Indexed OCR Text
Pages 281-300
- هود-
موضعها)(١) قلت: يعني أنها في الأصل مفعولٌ بها / فموضعُها نصبٌ وهي [٤٨٠/ب]
مسألةُ خلاف: هل يجوز أن يُراعى أصلُ المفعولِ القائمِ مقامَ الفاعلِ فُيُتْبَعَ
لفظُه تارة وموضعُه أخرى فيُقال: ((ضُرِبَتْ هندَ العاقلة)) بنصب ((العاقلة)) باعتبار
المحلِّ، ورفعِها باعتبار اللفظ، أم لا، مذهبان، المشهورُ مراعاةُ اللفظِ فقط.
والثالث: أن تكونَ تفسيريةً؛ لأن في تفصيلِ الآيات معنى القول، فكأنه قيل:
لا تعبدوا إلا اللَّه أو أَمْرَكم، وهذا أظهرُ الأقوال؛ لأنه لا يُحْوج إلى إضمار.
قوله: ((منه)) في هذا الضمير وجهان: أحدهما - وهو الظاهرُ - أنه يعودُ
على اللَّه تعالى، أي: إنني لكم مِنْ جهة اللَّه نذيرٌ وبشير. قال الشيخ(٢):
(فيكون في موضع الصفةِ فيتعلُّقُ بمحذوفٍ، أي: كائن من جهته)). وهذا
على ظاهره ليس بجيد؛ لأن الصفةَ لا تتقدمُ على الموصوف فكيف تُجعل
صفةً لـ ((نذير))؟ وكأنه يريد أنه صفةٌ في الأصلِ لو تأخّر، ولكنْ لمَّا تقدَّم صارَ
حالاً، وكذا صَرَّح به أبو البقاء(٣)، فكان صوابه أن يقول: فيكون في موضع
الحال، والتقدير: كائناً مِنْ جهته. الثاني: أنه يعودُ على الكتاب، أي: نذيرٌ
لكم مِنْ مخالفته وبشيرٌ منه لمَنْ آمن وعمل صالحاً.
وفي متعلَّقِ هذا الجارِّ أيضاً وجهان، أحدهما: أنه حال من ((نذير))،
فيتعلّق بمحذوف كما تقدم. والثاني: أنه متعلق بنفس ((نذير)) أي: أُنْذركم مِنْه
ومِنْ عذابِهِ إنْ كفرتم، وأبشِّرُكم بثوابه إنْ آمنتم. وقدَّمِ الإِنذار لأنَّ التخويف
أَهَمُّ إذ يحصُل به الانزجار.
آ. (٣) قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِروا﴾: فيها وجهان: أحدهما: أنه
عطفُ على ((أنْ)) الأولى سواءً كانت ((لا)) بعدها نفياً أو نهياً، فتعودُ الأوجهُ
المنقولةُ فيها إلى ((أَنْ)) هذه. والثاني: أن تكونَ منصوبةٌ على الإِغراء. قال
(١) تمام عبارة البحر: ((فهو بمعزل عن علم الإعراب)).
(٢) البحر: ٢٠١/٥.
(٣) الإملاء: ٣٤/٢.
٢٨١
ب هود-
الزمخشري(١) في هذا الوجه: ((ويجوز أن يكونَ كلاماً مبتدأً منقطعاً عَمَّا قبلَه :
على لسان النبي صلى اللَّه عليه وسلم إغراءً منه على اختصاص اللّه تعالى
بالعبادة، ويدل عليه قوله: إني لكم منه نذيرٌ وبشير كأنه قال: ترك عبادةَ غيرِ
اللَّه إني لكم منه نذيرٌ كقوله تعالى: ((فَضَرْبَ الرقاب))(٢).
قوله: ((ثم توبوا)) عطفُ على ما قبلَه من الأمر بالاستغفار و ((ثم)): على
بابِها من التراخي لأنه يستغفرُ أولاً ثم يتوبُ ويتجرَّدُ من ذلك الذنبِ المستغفَرِ
منه. قال الزمخشري(٣): ((فإن قلتَ: ما معنى ((ثم)) في قوله ((ثم توبوا إليه)»؟
قلت: معناه: استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة، أو استغفروا
- والاستغفارُ توبةٌ - ثم أَخْلِصوا التوبةَ واستقيموا عليها كقوله تعالى: ((ثم
استقاموا))(٤). قلت: قوله: ((أو استغفروا)) إلى آخره يعني أن بعضَهم جَعَلَ
الاستغفار والتوبةَ بمعنى واحد، فلذلك احتاج إلى تأويل ((توبوا)) بـ ((أَخْلِصوا:
التوبة)).
قوله: ((يُمَتِّعْكم)) جوابُ الأمر. وقد تقدَّم الخلافُ في الجازم: هل
هو نفسُ الجملةِ الطلبية أو حرفُ شرطٍ مقدَّر. وقرأ(٥) الحسن وابن هرمز
وزيد بن علي وابن محيصن ((يُمْتِعْكم)) بالتخفيف مِنْ أَمْتَعَ، وقد تقدَّم أن نافعاً
وابن عامر قرأ ((فَأَمْتِعُه قليلاً))(٦) في البقرة بالتخفيف كهذه القراءة.
قوله: ((متاعاً)) في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوب على المصدرٍ
(١) الكشاف: ٢٥٨/٢.
(٢) الآية ٤ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
(٣) الكشاف: ٢٥٨/٢ .
(٤) الآية ١٣ من سورة الأحقاف: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم)).
(٥) الشواذ: ٥٩؛ الإتحاف: ٢٥٥؛ البحر: ٢٠١/٥.
(٦) الآية ١٢٦ من سورة البقرة. وانظر: الدر المصون ١١٠/٢.
٢٨٢
- هود -
بحذفِ الزوائد، إذ التقدير: تمتيعاً فهو كقوله: ((أَنْبتكم من الأرض نباتاً)(١).
والثاني: أنه ينتصبَ على المفعول به، والمرادُ بالمتاعِ اسمُ ما يُتَمّتَّع به
فهو كقولك: ((متّعْتُ زيداً أثواباً)).
قوله: ((كلَّ ذي فَضْلٍ فَضْلَه)) ((كلَّ)) مفعول أول، و((فضلَه)) مفعولٌ ثانٍ،
وقد تقدَّم للسهيلي خلافٌ في ذلك. والضمير في ((فضله)) يجوز أن يعودَ على
اللَّه تعالى، أي: يعطي كلَّ صاحب فضلٍ فضله، أي: ثوابَه، وأن يعود على
لفظ كل، أي: يعطي كلَّ صاحبِ فضلٍ جزاءَ فَضْلِهِ، لا يَبْخَسُ منه شيئاً أي:
جزاء عمله.
قوله: ((وإنْ تَوَلَّوا)) قرأ الجمهور (تَوَلَّوا)) بفتح التاء والواو واللام.
