Indexed OCR Text
Pages 381-400
- هود - وقرأ(١) السلمي وأبو حيوة ((بَعُدت)) بالضم أَخَذَه مِنْ ضدِّ القرب؛ لأنهم إذا هلكوا فقد بَعُدوا. ومِنْ هذا قولُ الشاعر(٢): ٢٧٠٢ - مَنْ كان بينك في الترابِ وبينَه شِبْران فهو بغاية الْبُعْدِ وقال النحاس (٣): ((المعروفُ في اللغة ((بَعِد يَبْعَد بَعَداً وبُعْداً إذا هلك، وبَعُد يَبْعُد في ضد القرب)). وقال ابن قتيبة: ((بَعِد يَبْعَد إذا كان بعدَه هَلَكة، وبَعُد يَبْعُد إذا نَأَىُ)) فهو موافقٌ للنحاس. وقال المهدويُّ: ((بَعُد يُسْتعمل في الخير والشر وبَعِد في الشرِّ خاصةً)). وقال ابن الأنباري: ((مِن العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاك والبُعْد الذي هو ضدُّ القرب فيقول فيهما: بَعُد يَبْعُد، وبَعِد يَبْعَدُ وأنشدوا قولَ مالك(٤): وأين مكانُ الْبُعْدِ إلا مكانيا ٢٧٠٣ - يقولون لا تَبْعدْ وهم يَدْفِنوني قیل: یروی («لا تبعد» بالوجهین. وفي هذه الآيةِ نوعٌ من علم البيان يُسَمَّى الاستطراد، وهو أن تمدحَ شيئاً أو تَذُمَّه، ثم تأتي آخر الكلام بشيءٍ هو غَرَضُك في أوله، قالوا: ولم يأتِ في القرآن غيره، وأنشدوا في ذلك قولَ حسان رضي الله عنه(٥): فَنَجَوْتِ مَنْجَىْ الحارثِ بن هشام ٢٧٠٤ - إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتِني ونجا برأسٍ طِمِرَّةٍ ولِجامٍ تَرَكَ الأحِبَّةَ أَنْ يُقاتِلَ دونَهُمْ (١) البحر: ٢٥٧/٥؛ القرطبي: ٩٢/٩. (٢) لم أقف عليه، وهو من الكامل وجاءت التفعيلة الأخيرة فَعْلن وهذا جائز في الكامل. (٣) إعراب القرآن: ١٠٩/٢، والجملة الثانية لم ترد في المطبوعة، والمصدر الأول جاء بتسكين العين فيها، والصواب ما ورد هنا. (٤) وهو مالك بن الريب. والبيت في اللسان ((بعد))؛ والمحرر: ٢١٧/٩؛ والبحر: ٢٥٨/٥. (٥) ديوانه: ٢٩/١؛ والبحر: ٢٥٨/٥. الطمرة: أنثى الفرس الجواد. ٣٨١ - هود - آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهم﴾: يجوز أن تكونَ هذه المسألةُ من باب الإِعمال، وذلك أنَّ ((يَقْدُمُ)) يَصْلُح أن يتسلَّط على ((النار)) بحرف الجر، أي: يَقْدم قومَه إلى النار، وكذا ((أَوْرَدَهم)) يَصِحُّ تسلُّطه عليها أيضاً، ويكون قد أعمل الثاني للحذف مِن الأول، ولو أعمل الأولَ لتعدَّى بـ إلى، ولأضمر في الثاني، ولا محلَّ لـ ((أَوْرَدَ)) لاستئنافِه، وهو ماضٍ لفظاً مستقبلٌ معنَّى؛ لأنه عَطَفَ على ما هو نصُّ في الاستقبال. والهمزة في ((أَوْرَدّ)) للتعدية، لأنه قبلها يتعدَّى لواحد. قال تعالى: ((ولمّا ورد ماء مدين))(١). وقيل: أوقع الماضي هنا لتحقُّقه. وقيل: بل هو ماضٍ على حقيقته، وهذا قد وقع وانفصل وذلك أنه أوردهم في الدنيا النار. قال تعالى: ((النارُ يُعْرَضون عليها))(٢). وقيل: أوردهم مُوْجِبَها وأسبابها، وفيه بُعْدٌ لأجلِ العطف بالفاء. والوِرْد: يكون مصدراً بمعنى الوُرودِ، ويكون بمعنى الشيء المُؤْرَد كالطِّحن والرِّعي. ويُطلق أيضاً على الوارد، وعلى هذا إنْ جَعَلْت الوِرْد مصدراً أو بمعنى الوارد فلا بدَّ مِنْ حذف مضاف تقديره: وبئس مكانُ الورد المورود، وهو النار، وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنَّ تَصادُقَ فاعل نِعْمَ وِْسَ ومخصوصِها شرطٌ، لا يُقال: نِعْم الرجلُ الفرسَ. وقيل: بل المورود صفةٌ للوِرْد، والمخصوصُ بالدم محذوف تقديره: بئس الوِرْدُ المورود النارُ، جَوَّز ذلك أبو البقاء (٣) وابن عطية(٤)، وهو ظاهرُ كلامِ الزمخشري(٥). وقيل: التقدير: بئسَ القومُ المورودُ بهم هم، فعلى هذا ((الورد)) مرادٌ به الجمعُ (١) الآية ٢٣ من سورة القصص. (٢) الآية ٤٦ من سورة غافر. (٣) الإملاء: ٤٥/٢. (٤) لم أقف على هذا الرأي في ((المحرر)) وإنما أشار إلى المضاف المحذوف، وإلى تقدُّم الخبر، أي: المورود بئس الورد. انظر: المحرر ٢١٩/٩. (٥) الكشاف: ٢٩١/٢. ٣٨٢ - هود - الواردون، والمَوْرود صفةً لهم، والمخصوص بالذمِّ الضميرُ المحذوف وهو (هم))، فيكون ذلك للواردين لا لموضع الورْد / كذا قاله الشيخ (١). وفيه نظر [٤٩٦/أ] لا يَخْفى: كيف يُراد بالوِرْد الجمع الواردون، ثم يقول والمورود صفةٌ لهم؟ وفي وصف مخصوص نعم وبئس خلافٌ بين النحويين منعه ابن السراج(٢) وأبو علي. آ. (٩٩) و((بئس الرِّفْدُ المرفود)) كالذي قبله. وقوله: ((ويومَ القيامة)) عطفٌ على موضع ((في هذه)) والمعنى: أنهم أُلْحِقُوا لعنةً في الدنيا وفي الآخرة، ويكون الوقف على هذا تاماً، ويُبتدأ بقوله ((بِْس)). وزعم جماعة(٣) أن التقسيم: هو أنَّ لهم في الدنيا لعنة، ويومَ القيامة بِئْس ما يُرْفَدون به، فهي لعنة واحدة أولاً وقَبُح إرفاد آخِرا(٤). وهذا لا يصحُ لأنه يؤدي إلى إعمال ((بئس)) فيما تقدَّم عليها وذلك لا يجوز لعدم تصرُّفها، أمَّا لو تأخّر لجاز كقوله(٥): ٢٧٠٥ - ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنت إذا دُعِيَتْ نَزَالٍ وَلُجَّ في الذُّعْرِ وأصلُ الرِّفْد كما قال الليث: العطاء والمعونة، ومنه رِفادة قريش، رَفَدْتُه أَرْفِدُه رِفْداً وَرَفْداً بكسر الراء وفتحها: أعطيتَه وأَعَنْتَه. وقيل: بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، كأنه نحو: الرِّعْي والذِّبْح. ويقال: رَفَدْت الحائط، أي: دَعَمْتُه، وهو من معنى الإِعانة. (١) البحر: ٢٥٩/٥. (٢) الأصول: ١٢٠/١، وانظر: المغني: ٦٥٠؛ والخزانة: ١١٢/٤. (٣) انظر: البحر: ٢٥٩/٥، وهذه المسألة مبنية على السؤال التالي: هل يتبعهم لعنتان أو لعنة واحدة؟. (٤) كذا في الأصل والبحر، لعلها ((أخرى))، أي: لعنة أخرى على الرأي الثاني. (٥) البيت لزهير في ديوانه ٨٩؛ والكتاب: ٢ / ٣٧؛ والمقتضب: ٣٧٠/٣؛ وأمالي الشجري: ١١١/٢؛ وابن يعيش: ٢٦/٤؛ والخزانة: ٦١/٣. الذعر: الفزع، ونزال: انزل. ٣٨٣ - هود- آ. (١٠٠) قوله تعالى: ﴿ذلك مِنْ أنباء القرى نَقُصُّه﴾: يجوز أن يكون ((نقصُّه)) خبراً، و((مِنْ أنباء)» حال، ويجوز العكس، قيل: وثَمَّ مضافٌ محذوف، أي: من أنباء أهل القرى ولذلك أعاد الضمير عليهم في قوله : «وما ظلمناهم)) . قوله: ((منها قائمٌ وحصيد)): ((حصيد)) مبتدأ محذوفُ الخبر، لدلالةِ خبر الأول عليه، أي: ومنها حصيد وهذا لضرورةِ المعنى. وهل لهذه الجملةِ محلّ من الإِعراب؟ فقال الزمخشري(١): ((لا محلّ لها لأنها مستأنفةٌ)). وقال أبو البقاء (٢): ((إنها في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول «نَقُصُّه)). ويجوز في ((ذلك)) أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وقد تقدم. والثاني: أنه . منصوبٌ بفعلٍ مقدر يفسِّره ((نقصُه)) فهو من باب الاشتغال، أي: نَقُصُّ ذلك في حال كونه من أنباء القرى، وقد تقدَّم في قوله: ((ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك))(٣) أوجه، وهي عائدةٌ هنا. و((الحَصِيد)) بمعنى محصود، وجمعه: حَصْدَى وحِصاد مثل مريض ومَرْضَى ومِراض، وهذا قول الأخفش، ولكن باب فعيل وفَعْلَى أن يكونَ في العقلاء نحو: قتيل وقَتْلَى . قوله تعالى: ﴿لمّا جاء أمرُ﴾: قال الزمخشري(٤): ((لما)) منصوب بـ ((أَغْنَتْ)). وهو بناءً منه على أنَّ ((لمَّ)) ظرفية. والظاهر أنَّ ((ما)) نافية، أي: -- - (١) الكشاف: ٢٩١/٢ (٢) الإِملاء: ٤٥/٢. (٣) الآية ٤٤ من سورة آل عمران. (٤) الكشاف: ٢٩٢/٢. ٣٨٤ - هود - لم تُغْن. ويجوز أن تكونَ استفهامیةً، و «يدعون)» حكاية حال، أي: التي كانوا يَدْعون، و «ما زادوهم)» الضميرُ المرفوع للأصنام، والمنصوبُ لعَبْدَتِها، وعبَّر عنهم بواوِ العقلاء لأنهم نَزَّلوهم منزلتهم. آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿وكذلك﴾: خبرٌ مقدم، و((أَخْذُ)) مبتدأ مؤخر، والتقدير: ومثْلُ ذلك الْأَخْذِ أَخْذِ اللَّهِ الأمم السالفة أَخْذُ ربك. و ((إذا)» ظرف مُتَمَخِّض، ناصبُه المصدر قبله وهو قريبٌ مِنْ حكاية الحال، والمسألةُ من باب التنازع فإنَّ الْأُخْذَ يَطْلب ((القرى))، و((أَخَذَ)) الفعل أيضاً يطلبها، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول. وقرأ(١) أبو رجاء والجحدري: ((أَخَذَ ربك، إذ أَخَذَ)) جَعَلَهما فعلين ماضيين، و((ربُّك)) فاعل. وقرأ طلحة بن مصرف كذلك، إلا أنه بـ ((إذا)) كالعامَّة قال ابن عطية(٢): ((وهي قراءةٌ متمكنة المعنى، ولكن قراءة الجماعة تُعْطي الوعيد واستمراره في الزمان، وهو الباب في وَضْع المستقبل مَوْضِعَ الماضي)). وقوله: ((وهي ظالمةٌ)) جملةٌ حالية. والتَّتْبيب(٣): التَّخْسيرُ يقال: تَبَّبَ غيرُه فتبَّ هو بنفسه، فيُستعمل لازماً ومتعدياً، ومنه ((تَبَّتْ يدا أبي لهب وتبَّ))(٤). وتَبَّيْتُه تَنْبِباً، أي: خَسَّرْته تخسيراً. قال لبيد(٥): ٢٧٠٦ - ولقد بَلِيْتُ وكلُّ صاحبِ جِدَّةٍ لِبِلىَّ يعودُ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ (١) البحر: ٢٦١/٥؛ القرطبي: ٩٥/٩. (٢) المحرر: ٢٢١/٩ - ٢٢٢. (٣) عاد إلى الآية ١٠١ . (٤) الآية ١ من سورة المسد. (٥) ذيل ديوانه (بيروت) ٢٣١؛ والقرطبي: ٩٥/٩؛ والبحر: ٢٥١/٥. ٣٨٥ - هود- آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿ذلك يومٌ﴾: ((ذلك)) إشارةٌ إلى يوم القيامة، المدلول عليه بالسياق من قوله: ((عذاب الآخرة)). و ((مجموع)) صفةٌ لـ ((اليوم)) جَرَتْ على غير مَنْ هي له فلذلك رَفَعَت الظاهرَ وهو ((الناس، وهذا هو الإِعراب نحو: مررت برجلٍ مضروبٍ غلامُه)). وأعرب ابن عطية (١): ((الناس)) مبتدأ مؤخراً(٢)، و «مجموع)» خبره مقدماً علیه. وفيه ضعف؛ إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقال: الناس قائمون ومضروبون، ولا يقال: قائم ومضروب إلا بضعف. وعلى إعرابه يحتاج إلى حذف(٣) عائد، إذ الجملةُ صفة لليوم، وهو الهاء في له، أي: الناس مجموع له، و («مشهود)» متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة فكذلك ما قبله. وقوله: ((مشهود)) من بابِ الاتساعِ في الظرف / بأنْ جَعَلَه مشهوداً، وإنما هو مشهودٌ فيه، وهو كقوله(٤): [٤٩٦/ب] ٢٧٠٧ - ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعامِراً قليلٌ سوى الطعنِ النُّهالِ نوافُهْ والأصل: مشهود فيه، وشَهِدْنا فيه، فاتَّسِع فيه بأنْ وَصَل الفعلُ إلى: ضميره من غير واسطة، كما يصل إلى المفعول به. قال الزمخشري(٥): ((فإنْ قلت: أيُّ فائدة في أن أوثر اسمُ المفعول على فِعْله؟ قلت: لِما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنَّه لا بد أن يكونَ ميعاداً مضروباً لجمع الناس له، وأنه هو الموصوفُ بذلك صفةً لازمة)). (١) المحرر: ٢٢٢/٩. (٢) الأصل «مؤخر)» وهو سهو. (٣) الأنسب: إلى تقدير. (٤) تقدم برقم ٤٣٥. (٥) الكشاف: ٢٩٢/٢. ٣٨٦ - هود - آ. (١٠٤) والضمير في «نُؤَخِّره)» يعودُ على ((يوم)). وقال الحوفي: ((على الجزاء)). وقرأ الأعمش (١): ((وما يُؤَخِّره))، أي اللَّه تعالى. آ. (١٠٥) وقرأ(٢) أبو عمرو والكسائي ونافع «يأتي)» بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً. وقرأ ابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً، وباقي السبعة قرؤوا بحذفها وصلاً ووقفاً. وقد وَرَدَت المصاحف بإثباتها وحذفها: ففي مصحف أُبَي إثباتُها، وفي مصحف عثمان حَذْفُها، وإثباتُها هو الوجه لأنها لام الكلمة وإنما حذفوها في القوافي والفواصل لأنها محلُّ وقوف وقالوا: لا أَدْرِ، ولا أبالٍ . وقال الزمخشري (٣): ((والاجتزاءُ بالكسرة عن الياءِ كثيرٌ في لغة هُذَيْل)» وأنشد ابن جرير في ذلك(٤). ٢٧٠٨- كفَّاك كفِّ ما تُليقُ دِرْهماً جُوْداً وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّما والناصبُ لهذا الظرف فيه أوجه، أحدها: أنه ((لا تَكَلَّمُ)) والتقدير: لا تَكَلَّمُ نفسٌ يومَ يأتي ذلك اليوم. وهذا معنى جيد لا حاجةً إلى غيره. والثاني: أن ينتصب بـ ((واذكر)) مقدراً. والثالث: أن ينتصبَ بالانتهاءِ المحذوفِ في قوله: ((إلا لأجل))، أي: ينتهي الأجل يوم يأتي. والرابع: أنه منصوبٌ بـ((لا تَكَلَّم)) مقدَّراً، ولا حاجةَ إليه. والجملةُ من قوله: ((لا تَكَلَّمُ)) في محلِّ نصبٍ على الحال من ضميرٍ اليوم المتقدم في ((مشهود)»، أو نعتاً له لأنه نكرة. والتقدير: لا تَكَلَّم نفسٌ فيه (١) البحر: ٢٦١/٥؛ الكشاف: ٢٩٣/٢. (٢) السبعة: ٣٣٨؛ البحر: ٢٦١/٥؛ الحجة: ٣٤٨؛ التيسير: ١٢٧. (٣) الكشاف: ٢٩٣/٢. (٤) تفسير الطبري ٤٧٩/١٥، اللسان ليق، معاني القرآن للفراء: ٢٧/٢. تليق: تحبس. يمدح رجلاً بالكرم وشدة البأس . ٣٨٧ : - هود - إلا بإذنه، قاله الحوفي وقال ابن عطية (١): ((لا تكلّم نفسٌ)) يَصِحُّ أن تكون جملةً في موضع الحال من الضمير الذي في ((يأتي)» وهو العائد على قوله: ((ذلك يومٌ))، ويكون على هذا عائدٌ محذوف تقديره: لا تَكَلَّم نفسٌ فيه، ويصح أن يكون قوله: ((لا تَكَلَّم نفسٌ)) صفةً لقوله: ((يوم يأتي)). وفاعلُ ((يأتي)) فيه وجهان، أظهرهما: أنه ضميرُ ((يوم)) المتقدُّم. والثاني: أنه ضمير اللَّه تعالى كقوله: ((هل يَنْظرون إلا أن يأتيهمِ اللَّه))(٢) وقوله: ((أو يَأْتِيَ ربُّكِ))(٣). والضميرُ في قوله: ((فمنهم)) الظاهر