Indexed OCR Text

Pages 141-160

- التوبة -
الاستفهام مُجرى الأسماءِ المسبوقةِ بأداة الاستفهام نحو: ((أزيداً ضربته)) في
ترجيح إضمار الفعل.
آ. (١٢٦) قوله تعالى: ﴿أُوَ لا يَرَوْن﴾: قرأ حمزة(١) ((ترون)) بتاء
الخطاب وهو خطابٌ للذين آمنوا، والباقون بياء الغيبة رجوعاً على ((الذين في
قلوبهم مرض)). والرؤية هنا تحتمل أن تكون قلبيةً، وأن تكون بصريةً /.
[٤٥٧/ب]
آ. (١٢٧) قوله تعالى: ﴿هل يراكم﴾: في محل نصب بقول
مضمر، أي: يقولون: هل يراكم. وجملةُ القول في محل نصب على الحال،
و «مِنْ أحد» فاعلٌ.
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿مِنْ أنفسِكم﴾: صفةٌ لرسول، أي: من
صميم العرب. وقرأ(٢) ابن عباس وأبو العالية والضحاك وابن محيصن ومحبوب
عن أبي عمرو وعبد الله (٣) بن قُسَيْط المكي ويعقوب من بعض طرقه، وهي
قراءةُ رسولِ الله وفاطمة وعائشة بفتح الفاء، أي: مِنْ أَشْرَفِكم، من النَّفاسة.
وقوله: ((عَزِيز)) فيه أوجه، أحدها: أن يكون ((عزيز)) صفةً لرسول، وفيه أنه
تَقَدَّم غيرُ الوصف الصريح على الوصفِ الصريح. وقد يُجاب بأنَّ ((من
أنفسكم)) متعلقٌ بـ((جاء))، و((ما)) يجوز أن تكون مصدرية أو بمعنى الذي،
وعلى كلا التقديرين فهي فاعل بعزيز، أي: يَعِزُّ عليه عَنَتُكم أو الذي عَنِتُّموه،
أي: عَنْتُهم يُسيئه، فحذفَ العائدَ على التدريج، وهذا كقوله(٤).
٢٥٥٧ _ يَسُرُّ المرء ما ذهب الليالي
وكان ذهابُهنَّ له ذهاباً
(١) السبعة ٣٢٠؛ البحر ١١٦/٥؛ الحجة ٣٢٦.
(٢) الشواذ ٥٦؛ البحر ١١٨/٥.
(٣) لم أقف على ترجمته.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن يعيش ٩٧/١؛ والتصريح ٢٦٨/١؛ والهمع ٨١/١؛
والدرر ٥٤/١.
١٤١

- التوبة -
أي: يَسُرُّه ذهاب الليالي. ويجوز أن يكون ((عزيز)) خبراً مقدماً،
و «ما عَنِتُّم)) مبتدأ مؤخراً، والجملةُ صفةٌ لرسول. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ
((عزيز)) مبتدأ، و((ما)) عنتْم)) خبره، وفيه الابتداءُ بالنكرة لأجل عَمَلِها في الجَارِّ
بعدها. وتقدَّم معنى العنت(١). والأرجح أن يكونَ ((عزيز)) صفةً لرسول؛ لقوله
بعد ذلك ((حريصٌ)) فلم يُجعلْ خبراً لغيره، وادِّعاءُ كونه خبر مبتدأ مضمر،
أي: هو حريصٌ، لا حاجةً إليه.
و ((بالمؤمنين)» متعلقٌ برؤوف. ولا يجوز أن تكونَ المسألةُ من التنازع
لأنَّ مِنْ شرطه تأخّرَ المعمول عن العامِلَيْن، وإن كان بعضهم قد خالف
ويجيز: ((زيداً ضربتُ وشتمته)) على التنازع، وإذا فرّعنا على هذا التضعيف
فيكونُ من إعمال الثاني لا الأولِ لما عُرِف: أنه متى أُعمل الأول أُضْمِرَ في
الثاني من غير حذف.
آ. (١٢٩) والجمهورُ على جَرِّ الميم من «العظيم)» صفةً للعرش.
وقرأ(٢) ابن محيصن برفعها، جَعَلَه نعتاً للرب، ورُويت هذه قراءةٌ عن
ابن كثير. قال أبو بكر الأصمُّ: ((وهذه القراءة أعجبُ إليّ لأنَّ جَعْلَ العظيم
صفةً لله تعالى أَوْلَى مِنْ جِعْله صفةً للعرش)).
(١) في الآية ١١٨ من سورة آل عمران.
(٢) الشواذ ٥٦؛ البحر ١١٩/٥.
١٤٢

سورة يونس عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قد تقدَّم الكلامُ على الحروف المقطعة في أوائل هذا
الموضوع(١)، واختلافُ القُرّاء في إمالة هذه الحروف إذا كان في آخرها ألفٌ
وهي: را، وطا، وها، ويا، وحا. فأمال ((ر)) من جميع سورها إمالةً محضة
الكوفيون إلا حفصاً، وأبو عمر وابن عامر. وأمال الأخَوان وأبو بكر ((طا)) من
جميع سُوَرِها نحو: طس(٢)، طسم(٣)، طه(٤)، و ((يا)) من يس(٥). وافقهم
ابنُ عامر والسوسي على ((يا)) من كهيعص(٦)، بخلاف عن السوسي. وأمال
الأخَوان وأبو عمرو وورش وأبو بكر ((ها)) من طه، وكذلك أمالها من كهيعص
أبو عمرو والكسائي وأبو بكر دون حمزةً وورش. وأمال أبو عمرو وورش
(١) انظر إعرابه للآية ١ من سورة البقرة. وانظر: السبعة ٣٢٢؛ الحجة للفارسي (خ)
١٤٤/٣؛ التيسير ١٢٠؛ الحجة لأبي زرعة ٣٢٧.
(٢) الآية ١ من سورة النمل.
(٣) الآية ١ من سورة الشعراء والقصص.
(٤) الآية ١ من سورة طه.
(٥) الآية ١ من سورة يس.
(٦) الآية ١ من سورة مريم.
١٤٣

