Indexed OCR Text

Pages 181-200

- يونس -
آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿ولا يَرْهَقُ﴾: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها
مستأنفةٌ. والثاني: أنها في محل نصب على الحال، والعامل في هذه الحال
الاستقرار الذي تضمَّنه الجارّ، وهو ((للذين)) لوقوعه خبراً عن ((الحسنى)) قاله
أبو البقاء (١)، وقدَّره بقوله: ((استقرَّ لهم الحسنى مضموناً لهم السَّلامة))، وهذا
ليس بجائز لأن المضارعَ متى وقع حالاً منفيًّاً بـ ((لا)) امتنع دخولُ واو الحال
عليه كالمثبت، وإن وَرَدَ ما يُوهم ذلك يُؤَوَّل بإضمار مبتدأ، وقد تقدم تحقيقُه
غيرَ مرة. والثالث: أنه في محلِّ رفع نسقاً على ((الحسنى))، ولا بدَّ حينئذٍ من
إضمار حرفٍ مصدري يَصِحُّ جَعْلُه معه مخبراً عنه بالجارّ، والتقدير: للذين
أحسنوا الحسنى، وأنْ لا يرهق، أي: وعدم رَهَقِهم، فلمَّا حُذِفت ((أن)) رُفع
الفعلُ المضارع لأنه ليس من مواضع إضمار ((أنْ)) ناصبة وهذا كقوله تعالى:
((ومن آياتِه يُريكم))(٢)، أي: أن يُرِيَكم، وقوله: ((تَسْمع بالمُعَيْدِيّ خيرٌ من أن
تراه)»(٣)، وقوله(٤):
٢٥٨٢ - ألا أُّهذا الزاجري أحضرُ الوَغَى
أي: أن أحضر. رُوي برفع ((أحضر) ونصبه. ومنع أبو البقاء(٥) هذا
الوجه، فقال: ((ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ((الحسنى)) لأن الفعل إذا
عُطِفَ على المصدر احتاج إلى ((أَنْ)) ذِكْراً أو تقديراً (٦)، و((أنْ)) غيرُ مقدرة لأن
الفعلَ مرفوع))، فقوله: ((وأَنْ غيرُ مقدرةٍ، لأن الفعل مرفوع)» ليس بجيد لأن
قوله تعالى: ((ومن آياته يُريكم))(٧) معه ((أنْ)) مقدرة مع أنه مرفوع، ولا يَلْزم من
(١) الإملاء ٢٧/٢.
(٢) الآية ٢٤ من سورة الروم.
(٣) مثل عربي يُضرب للرجل الذي تكون سمعته أحسنَ من لقائه. انظر: مجمع
الأمثال ١٤٣/١.
(٤) تقدم برقم ٥٢١.
(٥) الإملاء ٢٧/٢ .
(٦) الأصل: ((وتقديراً)) والتصويب من الإملاء.
(٧) الآية ٢٤ من سورة الروم.
١٨١

- يونس -
إضمار ((أنْ)) نصب المضارع، بل المشهورُ أنه إذا أُضْمرت ((أن)) في غير
المواضع التي نصَّ النحويون على إضمارها ناصبة ارتفعَ الفعلُ، والنصبُ
قليلٌ جداً.
والرَّهَق(١): الغِشْيان. يقال: رَهِقَه يَرْهَتُه رَهَقا، أي: غَشِيَهُ بسرعة،
[٤٦٤/أ] ومنه ((ولا تُرْهِفْنِي مِنْ أَمْري(٢)) («فلا يَخَاف بَخْساً ولا رهَقًا (٣)) / يقال: رَهِقْتُه
وأَرْهَقْتُه نحو: رَدِفْتُه وأَرْدَفْتُه، فَفَعَل وأَفْعل بمعنىَّ، ومنه: ((أَرْهَقْت الصلاة)) إذا
أخّرْتَها حتى غَشِي وقتُ الأخرى، ورجلٌ مُرْهَق، أي: يغشاه الأضياف. وقال
الأزهري (٤): ((الرَّهَقِ)) اسمٌ من الإِرهاق، وهو أن يَحْمِلَ الإِنسانُ على نفسه.
ما لا يُطيق، ويقال: ((أَرْهَقْتُه عن الصلاة))، أي: أَعْجَلْتُه(٥) عنها. وقال.
بعضهم: أصلُ الرَّهَقَ: المقاربة، ومنه غلامٌ مراهِق، أي: قارب الخُلُم، وفي
الحديث(٦): ((ارهَقُوا القِبلة))، أي: اقرُبوا منها، ومنه ((رَهِقَّتِ الكلابُ
الصيد»، أي: لحقته.
والقّتَر والقَتّرة: الغبار معه سوادٌ وأنشدوا للفرزدق(٧):
موج تری فوقه الرایات والقترا
٢٥٨٣ - مُتَوَّجُ برِداء المُلك يَتْبَعُه
أي: غبار العسكر. وقيل: القَتّرُ: الدخان، ومنه ((قُتار القِدْرِ)). وقيل : :
(١) انظر: المفردات ٢٠٤.
(٢) الآية ٣٧ من سورة الكهف.
(٣) الآية ١٣ من سورة الجن.
(٤) تهذيب اللغة ٣٩٩/٥.
(٥) عبارة اللسان «أرهقني القوم أن أصلي، أي: أعجلوني، وأرهقته أن يصلي: إذا أعجلتّه.
الصلاة)). اللسان: ((رهق)).
(٦) انظر: النهاية ٢٨٣/٢.
(٧) ديوانه ١٩٠؛ اللسان ((قتر))؛ الطبري ٧٢/١٥؛ القرطبي ٣٣١/٨؛ مجاز
القرآن ٢٧٧/١.
١٨٢

