Indexed OCR Text
Pages 161-180
- يونس - أي: منهم مَنْ يدعو مُسْتلقياً، ومنهم مَنْ يدعو قائماً، أو يُراد به شخصٌ واحد جَمَع بين هذه الأحوال الثلاثة بحسبِ الأوقاتِ، فيدعو في وقتٍ على هذه الحال، وفي وقت على أخرى. قوله: ((كأن لم يَدْعُنا)) قد تقدَّم الكلامُ على مثل هذا عند قوله: ((كأنْ لم تكنْ بينكم))(١). قال الزمخشري(٢): ((فَحَذْفَ ضميرَ الشأن كقوله(٣): ٢٥٧٤_ كأنْ ثَدْياه حُقَّانٍ)) يعني على روايةٍ مَنْ رواه ((ثَدْيان)) بالألف، ويُروى ((كأنْ ثَدْبَيْه)) بالياءِ على أنها أُعملت في الظاهر وهو شاذٍّ، وصدر هذا البيت: وصَدْرٍ مُشْرقِ النَّحْرِ وهذه الجملةُ التشبيهيةُ في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل ((مَّ»، أي: مضى على طريقته مشبهاً مَنْ لم يَدْعُ إلى كشف ضر. و ((مَسَّه)) صفةٌ لـ ((ضُرّ)، قال صاحب النظم: ((وإذا مَسَّ الإِنسان)) وَصْفُه للمستقبل، و«فلمًّا كشفنا)) للماضي، فهذا النّظْم يدلُّ على معنى الآية أنه كان هكذا فيما مضى، وهكذا يكون مما يُستقبل، فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل)). والكافُ مِنْ ((كذلك زُيِّن)» في موضع نصب على المصدر، أي: مثلَ ذلك التزيين والإِعراض عن الابتهال. وفاعل ((زُيِّن)) المحذوف: إمَّا الله تعالى وإمَّا الشيطان. و((ما كانوا يعملون)) في محل رفع لقيامه مقام الفاعل. و((ما)) يجوزُ أن تكون مصدريةً، وأن تكونَ بمعنى الذي . (١) الآية ٧٣ من سورة النساء. (٢) الكشاف ٢٢٨/٢. (٣) تقدم برقم ١٦٠٥ . ١٦١ - يونس - آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿مِنْ قبلكم﴾: متعلقٌ بـ ((أَهْلكنا))، ولا يجوز أن يكونَ حالاً من ((القرون)) لأنه ظرف زمان فلا يقع حالاً عن الجثة كما لا يقع خبراً عنها. وقد تقدَّم تحقيق هذا في أول البقرة، وقد تقدَّم الكلامُ على (لمّا)) أيضاً. قوله: ((وجاءتهم رُسُلُهم)) يجوز أن يكون معطوفاً على ((ظلموا)) فلا محلّ له عند سيبويه، ومحله الجر عند غيره(١)، لأنه عطف على ما هو في محل جر بإضافة الظرف إليه، ويجوز أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلُهم بالحُجَجِ والشواهد على صدقهم. و ((بالبينات)) يجوزُ أن يتعلَّق بـ((جاءتهم))، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((رسلهم)) [أي: ] جاؤوا ملتبسين بالبينات مصاحبين لها. قوله: ((وما كانوا)) الظاهرُ عَطْفه على ((ظلموا)). وجَوَّز الزمخشري(٢) أن [٤٦٠/ب] يكونَ / اعتراضاً قال: ((واللامُ لتأكيد نفي إيمانهم، ويعني بالاعتراض كونَه. وقع بين الفعل ومصدرِه التشبيهي في قوله ((كذلك نَجزي)). والضميرُ في ((كانوا)) عائد (٣) على ((القرون)). وجَوَّز مقاتل أن يكونَ ضميرَ أهل مكة، وعلى: هذا يكونُ التفاتاً إذ فيه خروجٌ من ضمير الخطاب في قوله ((قبلكم)» إلى الغَيْبة، والمعنى: وما كنتم لتؤمنوا، و ((كذلك)) نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: مثلَ ذلك الجزاء نجزي. وقُرِىءٍ (٤) ((يَجْزي)) بياء الغيبة، وهو التفاتٌ من التكلم. في قوله ((أَهْلكنا)) إلى الغَيْبة. (١) لعله يعني بغيره الفارسي الذي يقول باسمية ((لما)) ظرفاً. أما سيبويه فيقول بحرفيتها. انظر: الكتاب ٣١٢/٢؛ الإيضاح العضدي ٣١٩. (٢) الكشاف ٢٢٨/٢ (٣) الأصل: «عائداً)) وهو سهو. (٤) البحر ١٣١/٥؛ الكشاف ٢٢٨/٢. ١٦٢ - يونس - آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿لِنَنْظُرَ﴾: متعلق بالجَعْل. وقرأ(١) يحيى الذماري بنون واحدة وتشديد الظاء(٢). وقال يحيى: ((هكذا رأيته في مصحف عثمان)) يعني أنه رآها بنون واحدة، ولا يعني أنه رآها مشددة؛ لأنَّ هذا الشكل الخاص إنما حَدَث بعد عثمان. وخرَّجوها على إدغامِ النون الثانية في الظاء وهو رديءٌ جداً، وأحسنُ ما يقال فيه: إنه بالغ في إخفاءِ غُنَّة النون الساكنة فظنّه السامع إدغاماً، ورؤيته له بنونٍ واحدة لا يدلُّ على قراءته إياه مشددَ الظاء ولا مخفَّفَها. قال الشيخ(٣): ((ولا يدلُّ (٤) على حَذْف النون من اللفظ)). وفيه نظرٌ لأنه كيف يقرأ ما لم يكن مكتوباً في المصحف الذي رآه؟ وقوله: ((كيف)) منصوبٌ بـ ((تعملون)) على المصدر، أي: أيَّ عملٍ تعملون، وهي معلّقة للنظر. آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿أُو بَدِّلْه﴾: يحتمل التبديلُ في الذات والتبديلُ في الصفات، يعني أجعلْ آيَةً عذاب مكانَ آية رحمة. فإن قيل: يلزمُ على الأولِ التكرار في قوله: ((ائت بقرآنٍ غيرِ هذا))، فالجوابُ أن معنى الأول: انت بقرآن غيره مع بقائه، أو بَدِّله بأنْ تُزيل ذاتَه بالكلية، فيتغاير المطلوبان . و ((تِلْقاء)) مصدرٌ على تِفْعال، ولم يجئ مصدر بكسر التاء إلا هذا والتِّبْيان. وقرىء(٥) شاذاً بفتح التاء، وهو قياسُ المصادر الدالة على التكرار (١) البحر ١٣١/٥. والقارىء يحيى بن الحارث الذماري. شيخ القراءة بدمشق بعد ابن عامر، تابعي، عرض على ابن عامر ونافع، ثقة. توفي سنة ١٤٥. انظر: طبقات القراء ٣٦٧/٢. (٢) أي: ((لِنَظُرَ». (٣) البحر ١٣١/٥. (٤) أي: كتبه بنون واحدة. (٥) البحر ١٣٢/٥؛ الكشاف ٢٢٩/٢. ١٦٣ - يونس - كالتِّطْواف والتَّجوال. وقد يُسْتعمل التِّقاء بمعنى قبالتك، فينتصبُ انتصابَ الظروف المكانية. آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿ولا أڈراکم به﴾ أي : ولا أعلمکم الله به، مِنْ دَرَيْتُ، أي: علمتُ. ويقال: دَرَيْتُ بكذا وأَدْرَيْتك بكذا، أي: أحطت به. بطريق الدِّراية، وكذلك في ((علمت به)) فَتَضَمَّن العلمُ معنى الإِحاطة فتعَدَّی تَعْدِيَتَها . وقرأ ابنُ كثير(١) - بخلاف عن البزي - ((ولأُدْراكم)) بلام داخلة على (أَدْراكم)) مثبتاً. والمعنى: ولِأُعْلِمَكم به من غير وساطتي: إمَّا بوساطة مَلَكٍ أو رسولٍ غيري من البشر، ولكنه خَصَّني بهذه الفضيلة. وقراءةُ الجمهور ((لا)) فيها مؤكدةً؛ لأنَّ المعطوفَ على المنفيّ منفيّ، وليست ((لا)) هذه هي التي يُنْفَى بها الفعل، لأنه لا يَصِحُّ نفيُ الفعل بها إذا وقع جواباً، والمعطوفُ على الجواب جواب، ولوقلت: ((لو كان كذا لا كان كذا)) لم يَجُزْ، بل تقول : : (ما كان كذا)). وقرأ ابن عباس والحسن وابن سيرين وأبو رجاء: ((ولا أَدْرَأْتُكم به)» بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الراء. وفي هذه القراءةِ تخريجان، أحدهما: أنها مُبْدَلةٌ. من ألف، والألف منقلبةٌ عن ياءٍ لانفتاحِ ما قبلها وهي لغةٌ لعُقَيْلٍ حكاها قطرب، يقولون في أعطيتك: أعطأتك. وقال أبو حاتم: ((قَلَبَ الحسنُ الياءَ: ألفاً، كما في لغة بني الحرث يقولون: عَلَاك وإلاك(٢)، ثم هَمَزّ على لغة من قال في العالم: العَأْلَم)). وقيل: بل أُبْدلت الهمزة من نفس الياء نحو: ((لَبَأْتُ بالحج)) و ((رثَأْت فلاناً)، أي: لَبِيْتُ ورَتَيْتُ. والثاني: أن الهمزة أصلية وأن اشتقاقه مِنَ الدَّرْء وهو الدَّفْع كقوله: ((ويَدْرَأُ عنها العذابَ)) (٣)، ويقال: أَدْرِأته، (١) التيسير ١٢١؛ الحجة ٣٢٨؛ البحر ١٣٢/٥، وقال: ((إنها من طريق النقاش عن: أبي ربيعة عن البزي)). (٢) أي في: عليك وإليك. (٣) الآية ٨ من سورة النور. ١٦٤ - يونس - أي: جَعَلْته دارِئاً، والمعنى: ولأَجْعَلَنَّكم بتلاوته خُصَماءِ تَدْرُؤُوني بالجدال. قال أبو البقاء (١): ((وقيل: هو غلط، لأنَّ قارِئَها ظَنَّ أنها من الدَّرْءِ وهو الدَّفْعُ. وقيل: ليس بغلطٍ والمعنى: لوشاء اللّه لدَفَعَكم عن الإِيمان به)). وقرأ شهر بن حوشب والأعمش: ((ولا أَنْذَرْتُكم)) من الإِنذار، وكذلك / هي في حرف عبدالله . [٤٦١/أ] والضمير في ((قبله)) عائد على القرآن. وقيل: على النزول. وقيل: على وقت النزول. و((عُمُراً)) مشبهٌ بظرف الزمان فانتصبَ انتصابَه، أي: مدة متطاولة. وقيل: هو على حَذْف مضاف، أي: مقدار عُمُر. وقرأ الأعمش(٢) ((عُمْراً)) بسكون الميم كقولهم: ((عَضْد)) في ((عَضُد)). آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿ما لا يَضُرُّهم): ((ما)) موصولة، أو نكرةٌ موصوفةً وهي واقعةٌ على الأصنام، ولذلك راعى لفظها، فأفرد في قوله: ((ما لا يَضُرُّهم ولا ينفعهم)) ومعناها فجمع في قوله ((هؤلاء شفعاؤنا)). قوله: (أُنَبِّئُون)) قرأ(٣) بعضهم: ((أُتْنْبِئون)) مخففاً مِنْ أنبأ، يقال: أنبأ ونَبَّا كأخبرَ وخبّر. وقوله: ((بما لا يَعْلَمُ)) ((ما)) موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرة موصوفة كالتي تقدمت(٤). وعلى كلا التقديرين فالعائد محذوف، أي: يعلمه. والفاعل هو ضمير الباري تعالى، والمعنى: أتنبِّئوون الله بالذي لا يعلمه الله، وإذا لم يعلم الله شيئاً استحال وجودُ ذلك الشيء، لأنه تعالى لا يَعْزُب عن علمه شيء، وذلك الشيء هو الشفاعة، فـ ((ما)) عبارة عن الشفاعة. (١) الإِملاء ٢٦/٢. (٢) البحر ١٣٣/٥؛ الكشاف ٢٩/٢. (٣) وهي قراءة أبي السمِّال العدوي كما في القرطبي. وانظر: البحر ١٣٤/٥؛ الكشاف ٢٣٠/٢. (٤) أي في قوله: ((ما لا يضرهم)) وقوله: ((تقدمت))، ورد في الأصل ((تقدم)) وهو سهو. ١٦٥ ن- يونس = والمعنى: أن الشفاعةً لو كانَتْ لَعَلِمَهَا الباري تعالى. وقوله: ((في السمواتِ ولا في الأرض» تأكيدٌ لنفيه، لأنَّ كل موجود لا يَخْرِج عنهما. ويجوزُ أن تكونَ ((ما) عبارةً عن الأصنام. وفاعل ((يعلمُ)) ضميرٌ عائد عليها. والمعنى: أَتُعَلِّمون اللَّهَ بالأصنامِ التي لا تَعْلَم شيئاً في السموات ولا في الأرض، وإذا ثَبَتَ أنها لا تعلم فكيف تشفع؟ والشافع لا بد (١) وأن يعرفَ المشفوعَ عنده، والمشفوع له، هكذا أعربه الشيخ (٢)، فجعل ((ما)) عبارة عن الأصنام لا عن الشفاعة، والأول أظهر. و((ما)) في ((عَمَّا يشركون)) يُحتمل أن تكونَ بمعنى الذي، أي: عن شركائهم الذين يُشْركونهم به في العبادة. أو مصدريةٌ، أي: عن إشراكهم به غيره. وقرأ(٣) الأخَوان هنا ((عَمَّا يُشْركون))، وفي النحل موضعين (٤)، الأول: ((سبحانه وتعالى عَمَّا يشركون يُنْزِّل الملائكة))، والثاني: ((بالحق تعالى عما يُشركون)). وفي الروم(٥): ((هل مِنْ شركائكم مَنْ يفعلُ مِنْ ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عَمَّا يشركون)) بالخطاب. والباقون بالغَيْبة في الجميع. والخطاب والغيبة واضحتان. وأتى هنا بـ ((يُشْركون)) مضارعاً دون الماضي تنبيهاً على استمرار خالِهم كما جاؤوا يعبدون، وتنبيهاً أيضاً على أنَّهم على الشرك في المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي . آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿وإذا أَذَْنا﴾: شرطيةٌ جوابُها ((إذا)) الفجائيةَ في قوله: ((إذا لهم مَكْرٌ))، والعاملُ في ((إذا)) الفجائيةِ الاستقرارُ الذي في ((لهم)). (١) لعل الصواب: ((لا بد أن)). (٢) البحر ١٣٤/٥. (٣) السبعة ٣٢٤؛ التيسير ١٢١؛ الحجة ٣٢٩؛ البحر ١٣٤/٥. (٤) الآية: ١، ٣. (٥) الآية ٤٠. ١٦٦ - يونس - وقد تقدَّم لك خلافٌ في ((إذا)) هذه: هل هي حرفٌ أو ظرفُ زمان على بابها أو ظرفُ مكان؟ وقال أبو البقاء (١): ((وقيل: ((إذا)) الثانية زمانيةٌ أيضاً، والثانية وما بعدها جواب الأولى)). وهذا الذي حكاه قولٌ ساقط لا يُفهم معناه(٢). وقوله: ((في آياتنا)) متعلقٌ بـ ((مَكْر)) جعل الآيات مَحَلًّ للمكر والمبالغة، ويَضْعف أن يكون الجارُّ صفةً لـ ((مكر)). وقوله: ((مكراً)) نصبٌ على التمييز. وهو واجبُ النصبِ، لأنك لو صُغْتَ مِنْ (أَفْعل)) فعلًا وأَسْنَدْتَه إلى تمييزِه فاعلاً لصَحَّ أن يُقال: ((سَرُع مَكْرُه)) وأيضاً فإنَّ شرطَ جوازِ الخفضِ صِدْقُ التمييز على موصوفِ أفعل التفضيل نحو: ((زيدٌ أحسنُ فقيه))(٣). و((أَسْرَعُ)) مأخوذٌ مِنْ سَرُع ثلاثياً، حكاه الفارسي. وقيل: بل مِنْ أسرع، وفي بناء أفعل وفعلي التعجب مِنْ أفعل ثلاثةُ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، المنعُ مطلقاً، التفضيلُ: بين أن تكونَ الهمزةُ للتعدية فيمتنعَ، أولا فيجوزَ، وتحريرُها في كتب النحاة (٤). وقال بعضُهم: ((أَسْرع هنا ليست للتفضيل)) وهذا ليس بشيءٍ إذ السياق يردُّه. وجعله ابن عطية(٥) : - أعني كونَ أسرع للتفضيل - نظيرَ قوله(٦): ((لهي أسودُ مِنَ القار)). قال الشيخ(٧): ((وأما تنظيره ((أسود من القار)) بـ((أسرع)) ففاسد / لأن (أسود)) ليس فعلُه على وزنٍ أَفْعَل، وإنما هو على وزن فَعِل [٤٦١/ب] (١) الإملاء ٢٦/٢. (٢) لعل أبا البقاء يعني أن الثانية ليست للمفاجأة، وإنما هي كالأولى في كونها ظرفية شرطية، وقد دخلت على فعل مقدر، أي: إذا ثبت لهم مكر كقوله: إذا باهلي تحته حنظلية (٣) أي: إذا كان التمييز من جنس ما قبله وجب جُرُّه بإضافته إلى أفعل كالمثال، فإن الفقيه من جنس زيد، فكلاهما من الرجال. (٤) انظر: شرح الكافية ٢١٢/٢، ٣٠٧/٢. (٥) المحرر ٢٤/٩. (٦) حديث شريف رواه مالك في الموطأ: جهنم ٢ (٩٩٤/٢). (٧) البحر ١٣٦/٥. ١٦٧ - يونس - نحو: سَوِدَ فهو أسود، ولم يمتنع التعجب ولا بناء أفعل التفضيل عند البصريين مِنْ نحو سَوِدَ وحَمِرَ وأَدِمَ إلا لكونه لوناً. وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين في الألوان مطلقاً، وبعضهم في السواد، والبياض فقط))، قلت: تنظيره به ليس بفاسد، لأنَّ مراده بناءً أفعل مما زاد علی ثلاثة أحرف وإن لم یکن على وزن أَفْعَل، وسَوِد وإن كان على ثلاثةٍ لكنه في معنى الزائد على ثلاثة، إذ هو في معنى أسود، وحَمِرَ في معنى أحمر، نصَّ على ذلك النحويون، وجعلوه : هو العلةَ المانعةَ من التعجب في الألوان . وقرأ(١) الحسنُ وقتادة ومجاهد والأعرج ونافعٌ في روایةٍ: ((يَمْكرون)) بياء: الغيبة جَرْياً على ما