المشددة، وفيها احتمالان، أحدهما: أن الفعلَ مضارعُ تَوَلَّى، وحُذِف منه
إحدى التاءين تخفيفاً نحو: تَنَزَّلُ، وقد تقدَّم: أيتُهما
المحذوفةُ، وهذا هو الظاهر، ولذلك جاء الخطاب في قوله ((عليكم)).
والثاني: أنه فعلٌ ماضٍ مسندٌ لضمير الغائبين، وجاء الخطابُ على إضمار
القول، أي: فقل لهم: إني أخاف عليكم، ولولا ذلك لكان التركيب: فإني
أخاف عليهم.
وقرأ(٢) اليماني وعيسى بن عمر: (تُوَلُّوا)) بضم التاء وفتح الواو وضم
اللام، وهو مضارعُ ولَّى كقولك زَّى يزكِّي. ونقل صاحب ((اللوامح)» عن
اليماني وعيسى: ((وإن تُوُلُّوا)) بثلاث ضمَّات مبنياً للمفعول. قلت: ولم يُبَيِّن
ما هو ولا تصريفه؟ وهو فعلٌ ماضٍ ، ولما بُني للمفعول ضُمَّ أولُه على الفاعل،
وضُمَّ ثانيه أيضاً؛ لأنه مفتتحٌ بتاءِ مطاوَعَةٍ / وكلَّ ما اقْتُتِح بتاءِ مطاوعةٍ ضُمَّ أولُه
وثانيه، وضُمَّت اللام أيضاً وإن كان أصلُها الكسرَ لأجل واو الضمير، والأصل
(ُوُلِيُوا)) نحو: تُدُحْرِجوا، فاسْتْقِلت الضمةُ على الياء، فحُذِفت فالتقى
[٤٨١/أ]
(١) الآية ١٧ من سورة نوح.
(٢) الشواذ: ٥٩؛ البحر: ٢٠١/٥؛ الكشاف: ٢٥٨/٢.
٢٨٣
.-
..---
- هود-
ساكنان، فِيُذِفت الياءُ لأنها أولهما، فبقي ما قبل واوِ الضمير مكسوراً فَضُمَّ
ليجانِشُ الضميرَ، فصار وزنُه تُفُعُوا بحَذْف لامِه، والواوُ قائمةٌ مقامَ الفاعل.
وقرأ الأعرج(١) ((تُوْلُوا)) بضم التاء وسكون الواو وضم اللام مضارعَ
شه
أَوْلَى، وهذه القراءةُ لا يظهر لها معنى طائلٌ هنا، والمفعولُ محذوفٌ يُقَدَّر لائقاً
بالمعنى.
• بدأ في و (كبير)) صفةٌ لـ ((يوم)) مبالغةً لما يقع فيه من الأهوال وقيل: بل ((كبير)»
صفةٌ لـ ((عذاب)) فهو منصوبٌ وإنما خُفِضَ على الجِوار كقولهم: ((هذا جُحْرُ
ضَّيْرٌ خَرِبٍ،ٍ بجرِّ ((خَرِبٍ)) وهو صفةٌ لـ ((جُحر)) وقولِ امرىء القيس(٢):
[٢٦٣°- كان ثَبِيراً فِي عَرانِينَ وَيْلِهِ كبيرُ أناسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلَ
المرهيا
({م ◌ِنْي بحر (مُزَّل)) وهو صفةٌ لـ ((كبيرُ)). وقد تقدَّمَ القولُ في ذلك مشبعاً في
بسورة المائدة (٣).
فعالة آب(ة) قوله تعالى: ﴿يَثْنُون﴾: قراءةُ الجمهورِ بفتح الياء وسكونٍ
الثاءِ المثلثةِ، وهو مضارعُ ثَنَّى يَثْنِي ثَنْياً، أي: طوى وزَوَى، و ((صدورَهم))
مفعول به والمعنى: «یحْرِفون صدورهم ووجوههم عن الحق وقبوله» والأصل:
يَشْيُونْ تَفَأْعِلٌ بَحذفِ الضمةِ عن الياء، ثم تُحْذَفُ الياءُ لالتقاء الساكنين.
نسب ماه: ضاة
د. العزف ( قراط» سعيد بن جبير ((يُثْنُون)) بضم الياء وهو مضارع أَثْنَى كأكرِم.
لهم البحر:٢٠١٥.
الأفكار تقدم برقم ١٧٠٣.
(٣) انظر: الورقة ٢٣٦ ب.
(٤) انظر في أوجه قراءاتها: الشواذ: ٥٩، الكشاف: ٢٥٩/٢؛ المحرر: ١٠٧/٩؛
القرطبي: ٥/٩؛ البحر: ٢٠٢/٥.
٢٨٤
- هود -
واستشكل الناسُ هذه القراءةَ فقال أبو البقاء(١): ((ماضيه أثنى، ولا يُعرف في
اللغة، إلا أن يُقالَ: معناه عَرَضوها للانثناء، كما يُقال: أَبَعْتُ الفُرَاسَ من إذا
عَرَضْتَه للبيع)). وقال صاحب (اللوامح))(٢): ((ولا يُعرف الإِثناء في هذا الباب)
إلا أن يُرادَ بها: وَجَدْتُها مَثْنِيّة، مثل: أَحْمَدْتُه وأَمْجَدْتُه، ولعله فتح النون (٣ كها
وهذا ممَّا فُعِل بهم فيكون نصب ((صدورَهم)) بنزع الجارِّ، ويجوز علىّ ذلك أن
يكون ((صدورهم)) رَفْعاً على البدلِ بدلِ البعض من الكل)). قلت: يعني
بقوله: ((فلعله فتح النون))، أي: ولعل ابن جبير قرأ ذلك بفتح نون (يُثْنَونِ)).
فيكون مبنياً للمفعول، وهو معنى قوله ((وهذا مما فُعِل بهم، أي: وُجِدِها
كذلك، فعلى هذا يكون ((صدورَهم)) منصوباً بنزع الخافض، أي: في
صدورهم، أي: يوجد الثّنيُ في صدورهم، ولذلك جَوَّز رفعَهِ على البدلِ
كقولك: ((ضُرِب زيدٌ الظهرُ)). ومَنْ جَوَّز تعريفَ التمييز لا يَبْعُدُ عِندِهِ أن
ينتصبَ ((صدورَهم)) على التمييز بهذا التقديرِ الذي قدَّره.
الثقافية
وقرأ ابن عباس وعلي بن الحسين وابناه زيد ومحمد وابنه جعفر ومتجاهلك
وابن يعمر وعبدالرحمن بن أبزى(٤) وأبو الأسود: ((تَثْنَّوْنَى)) مضارع ((إِثْنَوْنى))
على وزن افْعَوْعَل من الثّنِّي كاحْلَوْلى من الحَلاوة وهو بناءُ مبالغةٍ، ((صِدورُهِمْ).