- يونس -
القُتْر: التقليل ومنه ((لم يُسْرفوا ولم يَقْتُروا))(١)، ويقال: قَتَرْتُ الشيء وأَقْتَرْتُه
وقتِّرته، أي: قُلَّلْته، ومنه (وعلى المُقتر قَدَرُه)(٢)، وقد تقدم. والقُتْرَةُ: ناموس
الصائد(٣). وقيل: الحفرة، ومنه قول امرىء القيس (٤):
٢٥٨٤- رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ
مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتَرِهْ
أي: في حفرته التي يَخْفرها. وقرأ الحسن(٥) وعيسى بن عمر وأبو رجاء
والأعمش ((قَتْرُ)) بسكونِ التاء وهما لغتان قَتْر وَقَتَر كَقَدْر وَقَدَر.
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿والذين كَسَبوا﴾: فيه سبعةُ أوجه، أحدُها:
((أن يكونَ ((والذين)) نسقاً على ((للذين أحسنوا))، أي: للذين أحسنوا الحسنى،
وللذين كسبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ بمثلها، فيتعادل التقسيم كقولك: ((في الدار
زيدٌ والحجرةِ عمروٌ))، وهذا يسميه النحويون عطفاً على معمولي عاملين. وفيه
ثلاثة مذاهب، أحدها: الجواز مطلقاً، وهو قول الفراء(٦). والثاني: المنعُ
مطلقاً وهو مذهب سيبويه(٧). والثالث: التفصيل بين أن يتقدَّم الجارّ نحو:
(في الدار زيد والحجرة عمرو))، فيجوز، أولا، فيمتنع نحو: ((إن زيداً في
الدار وعمراً القصر))، أي: وإن عمراً في القصر. وسيبويه وأتباعه يُخَرِّجون
ما ورد منه على إضمار الجارِّ كقوله تعالى: ((واختلافِ الليل والنهار ...
(١) الآية ٦٧ من سورة الفرقان.
(٢) الآية ٢٣٦ من سورة البقرة.
(٣) قال الراغب في المفردات ٣٩٣: ((والقُترة: ناموس الصائد الحافظ لِقُتار الإِنسان، أي:
الريح لأن الصائد يجتهد أن يُخْفي ريحه عن الصيد لئلا يَنِذٌ)).
(٤) ديوانه ١٢٣. المتلج: الذي يُدخل كفَّيه. والقتر: بيوت الصائد الكامن.
(٥) القرطبي ١٤٧/٥؛ البحر ١٤٧/٥.
(٦) معاني القرآن ٤٥/٣.
(٧) الكتاب ٣١/١ -٣٢.
١٨٣

- يونس =
آياتٍ))(١) بنصب ((آيات)) في قراءة الأخوين (٢) على ما سيأتي، وكقوله(٣).
٢٥٨٥ - أكلَّ امرئٍ تحسبين امرأً ونارٍ توقَّدُ بالليل نارا
وقول الآخر: (٤)
بالكلبِ خيراً والحماةِ شَرًّا
٢٥٨٦ - أَوْصَيْتَ مَنْ تَوَّهَ قلباً حُرَّاً
وسيأتي لهذا مزيدُ بيان في غضون هذا التصنيف. وممَّن ذهب إلى أن
هذا الموصولَ مجرور عطفاً على الموصول قبله ابن عطية (٥) وأبو القاسم
الزمخشري(٦). الثاني: أن ((الذين)) مبتدأ، وجزاء سيئة مبتدأ ثانٍ، وخبره
((بمثلها))، والباء فيه زائدة، أي: وجزاء سيئةٍ مثلها كقوله تعالى: ((وجزاء سيئة.
سيئة مثلها)»(٧)، كما زِيْدَتْ في الخبر كقوله: (٨).
٢٥٨٧- فلا تطمعْ ـ أبيت اللعنَ - فيها ومَنْعُكها بشيءٍ يُسْتطاع
أي: شيء يستطاع، وكقول امرىء القيس: (٩)
٢٥٨٨ - فإن تَنْأَ عنها حقبةٌ لا تلاقِها
فإِنَّك ممَّا أَحْدَثْتَ بالمجرِّب
(١) الآية ٥ من سورة الجائية، ونص الآيتين ٤ - ٥ من سورة الجاثية: ((وفي خلفكم وما يبث
من دابة آيات لقوم يوقنون واختلافِ الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا
به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقومٍ يعقلون)»، وانظر: الحجة لأبي علي
(خ) ٤ /٢٨٦، وشرح الجمل لابن عصفور ١ /٢٥٥؛ والحجة لأبي زرعة ٦٥٨.
(٢) الأخوان حمزة والكسائي، وانظر: السبعة ٥٩٤.
(٣) تقدم برقم ٢٤٤٣.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في الحجة للفارسي (خ) ٢٨٦/٤. وتَوَّه: أهلك ..
(٥) المحرر ٣٤/٩.
(٦) الكشاف ٢٣٤/٢.
(٧) الآية ٤٠ من سورة الشورى.
(٨) البيت لرجل من تميم أو للقحيف العجلي، وهو في الخزانة ٤١٣/٢؛ والعيني ٣٠٢/١؛
والأشموني ١١٨/١؛ المغني ١٤٩ .
(٩) تقدم برقم ١٧.
١٨٤

- يونس -
أي: المجرِّب، وهذا قولُ ابن كيسان في الآية. الثالث: أن الباءَ
ليست بزائدةٍ والتقدير: مُقَدَّر بمثلها أو مستقر بمثلها، والمبتدأ الثاني وخبرُه
خبرٌ عن الأول. الرابع: أن خبرَ ((جزاء سيئة)) محذوفٌ، فقدَّره الحوفي بقوله:
((لهم جزاء سيئة) قال: ودَلَّ على تقدير ((لهم)) قوله: ((للذين أحسنوا الحسنى))
حتى تتشاكلَ هذه بهذه. وقدَّره أبو البقاء(١): جزاء سيئة بمثلها واقع،
وهو وخبره أيضاً خبر عن الأول. وعلى هذين التقديرين فالباءُ متعلقةٌ بنفس
جزاء، لأن هذه المادةً تتعدَّى بالباء، قال تعالى: ((جَزَيْناهم
بما كفروا))(٢) ((وجزاهُمْ بما صبروا))(٣) إلى غير ذلك. فإن قلت: أين الرابطُ
بين هذه الجملةِ والموصولِ الذي هو المبتدأ؟، قلت: على تقديرِ الحوفي
هو الضميرُ المجرور باللام المقدر خبراً، وعلى تقديرٍ أبي البقاء
هو محذوف / تقديرُه: جزاءُ سيئة بمثلها منهم واقعٌ، نحو: ((السَّمْن مَنَوان [٤٦٤/ب]
بدرهم)»، وهو حَذْفٌ مُطَّرد لِما عرفْتَه غيرَ مرة.
الخامس: أن يكونَ الخبرُ الجملةَ المنفية من قوله: «ما لهم من الله من
عاصم))، ويكون (مِنْ عاصم) إمَّا فاعلًا (٤) بالجارِّ قبله لاعتماده على النفي، وإمّا
مبتدأَ، وخبرُه الجارُّ مقدماً عليه، و((مِنْ)) مزيدة فيه على كلا القولين. و((من
الله)) متعلقٌ بـ ((عاصم)). وعلى كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فَصَلَ
بين المبتدأ وخبره بجملتي اعتراضٍ ، وفي ذلك خلافٌ عن الفارسي تقدَّم
التنبيهُ عليه وما استدلَّ به عليه.
السادس: أن الخبرَ هو الجملةُ التشبيهية من قوله: ((كأنما أُغْشِيَتْ
(١) الإملاء ٢٧/٢.
(٢) الآية ١٧ من سورة سبأ.
(٣) الآية ١٢ من سورة الإِنسان.
(٤) الأصل: «فاعل» وهو سهو.
١٨٥

- يونس -
وجوههم))، و((كأنما)) حرف مكفوف، و((ما)) هذه زائدة تسمَّى كافَّةً ومهيِّئة،
وتقدَّم ذلك. وعلى هذا الوجه فيكون قد فَصَلَ بينِ المبتدأ وخبره بثلاثٍ
جملِ اعتراض.
السابع: أن الخبر هو الجملة من قوله: ((أولئك أصحاب النار))، وعلى
هذا القولِ فيكونُ قد فصل بأربعٍ جمل معترضة وهي: ((جزاءُ سيئة بمثلها)»،
والثانية: ((وتَرْهَقُهم ذلة))، والثالثة: ((ما لهم من الله من عاصم))، الرابع:
((كأنما أُغْشيت)). وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاثٍ جملٍ فضلاً عن أربع.
وقوله: ((وتَرْهَقُهم)) فيها وجهان أحدهما: أنها في محل نصب على
الحال. ولم يُبَيِّنْ أبو البقاء (١) صاحبَها، وصاحبُها هو الموصولُ أو ضميرُه.
وفيه ضعفٌ لمباشرته الواو، إلا أن يُجْعَلَ خبرَ مبتدأ محذوف. الثاني: أنها
معطوفة على ((كسبوا)). قال أبو البقاء(٢): ((وهو ضعيف لأن المستقبلَ لا يُعْطَفُ
على الماضي. فإن قيل: هو بمعنى الماضي فضعيفٌ جداً (٣)). وقرىء(٤):
((ويَرْهقهم) بالياء من تحت، لأنَّ تأنيثَها مجازي.
قوله: ((قطعاً)) قرأ(٥) ابن كثير والكسائي ((قِطْعاً» بسكون الطاء، والباقون
بفتحها. فأما القراءة الأولى فاختلفت عبارات الناس فيها، فقال أهل اللغة (٦):
((القِطْع)) ظلمة آخر الليل. وقال الأخفش في قوله: ((بقِطْع من الليل(٧)) بسواد
من الليل. وقال بعضهم: ((طائف من الليل))، وأنشد الأخفش(٨) :..
(١) الإِملاء ٢٧/٢.
(٢) الإِملاء ٢٧/٢.
(٣) عبارة الإملاء ((أيضاً).
(٤) البحر ١٤٧/٥؛ الكشاف ٢٧٤/٢ .
(٥) السبعة ٣٢٥؛ التيسير ١٢١؛ البحر ١٥٠/٥؛ الحجة ٣٣٠.
(٧) الآية ٦٥ من سورة الحجر.
(٦) انظر: اللسان ((قطع)) ..
(٨) البيت لعبدالرحمن بن الحكم، أو زياد الأعجم - كما في حاشية الصحاح - وهو في
الصحاح واللسان ((قطع)). ولم أجده في معاني القرآن للأخفش.
١٨٦

- يونس -
كم علينا من قِطْعِ ليلٍ بَهيم
٢٥٨٩- افتحي الباب فانظري في النجوم.
وأمَّا قراءةُ الباقين فجمعُ ((قِطْعة)) نحو: دِمْنة (١) وَدِمَن، وكِسْرة وكِسَر
وعلى القراءتين يختلف إعراب ((مظلماً))، فإنه على قراءةٍ الكسائي وابن كثير
يجوز أن يكونَ نعتاً لـ ((قِطْعاً))، ووُصِف بذلك مبالغةً في وَصْف وجوهِهم
بالسواد، ويجوز أن يكونَ حالاً ففيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه حالٌ من ((قِطْعاً»،
وجاز ذلك لتخصُّصه بالوصف بالجارِّ بعده وهو ((من الليل))، والثاني: أنه حالٌ
من ((الليل))، والثالث: أنه حالٌ من الضميرِ المستتر في الجارِّ لوقوعه صفة.
قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: إذا جعلت ((مظلماً)) حالاً من ((الليل))
فما العاملُ فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكونَ ((أُغْشِيَتْ)) من قِبل أنَّ ((من
الليل)) صفةٌ لقوله: ((قِطْعاً))، وكان إفضاؤه إلى الموصوفِ كإفضائه إلى الصفة،
وإما أن يكونَ معنى الفعل في ((من الليل)). قال الشيخ(٣): ((أمَّا الوجه الأول
فهو بعيدً لأنَّ الأصلَ أن يكون العاملُ في الحال هو العاملَ في ذي الحال،
والعاملُ في ((من الليل)) هو الاستقرار، و((أُغْشِيَتْ)) عاملٌ في قوله: ((قطعاً))
الموصوف بقوله: ((من الليل)) فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أَوْلى، أي:
قطعاً مستقرةً من الليل، أو كائنةً من الليل في حال إظلامه)). قلت: ولا يَعْني
الزمخشري بقوله: (إنَّ العامل أُغْشِيَتْ)) إلا أنَّ الموصوفَ وهو ((قِطْعاً)) معمول
لِأَغْشِيَتْ والعامل في الموصوف هو عاملُ في الصفة، والصفة هي ((من الليل))
فهي معمولةٌ لـ ((أُغْشِيَتْ))، وهي صاحبةُ الحال، والعاملُ في الحال هو العاملُ
في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العاملَ في الحال هو العاملُ في صاحبها
بهذه الطريقة. ويجوز أن يكونَ ((قِطْعاً)) جمع قطعة، أي: اسم جنس، فيجوز
حينئذٍ وصفُه بالتذكير نحو: (نَخْلٌ مُنْقَعِر)) والتأنيث نحو: ((نخل خاوية)).
(١) الدمنة: آثار الناس وما سوَّدوا.
(٢) الكشاف ٢٣٤/٢ - ٢٣٥.
(٣) البحر ٥/ ١٥٠.
١٨٧

