Indexed OCR Text
Pages 121-140
- التوبة - ليحلِفُنَّ. وقوله: ((إن أَرَدْنا)) جوابٌ لقوله: (ليحلِفُنَّ)) فوقع جوابُ القسم المقدر فعلَ قسم مجابٍ بقوله: ((إنْ أَرَدْنا)). و ((إِنْ)) نافية ولذلك وقع بعدها (إلا)). و((الحُسْنِى)) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: إلا الخصلة الحسنى أو إلا الإِرادةَ الحسنى. وقال الزمخشري(١): ((ما أَرَدْنا ببناء هذا المسجد إلا الخَصْلةَ الحسنى، أو إلا لإِرادة (٢) الحسنى وهي الصلاة)). قال الشيخ (٣): ((كأنه في قوله: ((إلا الخصلة الحُسْنى)) جعله مفعولاً، وفي قوله: ((أو الإِرادة الحسنى)) جعله علةً فكأنه ضَمَّن ((أراد)) معنى قَصَد أي: ما قصدوا ببنائه لشيءٍ من الأشياء إلا لإِرادة الحسنى)) قال: ((وهذا وجهً متكلف)). آ. (١٠٨) قوله تعالى: ﴿َسْجِدٌ﴾: فيه وجهان أحدهما: أنها لام الابتداء. والثاني: أنها جوابُ قسمٍ محذوف، وعلى التقديرين فيكون (لَمَسْجِدٌ)) مبتدأ، و((أُسِّس)) في محل رفع نعتً له، و((أحقُّ)) خبره، والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرُ المسجد على حذف مضاف أي: أُسس بنيانه(٤). (مِنْ أُولِ)) متعلقٌ به، وبه استدلَّ الكوفيون على أن ((مِنْ)) تكون لابتداء الغاية في الزمان، واستدلوا أيضاً بقوله: (٥) ٢٥٤٣ _ مِنَ الصبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ لا تَرى من القوم إلا خارجيًّا مُسَوَّما (١) الكشاف ٢١٤/٢. (٢) الكشاف: الإِرادة. (٣) البحر ٩٩/٥. (٤) هذا وهم من المؤلف، فقد اختلط عليه هذا الموضع بالآية التالية: أَسَّسَ بنيانه. (٥) البيت للحصين بن الحمام، وهو في المفضليات ٦٥ برواية مختلفة؛ ورصف المباني ٣٢١؛ والمقرب ١٩٨/١؛ والخزانة ٣٢٣/٣. والخارجيُّ من الخيل: الجواد في غير نسب تقدم له، والمسوم: الذي عليه علامة يُعرف بها. ١٢١ - التوبة - وقوله: (١) ٢٥٤٤- تُخُيِّرْن مِنْ أزمانِ يومِ حَليمةٍ إلى اليوم قد جُرُبْن كلِّ التجاربِ وتأوَّله البصريون على حذف مضاف أي: من تأسيس أول يوم، ومن طلوع الصبح، ومن مجيء أزمان يوم. قال أبو البقاء (٢): ((وهذا ضعيفٌ، لأن التأسيس المقدر ليس بمكانٍ حتى تكون ((مِنْ)) لابتداء غايته. ويدلُّ على جواز ذلك قوله: (الله الأمرُ مِنْ قبلُ ومن بعدُ))(٣)، وهو كثير في القرآن وغيره))، قلت: البصريون إنما فَرُّوا مِنْ كونها لابتداء الغاية في الزمان، وليس في هذه العبارة ما يقتضي أنها لا تكون إلا لابتداء الغاية في المكان حتى يُزَدَّ عليهم بما ذُكِرِ، والخلافُ في هذه المسألة قويٌّ، ولأبي علي فيها كلام طويل. وقال ابن عطية (٤): ((ويَحْسُنُ عندي أن يُسْتغنى عن تقدير، وأن تكون «مِنْ» تجرُّ لفظة ((أول)) لأنها بمعنى البداءة كأنه قال: مِنْ مبتدأ الأيام، وقد حُكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو)). وقوله: ((أحقُّ)) ليس للتفضيل بل بمعنى حقيق، إذ لا مفاضلةً بين المسجدَيْن، و((أن تقوم)) أي: بأن تقوم، والتاء لخطاب الرسول عليه السلام، و «فيه)» متعلقً به. قوله: ((فيه رجالٌ)) يجوز أن يكونَ ((فيه)) صفةً لمسجد، و ((رجال)) فاعل، وأن يكونَ حالاً من الهاء في ((فيه))، و((رجالٌ)) فاعلٌ به أيضاً، وهذان أولى من حيث إن الوصف بالمفرد أصل، والجارُّ قريبٌ من المفرد. ويجوز أن يكون (١) البيت للنابغة، وهو في ديوانه ٦٠؛ وابن يعيش ١٢٨/٥؛ والعيني ٢٧٠/٣؛ والتصريح ٨/٢. (٢) الإِملاء ٢٢/٢. (٣) الآية ٤ من سورة الروم، ولم ترد في مطبوعة الإملاء. (٤) المحرر ٢٧٥/٨. ١٢٢ - التوبة - ((فيه)) خبراً مقدماً، و((رجال)) مبتدأ مؤخر. وفي هذه الجملة أيضاً ثلاثة أوجه، أحدها: الوصفُ، والثاني: الحالُ على ما تقدم، والثالث: الاستئنافُ. وقرأ عبدالله (١) بن زيد ((فيهٍ)) بكسر الهاء، و((فيهُ)) الثانية بضمها وهو الأصل، جَمَعَ بذلك بين اللغتين، وفيه أيضاً رفعُ توهُّمِ التوكيد، ورفعُ توهُّمِ أن ((رجالاً)) مرفوع بـ ((تقوم)). وقوله: ((يحبُّون)) صفة لـ ((رجال)) وأن [يتطهروا] مفعول به. وقرأ(٢) طلحة بن مصرف والأعمش ((يَطَّهِّرُوا)) بالإِدغام، وعلي(٣) بن أبي طالب ((المتطهِّرين)) بالإِظهار، عكس قراءات الجمهور في اللفظتين. آ. (١٠٩) قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّس بنيانَه﴾: قرأ(٤) نافع وابن عامر: (أُسِّس)) مبنياً للمفعول، ((بنيانُه)) / بالرفع لقيامه مقام الفاعل. والباقون [٤٥٥/أ] (أَسَّس)) مبنياً للفاعل ((بنيانه)) مفعول به، والفاعل ضمير مَنْ. وقرأه عمارة(٥) ابن عائذ الأول مبنياً للمفعول، والثاني مبنياً للفاعل، و(بنيانُه)) مرفوع على الأولى ومنصوب على الثانية لِما تقدم. وقرأ نصر بن علي ونصر بن عاصم ((أُسُسُ بنيانِه)). وقرأ أبو حيوة والنصران (٦) أيضاً ((أساسُ بنيانِه)) جمع أُسّ، وروي عن نصر بن عاصم أيضاً ((أَسُ)) بهمزة مفتوحة وسين مشددة مضمومة. وقرىء ((إساس)) بالكسر وهي جموع أضيفت إلى البنيان. وقرىء ((أساس)) بفتح (١) البحر ٩٩/٥، وهو عبدالله بن زيد المكي، روى عن ابن كثير وروى عنه عبيد ابن عقيل، ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٤١٩/١. (٢) البحر ٥ / ١٠٠. (٣) البحر ١٠٠/٥. (٤) السبعة ٣١٨؛ الحجة ٣٢٣؛ الشواذ ٥٥؛ البحر ١٠٠/٥. (٥) لم أقف على ترجمته. (٦) أي نصر بن عاصم ونصر بن علي. والثاني هو أبو عمرو الجهضمي الحافظ، روى عن شبل بن عباد، توفي سنة ٢٥٠. انظر: طبقات القراء ٣٣٨/٢. ١٢٣ - التوبة - الهمزة، و((أُسّ)) بضم الهمزة وتشديد السين، وهما مفردان أضيفا إلى البنيان. ونقل صاحب كتاب (اللوامح)) فيه ((أَسَسُ)) بالتخفيف ورفع السين، ((بنيانِه)) بالجر، فَأَسَسٌ مصدر أسَّ يؤْسُّه أَسَسَاً وأسَّاً فهذه عشر قراءات. والأُسُّ والأساس القاعدة التي بُني عليها الشيء، ويقال: ((كان ذلك على أُسِّ الدهر(١)) كقولهم: ((على وجه الدهر))، ويقال: أَسَّ مضعَّفاً أي: جَعَلَ له أساساً، وأَسَّسَ بزنة فاعَل. والبنيان فيه قولان، أحدهما: أنه مصدر كالغفران والشكران، وأُطْلِق على المفعول كالخَلْقِ بمعنى المخلوق. والثاني: أنه جمعٌ وواحدُه بُنْيانة قال الشاعر: (٢) وآثارُ نَسْعَيْها مِنَ الِدَّقِّ أَبْلَقُ ٢٥٤٥ - كُنْيَانِةِ القاريِّ مَوْضِعُ رَحْلِها يعنون أنه اسم جنس كقمح وقمحة . قوله: ((على تقوى)) يجوز فيها وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ بنفس ((أَسَّس)) فهو مفعوله في المعنى. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الضميرِ المستكنُّ في ((أَسَّسَ)) أي: قاصداً ببنيانه التقوى، كذا قدَّره أبو البقاء(٣). (١) من كلام العرب، يعنون به على قِدَم الدهر. انظر: اللسان: أسس. (٢) البيت لأوس بن حجر وليس في ديوانه؛ والحجة للفارسي (خ) ١٣٠/٣؛ وابن عطية ٢٧٨/٨؛ والبحر ١٠٠/٥. والقاريّ: من يجمع الماء في الحوض، وساكن القرى، وأعلى السنام. وآثار نسعيها عنى به آثار سير عريض طويل تُشْدُّ به الرِّحال. والأبلق: لون فيه سواد وبياض. (٣) الإملاء ٢٢/٢. ١٢٤ - التوبة - وقرأ(١) عيسى بن عمر (تقوىً) منونة. وحكى هذه القراءة سيبويه(٢)، ولم يَرْتَضِها الناسُ لأنَّ ألفَها للتأنيث فلا وَجْهَ لتنوينها. وقد خرَّجها الناسُ على أن تكونَ ألفُها للإلحاق، قال ابن جني (٣): «قياسُها أن تكونَ ألفُها للإلحاق كَأَرْطی))(٤). قوله: ((خيرٌ)) خبر المبتدأ. والتفضيل هنا باعتبار معتقدهم. و((أم)) متصلة، و(من) الثانية عطف على ((مِنْ)) الأولى، و(أَسَّس بنيانه)) كالأول. قوله: ((على شَفَا جُرُف)) كقوله: ((على تقوى)) في وجهيه. والشَّفا تقدم في آل عمران(٥). وقرأ حمزة(٦) وابن عامر وأبوبكر عن عاصم (جُرْفٍ)) بسكون الراء والباقون بضمها، فقيل: لغتان. وقيل: الساكن فرعٌ على المضموم نحو: عُنْق في عُنُق وطُنْب في طُنُب. وقيل بالعكس كعُسُر ويُسُر. والجُرُف: البِتْرِ التي لم تُطْوَ. وقيل: هو الهُوَّةُ وما يَجْرُفُه السَّيْلُ من الأودية قاله أبو عبيدة(٧). وقيل: هو المكان الذي يأكله الماء فَيَجْرُفه أي يَذْهب به. وَرَجُلٌ جِرَاف أي: كثير النكاح كأنه يَجْرُفُ في ذلك العَمَلِ، قاله الراغب(٨). قوله: ((هارٍ)) نعت لجُرُفٍ. وفيه ثلاثة أقوال، أحدها : - وهو المشهور - أنه مقلوبُ بتقديمِ لامه على عينه، وذلك أنَّ أصلَه: هاوِرٌ أو هايِرٌ بالواو والياء (١) الشواذ ٥٥؛ البحر ١٠٠/٥. (٢) ليست هذه الحكاية في كتابه، وإنما حكاها ابن جني عن جعفر بن علي عن الفضل ابن الحباب عن محمد بن سلام عن سيبويه. انظر: المحتسب ٣٠٤/١. (٣) المحتسب ٣٠٤/١. (٤) الأرطى: ضرب من الشجر. (٥) آل عمران آ ١٠٣. (٦) السبعة ٣١٨؛ البحر ١٠٠/٥؛ الحجة ٣٢٤. (٧) المجاز ٢٦٩/١. (٨) المفردات ٩١. ١٢٥ - التوبة - لأنه سُمع فيه الحرفان. قالوا: هار يَهُور فانْهارَ، وهار يَهير. وتَهَوَّر البناء وَتَهَيِّر، فقُدِّمت اللام وهي الراء على العين - وهي الواو أو الياء - فصار كغازٍ ورامٍ، فأُعِلَّ بالنقص كإعلالهما فوزنه بعد القلب فالع، ثم تَزِنُه بعد الحذف بـ فالٍ . الثاني: أنه حُذِفَتْ عينُه اعتباطاً أي لغير موجَبٍ، وعلى هذا فيجري بوجوه الإعراب على لامه، فيُقال: هذا هارٌ ورأيت هاراً ومررت بهارٍ، ووزنُه أيضاً فال. والثالث: أنه لا قلبَ فيه ولا حذف وأنَّ أصله هوِر أو هیر بزنة کتِف، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقُلِب ألفاً فصار مثل قولهم: كبشٌ صافٌ، أي: صَوِف أو يومٌ راحٌ، أي: رَوح. وعلى هذا فتحرَّك بوجوه الإِعراب أيضاً كالذي قبله كما تقول: هذا بابٌ ورأيت باباً ومررت