عَوْدُه على الناس في قوله: ((مجموعٌ له الناس)). وجعله الزمخشري (٤) عائداً على أهلِ الموقف وإن لم يُذْكَروا، قال: ((لأنَّ ذلك معلومٌ؛ ولأن قوله: ((لا تَكَلَّم نفسٌ)) يدلُّ عليه))، وكذا قال ابنُ عطية(٥). قوله: ((وسعيدٌ)) خبره محذوف: أي: ومنهم سعيدٌ، كقوله: ((منها قائمٌ وخصید»(٦). آ. (١٠٦) قوله تعالى: ﴿شَقُوا﴾: الجمهورُ على فتح الشين لأنه مِنْ شَقِي فعلٌ قاصِر. وقرأ(٧) الحسن بضمها فاستعمله متعدياً، فيقال: شَقاء اللَّه، كما يقال أشقاه اللَّه. وقرأ(٨) الأخوان وحفص ((سُعِدُوا)) بضم السين، والباقونَ بفتحها، (١) المحرر: ٢٢٣/٩. (٢) الآية ٢١٠ من سورة البقرة. (٣) الآية ١٥٨ من سورة الأنعام. (٤) الكشاف: ٢٩٣/٢. (٥) المحرر: ٢٢٤/٩. (٦) الآية ١٠٠ من سورة هود: (٧) البحر: ٢٦٤/٥؛ الإتخاف ٢٦٠. (٨) السبعة ٣٣٩؛ البحر: ٢٦٤/٥؛ التيسير ١٢٦؛ الحجة ٣٤٩. ٣٨٨ - هود - فالْأُولى مِنْ قولهم ((سَعَدَه اللَّه))، أي: أسعده، حكى الفراء عن هُذَيل أنها تقول: سَعَده اللَّه بمعنى أَسْعده. وقال الجوهري(١): (سَعِد فهو سعيد كسَلِمَ فهو سليم، وسُعِد فهو مسعود)). وقال ابن القشيري: ((وَرَدَ سَعَده الله فهو مَسْعود، وأسعده فهو مُسْعَد)). وقيل: يُقال: سَعَده وأَسْعده فهو مَسْعود، استَغْنوا باسم مفعول الثلاثي. وحُكي عن الكسائي أنه قال: ((هما لغتان بمعنىَّ))، يعني فَعَل وأَفْعل. وقال أبو عمرو بن العلاء: ((يُقال: سُعِد الرجل كما يُقال جُنَّ). وقيل: سَعِده لغة. وقد ضَعَّف جماعةٌ قراءةَ الأخَوين، قال المهدوي: مَنْ قرأ ((سُعِدوا)) فهو محمولٌ على مَسْعود، وهو شاذ قليل، لأنه لا يُقال: سَعَده اللَّه، إنما يقال: أسعده اللَّه. وقال بعضُهم: احتجَّ الكسائي(٢) بقولهم: ((مسعود)). قيل: ولا حُجَّةَ فيه، لأنه يُقال: مكان مسعود فيه ثم حُذِف ((فيه)) وسُمِّي به. وكان عليّ بن سليمان يتعجَّب مِنْ قراءة الكسائي: / ((سُعِدوا)) مع علمه [١/٤٩٧] بالعربية، والعجبُ مِنْ تعجُّبه. وقال مكي (٣): ((قراءةُ حمزةَ والكسائي ((سُعِدوا)) بضم السين حملاً على قولهم: ((مسعود)) وهي لغةٌ قليلة شاذة، وقولهم: ((مَسْعود)) إنما جاء على حذف الزوائد كأنه مِنْ أسعده اللَّه، ولا يُقال، سَعَدَه اللَّه، وهو مثل قولهم: أجنَّه اللَّه فهو مجنون، أتى على جَنَّه اللَّه، وإنْ كان لا يُقال ذلك، كما لا يقال: سَعَده الله)). وضَمُّ السين بعيدٌ عند أكثر النحويين إلا على حذف الزوائد. وقال أبو البقاء (٤): ((وهذا غيرُ معروفٍ في اللغة ولا هو مقيسٌ)). (١) الصحاح: ((سعد)). (٢) وهو صاحب القراءة. (٣) المشكل: ٤١٤/١ - ٤١٥. (٤) الإِملاء: ٤٦/٢. ٣٨٩ - هود - وقوله: ((لهم فيها زَفير))(١): هذه الجملةُ فيها احتمالان، أحدهما: أنها مستأنفة، كأن سائلًا سأل حين أَخْبَرَ أنهم في النار: ماذا يكون لهم؟ فقيل: لهم كذا. الثاني: أنها منصوبةٌ المحلِّ (٢)، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه الضمير في الجارِّ والمجرور وهي (٣) ((ففي النار)). والثاني: أنها حالٌ من (النار)). والزَّفير: أولُ صوت الحمار، والشَّهيق: آخره، قال رؤية (٤): ٢٧٠٩ - حَشْرَجَ في الصدر صَهِيْلاً وشَهَقْ حتى يُقالَ ناهِقٌ ومَا نَّهَقْ وقال ابن فارس(٥): ((الشَّهيق ضد(٦) الزفير؛ لأنَّ الشهيق ردُّ النفَس، والزَّفير: إخراج النفَسَ مِنْ شدة الحزن مأخوذ من الزِّفْرِ وهو الحِمْل على الظهر، لشدته. وقال الزمخشري (٧) نحوه، وأنشد للشماخ(٨): ٢٧١٠ - بعيدٌ مَدَى التَّطْرِيْبِ أولُ صوتِه زفير ويَتْلوه شهيق مُحَشْرِج وقيل: الشَّهيق: النَّفَس الممتدُّ، مأخوذ مِنْ قولهم ((جبل شاهق أي (١) عاد إلى الآية ١٠٦. (٢) أي: على الحال. (٣) كذا في الأصل والنسخ، لعل الأنسب: وهو. (٤) ديوانه: ١٠٦؛ والبحر: ٢٥١/٥؛ واللسان: حشرج؛ والطبري: ٤٧٩/١٥. وحشرج: ردَّد الصوت في حلقه ولم يخرجه. وقوله ((صهيلاً)) ورد في رواية ثانية ((سحيلاً)) وهو صوت الحمار. (٥) المجمل في اللغة لابن فارس: ٥١٤/١. (٦) الأصل: ((الزفير صدر الزفير)) وهو سهو، والتصحيح من المجمل لابن فارس: ٥١٤/١. (٧) الكشاف: ٢٩٣/٢. (٨) ديوانه: ٨٨ برواية: سحيلٌ وأُخراه خفيُّ الْمُحَشْرَجِ، والكشاف: ٢٩٣/٢؛ والبحر: ٢٥١/٥. ٣٩٠ - هود - عالٍ. وقال الليث: ((الزَّفير: أن يملأَّ الرجلُ صدرَه حالَ كونه في الغمِّ الشديد من النفَس ويُخْرِجُه، والشهيق أن يُخْرِجَ ذلك النفَس، وهو قريبٌ مِنْ قولهم: ((تنَفَّس الصعداء)). وقال أبو العالية والربيع بن أنس(١): ((الزفير في الحَلْق والشَّهيقُ في الصدر)). وقيل: الزفير للحمار والشهيق للبَغْل. آ. (١٠٧) وقوله تعالى: ﴿خالدين﴾: منصوبٌ على الحال المقدرة. قلت: ولا حاجةَ إلى قولهم مقدرة، وإنما احتاجوا إلى التقدير في مثل قوله: (فادْخُلوها خالدين))(٢)؛ لأنَّ الخلودَ بعد الدخول، بخلافِ هنا. قوله: ((ما دامَتْ)) ((ما)) مصدرية وقتية، أي: مدة دوامهما. و ((دام)) هنا تامةٌ لأنها بمعنى بَقِيت. قوله: ((إلا ما شاءَ ربُّك)) فيه أقوال كثيرة منتشرة لخّصتها في أربعةَ عشرَ وجهاً، أحدها : - وهو الذي ذكره الزمخشريُّ (٣) فإنه قال: ((فإنْ قلت: ما معنى الاستثناء في قوله: ((إلا ما شاء ربك)) وقد ثَبَتَ خلودُ أهلِ الجنة والنار في الأبد مِنْ غير استثناء؟ قلت: هو استثناء مِن الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة، وذلك أنَّ أهل النار لا يُخَلَّدون في عذابها وحدَه، بل يُعَذَّبون بالزمهرير، وبأنواعٍ أُخَرَ من العذاب، وبما هو أشدُّ من ذلك وهو سُخْط اللّه عليهم، وكذا أهل الجنة لهم مع نعيم الجنة ما هو أكبرُ منه كقوله: (ورضوانٌ من اللَّه أكبرُ)) (٤)، والدليل عليه قوله: ((عَطاءً غيرَ مَجْذوذ))(٥)، وفي مقابله ((إن ربَّك فعَّال لِما يريد))(٦)، أي: يَفْعل بهم ما يريد (١) الربيع بن أنس البكري بصري، نزل خراسان، مات سنة أربعين أو قبلها. انظر: تقريب التهذيب: ٢٠٥ . (٢) الآية ٧٣ من سورة الزمر. (٣) الكشاف: ٢٩٤/٢. (٤) الآية ٧٢ من سورة التوبة . (٥) الآية ١٠٨ من سورة هود. (٦) الآية ١٠٧ من سورة هود. ٣٩١ - هود- من العذاب، كما يعطي أهل الجنة ما لا انقطاع له)). قال الشيخ(١): ((ما ذكره في أهل النار قد يتمشى لأنهم يَخْرُجون من النار إلى الزمهرير فيصحُ الاستثناء، وأما أهل الجنة فلا يخرجون من الجنة فلا يصحُّ فيهم الاستثناء)). قلت: الظاهر أنه لا يصحُّ فيهما؛ لأنَّ أهلَ النار مع كونهم يُعَذَّبون بالزمهرير هم في النار أيضاً . ! الثاني: أنه استثناءٌ من الزمان الدالِّ عليه قوله: ((خالدين فيها ما دامتِ السمواتُ والأرضُ» والمعنى: إلا الزمان الذي شاءه اللَّه فلا يُخَلَّدون فيها. الثالث: أنه مِنْ قوله: ((ففي النار)) و((ففي الجنة))، أي: إلا الزمان الذي شاءَه اللَّهُ فلا يكون في النار ولا في الجنة، ويمكن أن يكون هذا الزمانُ المستثنى هو الزمان الذي يَفْصِل اللَّهُ فيه بين الخلق يومَ القيامة إذا كان الاستثناءُ مِن الكون في النار أو في الجنة، لأنه زمانٌ يخلو فيه الشقيُّ والسعيدُ مِنْ دخول النار والجنّة، وأمَّا إن كان الاستثناءُ مِن الخلود فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزمانُ المستثنى هو الزمان الذي فات أهلَ النارِ العصاةَ من المؤمنين الذين يَخْرجون من النار ويَدْخلون الجنة فليسوا خالدين في النار، إذ قد أخرجوا منها وصاروا إلى الجنة. وهذا المعنى مَرْوِيٌّ عن قتادة والضحاك وغيرهما، والذين شَقُوا على هذا شامل للكفار والعصاة، هذا في طرفِ الأشقياء العُصاة ممكنٌ، وأمَّا حقُّ الطرف الآخر فلا يتأتّى هذا التأويلُ فيه؛ إذ ليس منهم مَنْ يدخلُ الجنةَ ثم لا يُخَلَّد فيها. [٤٩٧/ب] قال الشيخ(٢): ((يمكن ذلك / باعتبار أن يكون أريد الزمان الذي فات أهلَ النار العصاة من المؤمنين، أو الذي فات أصحابَ الأعراف، فإنه بفوات تلك المدة التي دخل المؤمنون فيها الجنة وخُلِّدوا فيها صَدَقَ على العصاة - - (١) البحر: ٢٦٤/٥. (٢) البحر: ٢٦٣/٥. ٣٩٢ - هود - المؤمنين وأصحابِ الأعراف أنهم ما خُلِّدوا في الجنة تخليدَ مَنْ دخلها لأولٍ وَهْلة)). الرابع: أنه استثناءٌ من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهو قوله: ((ففي النار) و((ففي الجنة))؛ لأنه لمَّا وقع خبراً تحمّل ضميرَ المبتدأ. الخامس: أنه استثناءً من الضمير المستتر في الحال وهو ((خالدين))، وعلى هذين القولين تكون ((ما)» واقعةً على مَنْ يعقل عند مَنْ يرى ذلك، أو على أنواع مَنْ يعقل كقوله: ((ما طاب لكم من النساء))(١) والمراد بـ ((ما)) حينئذٍ العصاةٌ من المؤمنين في طرفِ أهل النار، وأمَّا في طرف أهل الجنة فيجوز أن يكونوا هم أو أصحابُ الأعراف، لأنهم لم يدخلوا الجنة