بالرفع على الفاعلية. ونُقِل عن ابن عباس وابن يعمر ومجاهد وابن
أبي إسحاق: ((يَثْنَوْنَى صدورُهم» بالتاءِ والياء، لأن التأنيثَ مجازيٌّ، فجاز
تذكيرُ الفعلِ باعتبار تأوُّل فاعلِه بالجمع، وتأنيتُه باعتبار تأويل فاعلِه بالجماعة ..
١٤٠
(١) الإملاء: ٣٤/٢ - ٣٥.
(٢) انظر: البحر: ٢٠٢/٥.
(٣) أي نون أثنى فقرأ ((يُثْنَون)).
(٤) عبدالرحمن بن أبزى الخزاعي، صحابي، كان في عهد عمر رجلاً، وكان على خراسان
لعليّ، ولم تذكر وفاته. تقريب التهذيب: ٤٧٢/١.
جاجملة (٤)
٢٨٥
- هودب
وقرأ ابن عباس أيضاً وعروة (١) وابن أبزى(٢) والأعشى(٣) (تَثْنَونَ)) بفتح التاء
وسكونِ الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة، والأصلُ: تَثْنَوْنِنُ
بوزن تَفْعَوْعِلُ وهو الثُّنُّ وهو ما هشَّ وضَعُفَ مِن الكلأ، يريد مطاوعةَ نفوسِهم
للثّني كما يُثْنِى الهشُّ من النبات، أو أراد ضَعْفَ إيمانهم ومرض قلوبهم.
و ((صدورُهم)) بالرفع على الفاعلية.
وقرأ مجاهد وعروة أيضاً كذلك، إلا أنهما جَعَلا مكانً الواوِ المكسورة
همزةٌ مكسورةً فأخرجاها مثل «تطمئن)). وفيها تخريجان، أحدهما: أنَّ الواوَ
قُلِبَتْ همزةً لاستثقال الكسرة عليها، ومثله إعاء وإشاح في وعاء ووشاح،
لَمَّا استثقلوا الكسرةَ على الواو أبدلوها همزةٌ. والثاني: أن وزنه تَفْعَيِلُ من
الثِّن وهو ما ضَعُف من النبات كما تقدم، وذلك أنه مضارع لـ ((اثْنَانَّ) مثل
احْمارَّ واصْفارٍّ، وقد تقدَّم لك أن مِن العرب مَنْ يقلبُ مثلَ هذه الألفِ همزةٌ
كقوله(٤):
٢٦٣٥-
بالعَبِيطِ ادْهَأَمَّتِ
فجاء مضارع اثْنأَنَّ على ذلك كقولك: احْمَأَرَّ يَحْمَثِرُّ كاطمأَنَّ يطمئِنُ.
وأمَّا ((صدورُهم)) فبالرفع على ما تقدم.
وقرأ الأعشى أيضاً (تَثْنَؤُوْنَ)) بفتح التاء وسكون المثلثة وفتح النون
(١) لعله عروة بن الزبير بن العوام أبو عبداللَّه المدني، ثقة فقيه مشهور مات سنة ٩٤.
تقريب التهذيب: ١٩/٢.
(٢) في الأصل ((وابن أبي أبزى)) بإقحام ((أبي)) وقد مرَّتْ ترجمته. وكتب على جانب ورقة
الأصل بخط مغاير: ((صوابه وابن أبزى)).
(٣) عثمان بن المغيرة الثقفي الكوفي، ويقال له: ابن أبي زرعة ثقة ولم تذكر وفاته. تقريب
التهذيب: ١٤/٢.
(٤) تقدم برقم ٢٥٧٩ .
٢٨٦٠
- هود -
وهمزةٍ مضمومةٍ وواوٍ ساكنةٍ بزنة تُفْعَلُون كتَرْهَبُون. ((صدورَهم)) بالنصب. قال
صاحب ((اللوامح)) ولا أعرفُ وجهَه لأنه يُقال ((ثَنَيْتُ)) ولم أسمعْ ((ثنأْت))،
ويجوز أنه قلبَ الياءَ ألفاً على لغة مَنْ يقول ((أَعْطَات)) في أَعْطَيْت، ثم هَمَز
الألفَ على لغةٍ مَنْ يقول ((ولا الضَّأَلِين))(١).
وقرأ ابنُ عباس أيضاً ((تَثْنَوي)) بفتح التاء وسكون / المثلثة وفَتْحِ النونِ [٤٨١/ب]
وكسرِ الواو بعدها ياءٌ ساكنةٌ بزِنَة تَرْعَوي وهي قراءةٌ مُشْكلة جداً حتى قال
أبو حاتم: ((وهذه القراءةُ غلطٌ لا تَتَّجه)) وإنما قال: إنها غلط؛ لأنه لا معنى
للواو في هذا الفعل إذ لا يُقال: ثَنَوْتُه فَانْتَوَى كَرَعَوْته، أي: كفَفْتُه فارعوى،
أي: فانكفَّ ووزنه افعلَّ کاحمرً.
وقرأ نصر بن عاصم وابن يَعْمر وابن أبي إسحاق (يَنْثُون)) بتقديم النون
الساكنة على المثلثة .
وقرأ ابنُ عباس أيضاً (لَثْنَوْنِ)) بلام التأكيد في خبر ((إنَّ)) وفتح التاءِ
وسكون المثلثة وفتح النون وسكون الواو بعدها نونٌ مكسورةٌ وهي بزنة
تَفْعَوْعِلُ، كما تقدَّم، إلا أنها حُذِفَت التاء التي هي لامُ الفعل تخفيفاً كقولهم:
لا أدرٍ وما أَدْرٍ. و((صدورُهم)) فاعلٌ كما تقدم.
وقرأت(٢) طائفةٌ: ((تَثْنَؤُنَّ)) بفتح التاء ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم نوٍ
مفتوحةٍ ثم همزةٍ مضمومةٍ ثم نون مشددة، مثل تَقْرُؤُنَّ، وهو مِنْ ثَيْتُ، إلا أنه
قَلَبَ الياءَ واواً لأن الضمةَ تنافِرُها، فجُعِلَت الحركةُ على مجانِسها، فصار
(١) انظر: الورقة ٩ أ من الدر المصون. وهي قراءة أبي أيوب السختياني من الآية ٦ من
سورة الفاتحة .
(٢) المحتسب: ٣١٩/١؛ الإملاء: ٣٥/٢، وهي لمجاهد وعروة. والمؤلف رسم الحرف
الأول تاء وفي الإِملاء بالياء.
٢٨٧
- هود -
اللفظُ تَثْتُوُوْنَ ثم قُلبت الواوُ المضمومةُ همزةً كقولهم: ((أُجوه)) في ((وُجوه))
و((أُقْتَتْ)) في ((وقُّنت)) فصار (تَثْنَؤُون))، فلمَّا أُكِّد الفعلُ بنون التوكيد حُذِفَتْ
نونُ الرفع فالتقى ساكنان: وهما واوُ الضمير والنون الأولى مِنْ نون التوكيد،
فحُذِفَتْ الواو وبقيت الضمةُ تدلُّ عليها فصار تَثْنَؤُنَّ كما ترىُ. و ((صدورَهُم))
منصوب مفعولاً به فهذه إحدى عشرةَ قراءةً بالغْتُ في ضبطها باللفظ وإيضاح
تصريفها؛ لأني رأيتها في الكتب مهملةً من الضبط باللفظ وغالبِ التصريف،
وكأنهم اتَّكلوا في ذلك على الضبطِ بالشكل في الكتابة وهذا متعب جداً.
قوله ((لَيَسْتَخْفُوا)) فيه وجهان، أحدهما: أن هذه اللام متعلقةٌ بـ ((يَثْنُون))
وكذا قاله الحوفي، والمعنى أنهم يفعلون ثَّنْي الصدورِ لهذه العلة. وهذا
المعنى منقولٌ في التفسير ولا كُلْفَةَ فيه. والثاني: أن اللام متعلقةٌ بمحذوفٍ،
قال الزمخشري(١): ((لَيَسْتَخْفُوا منه)) يعني ويريدون: ليستَخْفُوا من اللَّه
فلا يُطْلِعُ رسولَه والمؤمنين على ازْوِرارهم، ونظيرُ إضمارٍ ((يريدون)» لعَوْدِ
المعنى إلى إضماره الإضمارُ في قوله تعالى: ((أن اضْرِب بعصاك البحر
فَانْفَلَقَ))(٢) معناه: ((فضرب فانفلق)) قلت: ليس المعنى الذي يقودُنا إلى
إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا؛ لأن ثَمَّ لا بد منْ حذفِ معطوفٍ يُضْطر
العقلُ إلى تقديره؛ لأنه ليس مِن لازم الأمر بالضرب انفلاقُ البحر فلا بد أن
يُتَعقَّل («فضرب فانفلق))، وأمَّا في هذه فالاستخفاف علة صالحةٌ لَثْنيهم
صدورَهم فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإِرادة.
والضميرُ في (منه)) فيه وجهان، أحدهما: أنه عائد على رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم وهو ظاهرٌ على تعلُّق اللام بـ((يَثْنون)). والثاني: أنه عائدٌ
على اللَّه تعالى كما قال الزمخشري(٣).
(١) الكشاف: ٢٥٨/٢.
(٢) الآية ٦٣ من سورة الشعراء.
(٣) الكشاف ٢٥٨/٢ .
٢٨٨
- هود -
قوله: ((ألا حينَ يَسْتَغْشُون)) في هذا الظرف وجهان، أحدهما: أنَّ ناصبَه
مضمرٌ، فقدَّره الزمخشري(١) بـ ((يريدون)) كما تقدَّم، فقال: ((ومعنى ألا حين
يَسْتَغْشُون ثيابهم: ويريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابَهم أيضاً كراهةً
لاستماع كلامِ اللَّه كقولِ نوحٍ عليه السلام ((جَعَلوا أصابعَهم في آذانهم،
واستغشّوا ثيابهم))(٢)، وقدَّره أبو البقاء(٣) فقال: ((ألا حين يَسْتَغْشون ثيابهم
يَسْتخفون)). والثاني: أن الناصبَ له ((يَعْلَمُ))، أي: ألا يعلمُ سِرَّهم وعَلَنهم
حين يفعلون كذا، وهو معنى واضح، وكأنهم إنما جوّزوا غيره لئلا يلزم تقييد
علمه تعالى بسرِّهم وعَلَنِهم بهذا الوقت الخاص، وهو تعالى عالمٌ بذلك في
كل وقت. وهذا غيرُ لازمٍ، لأنه إذا عُلِم سِرُّهم وعلنُهم في وقتِ التغشية
الذي يَخْفَى فيه السُّ فَأَوْلِى في غيره، وهذا بحسب العادةِ وإلا فاللَّهُ تعالى
لا يتفاوتُ عِلْمُه. و((ما) يجوز أن تكونَ ((مصدريةٌ))، وأن تكونَ بمعنى الذي،
والعائد محذوف، أي: تُسِرُّونه وتُعْلِنونه.
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾: يجوز أن يكونا
مصدرَيْن، أي: استقرارها واستيداعها، ويجوز أن يكونا مكانين، أي: مكان
استقرارها واستيداعها. ويجوز أن يكون مستودعها اسمَ مفعول لتعدِّي فِعْلِه،
ولا يجوز ذلك في ((مستقر)) لأنَّ فعلَه لازمٌ، ونظيرُه في المصدرية قولُ
الشاعر (٤):
٢٦٣٦- ألم تعلمْ مُسَرَّحِيَ القوافي
أي: تَسْریحي .
(١) الكشاف: ٢٥٨/٢.
(٢) الآية ٧ من سورة نوح.
(٣) الإملاء: ٣٥/٢.
(٤) تقدم برقم ١٢٤٠.
٢٨٩
- هبود - :
قوله: ((كلٍّ)) المضافُ إليه محذوفٌ تقديرُه: كل دابةٍ ورزقُها ومستقرُّها
ومستودعُها في كتاب مبين.
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم﴾: في هذه اللام وجهان، أحدهما:
أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ فقيل: تقديرُهُ: أَعْلَمَ بذلك ليبلوكم. وقيل: ثَمَّ جُملٌ:
محذوفةٌ والتقدير: وكان خلقُه لهما لمنافعَ يعودُ عليكم نفعُها في الدنيا دون
[٤٨٢/أ] الآخرة وفَعَل ذلك لِيَبْلُوَكم. وقيل: / تقديرُه: وخلقكم ليبلوكم. والثاني: أنها:
متعلقةٌ بـ ((خلق))(١) قال الزمخشري(٢): ((أي: خلقهُنَّ لحكمةٍ بالغةٍ وهي أَنْ
يَجْعَلَها مساكنَ لعبادهُ وينعمَ عليهم فيها بصنوف النِّعَمِ ويُكَلِّفهم فعلَ الطاعاتِ.
واجتنابَ المعاصي، فَمَنْ شكر وأطاع أثابه، ومَنْ كفر وعصى عاقبه، ولمَّا أَشْبَهَ
ذلك اختبارَ المُخْتبر قال ((ليبلوكم))، يريد: ليفعلَ بكم ما يفعل المبتلي
لأحوالکم.
قوله: ((أيُّكم أَحْسَنُ)) مبتدأ وخبر في محل نصب بإسقاط الخافض ؛ لأنه
مُعَلِّقٌ لقوله ((ليبلوكم)). قال الزمخشري (٣): ((فإن قلت: كيف جاز تعليقُ فعلٍ
البلوى؟ قلت: لما في الاختيار من معنى العلم؛ لأنه طريقٌ إليه فهو ملابسٌ له
كما تقول: ((انظر أيُّهم أحسنُ وجهاً، واسمع أيُّهم أحسنُ صوتاً) لأن النظر
والاستماع من طرق العلم)). وقد واخذه الشيخُ في تمثيله بقوله ((واسمع)) قال : :
(لم أعلمْ أحداً ذكر أنَّ (استمع)) يُعَلَّق، وإنما ذكروا من غيرِ أفعالِ القلوب.
