Indexed OCR Text
Pages 261-280
- يونس - والثاني بدأ به الزمخشري (١)، والثالث قول الكسائي والفراء(٢)، وأنشدا قولَ الشاعر(٣): ٢٦٢٥- فلا يَنْبَسِطْ من بين عينِك ما انْزَوَى ولا تَلْقَني إلا وأنفُكَ راغِمُ وعلى القول بأنه معطوفٌ على ((لَيَضِلُّوا)) يكون ما بينهما اعتراضاً. آ. (٨٩) قوله تعالى: ﴿أُجِيْبَتْ دعوتُكما﴾: الضمير لموسى وهرون، وفي التفسير: كان موسى يدعو وهرون يُؤْمِّن، فنسب الدعاء إليهما. وقال بعضُهم: المرادُ موسى وحدَه، ولكن كنى عن الواحد بضمير الاثنين. وقرأ(٤) السلميُّ والضحاك ((دَعَواتكما)) على / الجمع. وقرأ ابن السَّمَيْفَع ((قد أَجَبْتُ [٤٧٧/ب] دعوتكما)) بتاء المتكلم وهو الباري تعالى، و((دعوتكما)) نصب على المفعول به. وقرأ الربيع ((أَجَبْتُ دَعْوَتَيْكما)) بتاء المتكلم أيضاً. ودَعْوَتَيْكما تثنيةٌ، وهي تدُّ لمن قال: إن هرون شارك موسى في الدعاء. قوله: ((ولا تَتَّبِعانٌ)) قرأ العامة بتشديد التاء والنون، وقرأ حفص(٥) بتخفيف النونِ مكسورةً مع تشديد التاء وتخفيفها، وللقُرَّاء في ذلك كلامٌ مضطربٌ بالنسبة للنقل عنه. فأمّا قراءةُ العامَّة فـ((لا)) فيها للنهي ولذلك أَكَّد الفعلَ بعدها، ويَضْعُف أن تكونَ نافيةً لأنَّ تأكيدَ المنفيِّ ضعيفٌ، ولا ضرورةً (١) الكشاف ٢/ ٢٥٠. (٢) وهو القول بأنّ ((يؤمنوا)) مجزوم بـ((لا))التي للدعاء، ولم ينشد الفراء في معاني القرآن ٤٧٧/١ البيت. (٣) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ٧٩؛ والمحرر ٨٥/٩؛ والبحر ١٨٧/٥. زوى: جمع بین عينيه . (٤) القرطبي ٣٧٦/٨. (٥) كذا في الأصل، ولم أجده عنه، ولعله سهو والصواب ابن عامر، وقد اختلف النقل عنه بالروايات التالية: تَتْبَعانٌّ، تُتِبِعانٌ، تَتِِّعانٍ، تَتْبَعانْ. ٢٦١ - يونس - بنا إلى ادِّعائه، وإن كان بعضُهم قد ادَّعى ذلك في قوله: ((لا تُصِيبَنَّ الذين ظلموا))(١) لضرورةٍ دَعَتْ إلى ذلك هناك، وقد تقدَّم تحريرُه ودليلُه في موضعه، وعلى الصحيح تكون هذه جملةَ نهيٍ معطوفةً على جملة أمر. وأمَّا قراءة حفض (٢) فـ((لا)) تحتمل أن تكون للنفي وأن تكونَ للنهي. فإن كانت للنفي كانت النونُ نونَ رفعٍ ، والجملةُ حينئذٍ فيها أوجه، أحدُها: أنها في موضع الحال أي: فاستقيما غيرَ مُتَّبِعَيْنِ، إلا أنَّ هذا معترَض بما قَدَّمْتُه غيرَ مرة مِنْ أَنَّ المضارع المنفي بـ((لا)) كالمثبت في كونه لا تباشره واوُ الحال، إلا أنْ يُقَدَّر قبلَه مبتدأ فتكونَ الجملةُ اسميةً أي: وأنتما لا تَتَبعان. والثاني: أنه نفيٌ في معنى النهي كقوله تعالى: ((لا تعبدون إلا الله))(٣). الثالث: أنه خبرُ محضٌ مستأنف لا تَعَلُّقَ له بما قبله، والمعنى: أنهما أُخْبِرا بأنهما لا يتّبعانِ سبيل الذين لا يعلمون، وإن كانت للنهي كانت النونُ للتوكيد، وهي الخفيفة، وهذا لا يَراه سيبويه (٤) والكسائي، أعني وقوعَ النونِ الخفيفة بعد الألف، سواءً كانت الألفُ ألفَ تثنية أو ألفَ فصلٍ بين نونٍ الإِناث ونونِ التوكيد نحو: ((هل تَضْرِبْنان يا نسوة)). وقد أجاز يونس والفراء وقوعَ الخفيفةِ بعد الألف وعلى قولِهما تتخرَّج القراءةُ. وقيل: أصلُها التشديد وإنما خُفُّفت للثقل فيها كقولهم: (رُبَ)) في (رُبَّ)). وأمّا تشديدُ التاء وتخفيفُها فلغتان مِن اتَّبع يَتَبع وتَبع يَتْبَع، وقد تقدم هل هما بمعنى واحد أو مختلفان في المعنى؟ وملخصُه أنَّ تَبِعه بشيءٍ: خَلَفه، واتَّبَعَه كذلك، إلا أنه حاذاه في المَشْي، وأَتْبعه: لحقه. (١) الآية ٢٥ من سورة الأنفال. (٢) الصواب: ابن عامر. (٣) ((وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)). الآية ٨٣ من سورة البقرة. (٤) الكتاب ١٥٤/٢. قال: ((ولم تكن الخفيفة - مع ألف الاثنين - لأنها ساكنة ليست مدغمة فلا تثبت مع الألف ولا يجوز حذف الألف، فيلتبس بالواحد)». ٢٦٢ - يونس - آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿وجاوَزْنا ببني﴾: قد تقدَّم الكلام فيه (١). وقرأ الحسن (٢) ((وجَوَّزْنا)) بتشديد الواو، قال الزمخشري(٣): ((وجَوَّزْنا: مِنْ أجاز المكان وجاوَزَه وجَوَّزه، وليس مِنْ جَوَّز الذي في بيت الأعشى(٤): ٢٦٢٦- وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلة أَخَذْتَ من الأخرى إليك حبالَها لأنه لو كان منه لكان حَقُّه أن يقال: وجَوَّزْنا بني إسرائيل في البحر كما قال(٥): كما جَوَّزِ السَّكَّيَّ في