- يونس -
والأخَوَان وأبو بكر وابن ذكوان حا من جميع سورها السبع (١). إلا أن أبا عمروٍ
ووَرْشاً يُميلان بين بين، [وللقراء في هذا عمل كثير] (٢) بَيّنْتَه في ((شرح
القصید» .
و((الحكيم)»: يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، أي: الحاكم، وأن يكونَ
بمعنى مفعول، أي: مُحْكَم. قال الأعشى(٣):
۔۔
٢٥٥٨- وغريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةً قد قلتُها لِيُقالَ مَنْ ذا قالها
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿أكان للناسٍ عَجَباً أن أَوْحَيْنا﴾: الهمزة للإِنكار
و ((أن أوحينا)) اسمُها. و((عجباً)) خبرها. و((للناس)) متعلق بمحذوف على أنه
حالٌ مِنْ ((عَجَباً)) لأنه في الأصل صفة له، أو متعلّقٌ بـ ((عَجَباً))، ولا يَضُرُّ كونُه
مصدراً لأنه يُتَسْع في الظرف وعديلهِ ما لا يُتَّسع في غيرهما. وقيل: لأن
(عجباً)) مصدرٌ واقع موقع اسم الفاعل أو اسم المفعول، ومتی کان کذلك جاز
تقديمُ معموله. وقيل: هو متعلق بـ ((كان)) الناقصة، وهذا على رأيٍ مَنْ يُجيز
فيها ذلك. وهذا مرتَّبٌ على الخلاف في دلالة ((كان)) الناقصة على الحدث،
فإن قلنا: إنها تدلَّ على ذلك فيجوز وإلا فلا (٤) وقيل: هو متعلقٌ بمحذوفٍ
على التبيين، والتقدير في الآية: أكان إيحاؤنا إلى رجلٍ منهم عجباً لهم.
و ((منهم)) صفة لـ ((رجل)).
وقرأ(٥) رؤية ((رَجْل)» بسكون الجيم، وهي لغة تميم، يُسَكُّنون فَعُلا
(١) الآية ١ من سورة غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف.
(٢) ما بين معقوفين أثبتناه من باقي النسخ ولم يظهر في الأصل.
(٣) ديوانه ٧؛ القرطبي: ٣٠٥/٨؛ الهمع ٨٤/١؛ الدرر ٥٩/١.
(٤) انظر هذه المسألة في: المغني ٥٧٠.
(٥) البحر ١٢٢/٥؛ المحرر ٥/٩. ورؤية بن عبدالله العجاج التميمي راجز فصيح يحتج
بشعره توفي سنة ١٤٥. البداية والنهاية ٩٦/١٠؛ الأعلام ٣٤/٣.
١٤٤

- يونس -
نحو: سَبُع وعَضُد. وقرأ(١) عبدالله بن مسعود ((عَجَبٌ)). وفيها تخريجان،
أظهرهما: أنها التامة، أي: أَحَدَثَ للناس عجب، و((أنْ أَوْحَيْنا)) متعلق
بـ((عَجَب)) على حَذْف لامِ العلة، أي: عَجَبٌ لِأَنْ أوحينا، أو يكون على
حَذْف ((مِنْ))، أي: مِنْ أَنْ أوحينا. والثاني: أن تكون الناقصة، ويكون قد
جعل اسمَها النكرةَ وخبرَها المعرفةَ، على حَدٍّ قوله(٢):
يكونُ مزاجَها عَسَلٌ ومساءً
٢٥٥٩_
وقال الزمخشري(٣): ((والأجودُ أن تكونَ التامةَ، و((أنْ أَوْحَيْن)) بدلٌ من
((عجب)). يعني به بدلَ اشتمال أو كل من كل؛ لأنه جُعِل هذا نفسَ العَجَب
مبالغةً. والتخريج الثاني لابن عطية (٤).
قوله: ((أَنْ أَنْذِر)) يجوز أن تكونَ المصدرية، وأن تكونَ التفسيريةَ. ثم لك
في المصدرية اعتباران، أحدهما: أن تجعلَها المخففةً مِن الثقيلة، واسمها
ضمير الأمر والشأن محذوف. كذا قال الشيخ(٥)، وفيه نظر من حيث إن أخبار
هذه الأحرف لا تكون جملةً طلبية، حتى لوورد ما يُوهم ذلك يُؤوَّل على
إضمار القول كقوله(٦):
٢٥٦٠ - ولو أصابَتْ لقالَتْ وَهْي صادقةٌ إِنَّ الرياضةَ لا تُنْصِبْكَ للشُّيبِ
وقول الآخر (٧):
(١) البحر ١٢٢/٥.
(٢) تقدم برقم ١٨٢٩.
(٣) الكشاف ٢٢٤/٢.
(٤) المحرر ٥/٩.
(٥) البحر ١٢٢/٥.
(٦) البيت للجميع الأسدي وهي في المفضليات ٣٤، وأمالي الشجري ٣٣٢/١، والخزانة
(٧) تقدم برقم ١٠٢١.
٤ /٢٩٥. تنصبك: تتعبك. الشيب: ج أشيب.
١٤٥