((سَلْ)) و((انظر))، وفي جواز تعليق ((رأى)) البصريةِ خلافٌ)).
. قوله: ((وَلَئِنْ قلت)): هذه لامُ التوطئة للقسم، و((ليقولُنَّ)) جوابُه، وحُذِفَ
(١) الأصل ((بخلقكم)) وهو سهو.
(٢) الكشاف: ٢٥٩/٢.
(٣) الكشاف: ٢٥٩/٢.
٢٩٠
- هود -
جوابُ الشرط لدلالة جواب القسم عليه، و((إنكم)) محكيٍّ بالقول، ولذلك
كُسِرت في قراءة الجمهور. وقُرىء(١) بفتحها، وفيها تأويلان ذكرهما
الزمخشري (٢)، أحدهما: أنها بمعنى لعلَّ، قال: ((مِنْ قولهم: ((انت السُّوق
أنك تشتري لحماً)، أي: لعلك، أي: ولئن قلت لهم: لعلكم مبعوثون
بمعنى توقَّعوا بَعْثَكم وظُنُّوه، ولا تَبْتُّوا القولَ بإنكاره، لقالوا))(٣). والثاني: أن
تُضَمِّنَ ((قلتَ)) معنى ((ذَكَرْتَ)) يعني فتفتح الهمزة لأنها مفعول ((ذكرْتَ)).
قوله: ((إن هذا إلا سحرٌ)) قد تقدم أنه قُرىء(٤) ((سِحْر)) و ((ساحر))، فَمَنْ
قَرَأَ ((سِحْر)) فـ((هذا) إشارةً إلى البعث المدلولِ عليه بما تقدَّم، أو إشارةٌ إلى
القرآن لأنه ناطق بالبعث. ومَنْ قرأ ((ساحر)» فالإِشارةُ بـ ((هذا)» إلى النبي صلى
اللَّه عليه وسلم ويجوز أن يُرادَ بـ ((هذا)) في القراءة الأولى النبيُّ صلى اللَّه
عليه وسلم أيضاً، ويكون جَعَلوه سِحْراً مبالغةً، أو على حذف مضاف، أي:
إلا ذو سحر. ويجوز أن يُراد بـ ((ساحر)) نفسُ القرآنِ مجازاً كقولهم ((شعرٌ
شاعرٌ)» و «جَدَّ جَدُّه)).
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿ليقولُنَّ﴾: هذا الفعلُ معربٌ على المشهور لأن
النونَ مفصولةٌ تقديراً، إذا الأصلُ: ليقولونَنَّ: النون الأولى للرفع، وبعدها نونٌ
مشددة، فاستثقلَ توالي ثلاثةِ أمثال، فَحُذِفَتْ نونُ الرفع لأنها لا تدلُّ مِن
المعنى على ما تدل عليه نون التوكيد، فالتقى ساكنان، فحذفت الواوُ التي هي
ضميرُ الفاعل لالتقائهما، وقد تقدُّم تحقيقُ ذلك.
(١) البحر: ٢٠٥/٥؛ الكشاف: ٢٦٠/٢؛ وقال في الشواذ: ٥٩ ((حكاه عيسى)).
(٢) الكشاف: ٢٦٠/٢.
(٣) تمام عبارته ((لقالوا إن هذا إلا سحر مبين باتِّين القولَ ببطلانه)).
(٤) قرأ الجمهور ((سحر)) وقرأ حمزة والكسائي وخلف ((ساحره. انظر: التيسير: ١٠١؛
النشر: ٢٥٦/٢؛ الإتحاف: ٢٥٥؛ البحر: ٢٠٥/٥.
٢٩١
و((ما يَخْبِسُه)) استفهامٌ، فـ((ما)) مبتدأ، و ((يحبسُه)) خبره، وفاعلُ الفعل
ضميرُ اسم الاستفهام، والمنصوب يعود على العذاب، والمعنى: أيُّ شيءٍ
من الأشياء يَخْبِسُ العذاب؟.
قوله: ((يومَ يأتيُهم)) منصوبٌ بـ («مصروفاً)) الذي هو خبر («ليس)»، وقد
استدلَّ به جمهور البصريين على جواز تقديم خبر ((ليس)» عليها، ووجهُ ذلك
أن تقديمَ المعمول يُؤْذن بتقديم العامل، و ((يومَ)) منصوب بـ((مصروفاً)) وقد
تقدَّم على ((ليس)) فليَجُزْ تقديمُ الخبرِ بطريق الأولى؛ لأنه إذا تقدَّم الفرعُ فَأَوْلَى
أن يتقدَّم الأصلُ. وقد رَدَّ بعضهم هذا الدليلَ بشيئين، أحدهما: أن الظرفَ
يُتوسَّع فيه ما لا يُتوسَّع في غيره. والثاني: أن هذه القاعدةَ منخرمةٌ، إذ لنا
مواضعُ يتقدم فيها المعمولُ ولا يتقدم فيها العامل، وأوردَ مِنْ ذلك نحوَ قوله
تعالى: ((فأمَّا اليتيمَ فلا تقهرْ، وأمَّا السائلَ فلا تَنْهَرْ)) (١) فاليتيمَ منصوب
بـ ((تقهرْ))، و((السائلَ)) منصوبٌ بـ (تْهَرْ)) وقد تَقَدَّما على ((لا)) الناهية،
ولا يتقدَّمُ العاملُ - وهو المجزوم - على ((لا))، وللبحث في هذه المسألة
موضعٌ هو أليقُ به. قال الشيخ(٢): ((وقد تَتَبَّعْتُ جملةً من دواوين العرب
فلم أظفر بتقديم خبر ((ليس)) عليها ولا بمعموله إلا ما دلَّ عليه ظاهرُ هذه الآية
وقولِ الشاعر(٣):
٢٦٣٧ - فيأبى فما يَزْدادُ إلا لَجاجَةٌ
وكنتُ أَبِيّاً في الخَفَا لستُ أُقْدِمُ
واسمُ ((ليس)) ضميرٌ عائد على ((العذاب))، وكذلك فاعل ((يَأْتيهم))،
والتقدير: ألا ليسَ العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم العذاب. وحكى
(١) الآيتان ٩ - ١٠ من سورة الضحى.
(٢) البحر: ٢٠٦/٥.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر: ٢٠٦/٥. فقوله ((في الخفاء معمول الخبر ((أُقْدم)).
٢٩٢
- هود -
أبو البقاء(١) عن بعضهم أن العاملَ في ((يومَ يأتيهم)) محذوف، تقديره: أي:
لا يُصْرَفُ عنهم العذابُ يوم يأتيهم، ودلَّ على هذا المحذوفِ سياق الكلام.
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿لَفَرِحٌ﴾: قرأ الجمهور بکسر الراء، وهو قیاسُ
اسمِ الفاعل من فَعِل اللازم بكسر العين نحو: أَشِرَ فهو أَشِرٌ، وَطِرَ
فهو بَطِرٌ. وقرىء(٢) شاذاً (لَفَرُح)) بضم الراء نحو: يَقِظ ويَقُظ، ونَدِس(٣)
ونَدُس.
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿إلا الذين صَبَرُوا﴾: فيه ثلاثةُ أوجه،
أحدها: أنه منصوبٌ على الاستثناء المتصل؛ إذ المرادُ به جنس / الإِنسانِ [٤٨٢/ب]
لا واحدٌ بعينه. والثاني: أنه منقطعٌ، إذ المراد بالإنسان شخص معين،
وهو على هذين الوجهين منصوبُ المحل. والثالث: أنه مبتدأ، والخبرُ الجملةُ
من قوله ((أولئك لهم مغفرة)) وهو منقطعٌ أيضاً. وقوله: ((مغفرةٌ)) يجوز أن يكون
مبتدأ، و((لهم)) الخبر، والجملةُ خبرُ ((أولئك))، ويجوز أن يكونَ ((لهم)) خبرَ
((أولئك)» و «مغفرة)) فاعلٌ بالاستقرار.
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿فلعلّك﴾: الأحسنُ أن تكونَ على بابها من
الترجِّ بالنسبة إلى المخاطب. وقيل: هي للاستفهام كقوله عليه السلام:
(لعلنا أعجلناك))(٤).
قوله: ((وضائقٌ)) نسقٌ على ((تارك)). وعَدَلَ عن ((ضيّق)) وإن كان أکثر من
(١) الإملاء: ٣٥/٢.
(٢) الشواذ: ٥٩؛ القرطبي: ١١/٩؛ البحر: ٢٠٦/٥ وقال: ((نسبها يعقوب القارىء إلى
بعض أهل المدينة».
(٣) الندس: الرجل الفّهِم.
(٤) رواه مسلم (الحيض: ٢١) ٢٦٠/١؛ ابن ماجة (الطهارة: ١١٠) ١٩٩/١.
٢٩٣
- هود -
((ضائق)) قال الزمخشري(١): ((ليدلَّ على أنه ضيِّق عارضٌ غيرُ ثابت، ومثلُه.
سَيِّد وجَواد، فإذا أردْتَ الحدوثَ قلت: سائدٌ وجائد)). قال الشيخ(٢): ((ولیس
هذا الحكمُ مختصاً بهذه الألفاظ، بل كلُّ مابُني من الثلاثي للثبوتِ
والاستقرارِ على غير فاعِل رُدَّ إليه إذا أريد به معنى الحدوث تقول: حاسِن
وثاقِل وسامِن في حَسُبْن وثَّقُل وسَمُنَ)) وأنشد(٣):
٢٦٣٨- بمنزلةٍ أُمَّا اللئيمُ فسامِنٌ
بها وكرامُ الناسِ بادٍ شُحوبُها
وقيل: إنما عَدَل عن ضيِّق إلى ضائق ليناسب وزن تارك.
والهاءُ في ((به))(٤) تعود على ((بعض)). وقيل: على ((ما)). وقيل: على
التكذيب. و((صدرُك)) فاعل بـ ((ضائق)). ويجوز أن يكون ((ضائقٌ)) خبراً
مقدماً، و((صدرك)) مبتدأ مؤخرٌ، والجملة خبرُ عن الكاف في ((لعلك))، فيكون
قد أخبر بخبرين، أحدهما مفرد، والثاني جملة عُطِفت على مفرد، إذ هي
بمعناه، فهو نظير: ((إِنَّ زيداً قائم وأبوه منطلق))، أي: إن زيداً أبوه منطلق.
قوله: ((أَنْ يقولوا)» في محلٌ نصبٍ أوجرِّ على الخلاف المشهور في
((أنْ)) بعد حَذْف حرف الجر أو المضاف، تقديره: كراهة أو مخافةً أَنْ يقولوا،
أو لئلا يقولوا، أو بأن يقولوا. وقال أبو البقاء(٥): ((لأن يقولوا، أي: لأُنْ قالوا،
فهو بمعنی الماضي» وهذا لا حاجةإلیه، وکیف یُدعى ذلك فيه ومعه ما هو نصّ
في الاستقبال وهو الناصب؟ و((لولا)) تحضيضيةٌ، وجملةُ التحضيضِ منصوبةٌ
بالقول.
(١) الكشاف: ٢٦١/٢ .
(٢) البحر: ٢٠٧/٥.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر: ٢٠٧/٥.
(٤) في قوله ((وضائق به صدرك)).
(٥) الإملاء: ٣٥/٢.
٢٩٤
- هود -
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿أم يقولون): في ((أم)) هذه وجهان،
أحدهما: أنها منقطعةٌ فتقدَّر بـ ((بل)) والهمزة، فالتقدير: بل أتقولون افتراه.
والضمير في ((افتراه)) لما يُوحَى. والثاني: أنها متصلة، فقدَّروها بمعنى:
أيكتفون بما أوحينا إليك من القرآن أم يقولون إنه ليس من عند اللَّه؟.
قوله: (مثلِه)) نعت لـ ((سُوّر)) و((مثل)) وإن كانت بلفظ الإِفراد فإنها
يُوصف بها المثنى والمجموعُ والمؤنث، كقوله تعالى: ((أنؤمن لبشرَيْنِ
مثلِنا))(١)، ويجوز المطابقةُ قال تعالى: ((وحورٌ عِيْنٌ كأمثالٍ))(٢)، وقال تعالى:
(ثم لا يكونوا أمثالكم))(٣) والهاءُ في ((مثلِه)) تعود لما يوحي أيضاً، و ((مفتريات)»
صفة لـ ((سُوَر)) جمع مُفْتراة كمُصْطَفَيات في ((مصطفاة)) فانقلبت الألفُ ياءً
کالتثنية .
آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿إنما أُنْزِل﴾: ((ما)) يجوز أن تكون كافةً مهيِّئَة.
وفي ((أَنْزِل)) ضميرٌ يعود على ما يوحَى إليك، و((بعلم)) حال أي: ملتبساً
بعلمِه، ويجوزُ أن تكونَ موصولةً اسميةٌ أو حرفية اسماً لـ ((إِنَّ» فالخبرُ الجارُ
تقديرُه: فاعلموا أن تنزيلَه، أو أنَّ الذي أُنْزِل ملتبسٌ بعلمٍ .
وقرأ(٤) زيد بن علي ((نَزَّل)) بفتح النون والزاي المشددة، وفاعل («نَزَّل))
ضميرُ اللَّه تعالى، و((أنْ لا إله إلا هو)) نسقُ على ((أنَّ) قبلها، ولكن هذه
مخففةٌ فاسمُها محذوفٌ، وجملةُ النفي خبرُها.