البابِ فَيْتَقُ ٢٦٢٧- يعني أن فَعَّل بمعنى فاعَلَ وَأَفْعَل، وليس التضعيفُ للتعدية، إذ لو كان كذلك لتعدَّى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء. وقرأ الحسن(٦) ((فَاتَّبَعَهُمْ)) بالتشديد، وقد تقدم الفرق. قوله: ((بَغْياً وعَدْواً)) يجوز أن يكونا مفعولين مِنْ أجلهما أي: لأجلِ الَغْيِ والعَدْوِ، وشروطُ النصب متوفرةٌ، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي: باغين متعدِّين. وقرأ (٧) الحسن ((وعُدُوًّا)) بضم العين والدال المشددة، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأنعام(٨). (١) انظر إعرابه للآية ١٣٨ من سورة الأعراف. (٢) البحر ١٨٨/٥؛ الإتحاف ٢٥٤ . (٣) الكشاف ٢٥١/٢. (٤) تقدم برقم ١٣٧١ . (٥) صدره: ولا بُدَّ مِنْ جارٍ يحِيزُ سبيلَها وهو للأعشى في ديوانه ٢٢٣؛ واللسان فتق. والسكي: المسمار، الفيتق: النجّار. (٦) البحر ١٨٨/٥؛ الإتحاف ٢٥٤ . (٧) البحر ١٨٨/٥؛ القرطبي ٣٧٧/٨. (٨) الآية ١٠٨. ٢٦٣ - يونس - قوله: ((حتى إذا)) غايةٌ لاتُباعه. قوله: ((آمَنْتُ أنه)) قرأ(١) الأخَوان بكسرإنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعها ابتداء كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله: ((آمنت))، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة بـ ((قال)) هذا الظاهر. والرابع: أن (آمنتُ)) ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري(٢): ((كَرَّر المخذولُ(٣) المعنى الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول)) يعني أنه قال: (آمنتُ))، فهذه مرة، وقال: ((إنه لا إله إلا الذي آمَنَتْ به بنو إسرائيل)» فهذه ثانيةً، وقال: ((وأنا من المُسْلِمين» فهذه ثالثةً، والمعنى واحد)) وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في ((إنه)). وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجه أيضاً، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني: أنها في مُوضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ، وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف. آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿الآن﴾: منصوبٌ بمحذوفٍ أي: آمَنْتَ [٤٧٨/أ] الآن، أو / أتؤمن الآن. وقوله: ((وقد عَصَيْتَ)) جملةٌ حالية، وقد تقدَّم نظيرُ ذلك قريباً. قوله: ((ببدنك)) فيه وجهان، أحدهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحباً: لبدنك وهي الدِّرْع، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه، وكانت له بِرْعٌ تُعْرَفُ (١) الأخوان حمزة والكسائي، انظر: السبعة ٣٣٠؛ التيسير ١٢٣؛ البحر ١٨٨/٥؛ الحجة لأبي زرعة ٣٣٦. (٢) الكشاف ٢٥١/٢ . (٣) أي فرعون. ٢٦٤ - يونس - فَأُلقي بنَجْوة(١) من الأرض وعليه دِرْعُه ليعرفوه، والعربُ تطلِقُ البدنَ على الدرع، قال عمرو بن معد يكرب(٢): ٢٦٢٨- أعاذِلُ شِكتي بدني وسيفي وقال آخر (٣): وكلُّ مُقْلَّصٍ سَلِسِ القِيادِ على الأبطالِ والّيلَبَ الحصينا ٢٦٢٩ - ترى الأبدانَ فيها مُسْبَغَاتٍ وقيل: ببدنك أي عُرْيانَ لا شيءَ عليه، وقيل: بدناً بلا روح. والثاني : أن تكونَ سببيةً على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنه سبب في تنجيته، وذلك على قراءة ابن مسعود(٤) وابن السَّمَيْفَع ((بندائك)) من النداء وهو الدعاء أي: بما نادَى به في قومه من كفرانه في قوله: ((ونادَى فرعون في قومِهِ))(٥) ((فحشر فنادى، فقال: أنا ربُّكم الأعلى))(٦) ((يا أيُّها الملأَّ ما عَلِمْتُ لكم مِنْ إِلٍ غيري)»(٧). وقرأ (٨) يعقوب ((نُنْجِيْك)) مخففاً مِنْ أنجاه. وقرأ أبو حنيفة(٩) ((بأبدانك)) جمعاً: إمَّا على إرادة الأدْراع لأنه كان يلبس كثيراً منها خوفاً على نفسِه، أو جعل (١) النجوة: المرتفع من الأرض. (٢) الكشاف ٢٥٢/٢؛ البحر ١٨٩/٥. الشكة: ما يلبس من السلاح، والمقلص: الفرس طويل القوائم منضم البطن. (٣) البيت لكعب بن مالك وهو في القرطبي ٣٨٠/٨؛ والبحر ١٨٩/٥؛ واليلب: ج يَلَبة وهي الدروع اليمانية. (٤) القرطبي ٣٧٩/٨؛ البحر ١٨٩/٥. (٥) الآية ٥١ من سورة الزخرف. (٦) الآية ٢٣ - ٢٤ من سورة النازعات. (٧) الآية ٣٨ من سورة القصص. (٨) النشر ٢٥٩/٢؛ البحر ١٨٩/٥؛ الإتحاف ٢٥٤. (٩) البحر ١٨٩/٥؛ الكشاف ٢٥٢/٢. ٢٦٥ - يونس - كلَّ جزء مِنْ بدنه بدناً كقوله: ((شابت مَفارِقُه)) قال(١): شابَ المَفَارِقُ واكتَسَيْنَ فَتِيْرا ٢٦٣٠- وقرأ(٢) ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع ويزيد البربري (٣) ((نُنَحِّيْكَ)) بالحاء المهملةٍ من التّنْحِيَة أي: نُلْقيك بناحيةٍ فيما يلي البحر، وفي التفسير: أنَّه رماه إلى ساحل البحر كالثور. وهل ننجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعدك ممَّا وقع فيه قومُك مِنْ قعر البحر وهوتهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نَجْوة أي: رَبْوة مرتفعة، أو مِن النجاة وهو التَّرْكُ أو من النجاء وهو العلامة (٤)، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصة. والظاهر أن قوله: ((فاليوم نُنَجِّيك)) خبرٌ محض. وزعم بعضهم أنه على نية همزةِ الاستفهام وفيه بُعْدٌ لحَذْفِها من غيرِ دليل، ولأنَّ التعليلَ بقولِه ((لتكونَ)) لا يناسب الاستفهام. و ((لتكون)) متعلَّقٌ بـ (نُنَجِّيك)) و((آية)) أي: علامة، و((لَمَنْ خلفك)) في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ («آية)) لأنه في الأصلِ صفةٌ لها. آ. (٩٣) وقوله تعالى: ﴿مُبَوَّأْ صِدْقٍ﴾: يجوز أن يكونَ منصوباً على المصدر تقديرُه: بَوَّأْناهم مُبَوَّأْ صِدْقٍ، وأن يكونَ مكاناً أي: مكان تبوُّء صدق. وقرىء(٥) (لَمَنْ خَلَفَك)) بفتح اللام جعله فعلاً ماضياً، والمعنى: لمَنْ خَلَفَكَ (١) البيت لجرير وصدره: قال العواذِلُ ما لجهلِكَ بعدما وهو في ديوانه ٢٧٩؛ والكتاب ١٣٨/٢. والمفرق بفتح الراء وكسرها وسط الرأس وهو الذي يُفْرَق فيه الشعر، قال في اللسان («فرق)»: «وقولهم للمفرِق مفارق كأنهم جعلوا كل موضع منه مَفْرِقاً فجمعوه على ذلك)) والقتير: أول ما يظهر من الشيب. (٢) الكشاف ٢٥٢/٢؛ البحر ١٨٩/٥. (٣) لم أهتد إلى ترجمته. (٤) لم أقف في معاجم اللغة على النجاء بمعنى العلامة. (٥) ذكرها البحر ١٨٩/٥، من دون نسبة. ٢٦٦ - يونس - من الجبابرة ليتَّعِظوا بذلك. وقرىء(١) (لمَنْ خَلَقَك)) بالقاف فعلاً ماضياً وهو الله تعالى أي: ليجعلك الله آيةً في عباده. ويجوز أن ينتصب (مُبَوّأ)) على أنه مفعولٌ ثانٍ كقولِه تعالى: ((لنُبَوِّنَّهم من الجنة غُرَفً» أي: لَنْزِلِنَّهُمْ. آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿فإِنْ كنتَ﴾: في ((إنْ)) هذه وجهان، الظاهر منهما: أنها شرطيةً، ثم استشكلوا على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكنْ في شك قط. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت كيف قال الرسوله : (فإن كنتَ في شك)) مع قوله للكفرة: ((وإنهم لفي شكٍ منه مُريب))(٣)؟ قلت: فرقٌ عظيم بين إثباته الشكَّ لهم على سبيل التوكيد والتحقيق، وبين قوله: ((فإن كنت)) بمعنى الفَرَض والتمثيل)). وقال الشيخ (٤): ((وإذا كانت شرطيةٌ فقالوا: إنها تدخُل على الممكنِ وجودُه أو المحقّقِ وجودُه المبهمِ زمنُ وقوعِه كقوله تعالى: ((أفإِن مِتَّ فهم الخالدون))(٥). قال: ((والذي أقولُه إنَّ ((إنْ)) الشرطيةَ تقتضي تعليق شيءٍ على شيء، ولا تستلزمُ تحتَّمَ وقوعِه ولا إمكانَه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً كقولِه تعالى: ((إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أول العابدين))(٦)، ومستحيلٌ أن يكون له ولدٌ فكذلك [هذا](٧)، مستحيلٌ أن يكون في شك، وفي المستحيل عادةً كقوله تعالى: ((فإن استطعتَ أن تبتغي نَفَقّاً في الأرض))(٨) لكنَّ وقوعَها في تعليق المستحيل قليلٌ)). ثم قال: ((ولمَّا خَفِي هذا (١) نسبها القرطبي ٣٨١/٨، إلى علي بن أبي طالب. وانظر: البحر ١٨٩/٥. (٢) الكشاف ٢٥٢/٢. (٣) الآية ١١٠ من سورة هود. (٤) البحر ١٩١/٥. (٥) الآية ٣٤ من سورة الأنبياء. (٦) الآية ٨١ من سورة الزخرف. (٧) زيادة من البحر. (٨) الآية ٣٥ من سورة الأنعام. ٢٦٧ ش يونس - الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية، فقال ابن عطية (١): ((الصواب أنها مخاطبةٌ، والمرادُ مَنْ سواه مِنْ أمته ممَّن يمكن أن يَشُكَّ أو يعارض)». وقيل: كنى بالشك عن الضيق. وقيل: كنى به عن العجب، ووجه المجازِ فيه أن كلاً منهما فيه تَرَدُّد، وقال الكسائي: إنْ كنت في شك أنَّ هذا عادتُهم مع الأنبياء فَسَلْهُمْ كيف كان صبر موسى عليه السلام؟ الوجه الثاني مِنْ وجهي ((إنْ)) أنها نافية. قال الزمخشري(٢): ((أي: فما كنت في شك فاسأل، يعني لا نأمرك بالسؤال لكونك شاكّاً ولكن لتزداد يقيناً كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى. وهذا القولُ سبقه إليه الحسنُ البصري والحسين بن الفضل وكأنه فرارٌ من الإِشكال المتقدِّم في جَعْلها شرطيةً، وقد تقدَّم جوابُه مِنْ وجوهٍ. وقرأ(٣) يحيى وإبراهيم: ((يَقْرؤون الكتب)) بالجمع، وهي مبينة أن المرادَ بالكتاب الجنسُ لا كتابٌ واحد. آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿فلولا﴾: «لولا)» هنا تحضيضية وفيها معنى التوبيخ، كقول الفرزدق (٤). ٢٦٣١ - تَعُدُّون عِقْر النيبِ أَفضلَ مَجْدِكُمْ. بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المقنّعًا وفي مصحف(٥) أُبَي وعبدالله - وقرأ كذلك ـــ ((فهلاً)) وهي نصٌّ في التحضيض. و((كانت)) هنا تامة، و((آمَنَتْ)) صفة لقرية، و((فَنَفَعَها)) نسقُ على الصفة . (١) المحرر ٩١/٩. (٢) الكشاف ٢٥٣/٢. (٣) الكشاف ٢٥٣/٢؛ البحر ١٩١/٥. (٤) تقدم برقم ٧٠٢. (٥) القرطبي ٣٨٣/٨؛ الكشاف ٢٥٤/٢؛ البحر ١٩٢/٥. ٢٦٨ - يونس - قوله: ((إلا قومَ)) فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناء منقطعٌ وإليه ذهبَ سيبويه(١) والكسائي والأخفش(٢) / والفراء(٣)، ولذلك أدخله سيبويه في باب [٤٧٨/ب] ما لا يكون فيه إلا النصبُ لانقطاعِه، وإنما كان منقطعاً؛ لأن ما بعد ((إلا)) لا يندرج تحت لفظ ((قرية». والثاني: أنه متصل. قال الزمخشري(٤): ((استثناءً من القرى لأن المرادَ أهاليها(٥)، ويجوز أن يكونَ متصلاً، والجملةُ في معنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكة إلا قوم يونس)). وقال ابن عطية(٦): ((هو بحسب اللفظ استثناءً منقطع، وكذلك رسمه النحويون، وهو بحسب المعنى متصلٌ لأن تقديره: ما آمنَ أهل قريةٍ إلا قومَ يونس)). قلت: وتقديرُ هذا المضافِ هو الذي صَحَّح كونَه استثناء متصلًاً، وكذلك قال أبو البقاء(٧) ومكي (٨) وابن عطية وغيرهُم. وأمَّا الزمخشري فإن ظاهرَ عبارتِه أنَّ المصحِّحَ لكونه متصلاً كونُ الكلام في معنى النفي، وليس كذلك بل المسوِّغ كونُ القرى يراد بها أهاليها من بابِ إطلاق المحلِّ على الحالِّ، وهو أحد الأوجهِ المذكورة في قوله: ((اسأل القرية))(٩). وقرأت (١٠) فرقة: ((إلا قومُ)) بالرفع. قال الزمخشري (١١) «وقُریء بالرفعِ (١) الكتاب ٣٦٦/١. (٢) لم يشر إلى ذلك في ((معاني القرآن)). (٣) معاني القرآن ٤٧٩/١. (٤) الكشاف ٢/ ٢٥٤. (٥) وقال بعد (أهاليها)): ((وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن)). (٦) المحرر ٩٤/٩. (٧) الإِملاء ٣٣/٢، وقد نقل الوجهين. (٨) المشكل ٣٩٢/١، وقد نقل الوجهين. (٩) الآية ٨٢ من سورة يوسف . (١٠) ذكرها في البحر ١٩٢/٥؛ والكشاف ٢٥٤/٢، من دون نسبة. (١١) الكشاف ٢٥٤/٢. ٢٦٩ - يونس - على البدل، رُوي(١) ذلك عن الجرميّ والكسائي. وقال المهدوي: ((والرفعُ على البدل من ((قرية)). فظاهر هاتين العبارتين أنها قراءةٌ منقولةٌ، وظاهرُ قول مكي وأبي البقاء أنها ليسَتْ قراءة، وإنما ذلك من الجائز، وجعلا الرفعَ على وجهٍ آخرَ غيرِ البدل وهو كونُ ((إلا)) بمعنى: ((غير)) في وقوعها صفةً. قال مكي (٢): ((ويجوزُ الرفعُ على أن تُجْعل (إلا)) بمعنى ((غير)) صفةً للأهل : المحذوفين في المعنى ثم يُعْرَبَ ما بعد (إلا)» بإعراب ((غير» لو ظهَرَتْ في موضع ((إلا)). وقال أبو البقاء(٣) : - وأظنه أخذه منه - ((ولو كان قد قُرىء بالرفع لكانت ((إلا)) فيه بمنزلة ((غير)) فتكون صفة)). وقد تقدم أن في نون يونس (٤) ثلاث قراءات قُرىء بها. آ. (٩٩) قوله تعالى: ﴿أفأنت تُكْرِه﴾: يجوز في ((أنت)» وجهان أحدهما: أن يرتفعَ بِفعلٍ مقدرٍ مفسَّرِ بالظاهر بعده وهو الأرجح؛ لأن الاسمَ قد ولي أداةً هي بالفعل أولى. والثاني: أنه مبتدأ والجملة بعده خبرُه، وقد عُرِف ما في ذلك من كون الهمزة مقدمةً على العاطف أو ثَمَّ جملةٌ محذوفة كما هو رأي الزمخشري (٥). وفائدة (٦) إيلاءِ الاسمِ للاستفهام إعلامُ بأن الإكراه ممكنٌ مقدورٌ عليه، وإنما الشأنُ في المُكْرِهِ مَنْ هو؟ وما هو إلا هو وحده لا يشاركه فيه غيرُه. و ((حتى)) غايةٌ للإِكراه. آ. (١٠٠) وقوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تؤمِنَ﴾: كقوله: ((أن (١) قوله: ((روي)) غير واضح في الأصل. (٢) المشكل ٣٩٢/١. (٣) الإملاء ٣٣/٢. (٤) انظر: إعرابه للآية ١٦٣ من سورة النساء. والآية ٨٦ من سورة الأنعام. وانظر: البحر ١٩٢/٥. : (٥) لم يشر الزمخشري في هذا الموضع إلى مذهبه. (٦) انظر: الكشاف ٢٥٤/٢. ٢٧٠ ـ يـونس - تموتَ)) وقد تقدَّم ذلك في آل عمران(١). قوله: ((ويجعل)) قرأ أبوبكر عن عاصم(٢) بنون العظمة. والباقون بياء الغيبة وهو الله تعالى. وقرأ الأعمش(٣) فصرَّح به ((ويجعل اللَّهُ الرِّجْزَ)) بالزاي دون السين، وقد تقدَّم هل هما بمعنى أو بينهما فرقٌ (٤)؟ آ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿ماذا في السمواتِ﴾: يجوز أن يكون (ماذا)) كله استفهاماً مبتدأ، و((في السموات)) خبرُه أي: أيُّ شيءٍ في السموات؟ ويجوزُ أن تكونَ ((ما)) مبتدأً و((ذا)) بمعنى الذي، و«في السموات)» صلتُه وهو خبرُ المبتدأ، وعلى التقديرين فالمبتدأ وخبرُه في محلٌّ نصبٍ بإسقاط الخافضِ ؛ لأن الفعلَ قبله مُعَلَّقٌ بالاستفهام، ويجوزُ على ضَعْفٍ أن يكونَ ((ماذا)» كله موصولاً بمعنى الذي وهو في محل نصب بـ «انظروا)». ووجهُ ضعفِه أنه لا يخلو: إمَّا أن يكونَ النظر بمعنى البصر فيُعدَّى بـ ((إلى))، وإمَّا أن يكونَ قلبيّاً فيعدَّى بـ ((في)) وقد تقدَّم الكلام في ((ماذا)). قوله: ((وما تُغْني))، يجوز في ((ما)) أن تكون استفهامية، وهي واقعةٌ موقعَ المصدر أي: أيَّ غَناءٍ تُغْنِي الآيات؟ ويجوز أن تكونَ نافيةً، وهذا هو الظاهر. وقال ابن عطية (٥): ويحتمل أن تكونَ ((ما)) في قوله: ((وما تغني)) مفعولةً بقوله: ((انظروا))، معطوفةً على قوله: ((ماذا)) أي: تأمُّلوا قَدْر غَناء الآيات والنُّذُر عن الكفار)). قال الشيخ(٦): ((وفيه ضعفٌ، وفي قوله: ((معطوفة على ((ماذا)) تجوُّزٌ، يعني أن الجملة الاستفهامية التي هي ((ماذا في السموات)» في موضع (١) الآية ١٤ من سورة آل عمران. (٢) السبعة ٣٣٠؛ التيسير ١٢٣؛ الإتحاف ٢٥٤؛ البحر ١٩٣/٥. (٣) البحر ١٩٣/٥؛ الكشاف ٢٥٥/٢. (٤) انظر: إعرابه للآية ١٢٥ من سورة الأنعام؛ الآية ١٣٤ من سورة الأعراف. (٥) المحرر ٩٧/٩. (٦) البحر ١٩٤/٥. ٢٧١ - يونس - المفعول، إلا (١) أن ((ماذا)) وحده منصوب بـ ((انظروا)) فتكون ((ماذا)) موصولةً، و((انظروا)) بصرية لما تقدم)) يعني لما تقدم مِنْ أنه لو كانت بصرية لتعدَّتْ بـ ((إلى)). و ((النُّذُرُ)) يجوز أن يكونَ جمعَ نذير، المراد به المصدر فيكونَ التقدير: وما تُغْني الآيات والإِنذارات، وأن يكونَ جمعَ ((نذير)» مراداً به اسمَ الفاعل بمعنى مُنْذِر فيكون التقدير: والمنذرون وهم الرسل. آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿ثم نُنَجِّ﴾: قال الزمخشري(٢): (هو معطوفٌ على كلامٍ محذوف يدلُّ عليه ((إلا مثلَ أيامِ الذين خَلَوا من قبلهم)) كأنه قيل: نُهْلك الأمم ثم ننجِّ رسلَنا، معطوفٌ على حكايةِ الأحوال الماضية . قوله: ((كذلك)) في هذه الكاف وجهان، أظهرهُما: أنه في محلِّ نصب تقديرُه: مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نَجَّينا الرسلَ ومؤمنيهم ننجي مَنْ آمن بك [١/٤٧٩] يا محمد. والثاني: أنها في / محل رفع على خبر ابتداء مضمر، وقدَّره ابن عطية (٣) وأبو البقاء(٤) بقولك: الأمر كذلك. قوله: ((حقاً» فيه أوجه، أحدها: أن يكون منصوباً بفعل مقدر أي: حَقِّ ذلك حقاً. والثاني: أن يكون بدلاً من المحذوف النائب عنه الكافُ تقديره: إنجاءً مثل ذلك حقاً. والثالث: أن يكونَ ((كذلك)) و((حقاً)) منصوبين بـ «نْجٍ))(٥) الذي بعدهما. والرابع: أن يكونَ ((كذلك)) منصوباً بـ ((نُنَجِّي)) (١) عبارة البحر: ((لأنَّ ماذَا)). (٢) الكشاف ٢٥٥/٢. (٣) المحرر ٩٨/٩، ولم يزد في تقديره على قوله: ((يصح أن تكون في موضع رفع)). (٤) الإملاء ٣٤/٢. (٥) التزمنا هنا بالرسم العثماني. ٢٧٢ - بونس - الأولى، و((حقاً) بـ ((نْج)) الثانية. وقال الزمخشري(١): ((مثلَ ذلك الإِنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين، و((حَقّاً علينا)) اعتراض، يعني حَقّ ذلك علينا حقاً)) . وقرأ الكسائي(٢) وحفص ((نُنْجي المؤمنين)) مخففاً مِنْ أَنْجى يقال: أَنْجِى ونجَّى كَأَبْدَلَ وبَدَّل، وجمهورُ القراء لم ينقلوا الخلافَ إلا في هذا دون قوله: ((فاليومَ نُنَجِّيك ببدنك))(٣) ودونَ قوله: (ثم ننجِّي رُسَلَنا)). وقد نقل أبو علي (٤) الأهوازي الخلافَ فيهما أيضاً، ورُسِم في المصاحف (نْجِ)) بجیمٍ دون ياء. آ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿فلا أعبد﴾: جواب الشرط، والفعل خبر ابتداء مضمر تقديره: فأنا لا أعبد، ولو وقع المضارعُ منفياً بـ ((لا)) دون فاء لَجُزِمَ، ولكنه مع الفاءِ يُرْفَع على ما ذكرت لك، وكذا لولم يُنْفَ بـ((لا)» كقوله تعالى: ((ومَنْ عاد فينتقمُ الله منه)»(٥). أي: فهو ينتقم. قوله: ((وأُمِرْتُ أن أكونَ))، قال الزمخشري(٦): ((أصله بأن أكونَ، فحُذِفَ الجارُّ، وهذا الحذفُ يحتمل أن يكونَ مِنَ الحذف المطَّرد الذي هو حَذْفُ الحروفِ الجارَّةِ مع أَنْ [وأنَّ] (٧)، وأن يكونَ مِن الحذفِ غيرِ المطرد وهو قوله(٨): ٢٦٣٢ - أَمَرْتُكَ الخير (١) الكشاف ٢٥٥/٢. (٢) السبعة ٣٣٠؛ الحجة لأبي زرعة ٣٣٧؛ التيسير ١٢٣؛ البحر ١٩٥/٥. (٣) الآية ٩٢ من سورة يونس. (٤) الحسن بن علي، ثقة، مقرىء دمشق، قرأ على العنبري، توفي سنة ٤٤٦. انظر: طبقات القراء ٢٢٠/١. (٥) الآية ٩٥ من سورة المائدة. (٦) الكشاف ٢٥٥/٢ . (٧) زيادة من الكشاف. (٨) تقدم برقم ٢٢١. ٢٧٣ - يونس - (فاصدَعْ بما تؤمّرْ))(١). قلت: يعني بغيرِ المطَّد أنَّ حذفَ حرف الجر مسموعٌ في أفعالٍ لا يجوز القياسُ عليها وهي: أمر واستغفر، وقد ذكرتُها فيما تقدَّم، وأشار بقوله: ((أمرتك)) إلى البيت المشهور: أَمَرْتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به وقد قاس ذلك بعضُ النحويين، ولكن يُشترط أن يتعيّن ذلك الحرف ويتعيَّن موضعُه أيضاً، وهورأي علي بن سليمان(٢) فُيُجيز «بريتُ القلمَ السكين)) بخلاف ((صَكَكْت الحجر بالخشبة)». آ. (١٠٥) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾: يجوزُ أن يكونَ على إضمار : فعل أي: وأُوحي إليَّ أَنْ أقم. ثم لك في ((أنْ)) وجهان، أحدهما: أن تكونَ تفسيريةً لتلك الجملةِ المقدرة، كذا قاله الشيخ (٣) وفيه نظرٌ، إذا المفسَّرُ لا يجوز حَذْفُه، وقد رَدَّ هوبذلك في موضعٍ غير هذا. والثاني: أن تكونَ المصدرية فتكون هي وما في حَيِّزها في محل رفع بذلك الفعل المقدر. ويحتمل أن تكون ((أن)) مصدريةً فقط، وهي على هذا معمولةٌ لقوله: ((أمرْتُ)) مراعى فيها معنى الكلام، لأنَّ قوله: ((أن أكون)) كونٌ من أكوان المؤمنين، ووصْلُ ((أَنْ)) بصيغة الأمرِ جائزٌ، وقد تقدم تحریر ذلك. : وقال الزمخشري (٤): ((فإن قلت: عَطْفُ قولِه: ((وأَنْ أقم)) على ((أن أكونَ)» فيه إشكالٌ؛ لأن ((أنْ)) لا تخلو: إمَّا أَنْ تكونَ التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعل في تأويل المصدر، فلا يَصِحُّ أن تكونَ التي للعبارة وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّن معنى القول؛ لأن عطفَها على الموصولة يأبى ذلك، والقولُ بكونها موصولةً مثلَ الأولى لا يساعدُ عليه لفظُ الأمر وهو «أَقِمْ))؛ لأنَّ الصلة (١) الآية ٩٤ من سورة الحجر. (٣) البحر ١٩٦/٥. (٢) وهو الأخفش الصغير وتقدَّمت ترجمته. (٤) الكشاف ٢٥٥/٢. ٢٧٤ - يونس - حقُّها أن تكونَ جملةً تحتمل الصدق والكذب. قلت: قد سَوَّغ سيبويه(١) أن توصلَ ((أنْ)) بالأمر والنهي، وشَبَّهَ ذلك بقولهم: ((أنت الذي تفعل)) على الخطابِ لأن الغرضَ وَصْلُها بما تكونُ معه في تأويل المصدر، والأمرُ والنهيُ دالأن على المصدر دلالةَ غيرهما من الأفعال)). قلت: قد قدَّمْتُ الإِشكال في ذلك وهو أنه إذا قُدِّرَتْ بالمصدرِ فاتت الدلالةُ على الأمر والنهي. ورجِّح الشيخُ كونَها مصدريةً على إضمار فعل(٢) كما تقدم تقريره قال: (ليزولَ قَلَقُ العطفِ لوجود الكاف، إذ لو كان ((وأنْ أَقِمْ)) عطفاً على ((أن أكون)) لكان التركيب ((وجهي)) بياء المتكلم، ومراعاةُ المعنى فيه ضَعْفٌ، وإضمارُ الفعل أكثر)». قوله: ((حَنيفا) يجوز أن يكونَ حالاً من ((الذين))، وأن يكون حالاً من فاعل ((أَقِمْ)) أو مفعوله. آ. (١٠٦) قوله تعالى: ﴿ولا تَدْعُ﴾: يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً، ويجوز أن تكونَ عطفاً على جملة الأمر وهي: ((أَقِمْ)) / فتكونَ [٤٧٩/ب] داخلةً في صلة ((أنْ)) بوجهيها، أعني كونَها تفسيريةً أو مصدريةً وقد تقدَّم تحريره. وقوله: ((ما لا يَنْفعك)) يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً، وأن تكونَ موصولةً. قوله: ((فإنك)) هو جواب الشرط و((إذن)) حرفُ جوابٍ توسَّطت بين الاسمِ والخبر، ورُتْبَتُها التأخيرُ عن الخبر، وإنما وُسِّطَتْ رَعْياً للفواصل. وقال الزمخشري (٣): ((إذن)) جواب الشرط وجوابٌ لسؤال مقدر، كأن سائلاً سأل عن تَبِعة عبادة الأوثان)). وفي جَعْله (إذن)) جزاءً للشرط نظرٌ، إذ جوابُ الشرط محصورٌ في أشياءَ ليس هذا