- يونس -
وأمَّا قراءة الباقين(١) فقال مكي(٢) وغيره: ((إنَّ ((مظلماً) حال من ((الليل))
فقط. ولا يجوز أن يكون صفةً لـ ((قِطَعاً))، ولا حالاً منه، ولا من الضمير في ((من
الليل))، لأنه كان يجب أن يقال فيه: مظلمة)). قلت: يَعْنُون أنَّ الموصوف
حينئذٍ جمعٌ، وكذا صاحب الحال فتجب المطابقةُ. وأجاز بعضهم ما منعه
هؤلاء وقالوا: جاز ذلك لأنَّه في معنى الكثير، وهذا فيه تعسُّفٌ.
[١/٤٦٥]
وقرأ(٣) أُبَيّ / ((تَغْشَى وجوهَهم قِطْعٌ)) بالرفع، ((مظلمٌ)). وقرأ ابن
أبي عبلة كذلك، إلا أنه فتح الطاء. وإذا جَعَلْتَ ((مُظْلماً) نعتاً لـ ((قطعاً»،
فتكون قد قَدَّمْتَ النعتَّ غيرَ الصريح على الصريح. قال ابن عطية (٤): ((فإذا
كان نعتاً - يعني مظلماً نعتاً لقطع - فكان حقه أن يكون قبلَ الجملة، ولكن
قد يجيءُ بعد هذا، وتقدير الجملة: قطعاً استقرَّ من الليل مظلماً على نحو
قوله: ((وهذا كتابٌ أنزلناه مباركُ))(٥). قال الشيخ(٦): ((ولا يتعيَّنُ تقديرُ العاملِ
في المجرور بالفعل فيكونُ جملة، بل الظاهرُ تقديره باسم الفاعل فيكون من
قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: قطعاً كائناً من الليل مظلماً)). قلت:
المحذورُ تقديمُ غيرِ الصريحِ على الصريح ولو كان مقدَّراً بمفرد.
و ((قطعاً) منصوبٌ بـ ((أُغْشِيَتْ)) مفعولاً ثانياً.
أ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿ويومَ نَحْشُرهم): ((يوم) منصوب بفعلٍ
مقدر، أي: خَوِّفْهم، أو ذكَّرْهم يوم. والضميرُ عائد على الفریقین، أي:
(١) وهي ((قطّعاً)) بفتح الطاء.
(٢) المشكل ٣٧٩/١.
(٣) الطبري ٧٦/١٥؛ البحر ١٥٠/٥.
(٤) المحرر ٣٥/٩.
(٥) الآية ١٥٥ من سورة الأنعام.
(٦) البحر ١٥٠/٥.
١٨٨

- يونس -
الذين أحسنوا والذين كسبوا. و((جميعاً)) حال. ويجوز أن تكون تأكيداً عند مَنْ
عَدَّها مِنْ ألفاظ التأکید.
قوله: ((مكانكم))، ((مكانكم)) اسمُ فعل، ففسَّره النحويون بـ «اثبتوا))
فيحمل ضميراً، ولذلك أُكَّد بقوله: ((أنتم)) وُطِف عليه ((شركاؤكم))، ومثله قول
الشاعر (١):
٢٥٩٠- وقَوْلِي كلما جَشَأَتْ وجاشَتْ مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتريحي
أي: اثبتي، ويدلُّ على جزمُ جوابِه وهو («تُحْمَدي)». وفسَّره
الزمخشري(٢) بـ ((الزموا)) قال: ((مكانكم))، أي: الزموا مكانكم، لا تَبْرحوا
حتى تنظروا ما يُفْعل بكم)). قال الشيخ(٣): ((وتقديره له بـ ((الزموا)) ليس
بجيد، إذ لو كان كذلك لتعدَّى كما يتعذَّى ما ناب هذا عنه، فإنَّ اسمَ الفعلِ
يُعامل معاملةَ مسمَّاه، ولذلك لمَّا قدَّروا ((عليك)) بمعنى ((الزم)) عذَّوْه تعديته
نحو: عليك زيداً. و[عند] الحوفي ((مكانكم)» نُصب بإضمار فعل، أي:
الزموا مكانكم أو اثبتوا)). قلت: فالزمخشري قد سُبِقٍ بهذا التفسير. والعذرُ
لَمَنْ فسَّره بذلك أنه قصد تفسير المعنى، وكذلك فَسَّره أبو البقاء فقال(٤):
(مكانكم)) ظرفٌ مبنيٌّ لوقوعِه موقعَ الأمر، أي: الزموا)).
وهذا الذي ذكره مِنْ كونه مبنياً فيه خلاف للنحوبين: منهم مَنْ ذهب
إلى ما ذَكَر، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنها حركةُ إعراب، وهذان الوجهان مبنيًّان
على خلافٍ في أسماء الأفعال: هل لها محلّ من الإِعراب أو لا؟، فإن قلنا
(١) البيت القطري بن الفجاءة أو عمروبن الأطنابة، وهو في الخصائص ٣٥/٣؛ وابن
يعيش ٧٤/٤؛ والعيني ٤١٥/٤؛ والهمع ١٣/٢؛ والدرر ٩/٢. جشأت: اضطربت.
(٢) الكشاف ٢٣٥/٢.
(٣) البحر ١٥٢/٥ بعبارة قريبة.
(٤) الإملاء ٢٨/٢.
١٨٩

- يونس -
لها محلّ كانت حركاتُ الظرفِ حركاتٍ إعراب، وإن قلنا: لا موضع لها كانت
حركاتٍ بناء. وأمَّا تقديرُه بـ ((الزموا)) فقد تقدَّم جوابه.
وقوله: ((أنتم)) فيه وجهان أحدهما: أنه تأكيدٌ للضمير المستتر في الظرفِ
لقيامِه مقامَ الفاعلِ كما تقدَّم التنبيه عليه. والثاني: أجازه ابن عطية (١)،
وهو أن يكونَ مبتدأُ، و((شركاؤكم)) معطوف عليه، وخبرُه محذوفٌ قال:
(تقديرُه: أنتم وشركاؤكم مُهانون أو مُعَذَّبون))، وعلى هذا فُيُوقَفُ على قوله:
(مكانكم)) ثم يُبتدأ بقوله: ((أنتم))، وهذا لا يَنْبغي أن يقال، لأن فيه تفكيكاً
الأفصحِ كلام وتبتيراً(٢) لنظمه من غير داعيةٍ إلى ذلك، ولأن قراءةً مَنْ قرأ
(وشركاءَكم)) نصباً(٣) تدل على ضعفه، إذ لا تكونُ إلا من الوجه الأول،
ولقوله: ((فزيَّلْنا بينهم))، فهذا يدلُّ على أنهم أُمِروا هم وشركاؤهم بالثبات في
مكانٍ واحدٍ حتى يحصلَ الَّزْبِيْلُ بينهم.
وقال ابن عطية (٤) أيضاً: ((ويجوزُ أن يكون ((أنتم)) تأكيداً للضمير الذي
في الفعل المقدر الذي هو ((قفوا)) ونحوه)). قال الشيخ(٥) ((وهذا ليس بجیدٍ،
إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل لجاز تقديمُه على الظرف،
إذ الظرفُ لم يتحمَّلْ ضميراً على هذا القول فيلزمُ تأخيرُه [عنه](٦) وهو غير
جائز، لا تقول: ((أنت مكانَك)) ولا يُحْفظ من كلامهم. والأصحُّ أنه لا يجوز
خَذْفُ المؤكَّد في التأكيد المعنوي، فكذلك هذا لأن التأكيدَ ينافي الحذف،
وليس من كلامهم: ((أنت زيداً)) لَمَنْ رأيته قد شَهَرَ سَيْفاً، وأنت تريد: ((اضرب
(١) المحرر ٣٧/٩.
(٢) التبتير: التقطيع .
(٣) انظر: الكشاف ٢٣٥/٢؛ البحر ١٥٢/٥.
(٤) المحرر ٣٧/٩.
(٥) البحر ١٥٢/٥.
(٦) من البحر.
١٩٠