- يونس -
٢٥٦١- إنَّ الذين قتلتُمْ أمسٍ سَيِّدَهُمْ لا تحسَبوا ليلَهم عن ليلِكم ناما
وأيضاً فإن الخبرَ في هذا البابِ إذا وقع جملةً فعلية فلا بد من الفصل:
بأشياءَ ذكرتُها في المائدة، ولكن ذلك الفاصلَ هنامتعذّرٌ. والثاني(١): أنها
[٤٥٨/أ] التي بصدد أن / تنصِبَ الفعلَ المضارعَ، وهي تُوصل بالفعل المتصرِّف مطلقاً.
نحو: ((كتبت إليه بأَنْ قم)). وقد تقدَّم لنا في ذلك بحث أيضاً ولم يُذْكر المُنْذَرُ
به، وقد ذكر المُبَشَّرَ به كما سيأتي لأنَّ المقامَ يقتضي ذلك.
قوله: ((أنَّ لهم قَدَمَ)) ((أنَّ) وما في حَيِّزها هي المبشِّرُ بها، أي: بَشِّرهم.
باستقرارٍ قَدَمِ صِدْق، فَحُذفت الباء، فَجَرى في محلُّها المذهبان(٢). والمرادُ
بقدَمِ صِدْقٍ السابقةُ والفضلُ والمنزلةُ الرفيعة. وإليه ذهب الزجاج
والزمخشري (٣) ومنه قولُ ذي الرمة (٤):
٢٥٦٢٠ - لهمْ قَدَمُ لا يُنْكِرُ الناسُ أنها
مع الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ على البحر
لمَّا كان السعي والسَّبْقُ بالقدم سُمِّي السَّعْيُ المحمود قَدَماً، كما سُمِّيت
اليدُ نِعْمة لمَّا كانت صادرةً عنها، وأُضيف إلى الصدق دلالةً
على فضلِه، وهو من باب رجلُ صدقٍ ورجلُ سوءٍ. وقيل: هو سابقةُ الخير
التي قَدَّموها، ومنه قول(٥) وضَّاح اليمني :
أَلَسْتَ تخشى تقارُبَ الْأَجْلِ:
٢٥٦٣ - مالك وضَّاحُ دائمَ الغَزَلِ
تُنْجِيك يوم العِثارِ والزَّلَلِ:
صَلِّ لذي العرشِ واتَّخِذْ قَدَماً
(١) وهو الاعتبار الثاني في المصدرية .
(٢) أي في محل جر أو نصب.
(٣) الكشاف ٢٢٤/٢
(٤) ديوانه ٩٧٢/٢؛ المحرر ٦/٩؛ القرطبي ٣٠٦/٨. طمت: علت.
(٥) تفسير القرطبي ٣٠٧/٨؛ البحر ١٢٢/٥.
١٤٦

- يونس -
وقيل: هو التقدُّمُ في الشرف، ومنه قول العجاج(١):
وتركوا المُلْكَ لمَلْكٍ ذِي قَدَمْ
٢٥٦٤ - ذَلَّ بنو العَوَّامِ مِنْ آل الحَكَمْ
أي: ذي تقدُّمٍ وشرفٍ. و((لهم)) خبر مقدم، و((قَدَمَ)) اسمُها، و((عند
ربهم)) صفةٌ لـ ((قَدَم)). ومن جَوَّز أن يتقدَّمَ معمولُ خبرِ ((أنَّ) على اسمها إذا
کان حرف جر كقوله(٢):
٢٥٦٥ - فلا تَلْحَني فيها فإِنَّ بحبِّها أخاك مصابُ القلب جَمِّ بَلَابِلُهُ
قال: فـ ((بحبها)) متعلقٌ بـ ((مُصاب))، وقد تقدَّم على الاسم فكذلك
((لهم) يجوز أن يكونَ متعلقاً بـ ((عند ربهم)(٣) لِما تَضَمَّنَ من الاستقرار،
ويكونُ («عند ربهم)» هو الخبر.
وقرأ(٤) نافعٌ وأبو عمرو وابن عامر ((لَسِحْرٌ)) والباقون ((لَساحر))، فـ ((هذا))
يجوزُ أن يكونَ إشارةٌ للقرآن، وأن يكونَ إشارةً للرسول على القراءة الأولى،
ولكن لا بد من تأويل على قولنا: إن المشار إليه هو النبي عليه السلام، أي:
ذو سحر أو جعلوه إياه مبالغةً. وأَمَّا على القراءةِ الثانيةِ فالإِشارةُ للرسولِ عليه
السلام فقط .
آ. (٣) قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرِ الأمرَ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه في
محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً لـ ((إنَّ)). الثاني: أنه حالٌ. الثالث: أنه مستأنفٌ لا محلّ
له من الإعراب.
(١) ديوانه ١٧٣/١؛ القرطبي ٣٠٧/٨؛ البحر ١٢٢/٥.
(٢) تقدم برقم ٢٠٦٢.
(٣) الأصل: «عندهم» وهو سهو.
(٤) السبعة ٣٢٢؛ الحجة لأبى زرعة ٣٢٧؛ التيسير ١٢٠؛ البحر ١٢٣/٥.
١٤٧

- يونس -
·آ. (٤) قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾: منصوبٌ على المصدرِ المؤكَّدِ،
لأنَّ معنى ((إلیه مَرْجِعُكُمْ)): وَعَدَكم بذلك.
وقوله: ((حقاً» مصدرً آخرُ مؤكّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبه مضمر، أي : أُحُقُّ
ذلك حقاً. وقيل: انتصب ((حقاً) بـ ((وَعْدَ)) على تقدير ((في))، أي: وَعْدَ الله
في حق، يعني على التشبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير: ((التقدير: وقتَ
حق)) وأنشد(١):
٢٥٦٦ - أحقاً عبادَ الله أنْ لَسْتُ ذاهباً ولا والِجاً إلا عليَّ رقيبُ
قوله: ((إنه يبدأُ)) الجمهورُ على كسر الهمزة للاستئناف. وقرأ(٢) عبدالله:
وابن القعقاع(٣) والأعمش وسهل بن شعيب(٤) بفتحها. وفيها تأويلاتٌ،
أحدها: أن تكونَ فاعلاً بما نصب ((حقاً))، أي: حَقَّ حَقّأْ بَدْءُ الخلق، ثم
إعادته، كقوله(٥):
٢٥٦٧ - أحقاً عبادَ الله أَنْ لستُ جائِياً
البيت. وهو مذهبُ الفراء(٦) فإنه قال: ((والتقدير: يحقُّ أنه يبدأ
الخلق. الثاني: أنه منصوبٌ بالفعل الذي نَصَب ((وعد الله)) أي: وَعَدَ الله
تعالى بَدْء الخلق ثم إعادته، والمعنى إعادة الخلق بعد بَدْئه. الثالث: أنه
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٢٤/٥؛ والطبري ٢١/١٥؛ والكشاف ٢٢٥/٢.
(٢) البحر ١٢٤/٥؛ الكشاف ٢٢٥/٢.
(٣) وهو أبو جعفر يزيد بن القعقاع وتقدمت ترجمته.
(٤) سهل بن شعيب الكوفي، عرض على عاصم وابن عياش وروى عنه حرملة. طبقات
القراء ٣١٩/١.
(٥) تقدم برقم ٢٥٦٦، وقوله ((جائياً) وردت في الرواية الأولى ((ذاهباً».
(٦) معاني القرآن ٤٥٧/١.
١٤٨

- يونس -
على حَذْف لام الجر أي: لأنه، ذكر هذا الأوجه الثلاثة الزمخشري (١) وغيره.
الرابع: أنه بدلٌ من ((وَعْدَ الله)) قاله ابن عطية(٢). الخامس: أنه مرفوعٌ بنفس
((حقاً) أي: بالمصدر المنون، وهذا إنما يتأَتَّى على جَعْل ((حقاً)) غيرَ مؤكدٍ؛ لأنَّ
المصدر المؤكدَ لا عملَ له إلا إذا ناب عن فعلِه، وفيه بحثٌ. السادس: أن
يكونَ ((حقاً)) مشبهاً بالظرف خبراً مقدماً و((أنَّه)) في محلِّ رفعٍ مبتدأً مؤخراً
كقولهم: أحقاً أنك ذاهب قالوا: تقديره: أفي حقٍ ذهابك.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((حَقٌّ أنه)) برفع [حق] وفتح ((أنَّ)) على الابتداء
والخبر. قال الشيخ (٣): ((وكونُ ((حق)) خبرَ مبتدأ، و ((أنه)) هو المبتدأ هو الوجه
في الإِعراب، كما تقول: ((صحيحٌ أنك تخرج)) لأن [اسم](٤) ((أنّ)) / معرفة، [٤٥٨/ب]
والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة)). قلت: فظاهرُ هذه العبارةِ يُشعر بجواز
العكس(٥)، وهذا قد ورد في باب ((إنَّ)) كقوله(٦):
٢٥٦٨- وإن حراماً أن أَسُبَّ مُجاشعاً. بآبائِيَ الشُّمِّ الكرامِ الخَضَارمِ
وقوله(٧):
٢٥٦٩ - وإن شفاءً عَبْرَةٌ أَنْ سَفَحْتُها وهل عند رسمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّل
(١) الكشاف ٢ /٢٢٥.
(٢) المحرر ٩/٩.
(٣) البحر ١٢٤/٥.
(٤) زيادة من البحر.
(٥) أي يكون المبتدأ نكرة والمصدر خبراً.
(٦) تقدم برقم ١٣٥٧. وانظر بحثاً مفصلاً حول المسألة في الخزانة ٦١/٤.
(٧) تقدم برقم ٢٨٦ .
١٤٩

- يونس -
على جَعْل ((أنْ سفحتُها)» بدلاً من «عبرة)». وقد أخبر في ((كان)» عن نكرةٍ
بمعرفةٍ کقوله(١):
٢٥٧٠-
ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَدَاعا
وقوله(٢):
. ٢٥٧١-
يكون مزاجَها عَسَلٌ وَمَاءُ
وقال مكي (٣): ((وأجاز الفراء رفع ((وعد))، يجعله خبراً لـ ((مرجعكم)).
وأجاز رفعَ ((وعد)) و((حق)) على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد)).
قلت: نعم لم يرفع وعد وحق معاً أحد، وأمَّا رفعُ ((حق)) وحده فقد تقدم أن
ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهُه. ولا يجوز أن يكون ((وعدَ الله)) عاملاً في
((أنه)) لأنه قد وُصِف بقوله ((حقاً) قاله أبو الفتح (٤).
وقرىء ((وَعَدَ اللَّهُ)) بلفظ الفعل الماضي ورفعِ الجلالة فاعلةً، وعلى
هذه يكون ((أنه يَبْدَأ)) معمولاً له إنْ كان هذا القارىءُ يفتح ((أنه))(٥).
والجمهور على ((يَبْدأ)) بفتح الياءِ مِنْ بدأ، وابن(٦) أبي طلحة ((يُبْدِىء)
مِنْ أَبْدأ، وبَدَأ وأبدأ بمعنى .
(١) البيت للقطامى وهو في ديوانه ٣٧؛ والكتاب ٣٣١/١؛ والمقتضب ٩٣/٤؛ وابن يعيش
٩١/٧؛ والخزانة ٣٩١/١؛ والهمع ١١٩/١؛ والدرر ٨٨/١؛ وصدره:
قفي قبل التفرُّق يا ضُباعا
وضباع: ترخيم ضباعة.
(٢) تقدم برقم ١٨٢٩.
(٣) المشكل ٣٧٤/١. وانظر: معاني القرآن للفراء ٤٥٧/١.
(٤) المحتسب ٣٠٧/١:
(٥) الكشاف ٢٢٥/٢ .
(٦) كذا في الأصل لعله تحريف لطلحة كما في المحرر ٩/٩؛ والبحر ١٢٤/٥، ولم يذكر هل
هو طلحة بن مصرف أو طلحة بن سليمان، وتقدمت ترجمتهما.
١٥٠

- يونس -
قوله: ((لَيَجْزِيَ)) متعلق بقوله ((ثم يُعيده))، و((بالقسطِ)) متعلقٌ
بـ ((يَجْزي)). ويجوز أن يكونَ حالاً: إمَّا من الفاعلِ أو المفعول أي: يَجْزيهم
ملتبساً بالقسط أو ملتبسين به. والقِسْط: العدل.
قوله: ((والذين كفروا)) يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مرفوعاً
بالابتداء، والجملةُ بعده [خبره]. الثاني: أن يكون منصوباً عطفاً على
الموصول قبلَه، وتكونُ الجملةُ بعده مبيِنَةً لجزائهم. و((شراب)) [يجوز أَنْ](١)
يكونَ فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، [والأولُ أَوْلَى] (١).
قوله: ((بما كانوا)) الظاهرُ تعلُّقُه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع
خبراً، والتقدير: استقر لهم شراب من جهنم وعذاب أليم بما كانوا. وجَوَّز
أبو البقاء(٢) فيه وجهين - ولم يذكر غيرهما - الأول: أن يكونَ صفةً أخرى
لـ ((عذاب)). والثاني: أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له
ولا حاجةَ إلى العُدول عن الأول.
آ. (٥) قوله تعالى: ﴿ضياءً﴾: إمَّا مفعولٌ ثانٍ على أَنَّ الجَعْلَ
للتصيير، وإمَّا حالٌ على أنه بمعنى الإِنشاء. والجمهور على ((ضياء)) بصريح
الياء قبل الألف، وأصلُها واو لأنه من الضوء. وقرأ قنبل(٣) عن ابن كثير هنا
وفي الأنبياء (٤) والقصص(٥) ((ضِئَاءً)) بقلب الياء همزة، فتصير ألف بين همزتين.
وأُوَّلت على أنه مقلوبٌ قُدِّمت لامُه وأُخِّرت عينه فوقعت الياء طرفاً بعد ألف
(١) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل، أثبتناه من النسخ الأخرى.
(٢) الإملاء ٢٤/٢.
(٣) السبعة ٣٢٣؛ التيسير ١٢٠؛ الحجة لأبي زرعة ٣٢٨، ونسبها لابن كثير في رواية
القواس، البحر ١٢٥/٥.
(٤) الآية ٤٨.
(٥) الآية ٧١.
١٥١