سَبَق، والباقون بالخطابِ مبالغةً في الإِعلام بمكرهم والتفاتاً لقوله: ((قل الله))، إذ التقديرُ: قل لهم، فناسَبَ الخطابَ. وفي قوله: (إنَّ رسلَنا)) التفاتٌ أيضاً، إذ لو جَرَىُ على قوله: ((قل الله))، لقيل: إنَّ رسله. أ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿يَنْشُرُكم﴾(٢): قراءةُ ابن عامر مِن النّشْرِ ضد الطيّ، والمعنى: يُفَرِّقكم ويَبْتُّكم. وقرأ الحسن: ((يُنْشِركم)) مِنْ أَنْشَر، أي: أَحْيا وهي قراءةُ ابنٍ مسعود أيضاً. وقرأ بعض الشاميين ((يُنْشِّركم)) بالتشديد. للتكثير مِن النّشْر الذي هو مطاوع الانتشار. وقرأ الباقون ((يُسَيِّركم)) من. التّسْيير، والتضعيفُ فيه للتعديةِ تقول: سار الرجل وسَيَّرْتُه أنا. وقال الفارسي (٣): ((هو تضعيفُ مبالغةٍ لا تضعيفُ تعديةٍ، لأنَّ العربَ تقول: ((سِرْتُ الرجلَ وسيَّرته))، ومنه قول الهذلي (٤): (١) وهي أيضاً قراءة أبي عمرو في رواية هارون العَتّكيّ كما في القرطبي ٣٢٤/٨. وانظر: البحر ١٣٦/٥؛ الكشاف ٢٣١/٢. (٢) رسمها المؤلف على قراءة ابن عامر. انظر: السبعة ٣٢٥؛ التيسير ١٢١؛ الحجة ٣٢٩؛ البحر ١٣٧/٥. (٣) الحجة له (خ) ١٥٨/٣: ذكر قراءة الجمهور واحتج لها ببيت الهذلي المذكور، ولكن لم ترد عبارته التي نقلها المؤلف عنه بقوله: ((هو تضعيف مبالغة ... )). (٤) تقدم برقم ١٤٣٣ .: ١٦٨ - يونس - فأولُ راضٍ سنةٍ مَنْ يَسِيْرُها ٢٥٧٥- فلا تجزعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنت سِرْتها وهذا الذي قاله أبو علي غير ظاهر؛ لأن الأكثر في لسان العرب أنَّ (سار) قاصرٌ، فَجَعْلُ المضعفِ مأخوذاً من الكثير أَوْلَى(١). وقال ابنُ عطية(٢): (وعلى هذا البيتِ اعتراضٌ حتى لا يكونَ شاهداً في هذا، وهو أن يكون الضميرُ كالظرف، كما تقول: ((سِرْتُ الطريق)). قال الشيخ(٣): ((وأمَّا جَعْلُ ابن عطية الضميرَ كالظرفِ كما تقول: ((سِرْتَ الطريقَ)) فهذا لا يجوزُ عند الجمهور، لأنَّ ((الطريقَ)) عندهم ظرفُ مختصِّ كالدار فلا يَصِلُ إليها الفعلُ - غيرَ ((دخلت)) عند سيبويه(٤)، و((انطلقت)) و((ذهبت)) عند الفراء - إلا بوساطة ((في)) إلا في ضرورة، وإذا كان كذلك فضميرُه أَحْرِى أَنْ لا يَتَعَدَّى إليه الفعل)) (٥). وزعم ابن الطراوة أنَّ ((الطريق)) ظرفٌ غيرُ مختصٍ فيصلُ إليه الفعلُ بنفسه، وأباه النحاة . قوله: ((حتى إذا)) ((حتى)) متعلقةٌ بـ «يُسَيِّركم)). وقد تقدَّم الكلامُ على ((حتى)) هذه الداخلةِ على ((إذا)) وما قيل فيها. قال الزمخشري(٦): ((كيف جَعَلَ الكونَ في الفلك غايةَ التسييرِ في البحر، والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفُلْك؟ قلت: لم يجعلِ الكونَ في الفلك غايةَ التسيير، ولكنَّ مضمونَ (١) أي: إِنَّ التضعيف في ((سَيَّ)) للتعدية لأن ((سار الرجل)) لازماً أكثر من «سرت الرجلّ)» متعدياً. (٢) المحرر ٢٥/٩. (٣) البحر ١٣٨/٥. (٤) الكتاب ١٦/١، ٧٩، ٨٢، ٢٠٦. (٥) تمام عبارة البحر: ((وإذا كان ضمير الظرف الذي يصل إليه الفعل بنفسه يصل إليه بوساطة ((في)) - إلا أن اتسع فيه - فلأن يكون الضمير الذي يصل الفعل إلى ظاهره بـ ((في) أولى أن يصل إليه الفعل بوساطة ((في). (٦) الكشاف ٢٣١/٢. ١٦٩ - يونس - الجملة الشرطية الواقعة بعد ((حتى) بما في حيِّزها کأنه قال: ◌ُسِّرکم حتى إذا وقعت هذه الحادثةُ فكان كيت وكيتَ مِنْ مجيء الريحِ العاصفِ وتراكمٍ الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإِنجاء)). وقرأ(١) أبو الدَّرْدَاء وأُّ الدرداء (٢) ((في الفُلْكيّ)) بياء النسب. وتخريجُها يَحْتمل وجهين، أحدهما: أن يُراد به الماءُ الغَمْرُ الكثيرُ الذي لا يَجْرِيِ الفُلْكُ إلا فيه، كأنه قيل: كنتم في الُّلِجِّ الفُلْكِيِّ، ويكونُ الضمير في ((جَرَيْنَ)» عائداً على الفلك لدلالةِ ((الفلكي)) عليه لفظاً ولزوماً. والثاني: أن يكون من باب النسبة إلى الصفة لقولهم: ((أَحْمَريّ)) كقوله(٣): ٢٥٧٦ - أَطَرَباً وأنت قِنَّسْرِيُّ والدهرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ وكنِسْبَتهم إلى العَلَم في قولهم: ((الصَّلَتَانيّ)) كقوله (٤). ٢٥٧٧ - أَنَا الصَّلَتَانِيُّ الذي قد عَلِمْتُمُ فزاد ياءَي النسبِ في اسمه. قوله: ((وجَرَيْن)) يجوز أن يكونَ نسقاً على ((كنتم))، وأن يكونَ حالاً على إضمار ((قد)). والضميرُ عائدٌ على ((الفلك))، والمرادُ به هنا الجُمع، وقد تقدَّم (١) البحر ١٣٨/٥؛ الكشاف ٢٣١/٢. (٢) هجيمة بنت حيي الحميرية، أخذت القراءة عن زوجها وأخذ عنها إبراهيم ابن أبي عبلة .. كانت فقيهة كبيرة القدر توفيت بعد الثمانين. طبقات القراء ٣٥٤/٢. (٣) تقدم برقم ١٣٤٧. (٤) البيت للصَّلَتَان العَبْدي وهو في المحتسب ١١٣/١؛ والمحرر ٢٧/٩؛ والخزانة ٣٠٥/١ وعجزه : متى ما يُحَكَّمْ فهو بالحق صادعُ ١٧٠ - يونس - أنه مكسَّر، وأن تغييره تقديريٌّ، فضمَّتُه كضمةِ («بُدْن))(١)، وأنه ليس باسم جمع، كما زعم الأخفش (٢). وقوله: ((بهمْ)) فيه التفاتٌ من الخطابِ إلى الغَيْبة. قال الزمخشري (٣): / «فإن قلت: ما فائدةُ صَرْفِ الكلامِ عن الخطابِ إلى [١/٤٦٢] الغَيْبة؟ قلت: المبالغةُ كأنه يَذْكُرُ لغيرهم حالَه لُيُعْجِبَهم منها ويَسْتدعي منهم الإِنكارَ والتقبيح)). وقال ابن عطية (٤): ((بهم)) خروجٌ من الخطاب إلى الغَيْبة وحَسُنَ ذلك لأن قوله: ((كنتم في الفلك)) هو بالمعنى المعقول، حتى إذا حَصَلَ بعضُكم في السفن)) انتهى. فقدَّر اسماً غائباً وهو ذلك المضافُ المحذوف، فالضميرُ الغائب يعود عليه. ومثلُه ((أو كظُلُمات في بحرٍ لُجِّ يَغْشاه موج))(٥) تقديره: أو كذي ظلمات)) وعلى هذا فليس من الالتفات في شيءٍ. وقال الشيخ(٦): ((والذي يَظْهر أنَّ حكمةَ الالتفاتِ هنا هي أن قوله ((هو الذي يُسَيِّركم)) خطابٌ فيه امتنانٌ وإظهارُ نعمةٍ للمخاطبين، والمسيَّرون في البر والبحر مؤمنون وكفَّار، والخطابُ شاملٌ، فَحَسُن خطابُهم بذلك ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعلَّ الطالحَ يتذكر هذه النعمةَ، ولمَّا كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نَجُوا بَغَوا في الأرضِ عَذَلَ عن خطابهم بذلك إلى الغَيْبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صُدورُه منهم وهو البغيُ بغير الحق)). (١) بُدُن ويُدْن مفردها بَدَنة وهي الناقة أو البقرة تُنحر بمكة. أي: وأما الضمة في الفُلك المفردة فهي مثل ضمة أي كلمة مفردة، والضمة نفسها في الجمع مثل ضمة أي كلمة مجموعة . (٢) مذهبه في معاني القرآن ٣٤٢، أن الفلك يكون واحداً وجماعة، ولم يزد على ذلك. (٣) الكشاف ٢٣١/٢. (٤) المحرر ٢٧/٩. (٥) الآية ٤٠ من سورة النور. (٦) البحر ١٣٨/٥ - ١٣٩. ١٧١ - يونس - قوله: ((بريحٍ)) متعلقٌ بـ ((جَرَيْنَ))، فيقال: كيف يتعدَّى فعلٌ واحدٌ إِلى معمولّيْن بحرفِ جرِ متحدٍ لفظاً ومعنى؟. فالجوابُ أن الباءَ الأولى للتعديةِ كهي في ((مررت بزيد)) والثانية للسبب فاختلف المعنيان، فلذلك تعلَّقا بعاملٍ واحدٍ. يجوز أن تكونَ الباءُ الثانيةُ للحالِ فتتعلقَ بمحذوف، والتقدير: جَرَيْنَ بهم ملتبسةً بريح، فتكونُ الحالُ من ضمير الفلك. قوله: ((وفرحوا بها))، يجوز أن تكون هذه الجملةُ نَسَقاً على ((جَرَيْنَ))، وأن تكونّ حالاً، و((قد)) معها مضمرةً عند بعضهم، أي: وقد فَرِحوا، وصاحبُ الحال الضمير في ((بهم). قوله: ((جاءَتْها)) الظاهرُ أن هذه الجملةَ الفعلية جواب ((إذا)»، وأن الضميرَ في ((جاءَتْها)) ضميرُ الريح الطيبة، أي: جاءَتِ الريحَ الطيبةَ رِيحٌ عاصفُ، أي: خَلَفَتْها. وبهذا بدأ الزمخشري(١)، وسبقه إليه الفراء(٢) وجَوَّز أن يكونَ الضميرُ للفلك، ورجّح هذا بأن الفُلْكَ هو المُحَدَّث عنه. قوله: ((وظَنُّوا)) يجوز أن يكونَ معطوفً على ((جاءتها)) الذي هو جوابُ: (إذا)، ويجوز أن يكونَ معطوفاً على ((كنتم)) وهو قولُ الطبريّ (٣) ولذلك قال: (وظنُّوا)) جوابُه (دَعَوا الله)). قال الشيخ(٤): ((ظاهره(٥) العطف على جواب ((إذا)) لا أنَّه معطوفُ على ((كنتم)) لكنه محتمل كما تقول: ((إذا زارك فلانٌ فأكرمه، وجاءك خالد فأحسِنْ إليه)) وأنَّ أداةَ الشرط مذكورة)). وقرأ(٦) زيدابن عليّ ((حِيط)) ثلاثياً. (١) الكشاف ٢٣١/٢. (٢) معاني القرآن ٤٦٠/١. (٣) تفسير الطبري ٥٣/١٥. (٤) البحر ١٣٩/٥. (٥) أي: ظاهر ((ظنوا)) .: (٦) البحر ١٣٩/٥. ١٧٢ ۔۔ - يونس - قوله: ((دَعَوُا الله))، قال أبو البقاء(١): ((هو جواب ما اشتمل عليه المعنى مِنْ معنى الشرط، تقديره: لما ظَنُّوا أنهم أُحيط بهم دَعَوُا الله))، وهذا كلامٌ فارغ. وقال الزمخشري (٢): ((هي(٣) بدلُ مِنْ ((ظُنُّوا)) لأنَّ دعاءهم مِنْ لوازم ظنِّهم الهلالَكَ فهو متلبسٌ به)). ونقل الشيخ (٤) عن شيخه أبي جعفر(٥) أنه جوابٌ لسؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا كان حالُهم إذ ذاك؟ فقيل: دَعَوُا الله)). و((مخلصين)) حال. و ((له) متعلقٌ به. و((الدين)) مفعوله. قوله: ((لئن أَنْجَيْتَنَا)) اللامُ موطَِّةٌ للقسم المحذوف، و ((لنكونَنَّ)» جوابه، والقسمُ وجوابهُ في محل نصب بقول مقدر، وذلك القولُ المقدرُ في محلّ نصبٍ على الحال، والتقدير: دَعَوا قائلين: لئن أَنْجَيْتنا من هذه لنكوننَّ. ويجوزُ أن يُجْرَى ((دَعَوا)) مُجرى ((قالوا)»، لأن الدعاء بمعنى القول، إذ هو نوعٌ مِنْ أنواعه، وهو مذهب کوفي. آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿إِذا هم يَبْغُون﴾: جوابُ ((لمًّا))، وهي ((إذا)) الفجائية. وقوله: ((بغير الحق)) حالٌ، أي: ملتبسين بغير الحق. قال الزمخشري(٦): ((فإنْ قلتَ: ما معنى قوله: ((بغير الحق)) والبغيُّ لا يكونُ بحق؟ قلت: بلى وهو استيلاء المسلمين على أرضِ الكفارِ وهَذْمُ دورِهم وإحراقُ زروعِهم وقَطْعُ أشجارهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة))، وكان قد فَسَّر البغيَ (١) لم أجد هذا النص في إملاء أبي البقاء. (٢) الكشاف ٢٣١/٢. (٣) أي: ((دعوا)). (٤) البحر ١٣٩/٥. (٥) أحمد بن إبراهيم. محدث مفسّر قارىء صنَّف تعليقاً على كتاب سيبويه. توفي سنة ٧٠٨. انظر: البغية ٢٩٢/١. (٦) الكشاف ٢٣٢/٢. ١٧٣ - يونس - بالفسادِ والإِمعان فيه، مِنْ ((بَغَى الجرحُ: إذا ترامى للفساد)». ولذلك قال الزجاج: ((إنه الترقّي في الفساد))، وقال الأصمعيُّ أيضاً: ((بَغَى الجرحُ: تَرَقَّى [٤٦٢/ب] إلى الفساد، وبَغَتِ المرأة: فَجَرَت))، قال الشيخ(١) / ((ولا يَصِحُّ أَن يُقال في المسلمين إنهم باغُونَ على الكفرة، إلا إِنْ ذُكرِ أنَّ أَصلَ البغيِ هو الطلبُ مطلقاً، ولا يتضمَّن الفسادَ، فحينئذ ينقسم إلى طلبٍ بحق وطلب بغير حق»، قلت: وقد تقدَّم أنَّ هذه الآيةَ تَرُدُّ على الفارسي(٢) أنَّ ((لمَّا)) ظرف بمعنى حين؛ لأن ما بعد ((إذا)) الفجائية لا يَعْمل فيما قبلها، وإذ قد فَرَضَ كونَ «لمّا)». ظرفاً لزمَ أن يكونَ لها عاملٌ . قوله: ((متاع الحياة) قرأ حفص(٣) ((متاعَ)) نصباً، ونصبُه على خمسة أوجه، أحدُها: أنه منصوب على الظرف الزماني نحو ((مَقْدَم الحاج»، أي: زَمَن متاع الحياة. والثاني: أنه منصوبٌ على المصدر الواقع موقع الحال، أي: مُتَمتعين. والعاملُ في هذا الظرف وهذه الحالِ الاستقرارُ الذي في الخبر، وهو ((عليكم)). ولا يجوزُ أن يكونا منصوبين بالمصدر لأنه يلزم منه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِه بالخبر، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصول إلا بعد تمامٍ صلته. والثالث: نصبُه على المصدرِ المؤكَّد بفعلٍ مقدر، أي: يتمتعون متاع الحياة .. الرابع: أنه منصوبٌ على المفعول به بفعلٍ مقدر يدلُّ عليه المصدر، أي: يبغون متاعَ الحياة. ولا جائزٌ أن ينتصِبَ بالمصدر لِما تقدم. الخامس: أن ينتصب على المفعولِ مِنْ أجله، أي: لأجلِ متاع والعامل فيه: إمَّ الاستقرارُ المقدَّرُ في ((عليكم))، وإمَّا فعلٌ مقدر، ويجوز أن: يكونَ الناصبُ له حالَ جعله ظرفاً أو حالاً أو مفعولاً من أجله نفسَ البغي (١) البحر ٥ /١٤٠. (٢) الإيضاح العضدي ٣١٩. (٣) السبعة ٣٢٥؛ التيسير ١٢١؛ البحر ١٤٠/٥؛ الحجة ٣٣٠، وهي أيضاً قراءة هارون عن ابن كثير. ١٧٤ - يونس - لا على جَعْل ((على أنفسكم)) خبراً بل على جَعْله متعلقاً بنفس البغي، والخبرُ محذوفٌ لطول الكلام، والتقدير: إنما بَغْيُكم على أنفسكم متاعَ الحياة مذمومٌ أو مكروه أو منھيُّ عنه. وقرأ باقي السبعة ((متاعُ)) بالرفع. وفيه أوجه، أحدُها : - وهو الأظهر - أنه خبرُ ((بَغْيكم)) و ((على أنفسكم)) متعلقٌ بالبغي. ويجوز أن [يكونَ] ((عليكم)) خبراً، و((متاع)) خبراً ثانياً، ويجوزُ أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو متاع. ومعنى ((على أنفسكم))، أي: على بعضِكم وجنسِكم كقوله: ((ولا تقتلوا أنفسكم))(١) (ولا تَلْمِزوا أنفسكم))(٢)، أو يكونُ المعنى: إنَّ وبالَ البغي راجعٌ عليكم لا يتعدَّاكم كقولِه: ((وإنْ أَسَأَتُمْ فلها)(٣) ((ومَنْ أساء فَعَلَیْها)»(٤). وقرأ ابنُ أبي إسحاق ((متاعاً الحياة)) بنصب (متاعاً)) و((الحياة)). فـ ((متاعاً) على ما تقدَّم. وأما ((الحياة) فيجوز أن تكونَ مفعولاً بها، والناصبلها المصدر، ولا يجوز والحالةُ هذه أن يكونَ ((متاعاً» مصدراً مؤكداً لأنَّ المؤكِّد لا يعمل. ويجوزُ أَنْ تنتصبَ ((الحياة) على البدل من ((متاعاً)) لأنها مشتملةٌ عليه. وقُرىء(٥) أيضاً (متاعِ الحياة)) بجرِّ ((متاع))، وخُرِّجت على النعت لأنفسكم، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ حينئذ تقديرُه: على أنفسكم ذواتِ متاع الحياة، كذا خرَّجه بعضهم(٦). ويجوز