قوله: ((نُوَفِّ)) الجمهورُ على ((نُوَفِّ)) بنون العظمة وتشديد الفاء مِنْ وَفِّى
(١) الآية ٤٧ من سورة المؤمنون.
(٢) الآية ٢٣ من سورة الواقعة.
(٣) الآية ٣٨ من سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
(٤) البحر: ٢٠٩/٥.
٢٩٥
- هود-
يُوَفِّي، وطلحة وميمون(١) بياء الغيبة، وزيد بن علي كذلك إلا أنه خَفَّفَ الفاءَ
مِنْ أوفى يوفي، والفاعلُ في هاتّيْن القراءتين ضميرُ اللَّه تعالى. وقرىء (تُّوَفِّ))
بضم التاء وفتح الفاء مشددةً مِنْ وفّى يُوَفِّي مبنياً للمفعول. ((أعمالُهم» بالرفع
قائماً مقام الفاعل. وانجزم ((نُوَفِّ)) على هذه القراءاتِ لكونه جواباً للشرط،
كما في قوله تعالى ((مَنْ كان يريد حَرْثَ الآخرة نَزِدْ له [في حَرْثه]، وَمَنْ كان
يريدُ حَرْث الدنيا نُؤْتِه))(٢).
وزعم الفراء(٣) أن ((كان)) زائدة قال(٤): ((ولذلك جَزَمِ جوابَه)) ولعلَّ هذا
لا يصح إذ لو كانت زائدةً لكان ((يريد)» هو الشرط، ولو كان شرطاً لانجزم،
فكان يُقال: مَنْ كان يُرِدْ)).
وزعم بعضُهم أنه لا يُؤْتِى بفعل الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً إلا مع
(کان» خاصة، ولهذا لم يچیء في القرآن إلا کذلك، وهذا ليس بصحيحٍ
لوروده في غير ((كان)) قال زهير(٥):
٢٦٣٩ - ومَنْ هاب أسبابَ المنايا يَنَلْنَه ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ
وأما القرآن فجاء من باب الاتفاق أنه كذلك.
وقرأ الحسن البصري ((نُوفِي)) بتخفيف الفاء / وثبوتِ الياء مِنْ أوفى، ثم
هذه القراءةُ محتمِلَةٌ: لأن يكون الفعل مجزوماً، وقُدِّر جزمُه بحذفِ الحركة
[١/٤٨٣]
(١) في الأصل: ((وطلحة بن ميمون)) والسمين ينقل هذا الوهم عن صاحب البخر:
٥ /٢٠٩، وقد صوَّبنا العبارة من ابن عطية: ١١٩/٥؛ والشواذ: ٥٩. وطلحة هو ابن
مصرف، وميمون هو ابن مهران وتقدمت ترجمتهما وانظر في قراءات الكلمة: البحر:
٢٠٩/٥؛ الكشاف: ٢٦٢/٢؛ الشواذ: ٥٩.
(٢) الآية ٢٠ من سورة الشورى.
(٣) معاني القرآن: ٥/٢.
(٤) لم يرد هذا القول في ((معاني القرآن)) وإنما قرر زيادتها من حيث المعنى.
(٥) تقدم برقم ٨٠٤.
٢٩٦
- هود -
المقَّدرة كقوله(١):
٢٦٤٠ - ألم يَأْتيك والأنباءُ تُنْمي بما لاقَتْ لَبُونُ بني زياد
على أن ذلك قد يأتي في السَّعَةِ نحو: ((إنه مَنْ يَتَّقي))(٢)، وسيأتي
محرَّراً في سُورته، ولأن(٣) يكون الفعلُ مرفوعاً لوقوع الشرط ماضياً كقوله(٤):
نقولُ جِهاراً وَيَلْكُمْ لا تُنَفِّروا
٢٦٤١ - وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجميعِ مخافةً
وكقول زهير(٥):
يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
٢٦٤٢ - وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مَسْألٍ
وهل الرفعُ لأنه على نيةِ التقديمِ وهو مذهبُ سيبويه(٦) أو على نية
الفاءِ، كما هو مذهب المبرد(٧)؟ خلافٌ مشهور.
· آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿وحَبطٍ ما صنعوا فيها﴾: يجوز أن يتعلَّقَ
((فيها)» بـ ((حَبِط)»، والضميرُ على هذا يعود على الآخرة، أي: وظهر حبوطُ
ما صنعوا في الآخرة. ويجوز أن يتعلَّقَ بـ ((صنعوا)) فالضمير على هذا يعود
على الحياة الدنيا كما عاد عليها في قوله ((نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها)). و ((ما))
في ((ما صنعوا)) يجوز أن تكون بمعنى الذي فالعائدُ محذوفٌ، أي: الذي
صنعوه، وأن تكونَ مصدريةً، أي: وحَبِطِ صُنْعُهم.
(١) البيت لقيس بن زهير وهو في الكتاب: ٥٩/٢؛ والإنصاف: ١٧؛ سر الصناعة:
٨٨/١؛ ابن يعيش: ٢٤/٨؛ العيني: ٢٣٠/١١؛ الخزانة: ٥٣٤/٣؛ الدرر: ٢٨/١.
(٢) وهي قراءة قنبل عن ابن كثير. انظر: السبعة: ٣٥١؛ والآية ٩٠ من سورة يوسف.
(٣) معطوف على قوله ((لأن يكون الفعل مجزوماً)).
(٤) تقدم برقم ١٢٣٤.
(٥) تقدم برقم ١٢٣١.
(٦) الكتاب: ٤٣٦/١.
(٧) المقتضب: ٦٩/٢، ٧٢. وانظر المسألة في المغني: ٤٨/٢؛ وشرح الكافية: ٢٣٤/٢.
٢٩٧
- هود-
قوله: ((وباطلٌ ما كانوا)) الجمهورُ قرؤوا برفع الباطل، وفيه ثلاثة أوجه،
أحدها: أن يكونَ ((باطل)) خبراً مقدماً، و«ما كانوا يعملون)) مبتدأٌ مؤخرٌ.
و (ما)) تحتمل أن تكون مصدريةٌ، أي: وباطلٌ كونُهم عاملين، وأن تكونَ
بمعنى الذي والعائد محذوف، أي: يعملونه، وهذا على أنَّ الكلامَ من عطفٍ
الجمل، عَطَّفَ هذه الجملةَ على ما قبلها. الثاني: أن يكونَ (باطل)) مبتدأٌ
و ((ما كانوا يعملون)) خبرُه، هكذا قال مكي(١) بن أبي طالب وهو لا يَبْعُدُ عَلَى
الغلط، والعجبُ أنه لم يَذْكر غيره. الثالث: أن يكونَ («باطل)) عطفاً على
الأخبارِ قبله، أي: أولئك باطلّ ما كانوا يعملون، و((ما كانوا يعملون)) فاعلٌ
بـ ((باطل))، ويرجح هذا ما قرأ به زيد بن علي (٢): ((وبَطَل ما كانوا يعملون))
جعله فعلاً ماضياً معطوفً على ((حَبِط)).