- يونس -
زائدة فقلبت همزة على حَدِّ ((رداء)). وإن شئت قلتَ: لمَّا قُلِبت الكلمة صار
(ضياوا) بالواو، عادت العين إلى أصلها مِن الواو لعدم موجِبِ قَلْبِها ياءً.
وهو الكسرُ السابقُها، ثم أُبْدلت الواوُ همزةً على حَدٍّ كساء. وقال أبو البقاء(١):
(إنها قُلبت ألفاً ثم قُلِبت الألفُ همزةً لئلا تجتمعَ ألفان)).
واستُبْعِدت هذه القراءة من حيث إن اللغةً مبنيّة على تسهيلِ الهمزِ
فكيف يَتَخَيَّلون في قَلْب الحرفِ الخفيف إلى أثقلَ منه؟ قلت: لا غَرْو في
ذلك، فقد قلبوا حرف العلةِ الألف والواو والياء همزة في مواضع لا تُحَصرُ
إلا بعُسْرٍ، إلا أنه هنا ثقيلٌ لاجتماع همزتين. قال أبو شامة: ((وهذه قراءة
ضعيفةً، فإن قياسَ اللغة الفِرارُ من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما،
فكيف يُتَخَيَّل بتقديم وتأخيرٍ يؤدي إلى اجتماع همزتين لم يكونا في الأصل؟
هذا خلافُ حكم اللغة.)).
وقال أبو بكر ابن مجاهد(٢) - وهو ممِّن قرأ على قنبل -: ((ابنُ كثير
وحدَه ((ضِئاء)» بهمزتين في كل القرآن: الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية
بعدها، كذلك قَرَأْتُ على قنبل وهو غلط (٣)، وكان أصحاب البزي
وابن فليح (٤) يُنْكرون هذا ويَقْرؤون ((ضياء)) مثلَ الناس)). قلت: كثيراً ما يتجرأ
أبو بكر على شيخه ويُغَلِّطه، وسيُمُر بك مواضعُ من ذلك، وهذا لا ينبغي أن
يكون، فإنَّ قُنْبُلاً بالمكان الذي يمنع أن يتكلّم فيه أحد.
وقوله في جانب الشمس ((ضياء)) لأن الضوء أقوى من النور، وقد تقدَّم
(١) الإِملاء ٢٤/٢.
(٢) السبعة ٣٢٣.
(٣) قوله ((وهو غلط)) لم يُرد في السبعة.
(٤) عبد الوهاب بن فليح المكي إمام أهل مكة في القراءة في زمانه. أخذ عن داود بن شبل
وأخذ عنه إسحاق بن أحمد. توفي في حدود ٢٥٠. انظر: طبقات القراء ١ /٤٨١.
١٥٢

- يونس -
ذلك في أول البقرة. و((ضياء ونوراً)) يُحْتمل أن يكونا مصدرين، وجُعِلا نفسَ
الكوكبين مبالغةً، أو على حَذْف مضاف أي: ذات ضياء وذا نور. وضياء
يحتمل أن يكونَ جمع ((ضوء)» كسَوْط وسِياط، وخَوْض وحياض.
و ((منازل)) نُصِب على ظرف المكان، وجعله الزمخشري(١) على حذف
مضاف: إمَّا من الأول أي: قَدَّر مَسيره، وإمَّا من الثاني أي: قدَّره ذا منازل،
فعلى التقدير الأول يكون ((منازل)) ظرفاً كما مر، وعلى الثاني يكون مفعولاً
ثانياً على تضمين ((قَدَّر)) معنى: صَيَّه ذا منازل بالتقدير. وقال الشيخ(٢) بعد
أن ذكرَ التقديرين، ولم يَعْزُهما للزمخشري: ((أو قدَّر له منازل، فحذفَ،
وأوصل الفعل إليه فانتصب بحسب هذه التقاديرٍ عل الظرف أو الحال
أو المفعول كقوله: ((والقمرَ / قدَّرناه منازلَ))(٣) وقد سبقَه إلى ذلك أبو البقاء [٤٥٩/أ]
أيضاً.
والضمير في ((قَدَّرناه)) يعود على القمر وحده؛ لأنه هو عمدةُ العربِ في
تواريخهم. وقال ابن عطية (٤): ((ويُحتمل أن يريدهما معاً بحسب أنهما
يتصرَّفان في معرفة عدد السنين والحساب، لكنه اجتُزِىءَ بذِكْر أحدهما كقوله
تعالى: (واللَّهُ ورسولُه أحقُّ أن يُرْضوه)»(٥) وكما قال الشاعر(٦):
بريئاً ومِنْ أجل الطَِّيِّ رماني
٢٥٧٢- رماني بأمرٍ کنتُ منه ووالدي
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿ولِتعلموا﴾: متعلق بـ «قَدَّره)). وسُئل أبو عمرو
(١) الكشاف ٢٢٥/٢.
(٢) الآية ٣٩ من سورة يس.
(٣) الإملاء ٢٤/٢.
(٤) المحرر ١١/٩.
(٥) الآية ٦٢ من سورة التوبة .
(٦) تقدم برقم ١٠٧٩.
١٥٣

