِيْنا فحذف ياءَه لإجتماع الياءات)). قلت: الْأَوْلى أن يُقال: حُذِفتِ ياءُ الإِضافة مِنْ ((لديّ)) فبقيت الياءُ الساكنةُ قبلَها المنقلبةُ من الألف في ((لدى» وهو مِثْلُ قراءةٍ مَنْ قِرأ ((يا بُنَيْ))(٢) بالإِسكان على ما سَبَق، وأمَّا الياءُ مِنْ ((يتباشرون)) فثابتةٌ لدلالتها على المضارعة . ثم قال الفراء: ((ومثلُه(٣): ٢٧١٩- كأنَّ مِنْ آخِرِها إلقادِمِ يريد: إلى القادم، فحذف اللام عند اللام)). قلت: توجيهُ قولهم : ((من آخرها إلقادم)) أن ألف ((إلى)) حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين، وذلك أن ألف ((إلى)) ساكنة ولام التعريف من ((القادم)» ساكنةٌ، وهمزةُ الوصل حُذِفت دَرْجاً، فلمَّا التقيا حُذِف أولهما فالتقى لامان: لامُ ((إلى)) ولامُ التعريف، فحُذِفت الثانيةُ على رأيه(٤)، والْأُوْلِى حَذْفُ الْأُوْلِى؛ لأنَّ الثانيةَ دالة على التعريف فلم يَبْقَ مِنْ حرف ((إلى)) غير الهمزة فاتصلت بلام ((القادم)) فبقيَتِ الهمزةُ على كسرها، فلهذا تُلَفَّظ بهذه الكلمة مِنْ آخرها: ((ءِ القادم)) بهمزة مكسورةٍ ثابتة درجاً لأنها همزةٌ قطع. (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء: ٢٩/٢ برواية: لديَّ تباشرون؛ والطبري : ٤٩٥/١٥. (٢) الآية ٤٢ من سورة هود وهي قراءة المطوّعي. انظر: الإتحاف: ٢٥٦. (٣) لم أهتد إلى قائله وبعده: تَخْرِمَ نَجْدٍ فارعِ المَخَارِمِ وهو في اللسان قدم، والفراء: ٢٩/٢؛ والطبري: ٤٩٥/١٥. والمَخْرِم: الطريق في الجبل. والفارع: العالي. (٤) ليس ثمة ما يدل على أن الفراء يرى حذف الثانية. ٤٠٤ - هود - قال أبو شامة: ((وهذا قريبٌ مِنْ قولهم ((مِلْكذب)) و((عَلْماءِ بنو فلان)) و((بَلْعنبر)) يريدون: من الكذب، وعلى الماء بنو فلان، وبنو العنبر)). قلت: يريد قوله(١): ٢٧٢٠ - أَبْلِغْ أبا دَخْتنوسَ مَأَلُّكَةٌ غيرُ الذي [قد] يُقال مِلْكذب وقول الآخر(٢): ٢٧٢١ - فما سَبَقَ القَيْسِيَّ مِن سُوءٍ فِعْلِهِ ولكنْ طَفَتْ عَلْماءِ غُرْلَةُ خالِدٍ وقد ردَّ بعضُهم قولَ الفراء بأنَّ نونَ ((مِنْ)) لا تُحْذف إلا في ضرورة وأنشد: مِلكذب. الثالث: أنَّ أصلَها ((لَما)» بالتخفيف ثم شُدِّدت، وإلى هذا ذهب أبو عثمان. قال الزجاج: ((وهذا ليس بشيءٍ لأَنَّا لَسْنا نُثَقِّل ما كان على حرفين، وأيضاً فلغةُ العرب على العكس من ذلك يُخَفِّفون ما كان مثقَّلاً نحو: (ُبَ)) في (رُبَّ)). وقيل في توجيهه: إنما يكونُ في الحرف إذا كان آخراً، والميم هنا حشوٌ لأن الألف بعدها، إلا أن يقال: إنه أجرى الحرف المتوسط مُجرى المتأخر كقوله(٣): مثلَ الحريقِ وافَقَ القَصَبًّا ٢٧٢٢- (١) تقدم برقم ٣٢٨. (٢) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه: ٢١٦؛ وابن يعيش: ١٥٥/١٠؛ وابن الشجري: ٤/٢. والغُرْلة: القُلْفَة. (٣) البيت لرؤية، وفي ملحق ديوانه: ١٦٩؛ والمحتسب: ٧٥/١؛ ابن يعيش: ٩٤/٣. وقبله : لقد خشيتُ أن أرىُ جَدَبًّا والجدب: نقيض الخصب. ٤٠٥ - هود- يريد: القصبَ، فلمَّا أُشبع الفتحة تولَّد منها ألف، وضعَّف الحرف، وكذلك قوله(١): ٢٧٢٣ - ببازِلٍ وَجْناءَ أو عَيْهَلِّي شدَّد اللام مع كونِها حَشْواً بياء الإِطلاق. وقد يُفَرَّق بأن الألف والياء في: هذين البيتين في حكم المطَّرح، لأنهما نشأ من حركةٍ بخلافِ ألف ((لما) فإنها. أصليةٌ ثابتة، وبالجملة فهو وجهٌ ضعيفٌ جداً. الرابع: أن أصلَها (((لَمَّا) بالتنوين ثم بُني منه فَعْلى، فإنْ جَعَلْتَ ألفَه للتأنيث لم تصرِفْه، وإنْ جَعَلْتَها للإِلحاق صَرَفْتَه، وذلك كما قالوا في ((تَتْرِى)) بالتنوين وعدمِه، وهو مأخوذٌ مِنْ قولك لَمَمْتُه أي: جَمَعْتِه، والتقدير: وإنْ كلَّ جميعاً لیونینھم، ویکون (جمیعاً» فیه معنی التوکید ککل، ولا شك أن «جمیعاً» یفید معنى زائداً على ((كل)) عند بعضهم. قال: ((ويدل على ذلك قراءةُ مَنْ قرأ (لمَّا)) بالتنوين)). الخامس: أن الأصل ((لَمَّ) بالتنوين أيضاً، ثم أَبْدل التنوينَ ألفاً وقفاً، ثم أَجْرى الوصل مُجْرى الوقف. وقد مَنَع من هذا الوجهِ أبو عبيد قال: ((لأن: ذلك إنما يجوز في الشعر)) يعني إبدالَ التنوين ألفاً وصلاً إجراءً له مُجْرى الوقف، وسيأتي توجيهُ قراءةِ (لَمَّا)) بالتنوين بعد ذلك. وقال أبو عمرو ابن الحاجب(٢): ((استعمالُ ((لَمًّا)) في هذا المعنى بعيد، وحَذْفُ التنوين مِن المنصرف في الوصل أبعدُ، فإن قيل: لَمَّأَ فَعْلى من اللَّمِّ، ومُنِعَ الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى ((لمَّا)) المنصرف. (١) البيت لمنظور بن مرتد وهو في الكتاب: ٢٨٢/٢، والخصائص: ٣٥٩/٢؛ والمحتسب: ١٠٢/١؛ ابن يعيش: ٦٨/٩؛ الخزانة: ٢٨٣/٢. والبازل: الناقة في التاسعة. والوجناء: الشديدة. العيهل: السريعة. (٢) الأمالي: ٦٧/١. ٤٠٦ - هود - فهو أبعدُ، إذ لا يُعرف ((لمَّا)) فَعْلَى بهذا المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزَمُ هؤلاء أن يُميلوا كَمَنْ أمال، وهو خلافُ الإِجماع، وأن يكتبوها بالياء(١)، وليس ذلك بمستقیم)). السادس: أنَّ (لَّمَّا)) زائدة كما تزاد ((إلا)) قاله أبو الفتح(٢) وغيرُه، وهذا وجهُ لا اعتبارَ به فإنه مبنيٌّ على وجه ضعيف أيضاً، وهو أنَّ ((إلا)) تأتي زائدةً. السابع: أنَّ ((إِنْ)) نافيةٌ بمنزلة ((ما))، و((لمَّ)) بمعنى(إلا)) فهي كقوله: (إنْ كلُّ نفسٍ لَمَّا عليها))(٣) أي: ما كلُّ نفسٍ إلا عليها، ((وإن كلُّ ذلك لَّمَّا متاعُ)»(٤) أي: ما كل ذلك إلا متاع /. واعتُرِض على هذا الوجه بأنَّ ((إنْ)) [١/٥٠٠] النافية لا تُنْصِبُ الاسمَ بعدها، وهذا اسمٌ منصوب بعدها. وأجاب بعضهم عن ذلك بأن ((كلًا)) منصوبٌ بإضمار فعلٍ، فقدَّره قومٌ منهم أبو عمر ابن الحاجب(٥): وإنْ أرى كلّاً، وإن أعلمُ، ونحوه، قال: ((ومِنْ ههنا كانت أقلّ إشكالاً مِنْ قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجهَ الذي هو غيرُ مستبعَدٍ ذلك الاستبعاد، وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف النفي استبعادٌ، ولذلك اختُلِف في مثلٍ قوله(٦): ٢٧٢٤- ألا رجلاً جزاه الله خيراً يَدُلُّ على مُحَصِّلةٍ تَبِيتُ هل هو منصوب بفعلٍ مقدَّر أو نُوَّن ضرورةً؟ فاختار الخليلُ إضمارَ الفعلِ، واختار يونس التنوين للضرورة))(٧)، وقدَّره بعضهم بعد ((لمَّا)) مِنْ لفظ (١) لأنها أكثر من ثلاثة أحرف ولكنها كتبت بالممدودة. (٢) المحتسب: ٣٢٨/١. (٣) الآية ٤ من سورة الطارق. (٤) الآية ٣٥ من سورة الزخرف. (٦) تقدم برقم ٩٥. (٧) انظر: الكتاب: ٣٥٩/١. (٥) الأمالي: ٦٨/١. ٤٠٧ - هود - (لُوَفِّيَّهم)) والتقدير: وإن كلًا إلا ليوفِّيَنَّ ليوفِّيَنَّهم. وفي هذا التقدير بُعْدٌ كبيرٌ أو امتناع؛ لأنَّ ما بعد ((إلا)) لا يعمل فيما قبلها. واستدلَّ أصحابُ هذا القول - أعني مجيء ((لَّمَّا)) بمعنى ((إلا)»-بنص الخليل وسيبويه(١) على ذلك، ونصره الزجاج، قال بعضهم: ((وهي لغة هُذَيْل يقولون: سألتك باللّه لمَّا فعلت أي : إلا فعلت)). وقد أنكر الفراء(٢) وأبو عبيد ورودَ ((أمَّ)) بمعنى إلا، قال: أبو عبيد: ((أمَّا مَنْ شدَّد ((لمَّا)) بتأويل ((إلا)) فلم نجدْ هذا في كلامِ العربِ، ومَنْ قال هذا لزمه أن يقولَ: ((قام القوم لمَّا أخاك)) يريد: إلا أخاك، وهذا غيرُ موجودٍ)). وقال الفراء: ((وأمَّا مَنْ جَعَلَ ((لَمَّ)) بمنزلة ((إلا)) فهو وجهٌ لا نعرفه، وقد