أن يكونَ ممَّا حُذِف منه حرفُ الجر (١) الآية ٢٩ من سورة النساء. (٢) الآية ١١ من سورة الحجرات. (٣) الآية ٧ من سورة الإِسراء. (٤) الآية ٤٦ من سورة فصلت. (٥) ذكرها في الإملاء ٢٧/٢ من غير نسبة. (٦) لعله يعني العكبري في إملائه ٢٧/٢. ١٧٥ - يونس - وبقي عملُه، أي: إنما بَغْيُكم على أنفسِكم لأجلِ متاع، ويدلُّ على ذلك قراءةُ النصب في وجه مَنْ يجعله مفعولاً من أجله، وحَذْفُ حرفِ الجر وإبقاءُ عملِه قليلٌ، وهذه القراءةُ لا تتباعَدُ عنه. وقال أبو البقاء (١): ((ويجوزُ أن يكونَ المصدرُ بمعنى اسم الفاعل، أي: متمتعات)) يعني أنه يَجْعل المصدرَ نعتاً: لـ ((أنفسكم)) من غيرِ حَذْفِ مضافٍ بل على المبالغة أو على جَعْلِ المصدر بمعنى اسم الفاعل. ثم قال: ((ويَضْعُفُ أن يكونَ بدلاً إذ أمكن أن يُجْعَلَ صفةً))، قلت: وإذا جُعِل بدلاً على ضعفه فمِنْ أَيِّ قبيل البدلِ يُجعل؟ والظاهر أنه مِنْ بدل الاشتمال، ولا بد من ضميرٍ محذوفٍ حينئذٍ، أي : متاع الحياة الدنيا لها. وقرىء ((فُيُنََّّكُم)) بياءِ الغَيْبةِ، والفاعلُ ضميرُ الباري تعالى. آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿إنما مَثَلُ﴾: هذه الجملةُ سِيْقَتْ لتشبيهِ الدنيا بنباتِ الأرض، وقد شّرَحَ الله تعالى وجهَ التشبيه بما ذكر. قال الزمخشري(٢): [٤٦٣/أ] ((هذا مِنْ / التشبيهِ المركب، شُبِّهَتْ حالُ الدنيا في سرعةِ تَقَضِّيها وانقراضٍ نعيمِها بعد الإِقبال بجالِ نبات الأرض في جَفَافه وذهابه حُطاماً بعدما التفَّ وتكاتّف وزيَّن الأرض بخضرتِه ورفيفه))، قلت: التشبيهُ المركب في اصطلاح البيانيين: إمَّا أن يكون طرفاه مركبين، أي: تشبيه مركب بمركب كقول بشاربن برد(٣): وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبُهْ ٢٥٧٨- کان مُثَارَ النَّقْعِ فوقَ رؤوسنا وذلك أنه يُشَبِّه الهيئةَ الحاصلةَ من هُوِيٍّ أجرامٍ مشرقة مستطيلةٍ متناسبةٍ : (١) الإملاء ٢٧/٢. (٢) الكشاف ٢٣٣/٢. (٣) ديوانه ٣١٨/١. ١٧٦ - يونس - المقدارِ متفرقةٍ في جوانبٍ شيءٍ مظلم بليلٍ سقطت كواكبُه، وإمّا أن يكونَ طرفاه مختلفَيْن بالإِفراد والتركيب. وتقسيماتُه في غير هذا الموضوع. وقوله: ((كماءٍ) هو خبرُ المبتدأ، و((أنزلناه)) صفةٌ لـ ((ماء))، و((من السماء) متعلقٌ بـ ((أَنْزِلناه)) ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً من الضمير المنصوب. وقوله: (فاختلطَ به)) في هذه الباءِ وجهان، أحدهما: أنها سبيَّةً. قال الزمخشري(١): (فاشتبك بسببه حتى خالط بعضُه بعضاً)، وقال ابن عطية (٢): ((وَصَلَتْ فِرْقَةٌ (النباتَ)) بقوله: ((فاختلط))، أي: اختلط النباتُ بعضُه ببعض بسبب الماء)). والثاني: أنها للمصاحبة بمعنى أنَّ الماءَ يجري مجرى الغذاء له فهو مصاحبه. وزعم بعضُهم أن الوقفَ على قولِه: ((فاختلط)) على أن الفعلَ ضميرٌ عائد على الماء، وتَبْتَدىء ((به نبات الأرض)) على الابتداء والخبر. والضمير في ((به)) على هذا يجوز عَوْدُه على الماء، وأن يعود على الاختلاط الذي تضمنُه الفعل، قاله ابن عطية(٣). قال الشيخ(٤): ((الوقف على قوله: ((فاختلط)) لا يجوزُ، وخاصةً في القرآن لأنه تفكيكٌ للكلام المتصلِ الصحيح والمعنى الفصيحِ ، وذهابٌ إلى اللُّغْز والتعقيد)). قوله: ((ممَّا يأكل)) فيه، وجهان، أحدهما: أنه متعلقُ بـ ((اختلط)) وبه قال الحوفي. والثاني: أنه حالٌ من ((النبات)) وبه قال أبو البقاء(٥)، وهو الظاهرُ، والعاملُ فيه محذوفٌ على القاعدة المستقرة، أي: كائناً أو مستقراً ممَّا بأكل. ولو قيل ((مِنْ)) لبيان الجنس لجاز. وقوله: ((حتى)) غايةٌ فلا بد لها من شيءٍ مُغَيًّا، والفعلُ الذي قبلها - وهو (اختلط)) لا يصلح أن يكون مُغَيًّا لقصرِ زمنهِ. (١) الكشاف ٢٣٣/٢. (٢) المحرر ٢٩/٩. (٣) المحرر ٢٩/٩. (٤) البحر ١٤٣/٥. (٥) الإملاء ٢٧/٢ . ١٧٧ - يونس - فقيل: ثَمَّ فعل محذوف، أي: لم يزلِ النباتُ ينمو حتى كان كيت وكيت. وقيل: يُتجوّزُ في ((فاختلط)) بمعنى: فدامَ اختلاطُه حتی کان کیت وکیت. و ((إذا)) بعد ((حتى)) هذه تقدَّم التنبيهُ عليها(١). قوله: ((وازَّيَّنَتْ)) قرأ الجمهور ((ازَّيَّنَتْ)) بوصل الهمزة وتشديد الزاي والياء، والأصلُ ((وتَزَيَّنت)) فلمَّا أُريد إدغامُ التاء في الزاي بعدها قُلبت زاياً وسَكَنَتْ فاجتلبت همزة الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن فصار ((الزَّيَّنت)). كما ترى، وقد تقدَّم تحريرُ هذا عند قوله تعالى: ((فادَّارَأْتم فيها))(٢). وقرأ أُبَيّ (٣) بن كعب وعبدالله وزيدٌ بن علي والأعمش ((وَتَزَيَّنَتْ)) على تَفَعَّلَتْ، وهو الأصلُ المشار إليه. وقرأ سعد ابن أبي وقاص والسلمي وابن يعمر والحسن والشعبي وأبو العالية ونصر بن عاصم وابن هرمز وعيسى الثقفي: (وَأَزْيَنَتْ)) على وزن أَفْعَلَتْ وأَفْعَل هنا بمعنى صار ذا كذا كأَحْصَدَ الزرعُ وأَغَدَّ البعيرُ، والمعنى: صارت ذا زينة، أي: حَضَرت زينتها وحانَتْ وكان مِنْ حَقِّ الياءِ على هذه القراءة أن تُقْلَبَ ألفاً فيقال: أَزَانَتْ، كأَنَابتٍ فَتُعَلُّ بنقلِ حركتها إلى الساكن قبلها فتتحرك حينئذ، وينفتح ما قبلَها فتقلب ألفاً. كما تقدَّم ذلك في نحو: أقام وأناب، إلا أنها صَحَّتْ شذوذً كقوله: ((أَغْيَمت السماء، وأَغْيَلَت المرأة))(٤)، وقد وَرَدّ ذلك في القرآن نحو: ((اسْتَحْوَذَ)) (٥). وقياسُه استحاذّ كاستقام. وقرأ أبو عثمان النهدي (٦) - وعزاه ابن عطية (٧) لفرقةٍ غيرِ معينة - (١) انظر: الورقة ١٨٤ ب. (٢) الآية ٧٢ من سورة البقرة .. (٣) المحتسب ٣١١/١؛ الكشاف ٢٣٣/٢؛ القرطبي ٣٢٧/٨؛ البحر ١٤٣/٥ - ١٤٤. (٤) أغيلت: إذا سَقَتْ ولدها الغَيْل الذي هو اللبن ترضعه ولدها وهي حامل. (٥) ((استحوذ عليهم الشيطان)) الآية ١٩ من سورة المجادلة. (٦) عبدالرحمن بن مل البصري أدرك زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وسمع من عمر وابن مسعود، كان ورعاً: توفي سنة ١٠٠. انظر: تذكرة الحفاظ ٦١/١. (٧) المحرر ٣٠/٩. ١٧٨ - يونس - ((وآزْيَأَنَّتْ)) بهمزة وصل بعدها زايٌ ساكنة، / بعدها ياءٌ مفتوحة خفيفة، بعدها [٤٦٣/ب] همزةٌ مفتوحة، بعدها نون مشددة. قالوا: وأصلها: وازياَنَّتْ بوزن احَمَارَّت بألف صريحة، ولكنهم كَرِهُوا الجمعَ بين الساكنين، فقلبت الألفُ همزةٌ كقراءة ((الضألّين))(١) و((جَأَنْ))(٢). وعليه قولهم: ((احمارَّت)) بالهمز وأنشد(٣): إذا ما الهَواديْ بالعَبیطِ احمارَّتِ ٢٥٧٩- وقد تقدم لك هذا مشبعاً في أواخر الفاتحة (٤). وقرأ أشياخ عوف ابن أبي جميلة(٥): ((وآزْيأَنَّتْ)) بالأصل المشار إليه، وعزاها ابن عطية(٦) لأبي عثمان النهدي. وقرىء ((وازَّايَنَتْ)) والأصلُ: تزاينت فأدغم. وقوله: ((أهلها))، أي: أهل نباتها. و((أتاها) هو جوابُ ((إذا)) فهو العاملُ فيها. وقيل: الضميرُ عائد على الزينة. وقيل: على الغَلَّة، أي: القُوت فلا حذْفَ حينئذ. و (ليلاً ونهاراً)) ظرفان للإِتيان أو للأمر. والجَعْل هنا تصيير. وحصيد: فعيل بمعنى مفعول؛ ولذلك لم يؤنَّثْ بالتاء وإن كان عبارة عن مؤنث كقولهم: امرأة جريح . (١) الآية ٧ من سورة الفاتحة وهي قراءة أيوب السختياني. الكشاف ٧٣/١؛ المحرر ٠١٣٢/١ (٢) الآية ٣٩ من سورة الرحمن وهي قراءة عمرو بن عبيد. انظر: المحرر ٨٨/١. (٣) البيت لكثير وروايته في الديوان ٩٧/٢. إذا ما احمارَّت بالعبيط العوامل وأنت ابن ليلى خيرُ قومك مشهداً وهو في الخصائص ١٢٦/٣؛ والمحتسب ٤٧/١؛ والمحرر ٣٠/٩، والهوادي: المتقدمة. والعبيط: الدم الطري. (٤) انظر: الدر المصون الورقة ٩أ. (٥) أعرابي بصري ثقة رمي بالقدر والتشيع من السادسة. انظر: التقريب ٤٣٣. (٦) المحرر ٣٠/٩. ١٧٩ - يوش - قوله: ((كأنْ لم تَغْنَ)) هذه الجملةُ يجوز أن تكون حالاً مِنْ مفعول (جَعَلْناه) الأول، وأن تكون مستأنفةً جواباً لسؤال مقدر. وقرأ(١) مروان ابن: الحكم ((تتغَنَّ)) بتاءين بزنة تتفَعَّل، ومثله قول الأعشى: (٢) ٢٥٨٠- طويلَ الثَّواءِ طويلَ التَّغَنّ وهو بمعنى الإِقامة، وقد تقدَّم تحقيقُه في الأعراف(٣). وقرأ الحسن وقتادة ((كأن لم يَغْنَ)) بياء الغيبة، وفي هذا الضميرِ ثلاثةُ أوجهٍ، أجودُها: أن يعودَ على الحصيد لأنه أقرب مذكور. وقيل: يعودُ على الزخرف، أي كأن لم يَقُم الزخرف. وقيل: يعود على النبات أو الزرع الذي قدَّرته مضافاً، أي: كأن لم يَغْنَ زَرْعُها ونباتها. و «بالأمس» المرادُ به الزمن الماضي لا اليوم الذي قبل یومك، فهو کقول زهير: (٤) ٢٥٨١ - وأعلمُ علمَ اليومِ والأمسِ قبلَه ولكنني عن عِلْمِ ما في غدٍ عَمِ: لم يَقْصد بها حقائقَها، والفرقُ بين الأُمْسَيْن أن الذي يراد به قبل يومِك مبنيّ لتضمُّنه معنى الألف واللام، وهذا مُعْرب تدخل عليه أل ويضاف. وقوله: ((كذلك نُفَصِّل)) نعت مصدر محذوف، أي: مثل هذا التفصيل الذي فَصَّلْناه في الماضي نُفَصِّل في المستقبل. (١) البحر ١٤٤/٥؛ الكشاف ٢٣٣/٢. (٢) الديوان ٢٥ وصدره: وكنت امرَأْ زَمَناً بالعِراقْ التغنّ: الاستغناء. (٣) الآية ٩٢. (٤) تقدم برقم ١٦٩٦ . ١٨٠