لأولٍ وهلة ولا خُلِّدوا فيها خلودَ مَنْ دَخَلها أولاً . السادس: قال ابن عطية(٢): ((قيل: إنَّ ذلك على طريقِ الاستثناء الذي نَدَبَ الشارعُ إلى استعماله في كل كلامٍ فهو كقوله: «لتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إنْ شاء الله آمنين))(٣)، استثناء في واجب، وهذا الاستثناء هو في حكم الشرط، كأنه قال: إنْ شاء اللّه، فليس يحتاج أن يُوْصَفَ بمتصل ولا منقطع)). السابع: هو استثناءٌ من طول المدة، ويروى عن ابن مسعود وغيره، أنَّ جهنمَ تخلو مِن الناس وتَخْفِقِ أبوابُها فذلك قوله: (إلا ما شاء ربُّك)). وهذا مردودٌ بظواهر الكتاب والسنة، وما ذكرته عن ابن مسعود فتأويله(٤) أنَّ جهنم هي الدَّرَك الْأَعْلى، وهي تَخْلو من العُصاة المؤمنين، هذا على تقديرِ صحةٍ ما نُقِل عن ابن مسعود. (١) الآية ٣ من سورة النساء. (٢) المحرر: ٢٢٥/٩. (٣) الآية ٢٧ من سورة الفتح. (٤) انظر: المحرر ٢٢٦/٩. ٣٩٣ - هود- الثامن: أن ((إلا)) حرفُ عطفٍ بمعنى الواو، فمعنى الآية: وما شاءَ رِبُّك زائداً على ذلك. التاسع: أن الاستثناءَ منقطعٌ، فيقدَّر بـ ((لكن)) أو بـ ((سوى))، ونَظَّروه بقولك: ((لي عليك ألفا درهم، إلا الألف التي كنت أسلفتك)) بمعنى سوى تلك، فكأنه قيل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرضُ سوى ما شاء ربك زائداً على ذلك. وقيل: سوى ما أعدَّ لهم مِنْ عذابٍ غيرِ عذابِ النار کالزَّمْھریر ونحوِه. العاشر: أنه استثناءً من مدة السموات والأرض التي فَرَطَت لهم في الحياة الدنيا. الحادي عشر: أنه استثناءٌ من التدرُّج الذي بين الدنيا والآخرة. الثاني عشر: أنه استثناءً من المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولُهم إنما هو زُمَراً بعد زُمَر. الثالث عشر: أنه استثناءً من قوله: ((ففي النار)) كأنه قال: إلا ما شاء ربُّك مِنْ تأخّر قوم عن ذلك، وهذا القولُ مرويٍّ عن أبي سعيد الخدري وجابر. الرابع عشر: أنَّ ((إلا ما شاء)) بمنزلة كما شاء، قيل: كقوله: ((ما نكح آبأُؤُكم من النساء إلا ما قد سلف))(١)، أي: كما قَدْ سَلَفَ. آ. (١٠٨) قوله تعالى: ﴿عطاءً﴾ نُصِبَ على المصدر المؤكد من معنى الجملةِ قبله؛ لأن قوله: ((ففي الجنة خالدين)) يقتضي إعطاء وإنعاماً فكأنه قيل: يُعْطيهم عَطاً، وعطاء اسم مصدر، والمصدر في الحقيقة الإِعطاء (١) الآية ٢٢ من سورة النساء. ٣٩٤ - هود - على الإِفعال، أو يكونُ مصدراً على حذف الزوائد كقوله: ((أَنْبتكم من الأرض نباتاً)(١)، أو هو منصوب بمقدَّرٍ موافِقٍ له، أي: فَنَتَّم نباتاً، وكذلك هنا يقال: عَطَوْتُ بمعنى تناولْت. و((غيرَ مَجْذوذ)) نَعْتُه. والمجذوذ: المقطوع، ويقال لِفُتات الذهب والفضة والحجارة: ((جُذاذ)» من ذلك، وهو قريب من الجَدِّ بالمهملة في المعنى، إلا أن الراغب(٢) جَعَل جَدَّ بالمهملة بمعنى قَطْع الأرضِ المستوية، ومنه ((جَدّ في سيره يَجِدُّ جَدًّاً))، ثم قال: ((وتُصُوَّر مِنْ جَدَدْتُ [الأرضَ](٣) القَطْعُ المجردُ فقيل: جَدَدْتُ الثوب إذا قطعتَه على وجهِ الإِصلاح، وثوبٌ جديد أصله المقطوع، ثم جُعل لكل ما أُحْدِث إنشاؤه)). والظاهرُ أن المادتين متقاربتان في المعنى، وقد ذكرْتُ لهما نظائرَ نحو: عَتّا وَعَثا(٤) وكثب وكتب(٥). آ. (١٠٩) قوله تعالى: ﴿مما يعبدُ﴾: ((ما)» / في «ممَّا يعبد)» وفي ((كما [٤٩٨/أ] يَعْبُد)» مصدريةٌ. ويجوز أن تكونَ الأولى اسميةً دونَ الثانية. قوله: (لَمُوَفُوهم)) قرأ العامة بالتشديد مِنْ وقَّاه مشدداً، وقرأ (٦) ابن محيصن ((لَمُوْفُوْهم)» بالتخفيف مِنْ أَوْفَى، كقوله: ((وأَوْفُوا بعهدي))(٧)، وقد تقدَّم في البقرة أنَّ فيه ثلاث لغات. قوله: ((غيرَ منقوص)) حالٌ مِنْ ((نصيبهم)). وفي ذلك احتمالان، (١) الآية ١٧ من سورة نوح. (٢) المفردات: ٨٨. (٣) من الراغب. (٤) عتا وعثا: بمعنى فسد واستكبر: اللسان: عتو. (٥) الكَتْبُ والكَثْب: الجمع. الصحاح: كتب وكثب. (٦) البحر: ٢٦٥/٥؛ الإتحاف: ٢٦٠. (٧) الآية ٤٠ من سورة البقرة. وانظر: الدر المصون: ٣١٢/١. ٣٩٥ - هود- أحدهما: أن تكونَ حالاً مؤكدة، لأنَّ لفظ التوفية يُشْعر بعدم النقض، فقد استفيد معناها مِنْ عاملها وهو شأنُ المؤكدة. والثاني: أن تكونَ حالاً مُبَيِّنة. قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: كيف نُصِبَ ((غيرَ منقوص)) حالاً عن النصيب المُوَقَّى؟ قلت: يجوز أن يُوَفَّى وهو ناقصٌ ويوفّى وهو كاملٌ، ألا تَراك تقول: ((وَقَّيْتُه شطرَ حَقِّه، وثلثَ حقّه، وحقّه كاملاً وناقصاً))، فظاهر هذه العبارة أنها مبيِّنة؛ إذ عاملُها محتملٌ لمعناها ولغيره. إلا أن الشيخ(٢) قال بعد كلامه هذا: ((وهذه مَغْلَطَة، إذا قال: ((وقَّيته شطرَ حَقُّ)) فالتوفيهُ وَقَعَتْ في الشطر، وكذا في الثلث، والمعنى: أعطيته الشطرَ والثلثَ كاملاً لم أنقصه شيئاً، وأمَّا قوله: (وحقّه كاملاً وناقصاً)) أمَّا كاملًا فصحيح، وهي حالٌ مؤكدة؛ لأن التوفيةً تقتضي الإِكمالَ، وأمَّا ((وناقصاً)) فلا يقال لمنافاته التوفيه)). وفي مَنْع الشيخ أَنْ يُقال: ((وَفَيْتُه حقَّه ناقصاً)) نظر، إذ هو شائعٌ في تركيباتِ الناسِ المعتبرِ قولهم؛ لأن المرادَ بالتوفية مطلقُ التَّأْدية)». آ. (١١٠) قوله تعالى: ﴿فاختُلِفَ فيه﴾: أي في الكتاب، و((في)» على بابها من الظرفية، وهوهنا مجاز، أي: في شأنه. وقيل: هي سبيية، أي: هو سببُ اختلافهم، كقوله تعالى: ((يَذْرَؤْكم فيه))(٣)، أي: يُكَثِّركم بسببه. وقيل: هي بمعنى على، ويكون الضمير لموسى عليه السلام، أي: فاختُلِفِ علیه. و («مُرِيْب)) مِنْ أراب إذا حَصَلَ الرَّيْب لغيره، أو صار هو في نفسه ذا رَيْب، وقد تقدم. أ. (١١١) قوله تعالى: ﴿وإنَّ كُلَّلًّا لَيُوَفِّيَّنَّهم﴾: هذه الآيةُ الكريمة (١) الكشاف: ٢٩٥/٢. (٢) البحر: ٢٦٦/٥ . (٣) الآية ١١ من سورة الشورى .. ٣٩٦ - هود - مما تَكَلَّم الناسُ فيها قديماً وحديثاً، وعَسُر على أكثرِهم تلخيصُها قراءةً وتخريجاً، وقد سَهَّل اللَّه تعالى، فذكرْتُ أقاويلهم وما هو الراجحُ منها. فقرأ(١) نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم: ((وإنْ)) بالتخفيف، والباقون بالتشديد. وأمَّا ((لمَّا)) فقرأها مشددةً هنا وفي يس(٢)، وفي سورة الزخرف(٣)، وفي سورة ((والسماء والطارق(٤)، ابنُ عامر وعاصمٌ وحمزةُ، إلا أن عن ابن عامر في الزخرف خلافاً: فروى عنه هشامٌ وجھین، وروى عنه ابن ذكوان التخفيفَ فقط، والباقون قرؤوا جميع ذلك بالتخفيف. وتلخص من هذا: أنَّ نافعاً وابن كثير قرآ: ((وإنْ)) و((لَمَا)) مخففتين، وأنَّ أبا بكر عن عاصم خَفَّفَ (إنَّ)) وثَقَّل ((لمَّا))، وأن ابن عامر وحمزة وحفصاً عن عاصم شددوا ((إنَّ)) و((لمًّا)) معاً، وأن أبا عمرو والكسائي شدَّدا ((إِنَّ) وخَفَّفا ((لَّمَّا)). فهذه أربعُ مراتب للقراء في هذين الحرفين. هذا في المتواتر، وأمَّا في الشاذ، فقد قرىء أربعُ قراءاتٍ أُخَّر، إحداها: قراءةُ أُبَيّ والحسن وأبان بن تغلب ((وإنْ كل)) بتخفيفها، ورفع ((كل))، (لَّمَّ)) بالتشديد. الثانية: قراءة اليزيدي وسليمان بن أرقم(٥): (لمَّأَ)) مشددة منونة، ولم يتعرَّضوا لتخفيف ((إِنَّ)) ولا لتشديدها. الثالثة: قراءة الأعمش وهي في حرف ابن مسعود كذلك: ((وإنْ كلّ إلا)) بتخفيفِ ((إنْ)) ورفع (١) السبعة: ٣٣٩؛ البحر: ٢٦٦/٥؛ التيسير: ١٢٦؛ الإتحاف: ٢٦٠؛ النشر: ٢٩٠/٢؛ الكشف: ٥٣٦/١؛ الشواذ: ٦١. (٢) الآية ٣٢: ((وإنْ كلَّ لَّا جميع لدينا مُحْضَرون)). وانظر: الكشف لمكي: ٢١٥/٢. (٣) الآية ٣٥: ((وإنْ كلُّ ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا)). وانظر: السبعة: ٥٨٦. (٤) الآية ٤: ((إِنْ كلُّ نفسٍ لَّا عليها حافظ)). وانظر: السبعة: ٦٧٨. (٥) سليمان بن أرقم أبو معاذ البصري، روى قراءة الحسن البصري وهو ضعيف. ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء: ٣١٢/١. ٣٩٧ :- هود - (كل)). الرابعة: قال أبو حاتم: ((الذي في مُصْحف أبي ((وإنْ مِنْ كلٍ إِلا لَيُّوَفِيَنَّهِم)) . هذا ما يتعلَّق بها من جهة التلاوة، أمَّا ما يتعلق بها من حيث التخريجُ فقد اضطرب الناسُ فيه اضطراباً كثيراً، حتى قال أبو شامة: ((وأمَّا هذه الآيةُ فمعناها على القراءات من أشكلِ الآيات، وتسهيلُ ذلك بعون اللَّهُ أنْ أُذكرَ كلَّ قراءةٍ على حِدَتِها وما قيل فيها. فأمَّا / قراءةُ الحَرَمِيَّيْن(١) ففيها إعمال إنْ المخففة، وهي لغة ثانية عن العرب. قال سيبويه(٢): (حَدَّثَنا مَنْ نثق به أنه سَمع مِن العرب مَنْ يقول: ((إنْ عمراً لمنطلقٌ)) كما قالوا(٣): [٤٩٨/ب] كأن ثَدْيَيْهِ حُقَّانٍ ٢٧١١- قال: ((ووجهُه مِن القياس أنَّ ((إنْ)) مُشْبِهَةً في نصبها بالفعل، والفعلُ يعمل محذوفاً كما يَعْمَلِ غيرَ محذوف نحو: ((لم يكُ زيد منطلقاً)) ((فلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ))(٤) وكذلك لا أَدْرِ)). قلت: وهذا مذهبُ البصريين، أعني أنَّ هذه الأحرفَ إذا خُفِّف بعضُها جاز أن تعملَ وأن تُهْمَلَ كـ((إِنْ))، والأكثرُ الإِهمَالُ، : وقد أُجْمع عليه في قوله(٥): ((وإنْ كلُّ لمَّا جميعٌ لدينا [مُحْضَرون] ))، وبعضُها يجب إعمالُه كـ ((أنْ)) بالفتح و((كأنْ))، ولكنهما لا يَعْملان في مُظْهَرٍ ولا ضميرٍ بارزٍ إلا ضرورةً، وبعضُها يَجِبُ إهمالُه عند الجمهور كـ ((لكن)). وأمَّا الكوفيون فُيُوجبون الإِهمالَ في ((إنْ)) المخففةِ، والسَّماعُ حُجَّةٌ عليهم، بدليل هذه (١) (وإنْ كلَّا لم)). (٢) الكتاب: ٢٨٣/١، بعبارة قريبة . (٣) تقدم برقم ١٦٠٥. (٤) الآية ١٠٩ من سورة هود. (٥) الآية ٣٢ من سورة يس. ٣٩٨ - هود - القراءة المتواترة. وقد أنشدَ سيبويهِ على إعمالِ هذه الحروفِ مخففةً قولَه(١): كأنْ ظبيةٌ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ ٢٧١٢- قال الفراء: ((لم نَسْمَعِ العربَ تُخَفِّفُ وتَعْمل إلا مع المكنى كقوله(٢): طلاقَكِ لم أَبْخَلْ وأنتِ صديقُ ٢٧١٣ - فلو أنْكِ في يومِ الرِّخاء سَأَلْتِنِي قال: ((لأنَّ المُْنَى لا يَظْهر فيه إعرابٌ، وأمَّا مع الظاهر فالرفع)). قلت: وقد تقدَّم ما أنشده سيبويهِ وقولُ الآخر (٣): كأنْ تَدْيَبْه حُقَّانِ ٢٧١٤_ و [قوله](٤): ٢٧١٥ - كأنْ وَرِيْدَيْه رِشاءُ خُلْبِ هذا ما يتعلق بـ ((إنْ)). وأمَّا ((لَمَا)) في هذه القراءة(٥) فاللامُ فيها هي لامُ ((إنْ)) الداخلةُ في الخبر. و ((ما) يجوز أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي واقعةً على مَنْ يَعْقل كقوله تعالى: ((فانكِحُوا ما طابَ لكم مِن النساء))(٦) فأوقع ((ما)) على العاقل. واللام في ((ليوفِّنَّهم)) جوابُ قسمٍ مضمر، والجملةُ مِن القسم وجوابِه صلةً للموصول، والتقدير: وإنْ كلَّ لَلذين واللَّه ليوفينّهم. ويجوز أن (١) تقدم برقم ١٦٠٦. وانظر: الكتاب: ٢٨١/١. واسمها مضمر تقديره: كأنها . (٢) تقدم برقم ١٦٦٢ . (٣) تقدم برقم ١٦٠٥ . (٤) البيت لرؤبة في ملحقات ديوانه: ١٦٩؛ وابن يعيش: ٨٢/٨؛ والخزانة: ٣٥٦/٤؛ واللسان: خلب. والوريدان: عرقان يكتنفان جانبي العنق، الرشاء: الحبل. والخلب: الليف . (٥) قراءة الحرمين بالتخفيف في ((لّ)). (٦) الآية ٣ من سورة النساء. ٣٩٩ - هود - تكونَ هنا نكرةً موصوفةً، والجملةُ القسميةُ وجوابُها صفةٌ لـ ((ما)) والتقدير: وإنْ: كلَّ لخَلْقٌ أو لفريقٌ واللَّهِ ليوفَِّنَّهم، والموصولُ وصلتُه أو الموصوفُ وصفتُه خبرٌ لـ «إنْ)). وقال بعضُهم: اللامُ الأولى هي الموطِّئَةُ للقسَم، ولمَّا اجتمع اللامان، واتفقا في اللفظ فُصِل بينهما بـ ((ما)) كما فُصِل بالألف بين النونين في (يَضْرِبْنانٌ))(١)، وبين الهمزتين في نحو: أأنت. فظاهرُ هذه العبارة أنَّ ((ما)) هنا زائدةً جي بها للفصل إصلاحاً لِلَّفظ، وعبارةُ الفارسي (٢) مُؤْذِنَةٌ بهذا، إلا أنه جَعَلَ اللَامَ الأولى لامَ ((إِنْ)) فقال: ((العُرْفُ أن تُدْخِل لامَ الابتداء على الخبر، والخبرُ هنا هو القَسَمُ وفيه لام تَدْخل على جوابه، فلمَّا اجتمع اللامان والقسمُ محذوفٌ، واتفقا في اللفظ وفي تَلَقِّي القسم، فَصَلوا بينهما كما فَصَلُوا بينِ إنْ 13 واللام)). وقد صَرَّح الزمخشري(٣) بذلك فقال: ((واللامُ في ((لَمَا)) موظِّئَةٌ للقسِم و «ما)) مزيدةٌ)) ونَصَّ الْحوفيُّ على أنها لام ((إنْ)). وقال أبو شامة: ((واللامُ فَي (لَمَا)) هي الفارقة بين المخففة من الثقيلة والنافية)) وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ الفارقةً إنما يُؤْتَى بها عند التبّاسِها بالنافية، والالتباسُ إنما يجيء عند إهمالها نحو: (إنْ زيدٌ لقائم)) وهي في الآية الكريمة مُعْمَلة (٤) فلا التباسَ بالنافية، فلا يُقال إنها فارقة . فتلخّص في كلٍ من اللام و ((ما)) ثلاثة أوجه، أحدها: في اللام: أنها للابتداء الداخلة على خبر ((إنْ)). الثاني: لامٌّ موطئة للقسم. الثالث: أنَّها (١) هذا حكم اجتماع نون النسوة ونون التوكيد المشددة، وذلك كراهية اجتماع النونات. (٢) الحجة (خ): ٢٤٠/٣. (٣) الكشاف: ٢٩٥/٢. (٤) لعل الأنسب: ((عاملة)) ولا ضرورة لتقديرها مِنْ أعمل. ٤٠٠