قالت العربُ في اليمين: ((باللَّه لمَّا قمت عنا))، و((إلا قمت عنا)»، فأمَّا في الاستثناء فلم نَقُلْه(٣) في شعر ولا في غيره، ألا ترى أن ذلك لو جاز لسمعْتَ في الكلام: ذهب الناس لمَّا زيداً). فأبو عبيد أنكر مجيء ((لمَّا)) بمعنى ((إلا)) مطلقاً، والفراء جَوَّز ذلك في القسم خاصةً، وتبعه الفارسي(٤) في ذلك فإنه قال في تشديد (لمَّ)) في هذه الآية: ((لا يصلح أن تكون بمعنى ((إلا))؛ لأن ((لَّمَّا)) هذه لا تفارق القسم)» وردًّ الناس قوله بما حكاه الخليل وسيبويه(٥)، وبأنها لغة هُذَيْل مطلقاً، وفيه نظرً، فإنهم لمَّا حَكَوا اللغة الهذيلية (٦) حَكَوْها في القسم كما تقدم مِنْ نحو: (نَشَدْتُك باللَّه لمَّا فعلت)) و((أسألك بالله لمَّا فعلت)). وقال(٧) أبو علي أيضاً (١) الكتاب: ٤٥٥/١، ونَصُّ الخليل وسيبويه في مسألة ورودها في سياق القسم وليس على إطلاق ذلك. (٢) معاني القرآن: ٢٩/٢. (٣) الفراء: يقولوه. (٤) الحجة (خ): ٢٤٢/٣. (٥) بل إن حكاية الخليل وسيبويه في سياق القسم فحسب. (٧) الحجة (خ): ٢٤٢/٣. (٦) الأفصح: الهُذَلية. ٤٠٨ - هود - مستشكلاً لتشديد ((لمّا)) في هذه السورة على تقدير أن ((لمَّا)) بمعنى ((إلا)) لا تختص بالقسم ما معناه: أن تشديد ((لمَّا)) ضعيف سواء شددت ((إن)) أم خَفَّفْت، قال: ((لأنه قد نُصِب بها ((كلَّ))، وإذا نُصب بالمخففة كانت بمنزلة المثقلة، وكما لا يَحْسُن: ((إنَّ زيداً إلا منطلق))، لأن الإِيجابَ بعد نفي، ولم يتقدَّمْ هنا إلا إيجابٌ مؤكد، فلذا لا يَحْسُن: إن زيداً لَمَّا مُنْطلق)) لأنه بمعناه، وإنما ساغ: ((نَشَدْتُك اللَّهَ إلا فعلت ولمَّا فعلت)) لأنَّ معناه الطلب، فكأنه قال: ما أطلب منك إلا فِعْلك، فحرفُ النفي مرادٌ مثل: (تاللَّهِ تَقْتَأ))(١)، ومَثَّل ذلك أيضاً بقولهم: ((شَرّ أهرُّ ذاناب))(٢) أي: ما أهرَّه إلا شرِّ، قال: ((وليس في الآية معنى النفي ولا الطلبِ. وقال الكسائي: ((لا أعرف وجه التثقيل في لِمَّا)). قال الفارسي: ((ولم يُبْعِدْ فيما قال)). ورُوي عن الكسائي أيضاً أنه قال: (اللَّه عَزّ وجَلَّ أعلمُ بهذه القراءة، لا أعرف لها وجهاً)). الثامن: قال الزجاج: ((قال بعضهم قولاً ولا يجوزُ غيرُه: ((إنَّ ((لمَّا)) في معنى إلا، مثل ((إنْ كل نفسٍ لمَّا عليها حافِظ))(٣) ثم أَتْبَع ذلك بكلام طويل مشكل حاصِلُه يَرْجِع إلى أن معنى ((إِنْ زيدٌ لمنطلق)): ما زيد إلا منطلق، فَأَجْرَيْتَ المشددة كذلك في هذا المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملُها النصبَ في اسمها باقٍ بحاله مشددةً ومخففةً، والمعنى نفيٌّ بـ ((إِنْ)) وإثباتٌ باللام التي بمعنى إلا، ولَمَّا بمعنى إلا)). قلت: قد تقدَّم إنكارُ أبي علي على جوازِ ((إلا)) في مثلِ هذا التركيب فكيف يجوز ((لمًّا)) التي بمعناها؟ وأمَّا قراءةُ ابنٍ عامر وحمزة وحفص (٤) ففيها وجوه، أحدها: أنها ((إِنَّ) (١) الآية ٨٥ من سورة يوسف. (٢) مجمع الأمثال: ٣٧٠/١، وذو الناب: السبع، يُضرب في ظهور أمارات الشر. (٣) الآية ٤ من سورة الطارق. (٤) بتشديد ((إنَّ)) و ((لَّا)) معاً. ٤٠٩ - هود - المشددةَ على حالها، فلذلك نُصب ما بعدها على أنه اسمُها، وأمَّا ((لِمَّا)) فالكلامُ فيها كما تقدم مِنْ أنَّ الأصلَ (لَمِنْ ما)) بالكسر أو (لَمَنْ ما)» بالفتح، وجميعُ تلك الأوجهِ التي ذكرْتُها تعودُ ههنا(١). والقولُ بكونها بمعنى (إلا)) مُشْكِلٌ كما تقدَّم تحريرُه عن أبي علي هنا. الثاني: قال المازنيُّ: ((إنَّ) هي المخففة ثُقُّلَتْ، وهي نافيةٌ بمعنى (ما)» كما خُفِّفَتْ ((إنَّ) ومعناها المثقلة و(لَّمَّ)) بمعنى ((إلا)). وهذا قولٌ ساقطٌ جداً لا اعتبارَ به، لأنه لم يُعْهَدْ تثقيلُ «إنْ)» النافية، وأيضاً فـ ((كلَّ)) بعدها منصوبٌ، [٥٠٠/ب] والنافيةُ لا / تَنْصِبُ. الوجه الثالث: أنَّ (لَمَّا)) هنا هي(٢) الجازمة للمضارع حُذِف مجزومُها لفهم المعنى. قال الشيخ أبو عمرو ابن الحاجب(٣) في أماليه: ((لمًّا)) هذه هي الجازمةُ فحُذِف فِعْلُها للدلالةِ عليه، لِما ثبت من جواز حَذْفٍ فِعْلِها في قولهم: (خَرَجْتُ ولَمًّا)) و((سافرتُ ولمًّا)) وهو شائعٌ فصيح، ويكون المعنى: وإِنَّ كلَّا لَمَّا يُهْمَلوا أو يُتْرَكوا لِما تقدَّم من الدلالةِ عليه مِنْ تفصيل المجموعين بقوله ((فمنهم شقيٍّ وسعيد))(٤)، ثم فَصَّل الأشقياءَ والسعداء، ومجازاتَهم، ثم بَيَّنِ ذلك بقوله («ليوفِيَّهم ربُّك أعمالَهم)»، قال: ((وما أعرفُ وجهاً أشبهَ مِنْ هذا، وإن كانت النفوسُ تستبعده مِنْ جهةٍ أنَّ مثلَه لم يَرِدْ في القرآن»، قال: ((والتحقيقُ يأبى استبعادَه)). قلت: وقد نَصَّ النحويون على أن ((لمَّا)) يُحذف (١) قوله: ((تعود ههنا)) غير واضح في الأصل. (٢) أصل العبارة: ((هنا بمعنى هي)) وشطب على قوله: ((بمعنى). (٣) الأمالي النحوية: ٦٨/١. (٤) الآية ١٠٥ . ٤١٠ - هود . مجزومُها باطُّراد، قالوا: لأنها لنفي قد فَعَلَ(١)، وقد يُحذف بعدها الفعل کقوله(٢): ٢٧٢٥ - أَفِدُ الترحل غيرَ أن رِكابَنا لَمَّا تَزُل برحالِنا وكأنْ قَدِ أي: وكأن قد زالت، فكذلك مَنْفِيُّه، ومَمَّن نَصَّ عليه الزمخشري(٣)، عَلى (٤) حَذْفٍ مجزومها، وأنشد يعقوب على ذلك في كتاب «معاني الشعر)) له قولَ الشاعر(٥): ٢٧٢٦ - فجِثْتُ قبورَهُمْ بَدْءاً ولمَّا فنادَيْتُ القبورَ فلم يُجِبْنَهْ قال: ((قوله ((بدءاً))، أي: سيداً، وبَدْءُ(٦) القوم سيِّدهم، وبَدْءُ الجَزْور خيرُ أَنْصِبائها))، قال: ((وقوله ((ولما))، أي: ولما أكنْ سَيِّداً إلا حينَ ماتوا فإني سُدت بعدهم، كقول الآخر(٧): ٢٧٢٧- خَلَتِ الدِّيارُ فسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدٍ ومن العَناءِ تَقُّردي بالسُّؤْدُدِ قال: ((ونظيرُ السكوتِ على ((لمَّا)) دونَ فعلها السكوتُ على ((قد)» دونَ فعلِها في قول النابغة: أَفِدَ الترجُل: البيت)). قلت: وهذا الوجهُ لا خصوصيةً له بهذه القراءة، بل يجيءُ في قراءة مَنْ شدَّد ((لَّمَّ)) سواءً شدَّد ((إن)) أو خفَّفها. (١) انظر: رصف المباني: ٢٨١. (٢) تقدم برقم ٥٢٧. ولعل وجه الاستشهاد أنَّ ((لما)) نظيرة لـ ((قد)» في جواز حذف فعلها لأنها تأتي جواباً لفعل مصدّرٍ بـ قد. (٣) لم ينص الزمخشري على شيء من ذلك في هذا الموضع. (٤) قوله ((على حذف)) بدل من قوله ((عليه)). (٥) تقدم برقم ٢١٦. (٦) انظر: اللسان ((بدأ)). (٧) تقدم برقم ٢١٨٤. ٤١١ - هود - وأمَّا قراءةُ أبي عمرو والكسائي(١) فواضحةٌ جداً، فإنها ((إنَّ)) المشددة عَمِلَتْ عملها، واللام الأولى لام الابتداء الداخلة على خبر ((إِنَّ))، والثانية جواب قسم محذوف، أي: وإنَّ كلّ للذين واللَّهِ ليوفِّهم، وقد تقدَّم وقوعُ ((ما)) على العقلاء مقرّراً، ونظيرُ هذه الآيةِ قولُه تعالى: ((وإنَّ منكم لمَنْ لِيبِّئَنَّ))(٢) غير أنَّ اللإِمَ في ((لَمَنْ)) داخلة على الاسم، وفي ((لِمَّ)) داخلة على الخبر. وقال بعضهم: ((ما)) هذه زائدة زِيْدت للفصل بين اللامَيْن: لامِ التوكيد ولامِ القسم. وقيل: اللام في ((لَمَا)) موطئَةٌ للقسم مثلَ اللامِ في قوله تعالى: ((وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ ليحبطنَّ عملك))(٣)، والمعنى: وإنَّ جميعهم واللّه ليوفِّنَّهم ربُّك أعمالَهمْ مِنْ حُسْنٍ وقْحٍ وإيمانٍ وجُحود. وقال الفراء (٤) عند ذكره هذه القراءة: ((جَعَل ((ما)) اسماً للناس