وقرأ(٣) أُبَيّ وابن مسعود - قال مكي (٤): ((وهي في مصحفهما
كذلك)» - ونقلها الزمخشري(٥) عن عاصم ((وباطلاً)) نصباً وفيها ثلاثةُ أُوجهٍ،
أحدُها: أنه منصوبٌ بـ ((يعملون)) و((ما)) مزيدة، وإلى هذا ذهب مكي(٦)
وأبو البقاء(٧) وصاحب ((اللوامح))، وفيه تقديمُ معمولٍ خبرِ ((كان)) على ((كان)).
وهي مسألة خلاف، والصحيحُ جوازُها كقوله تعالى: ((أهؤلاء إياكم كانوا
يعبدون»(٨) فالظاهرُ أن ((إياكم)) منصوب بـ((يعبدون)). والثاني: أن تكونَ ((ما)»
(١) المشكل: ٣٩٤/١.
(٢) البحر: ٢١٠/٥؛ ونسبها في الشواذ: ٥٩ إلى يحيى بن يعمر.
(٣) المحتسب: ٣٢٠/١؛ الشواذ: ٥٩؛ القرطبى: ١٥/٩؛ البحر: ٢١٠/٥.
(٤) المشكل: ٣٩٤/١.
(٥) الكشاف: ٢٦٢/٢
(٦) المشكل: ٣٩٤/١ - ٣٩٥.
(٧) الإملاء: ٣٥/٢.
(٨) الآية ٤٠ من سورة سبأ.
--
٢٩٨
- هود -
إبهاميةً، وتنتصب بـ ((يعملون)) ومعناه: ((باطلاً أيَّ باطلٍ كانوا يعملون)).
ء
والثالث: أن يكون (باطلًا)) بمعنى المصدر على بَطَل بُطْلاناً ما كانوا يعملون،
ذكر هذين الوجهين الزمخشري(١)، ومعنى قوله ((ما)» إبهامية أنها هنا صفةٌ
للنكرة قبلها، ولذلك قَدَّرها بـ ((باطلاً أيَّ باطل)) فهو كقوله(٢):
وحديثٌ ما على قِصَرِهْ
٢٦٤٣-
و (لأمرٍ ما جَدَعَ قصيرٌ أَنْفَه))(٣)، وقد قدَّم هو ذلك في قوله تعالى: ((مثلاً
ما بعوضةً»(٤).
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كان﴾ فيه وجهان،
أحدهما: أنه مبتدأ والخبرُ محذوفٌ، تقديره: أَفَمَنْ كان
على هذه الأشياء كغيره، كذا قدَّره أبو البقاء(٥)، وأحسنُ منه ((أَفَمَنْ
كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها)»، وحَذْفُ المعادلِ الذي دخلت عليه
الهمزةُ كثيرٌ نحو: ((أفمن زُيِّن له سُوءُ عمله))(٦) ((أم مَنْ هو قانتٌ))(٧) إلى غير
ذلك. وهذا الاستفهام بمعنى التقرير. الثاني : - وإليه نحا الزمخشري(٨) -
أن هذا معطوفٌ على شيءٍ محذوفٍ قبله، تقديره: أمَّن كان يريد الحياة الدنيا
وزينتها كمَنْ كان على بَيِّنَة، أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد
أنَّ بين الفريقين تفاوتاً، والمرادُ مَنْ آمَن مِن اليهود كعبداللّه بن سلام، وهذا
(١) الكشاف: ٢٦٢/٢.
(٢) تقدم برقم ٣٠٤.
(٣) مجمع الأمثال: ١٩٦/٢.
(٤) الآية ٢٦ من سورة البقرة.
(٥) الإملاء: ٣٦/٢.
(٦) الآية ٨ من سورة فاطر ((أفمن زُيِّن له سوء عمله فرآه حسناً فإن اللّه يضل من يشاء)).
(٧) الآية ٩ من سورة الزمر.
(٨) الكشاف: ٢٦٢/٢.
٢٩٩
ــ هود -
على قاعدتِه مِنْ تقديره معطوفاً بين همزة الاستفهام وحرفِ العطف، وهو مبتدأ
أيضاً، والخبرُ محذوفٌ كما تقدَّم تقریرُه.
قوله: ((ويتلوه)) اختلفوا في هذه الضمائر، أعني في «يتلوه)»، وفي
[٤٨٣ ب] ((منه)، وفي ((قبله)): فقيل: الهاء في ((يتلوه)) تعود / على ((مَنْ))، والمرادُ به
النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم وكذلك الضميران في ((منه)) و((قبله)) والمرادُ
بالشاهد لسانُه عليه السلام، والتقدير: ويتلو ذلك الذي على بيّنة، أي: ويتلو
محمداً - أي صِدْقَ محمدٍ - لسانُه، ومِنْ قبلِه، أي: قبل محمد. وقيل:
الشاهدُ هو جبريلُ، والضمير في ((منه)) للَّه تعالى، و((من قبله)) للنبي. وقيل:
الشاهدُ الإِنجيلُ و((كتاب موسى)» عطف على ((شاهد)»، والمعنى أن التوراة
والإِنجيل يتلوان محمداً في التصديق، وقد فَصَلَ بين حرفِ العطف
والمعطوف بقوله: ((من قبله))، والتقدير: شاهدٌ منه، وكتاب موسى من قبله،
وقد تقدَّم الكلامُ على الفصل بين حرف العطفِ والمعطوفِ مُشْبعاً في النساء.
وقيل: الضمير في ((يتلوه)) للقرآن وفي ((منه)) لمحمد عليه السلام.
وقيل: لجبريل، والتقدير: ويتلو القرآنَ شاهدٌ من محمدٍ وهو لسانُه، أو مِن
جبريلَ. والهاءُ في ((من قبلِه)) أيضاً للقرآن. وقيل: الهاءُ في ((يُتْلوه)» تعود على
البيان المدلول عليه بالبيِّنة. وقيل: المرادُ بالشاهدِ إعجاز القرآن، فالضمائر.
الثلاثة للقرآن. وهذا كافٍ، ووراء ذلك أقوالٌ مضطربةٌ غالبُها يَرْجِع
لما ذكرْتُ.
وقرأ(١) محمد بن السائب الكلبي (٢) ((كتابَ موسى)) بالتصب وفيه
(١) الشواذ ٥٩؛ القرطبي: ١٧/٩؛ البحر: ٢١٠/٥.
(٢) محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي، أبو النضر، نسَّابة راوية مفسّر للقرآن،
وهو ضعيف الحديث. انظر: الوافي بالوفيات: ٨٣/٣، تهذيب التهذيب: ١٧٨/٩؛
الأعلام: ١٣٣/٦
٣٠٠