- يونس -
أنت زيداً) إنما كلامُ العرب: ((زيداً)) تريد: اضرب زيداً)). قلت: لم يَعْنِ
ابنُ عطية أن ((أنت)) تأكيد لذلك الضمير في ((قفوا)) من / حيث إنَّ الفعلَ مرادٌ [٤٦٥/ب]
غير منوبٍ عنه، بل لأنه نابَ عنه هذا الظرفُ، فهو تأكيدٌ له في الأصلِ قبل
النيابة عنه بالظرف، وإنما قال: الذي هو ((قفوا)) تفسيراً للمعنى المقدر.
وقرأت فرقةٌ ((وشركاءَكم)) نصباً على المعية. والناصبُ له اسم الفعل.
قوله: ((فزيَّلْنا))، أي: فرَّقْنا وميَّزْنا كقوله تعالى: ((لو تَزَيَّلوا لعَذَّبْنَا))(١).
واختلفوا في ((زيَّل)) هل وزنُه فَعَّل أو فَيْعَل؟ والظاهرُ الأول، والتضعيفُ فيه
للتكثيرِ لا للتعدية لأنَّ ثلاثيّه متعدٍّ بنفسِه. حكى الفراء «زِلْتُ الضَّان من المَعِز
فلم تَزِل))، ويقال: زِلْت الشيء مِنْ مكانه أَزيله، وهو على هذا من ذواتٍ
الياء. والثاني: أنه فَيْعَل كَبَيْطَرَ(٢) وبَيْقَر(٣) وهو مِنْ زال يَزُول، والأصل: زَيْوَلْنا
فاجتمعت الياء والواو وسَبَقَت إحداهما بالسكون فأُعِلَّتِ الإِعلالَ المشهورَ
وهو قَلْبُ الواوِ ياءً وإدغامُ الياء فيها كمّيِّت وسَيّد في مَيْوت وسَيْوِد، وعلى هذا
فهو من مادة الواو. وإلى هذا ذهبَ ابن قتيبة (٤)، وتبعه أبو البقاء (٥).
وقال مكي(٦): (ولا يجوز أن يكون فَعَّلْنا(٧) مِنْ زال يزول لأنه [يلزم](٨)
فيه الواوُ فيكون زَوَّلنا»، قلت: هذا صحيحٌ، وقد تقدم تحريرُ ذلك في قوله:
((أو متحيِّزاً إلى فئة))(٩). وقد ردًّ الشيخ(١٠) كونَه فَيْعَل بأنَّ فَعَّل أكثر من فَيْعَل،
(١) الآية ٢٥ من سورة الفتح.
(٢) بيطر: عالج الدواب.
(٣) بيقر: هاجر وتعب وأفسد.
(٤) تفسير غريب القرآن ١٩٦.
(٥) الإملاء ٢٨/٢.
(٦) المشكل ٣٨٠/١.
(٧) في المطبوعة: فيعلنا.
(٨) من المشكل.
(٩) الآية ١٦ من سورة الأنفال.
(١٠) البحر ١٥٢/٥.
١٩١

- يونس -
ولأن مصدره التزييل، ولو كان فَيْعَل لكان مصدرُه فَيْعَلَة كَبَيْطَرَة؛ لأن فَيْعَل
ملحقٌ بفَعْلَل، ولقولهم في معناه زايَل، ولم يقولوا: زاول بمعنى فارق، إنما
قالوه بمعنى حاول وخالط)). وحكى الفراء))(١) ((فزايَلْنا)) وبها قرأت فرقة. قال
الزمخشري (٢): ((مثل صاعَرَ خَدَّه وصَغَّره، وكالمتُه وكلَّمْته))، قلت: يعني أن
فاعَل بمعنى فَعَّل. وزايَلَ بمعنى فارَقَ. قال(٣):
٢٥٩١- وقال العَذَارَى إنَّما أنت عَمُّنا وكان الشبابُ كالخليطِ نُزَائِلُهْ
وقال آخر (٤):
٢٥٩٢- لعَمْرِي لَمَوْتٌ لا عقوبةَ بعده
لِذِي البَثِّ أَشْفَى مِنْ هوی لا یُزایلُه
:
وقوله: ((فَزَيَّلْنا) و((قال)) هذان الفعلان ماضيان لفظاً مستقبلان معنّی
لعطفِهما على مستقبل وهو ((ويوم نحشرهم)) وهما نظيرُ قولِه تعالى: ((يَقْدُم قَومَه
يوم القيامة فأوردهم))(٥). و((إيَّانا)) مفعولٌ مقدمٌ قُدِّم للاهتمام به والاختصاص،
وهو واجبُ التقديمِ على ناصِه لأنه ضميرٌ منفصل لو تأخر عنه لَزِمَ اتصالُه.
آ. (٢٩) وقد تقدَّم الكلامُ على ما بعد هذا مِنْ ((كفى))(٦) و ((إنْ)»
المخففة، واللام التي بعدها بما يُغْني عن إعادته .
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿هنالك تَبْلُو كلُّ نَفْس﴾: في ((هنالك))
وجهان، الظاهرُ بقاؤه على أصلِهِ مِنْ دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك
(١) معاني القرآن ٤٦٢/١. وانظر: البحر ١٥٢/٥؛ والكشاف ٢٣٥/٢.
(٢) الكشاف ٢٣٥/٢.
(٣) البيت لزهير وهو في ديوانه ١٢٥، والبحر ١٥٢/٥. والخليط: الصاحب. نُزايله:
نفارقه .
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٥٢/٥. والبث: الهمّ والحزن.
(٥) الآية ٩٨ من سورة هود.
(٦) الآية ٦ من سورة النساء.
١٩٢

- يونس -
الموقفِ الدَّحْض (١) والمكان الدَّهِش. وقيل: هوهنا ظرف زمان على سبيل
الاستعارة، ومثله ((هنالك ابْتُلِيَ المؤمنون))(٢)، أي: في ذلك الوقت
وكقوله(٣):
فهناك يَعْترفون أينَ المَفْزَعُ
٢٥٩٣ - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشاكَلَتْ
وإذا أمكنَ بقاءُ الشيء على موضوعه فهو أَوْلِی.
وقرأ الأخَوان (٤) ((تْلو)) بتاءَيْن منقوطتين من فوق، أي: تطلُب وتَبَع
ما أسلفَتْه مِنْ أعمالها، ومن هذا قوله(٥):
٢٥٩٤- إنَّ المُريبَ يَتْبَعِ المُريبا
كما رأيت الذِّيبَ يتلو الذِّيبا
أي: يَتْبَعِه ويَتَطَلَّبه. ويجوز أن يكونَ من التلاوة المتعارفة، أي: تقرأ
كلُّ نفسٍ ما عَمِلَتْه مُسَطِّراً في صحف الحفظة لقوله تعالى: ((يا وَيْلَتَنا ما لهذا
الكتابِ لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرة إلا أَحْصاها))(٦)، وقوله: ((ونُخْرِجُ له يومَ
القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك))(٧).
وقرأ الباقون: ((تَبْلُو)) مِن البَلاء وهو الاختبار، أي: يَعْرف عملَها: أخيرٌ
هو أم شر. وقرأ عاصم في روايةٍ ((نبلو)) بالنون والباءِ الموحدة، أي: نختبر
نحن. و((كل)) منصوب على المفعول به. وقوله: ((وما أَسْلَفَتْ)) على هذه
(١) مكان دَحْضٌ: زَلِق.
(٢) الآية ١١ من سورة الأحزاب.
(٣) تقدم برقم ١٢٥٢ .
(٤) حمزة والكسائي. انظر: السبعة ٣٢٥؛ التيسير ١٢١؛ البحر ١٥٣/٥؛ الحجة ٣٣١.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٣٣٥/٨؛ البحر ١٥٣/٥.
(٦) الآية ٤٩ من سورة الكهف.
(٧) الآية ١٣ من سورة الإِسراء.
١٩٣

- يونس -
القراءةِ يحتمل أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافض، أي:
بما أسْلَفَتْ، فلمَّا سقط الخافض انتصبَ مجرورُه كقوله(١):
٢٥٩٥ - تمرُّون الديار ولم تعوجوا كلامُكُمُ عليَّ إذْ حَرامُ
ويحتمل أن يكونَ منصوباً على البدل من ((كل نفس)) ويكون من بدلٍ :
الاشتمال. ويجوز أن يكون ((نّبلو)) من البلاء وهو العذاب، أي: نُعَذِّبها بسبب
ما أَسْلَفَتْ.
و ((ما)) يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةٌ موصوفة، والعائدُ،
[٤٦٦/أ] محذوفٌ على التقدير / الأول والآخر دون الثاني على المشهور.
وقرأ(٢) ابن وثاب «ورِدُوا)) بكسر الراء تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلّة،:
نحو: ((قيل)) و((بيع))، ومثله(٣):
٢٥٩٦- وما حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبا حُلَمائِنا
بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك بأوضحَ من هذا.
وقوله: ((إلى الله)) لا بدَّ من مضاف، أي: إلى جزاء الله، أو موقفٍ
جزائه. والجمهور على ((الحق)) جَرَّاً. وقرىء (٤) منصوباً على أحد وجهين:
إِمَّ القطعِ، وأصلُه أنه تابعٌ فَقُطع بإضمارِ ((أمدح)) كقولهم: الحمدُ للَّهِ أهلٌ.
الحمد)»، وإمَّا أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملةِ المتقدمةِ وهو ((رُدُوا إلى الله))
وإليه نحا الزمخشري (٥)، قال: ((كقولك: ((هذا عبدالله الحق لا الباطل)) على
(١) تقدم برقم ١٤٨.
(٢) المحرر ٣٧/٩؛ البحر ١٥٣/٥.
(٣) تقدم برقم ١٨٨.
(٤) الكشاف ٢٣٥/٢؛ البحر ١٥٣/٥.
(٥) الكشاف ٢٣٥/٢ .
١٩٤

- يونس =
التأكيد لقوله ((ردُّوا إلى الله)). وقال مكي(١): ((ويجوز نصبه على المصدر
ولم يُقْرأ به))، قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على هذه القراءة.
وقوله: ((ما كانوا يَفْتَرون)) ((م)) تحتمل الأوجه الثلاثة(٢).
آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿من السماء﴾: ((مِنْ)) يجوز أَنْ تكونَ
لابتداء الغاية، وأن تكونَ للتبعيضٍ ، وأن تكونَ لبيان الجنس، ولا بد على
هذين الوجهين من تقديرٍ مضافٍ محذوف، أي: من أهل السماء.
قوله: ((أَمْ)) هذه ((أم)) المنقطعة لأنه لم تتقدَّمْها همزةُ استفهام ولا تسوية،
ولكن إنما تُقَدَّر هنا بـ ((بل)) وحدها دونَ الهمزة. وقد تقرَّر أن المنقطعةَ عند
الجمهور تُقَدَّر بهما، وإنما لم تتقدَّرْ هنا بـ ((بل)» والهمزةِ، لأنَّها وقع بعدها
اسم استفهام صريح وهو ((مَنْ))، فهو كقوله تعالى: ((أَمْ ماذا كنتم تعملون))(٣).
والإضرابُ هنا على القاعدةِ المقررة في القرآن أنه إضرابُ انتقالٍ لا إضرابُ
إبطالٍ .
اء
آ. (٣٢) قوله تعالى: ﴿فماذا بعد﴾: يجوز أن يكونَ ((ماذا)) كلُّه اسماً
واحداً لتركُبهما، وغُلِّ الاستفهامُ على اسم الإِشارة، وصار معنى الاستفهامِ
هنا النفي ولذلك أوجب بعده بـ((إلا)). ويجوز أن يكون ((ذا)) موصولاً بمعنى
الذي، والاستفهام أيضاً بمعنى النفي، والتقدير: ما الذي بعد الحق
إلا الضلال؟
أ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿كذلك حَقَّتْ﴾: الكافُ في محلِّ نصب نعتاً
المصدر محذوف، والإِشارةُ بـ ((ذلك)) إلى المصدرِ المفهوم مِنْ ((تُصْرفون))،
(١) المشكل ٣٨٠/١.
(٢) أي: موصولية ومصدرية ونكرة موصوفة.
(٣) الآية ٨٤ من سورة النمل.
١٩٥