كما جاز ((فانكحوا ما طابَ لكم من النساء)»(٥)، ثم جَعَلَ اللامَ التي فيها جواباً لإِنَّ، وجعل اللامَ التي في ((ليوفِيَّنَّهم)) لاماً دَخَلَتْ على نيةِ يمينِ فيما بين (ما)) وصلتِها كما تقول: ((هَذَا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ)) و((عندي ما لَغَيْرُه خيرٌ منه)) ومثلُه: ((وإنَّ منكم لَمَنْ ليبطّئَنَّ)(٦). ثم قال(٧) بعد ذلك ما يدلُّ على أن اللامَ مكررةٌ فقال: (إذا عَجَّلَت العربُ باللام في غيرِ موضعِها أعادُوها إليه نحو: إنَّ زيداً لإِليك المُحْسن، ومثله (٨): (١) ((وإنَّ كلَّ لَ)). (٢) الآية ٧٢ من سورة النساء. (٣) الآية ٦٥ من سورة الزمر. (٤) معاني القرآن: ٢٨/٢. (٥) الآية ٣ من سورة النساء. (٦) الآية ٧٢ من سورة النساء. (٧) معاني القرآن: ٣٠/٢. (٨) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن: ٣٠/٢؛ والطبري: ٤٩٨/١٥؛ ورصف المباني: ٢٥١. وقوله ((لبعد)) وردت في الأصل: ((لبعض)) وهو سهو. ٤١٢ - هود- ٢٧٢٨ - ولو أنَّ قومي لم يكونوا أعِزَّةٌ لَبَعْدُ لَقَد لاقيتُ لا بُدَّ مَصْرَعا قال: ((أَدْخَلها في ((بَعْد))، وليس بموضعِها، وسمعت أبا الجراح يقول: (إني لبحمد اللَّه لصالحٌ)). وقال الفارسي (١) في توجيهِ هذه القراءة: ((وجهُها بَيِّن وهو أنه نَصَب ((كلَّا)) بإنَّ، وأدخل لامَ الابتداء في الخبر، وقد دَخَلَتْ في الخبر لامٌ أخرى، وهي التي يُتلقَّى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل، فلمَّا اجتمعت اللامان فُصِل بينهما كما فُصِل بين ((إِنَّ) واللامَ، فدخَلَتْها وإن كانَتْ زائدةً للفصل، ومثلُه في الكلام: ((إن زيداً لَمَا لينطلقَرَّ)). فهذا ما تلخّص لي من توجيهاتِ هذه القراءات الأربع، وقد طعن بعض الناس في بعضها بما لا تَحَقُّق له، فلا ينبغي أن يُلْتفت إلى كلامِه، قال المبرد: - وهي جرأةٌ منه ـــ ((هذا لحنٌ)) يعني تشديدَ ((لمَّا)) قال: ((لأن العرب لا تقول: (إن زيداً لَّمَّا خارج)). وهذا مردودٌ عليه. قال الشيخ(٢): ((وليس تركيبُ الآية كتركيبِ المثال الذي قال وهو: ((إنَّ زيداً لَمَّ خارج))، هذا المثالُ لحنٌ)) /. [٥٠١/أ] قلت: إنْ عنى أنه ليس مثلَه في التركيب من كل وجه فُمُسَلَّم، ولكن ذلك لا يفيد فيما نحن بصددِه، وإن عنى أنه ليس مثلَه في كونه دخلت ((لمًّا)) المشددةُ على خبر إنَّ فليس كذلك بل هو مثلُه في ذلك، فتسليمُه اللحنَ في المثال المذكور ليس بصوابٍ، لأنه يَسْتلزم ما لا يجوز أن يقال. وقال أبو جعفر (٣): ((القراءةُ بتشديدهما عند أكثر النحويين لحن، حُكِيّ عن محمد بن يزيد أنه قال: ((إِنَّ هذا لا يجوز، ولا يقال: ((إنَّ زيداً إلا (١) الحجة (خ): ٢٤٢/٣. (٢) البحر: ٢٦٧/٥. (٣) وهو النحاس في إعراب القرآن: ١١٥/٢. ٤١٣ - هود. لأضربنَّه))، ولا ((لَمَّا لأضربنَّه)). قال: ((وقال الكسائي: ((اللَّهُ عَزَّ وجلَّ أعلمْ، لا أعرف لهذه القراءة وجهاً) وقد تقدَّم ذلك، وتقدَّم أيضاً أن الفارسي قال: ((كما لا يحسن: ((إنَّ زيداً إلا لمنطلق))؛ لأنَّ ((إلا)) إيجاب بعد نفي، ولم يتقدم هنا إلا إيجابٌ مؤكّد، فكذا لا يحسن ((إنَّ زيداً لما منطلق)»، لأنه بمعناه، وإنما ساغ ((نَشَدْتُك باللَّه لمَّا فعلت)) إلى آخر ما ذكرته عنه. وهذه كلُّها أقوالٌ مرغوبٌ عنها لأنها معارضة للمتواترِ القطعي. وأمَّا القراءات الشاذة فأوَّلُها قراءةُ أُبَيّ ومَنْ تبعه: ((وإنْ كلِّ لِمَّا)) بتخفيف ((إنْ)) ورفع ((كل)) على أنها إنْ النافية و((كلِّ)) مبتدأ، و((لمَّا)) مشددة بمعنى إلَّ، و((لَيُوَفَّنَّهم)) جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وذلك القسمُ وجوابُه خبرُ المبتدأ. وهي قراءةٌ جليَّة واضحةٌ كما قرؤوا كلُّهم: ((وإنْ كلّ لَمَّا جميع))(١) ومثلُه: ((وإنْ كلُّ ذلك: لمَّا مَتاع))(٢)، ولا التفات إلى قولِ مَنْ نفى أنَّ ((لمّا)) بمنزلةٍ إلَّ فقد تقدَّمَتْ أَدلتُه. وأمَّا قراءةُ اليزيدي وابن أرقم ((لَمَّ)) بالتشديد منونةً فـ ((لمَّا)) فيها مصدرٌ مِنْ قولهم: ((لَمَمْتُه - أي جمعته - لمَّاً، ومنه قوله تعالى: ((وتأكلون التراثَ أكلَّا لَمَّأ)(٣) ثم في تخريجه وجهان، أحدُهما ما قاله أبو الفتح (٤)، وهو أن يكونَ منصوباً بقوله: ((ليوفيَنَّهم)) على حَدِّ قولهم: («قياماً لأقومَنَّ، وقعوداً الأقعدَنَّ)» والتقدير: توفيةً جامعةً لأعمالهم ليوفِّهم، يعني أنه منصوبٌ على المصدر الملاقي لعامله في المعنى دون الاشتقاق. (١) الآية ٣٢ من سورة يَسٍ. (٢) الآية ٣٥ من سورة الزخرف. (٣) الآية ١٩ من سورة الفجر. (٤) المحتسب: ٠٣٢٨/١: ٤١٤ - هود - والثاني: ما قاله أبو عليّ الفارسي(١) وهو: أن يكونَ وصفاً لـ ((كل)) وصفاً بالمصدر مبالغةً، وعلى هذا فيجب أن يقدَّرَ المضافُ إليه ((كل)) نكرةً(٢) ليصحَّ وَصْفُ ((كل)) بالنكرة، إذ لو قُدِّر المضافُ معرفةً لتعرَّفَتْ ((كل))، ولو تَعَرَّفَتْ لامتنعِ وَصْفُها بالنكرة فلذلك قُدِّر المضافُ إليه نكرةً، ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: «وتأكلون التراثَ أَكْلًا لَمَّا)(٣)، فوقع ((لمَّا)) نعتاً لـ ((أكلاً)) وهو نكرة. قال أبو عليّ: ((ولا يجوزُ أن يكونَ حالاً لأنه لا شيءَ في الكلامِ عاملٌ في الحال)). [وظاهر عبارة الزمخشري (٤) أنه تأكيدٌ تابعٌ لـ ((كلاً)) كما يتبعها أجمعون، أو أنه منصوبٌ على النعت لـ ((كلَّا))](٥) فإنه قال: ((وإنْ كلَّا لَمَّأَ ليوفّنُّهم)) كقوله ((أكلاً لمَّاً)) ملمومين بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإنْ كلَّ جميعاً، كقوله تعالى: («فسجدَ الملائكةُ كلُّهم أجمعون)»(٦) انتهى. لا يريد بذلك أنه تأكيدٌ صناعيٌّ، بل فَسَّر معنى ذلك، وأراد أنه صفةٌ لـ ((كلََّ))، ولذلك قَدَّره بمجموعين. وقد تقدَّم لك في بعضِ توجيهات ((لَّمًّا)) بالتشديد من غير تنوين أن المنون أصلُها، وإنما أُجري الوصلُ مُجْری الوقف، وقد عُرِف ما فيه. وخبرُ ((إنْ)) على هذه القراءة هي جملة القسم المقدَّر وجوابه سواءً في ذلك تخريجُ أبي الفتح وتخريجُ شیخه. (١) الحجة (خ): ٢٤٤/٣ . (٢) لعله يعني أن التنوين في ((كل)) عوض عن المضاف إليه النكرة المحذوف والتقدير: وإنْ کلَّ فرد. (٣) الآية ١٩ من سورة الفجر. (٤) الكشاف: ٢٩٥/٢. (٥) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل، كتب على جانب الورقة. (٦) الآية ٣٠ من سورة الحجر. ٤١٥ - هود - وأمَّا قراءةُ الأعمش(١) فواضحةٌ جداً وهي مفسرةٌ لقراءة الحسنِ المتقدمة، لولا ما فيها مِنْ مخالفة سواد الخط. وأمَّا قراءةُ ما في مصحفِ أُبَي كما نقلها أبو حاتم(٢) فإنْ فيها نافية، و ((مِنْ)) زائدةٌ في النفي، و((كل)) مبتدأ، و ((ليوفُِّنْهم)) مع قَسَمه المقدَّر خبرُها، فَتَؤُول إلى قراءة الأعمش التي قبلها، إذ يصير التقديرُ بدون ((مِنْ)): ((وإنْ كلٌ إلا ليوفِِّنَّهم)). والتنوين في ((كلََّ)) عوضٌ من المضافِ إليه. قال الزمخشري(٣): (يعني: وإنَّ كلَّهم، وإنَّ جميعَ المختلفين فيه)). وقد تقدَّم أنه على قراءةٍ (((لَّمَّ)) بالتنوين في تخريج أبي علي له لا يُقَدَّر المضافُ إليه ((كل)) إلا نكرةً لأجل نعتِها بالنكرة. وانظر إلى ما تضمَّنْه هذه الآيةُ الكريمة من التأكيد، فمنها: التوكيد بـ ((إنَّ)) وبـ ((كل)) وبلام الابتداء الداخلة على خبر ((إنّ)) وزيادةِ (ما)) على رأيٍ، وبالقسمِ المقدر وباللامِ الواقعةِ جواباً له، وبنون التوكيد، وبكونها مشددةً، وإردافِها بالجملة التي بعدها من قوله ((إنه بما يَعْملون خبير)) فإنه يتضمَّن وعيداً شديداً للعاصي ووعداً صالحاً للطائع. وقرأ / العامَّةُ ((يعملون)) بياء الغيبة، جرياً على ما تقدَّم مِن المختلفين. وقرأ(٤) ابن هرمز ((بما تعملون)» بالخطاب فيجوز أن يكونَ التفاتاً من غَيْبة إِلى خطاب، ويكون المخاطبون هم الغيب المتقدِّمون، ويجوز أن يكونَ التفاتاً إلى خطاب غيرهم. [٥٠١/ب] (١) ((وإنْ كلّ إلا)). (٢) ((وإنْ من كل إلا)). (٣) الكشاف: ٢٩٥/٢. (٤) البحر: ٢٦٨/٥. ٤١٦ - هود - آ. (١١٢) قوله تعالى: ﴿كما أُمِرْتَ﴾: الكافُ في محل النصب: إمّا على النعتِ لمصدرٍ محذوفٍ، كما هو المشهورُ عند المعربين. قال الزمخشري (١) (أي: استقمْ استقامةً مثلَ الاستقامة التي أُمِرْتَ بها على جادّة الحقِّ غيرَ عادلٍ عنها))، وإِمَّا على الحال من ضمير ذلك المصدر. واستَفْعَل(٢) هنا للطلب كأنه قيل: اطلبْ الإِقامةَ على الدين، قال(٣): ((كما تقول: استغفر، أي: اطلب الغفران)). قوله: (ومَنْ تابَ معك)) في ((مَنْ)) وجهان أحدهما: أنَّه منصوبٌ على المفعول معه، كذا ذكره أبو البقاء (٤)، ويصير المعنى: استقم مصاحباً لمَنْ تاب مصاحباً لك، وفي هذا المعنى نّبُوٌّ عن ظاهرٍ(٥) اللفظ. الثاني: أنه مرفوعٌ، فإنه نسق(٦) على المستتر في ((استقم))، وأغنى الفصلُ بالجارِّ عن تأكيده بضميرٍ منفصل في صحةِ العطف، وقد تقدَّم لك هذا البحثُ في قوله ((اسكنْ أنت وزوجُك))(٧) وأنَّ الصحيحَ أنه من عطفِ الجمل لا من عطف المفردات، ولذلك قدَّره الزمخشري(٨): ((فاستقم أنت وليستقم مَنْ تاب)» فقدَّر الرافعَ له فعلاً لائقاً برفعِه الظاهرَ. وقرأ العامَّةُ ((بما تعملون بصير)» بالتاء جرياً على الخطاب المتقدم. (١) الكشاف: ٢٩٥/٢. (٢) انظر: البحر: ٢٦٨/٥. (٣) أي: قال صاحب هذا القول. (٤) الإملاء: ٤٧/٢. (٥) قوله ((ظاهر)) مخروم في الأصل. (٦) قوله: نسق)) محروم في الأصل. (٧) الآية ٣٥ من سورة البقرة. وانظر الدر المصون: ٢٧٩/١. (٨) الكشاف: ٢٩٥/٢. ٤١٧ - هود - وقرأ(١) الحسن والأعمش وعيسى الثقفي بالياء للغيبة، وهو التفاتٌ من خطابٍ لغيبةٍ عكسَ ما تقدم في ((بما يَعْملون خبير))(٢). آ. (١١٣) قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنوا﴾: قرأ العامَّةُ بفتح التاء والكاف، والماضي من هذا ركِن بكسر العين كعَلِمَ، وهذه هي الفصحى، كذا قال الأزهري (٣). قال غيره: ((وهي لغةُ قريش)). وقرأ(٤) أبو عمرو في روايةٍ («تَرْكَنوا)»، وقد تقدَّم إتقانُ ذلك أولَ هذا الموضوع(٥). وقرأ(٦) قتادة وطلحة والأشهب بن رميلة (٧) - ورُوِيَتْ عن أبي عمرٍو .. (تَرْكُنوا)) بضم العين، وهو مضارع رَكَن بفتحها كقَتَل يَقْتُل. وقال بعضهم: ((هو من التداخل)) يعني أنَّ مَنْ نطق بـ ((رَكِنَ)) بكسر العين قال: ((يَرْكُن)) بضمها، وكان مِنْ حقه أَنْ يفتح، فلما ضَمَّ عَلِمْنا أنه اسْتَغْنى بلغةٍ غيره في المضارع عن لغتِه، وأمَّا في هذه القراءةِ فلا ضرورة بنا إلى ادِّعاء التداخُل بل نَدَّعي أنَّ مَنْ فَتَحَ الكافَ أخذه مِنْ رَكِن بالكسر، ومَنْ ضَمِّها أَخَذَه مِنْ ركْنَ بالفتح، ولذلك قال الراغب(٨): ((والصحيحُ أنْ يُقالَ رَكِنَ يَرْكَن، وَرَكَنَ يَرْكُن، بالكسر في الماضي مع الفتح في المضارع، وبالفتح في الماضي مع الضم في المضارع)). وشَذَّ أيضاً قولُهم رَكَن يَرْكَن بالفتح فيهما وهو من التداخُل، فتحصِّل مِنْ هذا أن يُقَالَ: رَكِن بكسر العين وهي اللغةُ العاليةُ (١) البحر: ٢٦٩/٥: (٢) في الآية ١١١. (٣) تهذيب اللغة: ١٨٩/١٠. (٤) البحر: ٢٦٩/٥؛ الكشاف: ٢٩٦/٢. (٥) الدر المصون: ٦٠/١. (٦) البحر: ٢٦٩/٥؛ القرطبي: ١٠٨/٩؛ المحتسب: ٣٢٩/١. (٧) لم أقف على ترجمته . (٨) المفردات: ٢٠٣. ٤١٨ - هود - كما تقدَّم، ورَكَن بفتحها وهي لغةُ قيسٍ وتميم، زاد الكسائي ((ونَجْد)»، وفي المضارع ثلاثٌ: الفتحُ والكسرُ والضمُّ. وقرأ(١) ابنُ أبي عبلة ((تُرْكَنوا)) مبنياً للمفعول مِنْ أَرْكَنه إذا أماله، فهو من باب ((لا أُرَيَنَّك ههنا)) و((فلا يكنْ في صدرك حَرَج))(٢) وقد تقدَّم. والرُّكُون: المَّيْل، ومنه الرُّكْنُ للاستناد إليه. قوله: ((فتَمَسَّكم)) هو منصوبٌ بإضمار أنْ في جوابِ النهي. وقرأ(٣) ابن وثاب وعلقمة والأعمش في آخرين ((فِتِمَسَّكم)) بكسرِ التاء وقد تقدَّم. قوله: ((وما لكم)) هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حاليةً، أي: تَمَسَّكم حالَ انتفاءِ ناصركم. ويجوز أن تكون مستأنفة. و ((مِنْ أولياء)): ((مِنْ)) فيه زائدةٌ: إمَّا في الفاعل، وإما في المبتدأ؛ لأن الجارَّ إذا اعتمد على أشياءَ - أحدُها النفي - رفع الفاعل. قوله: ((ثم لا تُنْصَرُون)) العامَّةُ على ثبوتِ نون الرفعِ لأنه فعلٌ مرفوع، إذ هو من بابِ عطفِ الجمل، عَطَفَ جملةً فعليةً على جملةٍ اسميةٍ. وقرأ(٤) زيد بن علي - رضي الله عنهما - بحذفِ نون الرفع، عطفه على ((تمسَّكم))، والجملةُ على ما تقدَّم من الحاليةِ أو الاستئناف فتكون معترضةً. وأتى بـ ((ثمَّ) تنبيهاً على تباعد الرتبة . آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿طَرَفي النهار﴾: ظرفٌ لـ ((أَقِمْ)). ويضعف أن يكون ظرفاً للصلاة، كأنه قيل: أي: أقم الصلاة الواقعة في هذين الوقتين، (١) البحر: ٢٦٩/٥؛ الكشاف: ٢٩٦/٢. (٢) الآية ٢ من سورة الأعراف. (٣) البحر: ٢٦٩/٥؛ المحتسب: ٣٣٠/١. (٤) البحر: ٢٦٩/٥. ٤١٩ - هود- والطّرَف وإن لم يكن ظرفاً، ولكنه لمَّا أضيف إلى الظرف أُعْرب بإعرابه، [٥٠٢/أ] وهو كقولك: ((أتيته / أولَ النهار وآخرَه ونصفَ الليل)» بنصبٍ هذه كلُّها على: الظرفِ لمَّا أضيفَتْ إليه، وإن كانت ليسَتْ موضوعةً للظرفية . وقرأ العامَّةُ ((زُلَفاً)) بضم الزاي وفتح اللام، وهي جمعُ ((زُلْفَ)) بسكون. اللام، نحو: غُرَف في جمع غُرْفة، وُلَم في جمعِ ظُلمة. وقرأ(١) أبو جعفر وابن أبي إسحاق بضمها، وفي هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه جمع زُلْفة أيضاً، والضمُّ للإِتباغ، كما قالوا بُسْرة وبُسُر بضم السين إتباعاً لضمة الباء. والثاني: أنه اسمٌ مفرد على هذه الزِّنة كعُنُق ونحوه: الثالث: أنه جمع زَلِيف، قال أبو البقاء(٢): ((وقد نُطِق به))، يعني أنهم قالوا: زَليف، وفَعيل يُجمع على فُعُل نحو: رَغِيف ورُغُف، وقَضِيب وقُضُب. وقرأ مجاهد وابن محيصن بإسكان اللام. وفيها وجهان، أحدهما: أنه: يُحتملِ أَنْ تكونَ هذه القراءةُ مخففةً مِنْ ضم العين فيكون فيها ما تقدَّم. والثاني: أنه سكونُ أصلٍ من باب اسمِ الجنس نحو: بُسْرة وبُسْر مِنْ غير إتباع. وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضاً في روايةٍ ((وزُلْفَى)) بزنة ((حُبْلَى))، جَعَلُوها على صفةِ الواحدة المؤنثة اعتباراً بالمعنى، لأنَّ المعنى على المنزلة الزلفى، أو الساعة الزُّلْفى، أي: القريبة. وقد قيل: إنه يجوز أن يكونَ أَبْدلا التنوين (٣) ألفاً ثم أَجْرَيا الوصل مُجرى الوقف، فإنهما يقرآن بسكون (٤) اللام (١) انظر في قراءاتها: الإِتجاف ٢٦١؛ البحر: ٢٧٠/٥؛ القرطبي: ١٠٨/٩. (٢) الإِملاء: ٤٧/٢، وفي المطبوعة ((هو جمع زلف، وقد نُطِق به)) وهو تحريف .. (٣) قوله: ((التنوين)) محروم في الأصل. (٤) قوله: ((بسكون اللام)) مخروم في الأصل. ٤٢٠