- يونس -
عن الحساب: ((أتنصِبُه أم تجرُّه؟ فقال: ((ومَنْ يدري ما عدد الحساب؟ يعني
أنه سُئل: هل تعطفه على ((عَدَدَ)) فتنصبه أم على ((السنين)) فتجرَّ؟ فكأنه قال:
لا يمكنُ جَرُّه؛ إذ يقتضي ذلك أن يُعلم عدد الحساب، ولا يقدر أحد أَنْ يعلمَ
عددَه. و((ذلك)) إشارةٌ إلى ما تقدم أي: ما خلق الله ذلك المذكور إلا ملتبساً
بالحق فيكون(١) حالاً: إمَّا من الفاعل وإما من المفعول. وقيل: الباء بمعنى
اللام أي: للحق، ولا حاجة إليه.
وقرأ(٢) ابنُ كثير وأبو عمرو ((يُفَصِّل)) بياء الغيبة جَرْياً على اسم الله
تعالى، والباقون بنون العظمة التفاتاً من الغَيْبة إلى التكلُّم للتعظيم.
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿واطمأنُّوا﴾: يجوز أن يكون عطفاً على
الصلة، وهو الظاهرُ، وأن تكونَ الواوُ للحال، والتقدير: وقد اطمأنُّوا. وقوله:
((والذين هم)) يحتمل أن يكون من باب عطف الصفات، بمعنى أنَّهم جامعون
بين عدمِ رجاء لقاءِ اللهِ وبين الغَفْلة عن الآيات، وأن يكون هذا الموصولُ غَيرَ
الأول، فيكونَ عطفاً على اسم ((إن)) أي: إن الذين لا يَرْجُون، وإن الذين هم.
آ. (٨) و: ﴿أولئك﴾: مبتدأ و ((مَأْواهم)) مبتدأ ثانٍ، و ((النار)) خبرُ هذا
الثاني، والثاني وخبره خبر ((أولئك))، و((أولئك)) وخبره خبر ((إن الذين)). و ((بما
كانوا)) متعلقٌ بما تضمَّنته الجملة من قوله: ((مَأْواهم النار)) والباءُ سببيةٌ، و (ما))
مصدريةٌ، وجيء بالفعل بعدها مضارعاً دلالةً على استمرارٍ ذلك في كل
زمان. وقال أبو البقاء (٣): ((إن الباءَ تتعلَّق بمحذوف أي: جُوزوا بما كانوا)).
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿تَجْري من تحتهم الأنهارُ﴾: يجوز أن يكونَ
(١) أي قوله ((بالحق)).
(٢) السبعة ٣٢٣؛ التيسير ١٢١؛ البحر ١٢٦/٥؛ وحفص عن عاصم بالغيبة كذلك.
(٣) الإملاء ٢٥/٢ .
١٥٤

- يونس -
حالاً من مفعول ((يَهْديهم))، وأن يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ معطوفاً على
ما قبله، حُذِف منه حرفُ العطف. قوله ((في جنات)) يجوز أن يتعلَّق
بـ (تَجْري)) وأن يكون حالاً من ((الأنهار))، وأن يكونَ خبراً بعد خبر لـ ((إنَّ)»،
وأن يكون متعلّقاً بـ ((يَهْدي)).
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿دَعْواهم﴾: مبتدأُ و ((سبحانَك)) معمول لفعلٍ
مقدر لا يجوز إظهارُه هو الخبر، والخبرُ هنا هو نفس المبتدأ، والمعنى: أن
دعاءَهم هذا اللفظُ، فـ((دعوى)) يجوز أن يكون بمعنى الدعاء، ويدلُّ عليه
((اللهم)) لأنه نداء في معنى يا الله، ويجوز أن يكونَ هذا الدعاءُ هنا بمعنى
العبادة، فـ (دَعْوى)) مصدرٌ مضاف للفاعل، ثم إنْ شِئْتَ أن تجعلَ هذا من
باب الإِسناد اللفظي أي: دعاؤهم في الجنة هذا اللفظُ، فيكون نفسُ
((سبحانك)) هو الخبرَ، وجاء به مَحْكيَّاً على نصبه بذلك الفعل، وإن شِئْتَ
جَعَلْتَه من باب الإِسناد المعنوي فلا يلزمُ أن يقولوا هذا اللفظً فقط، بل يقولونه
وما يؤدِّي معناه من جميع صفات التنزيه والتقديس، وقد تقدم لك نظيرُ هذا
عند قوله تعالى: ((وقولوا حِطَّة))(١)، فعليك بالالتفات إليه.
و((تحيَّتُهم)) مبتدأٌ، و((سَلامٌ)) خبرُها، وهو كالذي قبله، والمصدرُ هنا
يحتمل أن يكونَ مضافاً لفاعله أي: تحيتهم التي يُحَيُّون بها بعضَهم سلامٌ،
ويُحتمل أن يكونَ مضافاً لمفعوله أي: تحيتهم التي تُحَيِّهم بها الملائكةُ
سلام، ويدلُّ له ((والملائكة يَدْخُلون عليهم من كلِّ باب سلام عليكم))(٢).
و ((فيها)) في الموضعين متعلقٌ بالمصدرِ قبله، و((قبل)) يجوز أن يكون حالاً ممَّا
بعده فيتعلَّقَ بمحذوف، وليس بذاك. وقال بعضُهم: ((يجوز أن يكون
(تحيتهم)) مِمَّا أضيف فيه المصدرُ لفاعله ومفعوله معاً؛ لأنَّ المعنى: يُحَبِّي
(١) الآية ٥٨ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٢٣ من سورة الرعد.
١٥٥