- يونس - :
أي: مثلَ صَرْفِهم عن الحق بعد الإِقرار به في قوله تعالى: («فسيقولون.
الله))(١). وقيل: إشارةٌ إلى الحق. قال الزمخشري(٢): ((كذلك: مثلَ ذلك
الحقِّ حَقَّتْ كلمةُ ربك)».
قوله: (أُنّهم لا يؤمنون))، فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنّها في محلٍّ رفعٍ
بدلاً من ((كلمةُ))، أي: حَقَّ عليهم انتفاء الإِيمان. الثاني: أنها في محلٌّ رفعٍ
خبراً لمبتدأ محذوف، أي: الأمر عدمُ إيمانِهم. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ
بعد إسقاط الحرف الجارّ. الرابع: أنها في محلِّ جرِّ على إعمالِه محذوفاً
إذ الأصل: لأنهم لا يُؤمنون. قال الزمخشري (٣): ((أو أراد بالكلمة العِدَة:
بالعذاب، و((أنهم لا يُؤْمنون)» تعليل، أي: لأنهم)».
وقرأ أبو عمرو(٤) وابنُ كثير والكوفيون(٥) ((كلمة)) بالإِفراد(٦)، وكذا في
آخر السورة. وقد تقدَّم ذلك في الأنعام(٧). وقرأ ابن(٨) أبي عبلة «إنهم
لا يؤمنون)) بكسر ((إنّ)) على الاستئناف وفيها معنى التعليل، وهذه مقويَّةٌ للوجهِ
الصائر إلى التعليل.
أ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿قل اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾: هذه الجملةُ جواب
لقوله: ((هل مِنْ شركائِكم مَنْ يبدأ)) وإنما أتى بالجواب جملةً اسميةً مُصَرَّحاً (٩)
(١) في الآية ٣١.
(٢) الكشاف ٢٣٦/٢.
(٣) الكشاف ٢٣٦/٢
(٤) السبعة ٣٢٦؛ الحجة ٣٣١؛ التيسير ١٢٢؛ البحر ١٥٥/٥.
(٥) عاصم وحمزة والكسائي.
(٦) الأصل ((بالجمع)) وهو سهو.
(٧) انظر إعرابه للآية ١١٥ .
(٨) البحر ١٥٥/٥.
(٩) الأصل: مصرح، وهو سهو.
١٩٦
-

- يونس -
بجزأيها مُعَادً فيها الخبر مطابقاً لخبر اسم الاستفهام للتأكيدِ والتثبيتٍ، ولمَّا
كان الاستفهام قبل هذا لا مَنْدوحةً لهم عن الاعتراف به جاءَت الجملةُ محذوفاً
منها أحدُ جُزْأَيْها في قوله ((فسيقولون الله))(١)، ولم يَحْتَجْ إلى التأكيد بتصريح
جزأيها .
آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿يَهْدي إلى الحق﴾: قد تقدم في أول هذا
الموضوع(٢) أنَّ ((هَدَى)) يتعدَّى إلى اثنين ثانيهما: إمَّا باللام أو بإلى، وقد
يُحْذَفُ الحرفُ تخفيفاً. وقد جُمع بين التعديتين هنا بحرف الجر فَعَذَّى الأول
والثالث بـ ((إلى)) والثاني باللام، وحُذِف المفعولُ الأول من الأفعال الثلاثة،
والتقدير: هل مِنْ شركائكم مَنْ يَهْدي غيره إلى الحق قل اللَّهُ يَهْدي مَنْ يشاء
للحق، أفَمَنْ يهدي غيرَه إلى الحق. وزعم الكسائي والفراء(٣) وتبعهما
الزمخشري (٤) أنَّ ((يهدي)) الأولَ قاصرٌ، وأنه بمعنى اهتدى. وفيه نظر، لأن
مُقابلَه وهو ((قل الله يهدي للحق)) متعدٍّ(٥). وقد أنكر المبرد أيضاً مقالة (٦)
الكسائي والفراء وقال: ((لا نَعْرِفُ هَدَى بمعنى اهتدى)»، قلت: الكسائي
والفراء أَثْبتاه(٧) بما نقلاه، ولكن إنما ضَعُف ذلك هنا لِما ذَكَرْت لك
من مقابلته بالمتعدي، وقد تقدَّم أن التعديةَ بـ ((إلى)) أو اللام من باب التفنَّن
في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري (٨): ((يقال: هَدَاه للحق وإلى الحق،
(١) في الآية ٣١.
(٢) أنظر إعرابه للآية ٥ من سورة الفاتحة.
(٣) معاني القرآن له ٩٩/٢.
(٤) الكشاف ٢٣٦/٢ .
(٥) أي: يهدي مَنْ يشاء)).
(٦) قوله: ((مقالة)) غير واضح في الأصل.
(٧) قوله: ((أَثْبتاه)) غير واضح في الأصل.
(٨) الكشاف ٢٣٦/٢.
١٩٧

- يونس -
[٤٦٦/ب] فجمع بين اللغتين)). وقال غيره: ((إنما عَدَّى المسندَ إلى الله باللام / لأنها:
أدَلُّ في بابها على المعنى المرادِ من ((إلى))؛ إذ أصلُها لإِفادةِ المُلْك، فكأن
الهداية مملوكة الله تعالى)) وفيه نظر، لأن المراد بقوله: ((أَفَمَنْ يهدي إلى
الحق)) هو الله تعالى مع تَعدِّي الفعلِ المسند إليه بـ ((إلى)).
قوله: ((أحقُّ أَن يُتَّبَعَ)) خبرٌ لقوله: ((أَفَمَنْ يَهْدي)) و((أَنْ)) في موضعٍ
نصبٍ أو جرِّ بعد حذف الخافض، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وتقديرُ هذا كله:
(أَفَمَنْ يَهْدي إلى الحقّ أَحَقُّ بأن يُتْبَعِ ممِّن لا يَهْدي)). ذكر ذلك مكي(١) ابن
أبي طالب، فجعل: ((أحقّ)) هنا على بابها من كونها للتفضيل. وقد منع
الشيخ (٢) كونَها هنا للتفضيل فقال: ((وأحق)) ليست للتفضيل، بل المعنى:
حقيقٌ بأن يُتَّبع)). وجَوَّز مكي(٣) أيضاً في المسألة وجهين آخرين أحدهما: أن
تكون ((مَنْ)) مبتدأ أيضاً، و((أنْ)) في محلِّ رفع بدلاً منها بدلَ اشتمال،
و((أحقُّ)) خبرٌ على ما كان. والثاني: أن يكون ((أن يُتَبع)» في محلٍّ رفعٍ
بالابتداء، و((أحقُّ)) خبرُه مقدَّم عليه. وهذه الجملةُ خبر لـ ((مَنْ يَهْدي)) ..
فَتَحَصَّل في المسألة ثلاثة أوجه.
قوله: ((أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي)) نسقٌ على ((أفمن))، وجاء هنا على الأفصحِ مِنْ.
حيث إنَّه قد فُصِل بين ((أم)) وما عُطِفَتْ عليه بالخبر كقولك: ((أزيدٌ قائم
أم عمرو» ومثله: «أذلك خیر أم جنةُ الخُلْد))(٤). وهذا بخلاف قوله تعالی:
((أقريبٌ أم بعيدٌ ما توعدون))(٥) وسيأتي هذا في موضعه.
(١) المشكل ٣٨١/١.
(٢) البحر ١٥٦/٥.
(٣) المشكل ٣٨١/١.
(٤) الآية ١٥ من سورة الفرقان.
(٥) الآية ١٠٩ من سورة الأنبياء.
١٩٨