منها. (١) الكتاب ٤٧٩/١. وقوله ((قلت)) الكلام للزمشخري. (٢) عبارته في البحر لا تفيد ذلك ((وإضمار الفعل أولى ليزول ... )) البحر ١٩٦/٥. (٣) الكشاف ٢٥٦/٢. ٢٧٥ - يونس - آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْك﴾: قد تقدَّم ما في ذلك من. صناعة البديع في سورة الأنعام(١). وقال هنا في جواب الشرط الأول بنفي عام: وإيجاب(٢)، وفي جواب الثاني (٣) بنفي عام دونَ إيجاب، لأنَّ ما أراده لا يَرُدُّه رادٌّ، لا هو ولا غيره؛ لأن إرادته قديمةٌ لا تتغيَّر، فلذلك لم يَجِيْء التركيب فلا رادَّ له إلا هو، هذه عبارةُ الشيخ(٤)، وفيها نظرٌ، وكأنه يقول بخلاف الكشف فإنه هو الفاعل لذلك وحدَه دون غيره بخلافٍ إرادته تعالى، فإنها لا يُتَصَوَّر فيها الوقوعُ على خلافها، وهي مسألة خلافية بين أهل السنة والاعتزال. قال الزمخشري(٥): ((فإن قلت: لِمَ ذُكِرِ المَسُ في أحدهما والإِرادةُ في الثاني؟ قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعاً: الإِرادة والإِصابة في كلِّ واحد من الضُّر والخير، وأنه لا رادَّ لِما يريده منهما، ولا مُزِيلَ لما يُصيب به منهما، فأوجزَ الكلام بأنْ ذكرَ المَسِّ وهو الإِصابةُ في أحدهما. والإِرادة في الآخر ليدلَّ بما ذَكَرَ على ما تَرَك، على أنه قد ذَكَر الإصابة في الخير في قوله: ((يُصيب به مَنْ يشاء)). آ. (١٠٨) وقوله تعالى: ﴿مِنْ ربكم﴾: يجوز أن يتعلَّقَ بـ ((جاءكم) و ((مِنْ)) لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن يكونَ حالاً من ((الحق)). قوله: ((فَمَن أَهْتدى)) ((ومَنْ ضَلَّ)) يجوز أن تكون ((مَنْ)) شرطاً، فالفاءُ. واجبةُ الدخول، وأن تكونَ موصولةً فالفاءُ جائزتُه. قوله: ((وما أنا))، يجوزُ أن تكون الحجازية أو التميميةً؛ لخفاء النصب في الخبر. وباقيها واضح. (١) الآية ١٧ . (٢) فقال: ((فلا كاشف له إلا هو)). (٣) فقال: ((فلا رادّ لفضله)). (٤) البحر ١٩٦/٥. (٥) الكشاف ٢٥٦/٢ . ٢٧٦ / سورة هود [٤٧٩/ب] يجوز في ((هود)» مراداً به السورة الصرفُ وتَرْكُه، وذلك باعتبارين: وهما أنَّك إن عَنْتَ أنه اسمُ للسورة تعيّن مَنْعُه من الصرف، وهذا رأيُ الخليل وسيبويه(١)، وكذلك نوح ولوط إذا جعلتهما اسمين للسورتين المذكورَيْن هما فيهما، فتقول: قَرَأْتُ هودَ ونوحَ، وتبرَّكْتُ بهودَ ونوحَ ولوط. فإن قلت قد نصُوا على أن المؤنثَ الثلاثيَّ الساكنَ الوسطِ نحو: هند ودعد، والأعجميِّ الثلاثيّ الساكنَ الوسطِ نحو: هند ودعد، والأعجميّ الثلاثيَّ الساكنَ الوسطِ نحو: نوح ولوط [حكمُهُ](٢) الصرفُ وتَرْكُه، مع أن الصحيحَ وجوبُ صرفٍ نوح. فالجواب أن شَرْطَ ذلك أن لا يكونَ المؤنثُ منقولاً مِنْ مذكرٍ إلى مؤنث، فلوسَمِّيْتَ امرأةً بـ ((زيد)) تحتَّم مَنْعُه، وشرطُ الأعجميِّ أن لا يكونَ مؤنثاً، فلو كان مؤنثاً تحتَّم مَنْعُه نحو: ماه وجَوْر، وهود ونوح من هذا القبيلِ فإنّ ((هود)» في الأصل لمذكر وكذلك نوح، ثم سُمِّي بهما السورةُ وهي مؤنثةً، وإن كان تأنيثُها مجازياً، وإن اعتبرْتَ أنها على حَذْف مضاف وَجَبَ صَرْفُه، فتقول: ((قرأتُ هوداً ونوحاً) يعني سورة هود وسورة (١) الكتاب: ٣٠/٢، وقال: (لم تصرفها لأنها تصير بمنزلة امرأة سميتها بعمرو، والسور بمنزلة النساء والأرضين)). (٢) سقط سهواً من الأصل ونقلناه من ش. ٢٧٧ - هود - نوح. وقد جَوَّزَ الصرفَ بالاعتبار الأول عيسى بن عمر، ورأيُه ضعيف، ولا خفاءَ أنك إذا قَّصَدْتَ بـ ((هود)) و ((نوح)) النبيَّ نفسه صَرَفْتَ فقط عند الجمهور في الأعجمي، وأما ((هود)) فإنه عربيٍّ فيتحتَّم صَرْفُه. وقد عقد النجويون لاسماءِ السُّور والألفاظ والأحياء والقبائلِ والأماكنِ باباً في مَنْع الصرفِ وعدمِه، حاصلُه: أنك إنْ عَنَيْتَ قبيلةً أو أمَّأَّ أو بقعةٌ. أو سورة أو كلمة مَنَعْتَ وإن عَنْتَ حَيّاً أو أباً أو مكاناً أو غيرَ سورةٍ أو لفظاً صَرَفْتَ بتفصيلٍ كثيرٍ وأمثلةٍ طويلة حَقّقْتُها في ((شرح التسهيل)). آ. (١) قوله تعالى: ﴿كتابٌ﴾: يجوز أن يكون خبراً لـ((ألر)) أَخْبر عن [٤٨٠/أ] هذه الأحرفِ بأنها كتابٌ موصوفٌ بـ كيت وكيتَ / وأن يكون خبرَ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: ذلك كتابٌ، يدلُّ على ذلك ظهوره في قوله تعالى: ((ذلك الكتابُ))(١)، وقد تقدَّم في أولِ هذا التصنيف ما يكفيك في ذلك. قوله: ((أُحْكِمَتْ آيَاتُه)) في محلِّ رفعٍ صفةً لـ ((كتاب))، والهمزةُ في ((أُحْكِمَتْ)) يجوز أن تكونَ للنقل مِنْ ((حَكُمَ)) بضم الكاف، أي: صار حكيماً بمعنى جُعِلَتْ حكيمة، كقوله تعالى: ((تلك آياتُ الكتابِ الحكيم))(٢). ويجوز أنْ يكونَ من قولهم: ((أَحْكَمْتُ الدابة)) إذا وَضَعْتَ عليها الحَكْمَةَ لمَنْعِها من الجماح كقول جرير(٣): إني أخافُ عليكمُ أَنْ أَغْضبا ٢٦٣٣- أبني حَنْفَةَ أَحْكِموا سُفَھاءَكُمْ فالمعنى أنها مُنِعَتْ من الفساد. ويجوز أَنْ يكونَ لغير النقل، مِن الإِحكام وهو الإتقان كالبناء المُحْكَمِ المُرْصَفِ، والمعنى: أنها نُظِمَتْ نَظْماً. رصيناً متقناً. (١) الآية ٢ من سورة البقرة. (٢) الآية ٢ من سورة لقمان. (٣) تقدم برقم ٣٥٠. ٢٧٨ - هود - قوله: ((ثم فُصِّلَتْ)) ((ثم)) على بابها مِن التراخي لأنها أُحكمَتْ ثم فُصِّلَتْ بحسب أسباب النزول. وقرأ(١) عكرمة والضحاك والجحدري وزيد ابن علي وابن كثير في روايةٍ ((فَصَلَتْ)) بفتحتين خفيفةَ العين. قال أبو البقاء(٢): ((والمعنى: فَرَقَتْ، كقوله: ((فلمَّا فَصَلَ طالوتُ))(٣)، أي: فارق)). وفَسَّر هنا غيرُه بمعنى فَصَلَتْ بين المُحِقِّ والمُبْطِل وهو أحسنُ. وجعل الزمخشري(٤) ((ثم)) للترتيب في الإِخبار لا لترتيب الوقوع في الزمان فقال: ((فإن قلت: ما معنى ((ثم))؟ قلت: ليس معناها التراخي في الوقت ولكن في الحال، كما تقول: هي مُحْكَمَةٌ أحسنَ الإِحكام ثم مُفَصَّلةٌ أحسنَ التفصيل، وفلانٌ كريمٌ الأصل ثم كريمُ الفعل)) وقُرِىء(٥) أيضاً: ((أحْكَمْتُ آياتِه ثم فَصَّلْتُ)) بإسناد الفعلين إلى تاء المتكلم ونَصْبِ ((آياته)) مفعولاً بها، أي: أحكمتُ أنا آياتِه ثم فَصَّلْتُها، حكى هذه القراءةَ الزمخشري(٦). قوله: ((مِنْ لَدُن)) يجوز أن تكونَ صفةً ثانية لـ ((كتاب))، وأن تكون خبراً ثانياً عند مَنْ يرى جوازَ ذلك، ويجوز أن تكون معمولةً لأحد الفعلين المتقدِّمين أعني ((أُحْكِمَتْ)) أو ((فُصِّلَتْ)) ويكون ذلك من بابِ التنازع، ويكون من إعمال الثاني، إذ لو أَعْمل الأولَ لأضمر في الثاني، وإليه نحا الزمخشري (٧) في [قوله]: ((وأن يكون صلةَ ((أُحْكِمت)) و((فُصِّلَتْ))، أي: من عندِه أحكامُها وتفصيلُها، وفيه طباق حسن لأن المعنى: أحكمها حكيم وفصَّلها، أي: شَرَحها (١) الشواذ: ٥٩؛ البحر: ٢٠٠/٥؛ القرطبي: ٣/٩. (٢) الإِملاء: ٣٤/٢. (٣) الآية ٢٤٩ من سورة البقرة. (٤) الكشاف: ٢٥٨/٢. (٥) البحر: ٢٠٠/٥؛ الكشاف: ٢٥٨/٢، من دون نسبة. (٦) الكشاف: ٢٥٨/٢. (٧) الكشاف: ٢٥٨/٢. ٢٧٩ - هود - وبيّنها خبيرٌ بكيفيات الأمور)). قال الشيخ(١): ((لا يريد أنَّ ((مِنْ لدن)) متعلقٌ بالفعلين معاً من حیث صناعةُ الإِعراب بل يريد أن ذلك من بابِ الإِعمال فهي متعلقةٌ بهما من حيث المعنى)) وهو معنى قول أبي البقاء (٢) أيضاً ((ويجوز أن يكونَ مفعولاً، والعاملُ فيه ((فُصِّلَتْ)). آ. (٢) قوله تعالى: ﴿أَن لا تَعْبُدوا﴾: فيها أوجهٌ، أحدها: أن تكون مخففةً من الثقيلة، و((لا تَعْبُدُوا)) جملةُ نهيٍ في محلِّ رفعٍ خبراً لـ ((أنْ)) المخففةِ، واسمُها على ما تقرَّر ضميرُ الأمرِ والشأنِ محذوفٌ. والثاني: أنها المصدريةُ الناصبة، وَوُصِلَتْ هنا بالنهي ويجوزُ أَنْ تكون ((لا)) نافيةً، والفعلُ بعدها منصوبٌ بـ ((أَنْ)) نفسها، وعلى هذه التقادير فـ((أَنْ)): إمَّا في محل جر أو نصب أورفع، فالنصبُ والجرُّ على أنَّ الأصل: لأنْ لا تَعْبدوا، أو بأن لا تعبدوا، فلمَّا حُذِفَ الخافضُ جرى الخلافُ المشهور، والعامل: إمَّا ((فُصِّلَتْ)) وهو المشهور، وإمَّا ((أُحْكِمَتْ)) عند الكوفيين، فتكون المسألة من الإِعمال، لأن المعنى: أُحْكِمَتْ لئلا تَعْبدوا أو بأن لا تعبدوا أو فُصِّلَتْ لأنْ لا تعبدوا، أو بأن لا تعبدوا. وقيل: نصب بفعلٍ مقدر تقديره ضَمَّن آي الكتابِ أن لا تعبدوا، فـ ((أنْ لا تعبدوا)) هو المفعولُ الثاني لـ ((ضَمَّن)» والأولُ قام مقام الفاعل . والرفعُ فمِنْ أوجه، أحدها: أنها مبتدأٌ، وخبرُها محذوفٌ فقيل: تقديرُه: مِن النظر أن لا تعبدوا إلا اللَّه. وقيل: تقديره: في الكتابِ أن لا تعبدوا إلا اللَّهَ. والثاني: خبرُ مبتدأ محذوف، فقيل: تقديرُه: تفصيلُه أن لا تعبدوا إلا الله. وقيل: تقديرُه: هي أن لا تعبدوا إلا اللَّه. والثالث: أنه مرفوعٌ على البدل من ((آياته)) قال الشيخ (٣): ((وأما مَنْ أعربه أنه بدل من لفظ ((آيَات)) أو مِنْ (١) البحر: ٢٠٠/٥. (٢) الإملاء: ٣٤/٢. (٣) البحر: ٢٠١/٥. ٢٨٠