ــ يونس -
بعضُهم بعضاً، ويكون كقوله تعالى: ((وكنّا لحكمهم شاهدين»(١) حيث أضافَه
لداود وسليمان وهما الحاكمان، وإلى المحكوم عليه، وهذا مبنيٌّ على مسألةٍ
أخرى وهو أنه: هل يجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ أم لا؟ فإن قلنا: نعم،
جاز ذلك لأن إضافةً المصدرِ لفاعله حقيقةً ولمفعوله مجاز، ومَنْ منع ذلك
[٤٥٩/ب] أجاب بأن أَقَلَّ الجمعِ اثنان فلذلك قال: / ((لحكمهم)).
قوله: ((وآخرُ دعواهم)) مبتدأ، و((أَنْ)) هي المخففة من الثقيلة، واسمُها
ضميرُ الأمر والشأن حُذِف، والجملةُ الاسميةُ بعدَها في محلِّ الرفع خبراً لها
كقول الشاعر(٢):
أَنْ هَالِكٌ كلُّ مَنْ يَحفى ويَنْتَعِلُ
٢٥٧٣- فى فتية كسيوفٍ الهند قد علموا
و ((أنْ)) واسمُها وخبرها في محلٌّ رفعٍ خبراً للمبتدأ الأول. وزعم
الجرجانيُّ أن ((أَنْ)) هنا زائدة والتقدير: وآخر دعواهم الحمد لله، وهي دعوى
لا دليلَ عليها مخالفةً لنص سيبويه(٣) والنحويين. وزعم المبرد (٤) أيضاً أن
((أَنْ)) المخففة يجوز إعمالُها مخففةً كهي مشددةً، وقد تقدم ذلك.
وتخفيفُ ((أَنْ)) ورفعُ ((الحمد)) هو قراءةُ العامة. وقرأ(٥) عكرمة وأبو مجلز
وأبو حيوة وقتادة ومجاهد وابنُ يعمر وبلال بن أبي بردة(٦) وابن محيصن
:
(١) الآية ٧٨ من سورة الأنبياء.
(٢) تقدم برقم ١٧٨٥ .
(٣) الكتاب ٤٨٠/١.
(٤) المقتضب ٣٥٨/٢ قال: ((لو نصبتَ بها وهي مخففة لجاز، فإذا رَفَعْتَ ما بعدها فعلى
حذف التثقيل والمضمر في النية)).
(٥) البحر ١٢٧/٥.
(٦) بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أمير البصرة وقاضيها. روى عنه ثابت
البناني، وروى عن أنس بن مالك. توفي في حدود ١٢٦. انظر: تهذيب الكمال :
١٦١/١؛ الأعلام ٠ ٧٢/٢.
١٥٦

- يونس -
ويعقوب بتشديدها ونصبٍ دال ((الحمد)) على أنه اسمُها. وهذه تؤيدُ أنها
المخففةُ في قراءة العامةِ، وتردُّ على الجرجاني.
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿ولو يُعَجِّل): هذا الامتناعُ نفي في المعنى
تقديره: لا يُعَجِّلُ الله لهم الشرّ. قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: كيفَ اتَّصل
به قولُه: «فَذَرُ الذين لا يَرْجُون لقاءَنا وما معناه؟ قلت: قولُه: ((ولو يُعَجِّل))
متضمِّنٌ معنى نفي التعجيل كأنه قيل: ولا نُعَجِّل لهم بالشرِّ ولا نَقْضي إليهم
اجلهم».
قوله: ((استعجالَهم)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنه منصوبٌ على المصدرِ
التشبيهيِّ تقديرُه: استعجالاً مثلَ استعجالِهم، ثم حَذَفَ الموصوفَ
وهو (استعجال)) وأقامَ صفته مُقامه وهي ((مثل)) فبقي: ولو يعجل اللَّهُ مثل
استعجالِهم، ثم حَذَفَ المضافَ وأقام المُضاف إليه مُقامه. قال مكي(٢):
((وهذا مذهبُ سيبويه)» قلت: وقد تقدَّم غيرَ مرةٍ أن مذهبَ سيبويه(٣) في مثل هذا
أنه منصوبٌ على الحالِ من ذلك المصدرِ المقدَّرِ، وإن كان مشهورُ أقوالٍ
المُعْرِبين غيرَه، ففي نسبةِ ما ذكرته أولاً لسيبويه نظرٌ.
الثاني: أن تقديرَه: تعجيلاً مثلَ استعجالهم، ثم فُعِل به ما تقدَّم قبلَه.
وهذا تقديرُ أبي البقاء (٤)، فقدَّر المحذوف مطابقاً للفعل الذي قبلَه، فإنَّ
(تعجيلاً)) مصدر لـ ((عَجَّل)) وما ذكره مكي(٥) موافقٌ للمصدر الذي بعده.
والذي يظهر ما قدَّره أبو البقاء لأن موافقةَ الفعلِ أولَى، ويكون قد شبّه تعجيله
(١) الكشاف ٢٢٧/٢.
(٢) المشكل ٣٧٥/١.
(٣) الكتاب ١١٦/١.
(٤) الإملاء ٢٥/٢.
(٥) قال مكي في المشكل ٣٧٥/١: ((مصدر تقديره: استعجالاً مثل استعجالهم ... )).
١٥٧

- يونس -
تعالَى باستعجالهم، بخلاف ما قدَّره مكي فإنه لا يظهر، إذ ليس ((استعجال)):
مصدراً لـ ((عجّل)).
وقال الزمخشري (١): ((أصلُه: ولو يُعَجِّل الله للناسِ الشرِّ تعجيله لهم
الخير، فوضع (استعجالهم بالخير)) موضعَ «تعجيله لهم الخيرَ» إشعاراً بسرعة
إجابته لهم وإسعافِه بطلبهم، كأنَّ استعجالَهم بالخير تعجيلٌ لهم)). قال
الشيخ (٢): ((ومدلولُ (عَجَّل)) غيرُ مدلولِ ((استعجل)) لأنَّ ((عَجِّل)) يدلُّ على
الوقوع، و((استعجل)) يدلُّ على طلب التعجيل، وذلك واقعٌ من الله، وهذا.
مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فیحتمل وجهین،
أحدهما: أن يكون التقدير: تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التعجيلَ
بالاستعجال؛ لأن طلبَهم [للخير](٣) ووقوعَ تعجيله مقدَّمُ عندهم علی کل
شيء. والثاني: أن يكون ثَمَّ محذوفٌ يدلُّ عليه المصدرُ تقديرُه: ولو يعجِّل
اللَّهُ للناسِ الشرَّ إذا استعجلوا به استعجالَهم بالخير، لأنهم كانوا يستعجلون
بالشرِّ ووقوعِه على سبيل التهكم كما كانوا يستعجلون بالخير)». الثالث: أنه
منصوبٌ على إسقاط كافِ التشبيهِ، والتقدير: كاستعجالهم. قال أبو البقاء (٤):
((وهو بعيدٌ، إذ لو جاز ذلك لجاز ((زيد غلامَ عمرو)) أي: كغلام عمرو)) وبهذا.
ضَعَّفه جماعةٌ وليس بتضعيفٍ صحيحٍ، إذ ليس في المثال الذي ذكر فعلٌ
يتعدى بنفسه عند حذف الجار، وفي الآيةِ فعلٌ يَصِحُّ فيه ذلك وهو قوله .
((يُعَجِّل)) .. وقال مكي(٥): ((وَيَلْزَمُ مَنْ يُجَوَّر حَذْفَ حرفِ الجر منه أن یجیز («زيدٌ
الأسدُ)) أي: كالأسدِ)). قلت: قوله ((ويلزم إلى آخره)) لا ردًّ فيه على هذا القائل
(١) الكشاف ٢٢٧/٢.
(٢) البحر ١٢٨/٥ - ١٢٩.
(٣) زيادة من البحر.
(٤) الإملاء ٢٥/٢ .
(٥) المشكل ٣٧٥/٢.
١٥٨