- يونس -
وقرأ أبو(١) بكر عن عاصم بكسر ياء ((يهدي)) وهائه. وحفص بكسر الهاء
دون الياء. فأمَّا كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، وذلك أن أصلَّه يَهْتدي، فلما
قُصِد إِدغامُه سكنَتْ التاء، والهاءُ قبلَها ساكنة فكُسِرَتْ الهاءُ لالتقاء الساكنين.
وأبو بكر أتبع الياء للهاء في الكسر. وقال أبو حاتم في قراءة حفص ((هي لغة
سُفْلَی مُضَر»، ونقل عن سيبويه(٢) أنه لا يُجيز «پھْدي)) ویجیز «تھْدي ونِهْدي
وإهدي))، قال: ((لأن الكسرةَ تَثْقُل في الياء)»، قلت: يعني أنه يُجيز كَسْرَ
حرفِ المضارعة من هذا النحو نحو: تِهْدي ونِهدي وإهدي إذ لا ثِقَلَ في
ذلك، ولم يُجِزْهُ في الياء لثقل الحركةِ المجانسةِ لها عليها. وهذا فيه غَضِّ من
قراءة أبي بكر، لكنه قد تواتّرَ قراءةً فهو مقبولٌ.
وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع بفتح الياء واختلاس فتحة الهاء وتَشْديد
الدال، وذلك أنهما لَمَّا ثقَّلا الفتحة للإدغام اختلسا الفتحةَ تنبيهاً على أن الهاءَ
ليس أصلُها الحركةَ بل السكون. وقرأ ابن كثير وابن عامر وورش بإكمال فتحة
الهاء على أصل النقل(٣). وقد رُوي عن أبي عمرو وقالون اختلاسُ كسرةٍ
الهاءِ على أصل التقاء الساكنين، والاختلاس للتنبيه على أنَّ أصلَ الهاءِ(٤)
السكون كما تقدم.
وقرأ أهلُ المدينة - خلاورشاً - بفتح الياء وسكون الهاء وتشديد الدال.
وهذه القراءةُ استشكلها جماعةٌ من حيث الجمعُ بين الساكنين. قال المبرد:
(مَنْ رام هذا لا بد أن يُحَرُّكَ حركةً خفيَّة)). وقال أبو جعفر النحاس(٥):
(١) في رواية يحيى عنه، وصورتها ((يهدِّي)). انظر: السبعة ٣٢٦؛ التيسير ١٢٢؛
الحجة ٣٣١؛ البحر ١٥٦/٥.
(٢) نقل سيبويه عدم جواز الكر في الياء عن تميم: الكتاب ٢٥٨/٢. وانظر: الكتاب
٢٥٦/٢.
(٣) وصورتها ((يَهَدِّي)) الأصل يهتدي فأدغمت التاء في الدال وألقيت فتحتها على الهاء.
(٤) قوله ((الهاء)) غير واضح في الأصل.
(٥) إعراب القرآن ٥٩/٢.
١٩٩

- يونس -
(لا يقدر أحدٌ أن يَنْطِقَ به))، قلت: وقد قال في ((التيسير))(١): ((والنصُ عن
قالون بالإِسكان))، قلت: ولا بُعْدَ في ذلك فقد تقدَّم أن بعضَ القُرَّاء يَقْرأ
(نِعْمَا))(٢) و((لا تَعْدُّوا))(٣) بالجمع بين الساكنين، وتقدَّمت لك قراءاتٌ كثيرة
في قوله: (يَخْطف أبصارهم))(٤)، وسيأتي لك مثلُ هذا في ((يَخِصِّمون)(٥).
وقرأ الأخَوان (٦) ((يَهْدي)) بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيفِ الدال مِنْ
هَدَى يَهْدي وفيه قولان، أحدهما: أنَّ ((هَدَى)) بمعنى اهتدى. والثاني: أنه
متعدٍّ، ومفعولُه محذوف كما تقدَّم تحريره. وقد تقدم قول الكسائي والفراء في
ذلك(٧) ورَدَّ المبرد عليهما. وقال ابن عطية (٨): ((والذي أقول: قراءةُ حمزة.
والكسائي تحتمل أن يكون المعنى: أَمْ مَنْ لا يهدي أحداً إلا أن يُهدى ذلك
الأحدُ بهداية الله، وأمَّا على غيرِها مِنَ القراءات التي مقتضاها ((أم من
لا يَهْتدي إلا أن يُهدَّى)» فيتجه المعنى على ما تقدَّم)» ثم قال(٩): ((وقيل: تمّ
الكلامُ عند قوله: ((أم مَنْ لا يَهِدِّي، أي: لا يَهِدِّي غيره)). ثم قال: ((إلا أن
يُهْدی» استثناءً منقطع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يُهْدی کما تقول: فلان
لا يسمع غيره إلا أَنْ يُسْمع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يسمع)). انتهى. ويجوز
(١) التيسير ١٢٢.
(٢) من الآية ٥٨ من سورة النساء، وهي رواية عن أبي عمرو وقالون كما في الدر المصون
الورقة ١٠٨ ب.
(٣) من الآية ١٥٤ من سورة النساء. وانظر: الورقة ٢٢٧ ب من الدر، وهي رواية عن
قالون.
(٤) من الآية ٢٠ من سورة البقرة. وانظر: الورقة ٢١ ب من الدر.
(٥) من الآية ٤٩ من سورة يس.
(٦) حمزة والكسائي.
(٧) انظر: الورقة ٤٦٦ أ.
(٨) المحرر ٤١/٩.
(٩) لم يرد هذا القول والذي بعده لأبي محمد ابن عطية في مطبوعة المحرر، وقد تابع
السمين صاحب البحر في نسبة هذا لابن عطية (البحر ١٥٦/٥).
٢٠٠