- يونس -
إذ يلتزمه، وهو التزام صحيح سائغ، إذ لا ينكر أحد ((زيد الأسدُ)) على معنى
(كالأسد))، وعلى تقدير التسليم فالفرقُ ما ذكره أبو البقاء أي: إن الفعل
يطلب مصدراً مشبَّهاً فصار مدلولاً عليه. وقال بعضهم: تقديره: في
استعجالهم، نقله مكي(١)، فلمَّا حُذِفت ((في)) انتصبَ، وهذا لا معنى له.
قوله ((لَقُضِي)) / قرأ ابن عامر(٢) ((لقضى)) بفتح الفاء والعين مبنياً للفاعل [٤٦٠/أ]
وهو الله تعالى، ((أجلهم)) نصباً. والباقون ((لقُضِيَ)) بالضم والكسر مبنياً
للمفعول، ((أَجَلُهم)) رفعاً لقيامِه مقامَ الفاعل. وقرأ الأعمش ((لقَضَيْن)) مسنداً
الضمير المعظّم نفسَه، وهي مؤيدةٌ لقراءةٍ ابن عامر.
قوله: ((فَذَرُ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على قوله:
((ولو يُعَجِّل اللَّهُ)) على معنى أنه في قوة النفي، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في
سؤال الزمخشري وجوابِه فيه. إلا أن أبا البقاء(٣) ردَّ عطفه على ((يُعَجِّل))
فقال: ((ولا يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على ((يُعَجِّل)) إذ لو كان كذلك لدَخَلَ في
الامتناع الذي تقتضيه ((لو)) وليس كذلك، لأنَّ التعجيلَ لم يقع، وتَرْكَهم في
طغيانهم وقع)). قلت: إنما يَتمُّ هذا الردُّ لو كان معطوفاً على ((يُعَجِّل) فقط باقياً
على معناه، وقد تقدَّم أن الكلامَ صار في قوةِ ((لا نعجِّل لهم الشرَّ فَنَذَرُهم))
فيكون ((فَنَذَرُهم)) معطوفاً على جملة النفي لا على الفعلِ الممتنع وحدَه حتى
يلزمَ ما قال. والثاني (٤): أنه معطوفٌ على جملةٍ مقدرة: ((ولكن نُمْهِلُهم فَذَرُ)
قاله أبو البقاء(٥). والثالث: أن تكون جملةً مستأنفةً، أي: فنحن نَذَّرُ الذين.
قاله الحوفي .
(١) المشكل ٣٧٥/٢.
(٢) السبعة ٣٢٣؛ التيسير ١٢١؛ الحجة ٣٢٨؛ البحر ١٢٩/٥.
(٣) الإِملاء ٢٥/٢.
(٤) أي من أوجه ((فنذر)).
(٥) الإِملاء ٢٥/٢.
١٥٩

- يونس -
.آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿لَجَنْبِهِ﴾: في محلِّ نصبٍ على الحال، ولذلك
عَطَفَ الحالَ الصريحة، والتقدير: دعانا مضطجعاً لجنبه، أو مُلْقِياً لجَنْبه.
واللامُ على بابها عند البصريين، وزعم بعضهم أنها بمعنى ((على))، ولا حاجةً :
إليه. واختلف في ذي الحال، فقيل: الإِنسان، والعامل فيها ((مَسَّ)) قاله
ابن عطية (١). ونَقَله أبو البقاء(٢) عن غيره، واستضعفه من وجهين، أحدهما:
أن الحالَ على هذا واقعةٌ بعد جواب ((إذا)) وليس بالوجهِ. قلت: كأنه يعني أنه
ينبغي ألَّ يجابَ الشرطُ إلا إذا استوفى معمولاتِه، وهذه الحالُ معمولة للشرط
وهو ((مَسَّ))، وقد أُجيب قبل أن يَسْتوفي معموله. ثم قال: ((والثاني: أن
المعنى : كثرةُ دعائِه في كل أحواله لا على أن الضرَّ يصيبه في كل أحواله،
وعليه جاءَتْ آياتٌ كثيرةٌ في القرآن)».
قال الشيخ(٣): ((وهذا الثاني يلزم فيه - مِنْ مَسِّه الضرُّ في هذه
الأحوالِ - دعاؤه في هذه الأحوال، لأنه جوابُ ما ذُكِرت فيه هذه الأحوال
[فالقيد في الشرط قيدُ في الجواب كما تقول: ((إذا جاءنا زيدٌ فقيراً فقد (٤)
أَحْسَنَّا إليه)) فالمعنى (٥):] أَحْسَنَّا إليه في حال فقرِه))(٦).
وقيل: صاحبُ الحال هو الضمير الفاعل في ((دعانا)) وهو واضحٌ، أي:
دعانا في جميع أحواله لأن هذه الأحوال الثلاثة لا يخلو الإنسان عن واحدة
منها. ثم قيل: المراد بالإِنسان الجنسُ، وهذه الأحوالُ بالنسبة إلى المجموع،
(١) المحرر ١٨/٩.
(٢) الإِملاء ٢٥/٢.
(٣) البحر ١٢٩/٥.
(٤) البحر: ((أحسنا)) من غير ((قد)).
(٥) ما بين معقوفين غير واضح في المصورة عن الأصل، أثبتناه من النسخ الأخرى والبحر.
(٦) تمام عبارة البحر: ((فالقيد في الشرط قيد في الجزاء)).
١٦٠