ببابٍ. وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادّعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل، لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف. ومعنى ((هار))، أي: ساقط متداعٍ مُنهار. قوله: ((فانهارَ)) فاعلُه: إمَّا ضميرُ البنيان - والهاء في به على هذا ضمير المؤسس الباني، أي: فسقط بنيان الباني على شفا جُرُفٍ هار - وإِما ضَمير. الجُرُف، أي: فسقط الشَّفا أو سَقَطَ الجُرُف. والهاء في ((به)) للبنيان. ويجوز [٤٥٥/ب] أن / يكون للمباني المؤسس، والْأَوْلى أن يكون الفاعلُ ضميرَ الجرف، لأنه : يلزم مِنْ انهيارِهِ انهيارُ الشَّفَا والبنيان جميعاً، ولا يلزم من انهيارِهما أوْ انهيارٍ أحدهما انهيارُه. والباء في ((به)) يجوز أن تكونَ المعدِّيةَ، وأن تكونَ التي المصاحبة. وقد تقدَّم لك خلافُ أولَ هذا الموضوع: أن المعدِّيَّةَ عند بعضهم تَسْتلزم المصاحبةَ. وإذا قيل إنها للمصاحبة هنا فتتعلقُ بمحذوفٍ لأنها حال، أي: فانهار مصاحباً له. آ. (١١٠) وقوله تعالى: ﴿بنيانهم﴾: يحتمل أن يكون مصدراً على حاله، أي: لا يزال هذا الفعل الصادر منهم. ويحتمل أن يكونَ مراداً به ١٢٦ - التوبة - المبني، وحينئذٍ يُضْطَرُّ إلى حذف مضاف، أي: بناء بنيانهم لأن المبنيَّ ليس ريبةً، أو يُقَدَّر الحذف من الثاني، أي: لا يزال مبنيُّهم سببَ ريبة. وقوله: (الذي بَنَوا)) تأكيدٌ دَفْعاً لوَهْم مَنْ يتوهّم أنهم لم يَبْنُوا حقيقة وإنما دَبَّروا أموراً، مِنْ قولهم: ((كم أبني وتهدمُ))، وعليه قوله: (١) إذا كنت تَبْنِيه وغيرك يَهْدِم ٢٥٤٦ - متى يبلغُ الْبُنيانُ يوماً تمامَه قوله: ((إلا أنْ تَقَطّع)) المستثنى منه محذوفٌ والتقدير: لا يزال بنيانُهم ريبةً في كل وقت إلا وقتَ تقطيعِ قلوبهم، أو في كل حال إلا حالَ تقطيعها. وقرأ(٢) ابن عامر وحمزة وحفص ((تَقَطَّع)) بفتح التاء، والأصل: تتقطع بتاءَيْن فحُذفت إحداهما. وقرأ الباقون ((تُقَطَّع)) بضمِّها، وهو مبني للمفعول مضارع قَطَّع بالتشديد. وقرأ أُبَيّ ((تَقْطَع)) مخففاً مِنْ قطع. وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب ((إلى أن)) بإلى الجارة وأبو حَيْوة كذلك. وهي قراءةُ واضحةٌ في المعنى، إلا أن أبا حيوة قرأ ((تُقَطَّع)) بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددةً، والفاعلُ ضميرُ الرسول. ((قلوبَهم)) نصباً على المفعول، والمعنى بذلك أنه يقتلهم ويتمكّن منهم كلَّ تمكّن. وقيل: الفاعلُ ضمير الرِّيبة، أي: إلى أن تَقْطَع الرِّيبةُ قلوبَهم. وفي مصحف عبدالله ((ولو قُطَّعَتْ)). وبها قرأ أصحابُه، وهي مخالفةُ لسوادٍ مصاحف الناس. آ. (١١١) قوله تعالى: ﴿بأنّ لهم﴾: متعلقٌ بـ ((اشتری)»، ودخلت الباءُ هنا على المتروك على بابها، وسَمَّاها أبو البقاء(٣) باء المقابلة كقولهم باء العوض. وقرأ عمر بن الخطاب ((بالجنة)) (٤). (١) لم أقف عليه على كثرة تداُلِه. (٢) السبعة ٣١٩؛ الحجة ٣٢٤؛ البحر ١٠١/٥؛ الشواذ ٥٥. (٣) الإملاء ٢٣/٢. (٤) البحر ١٠٢/٥. ١٢٧ - التوبة - قوله: ((يُقاتِلون)) يجوز أن يكونَ مستأنفاً، ويجوز أن يكونَ حالاً. وقال : الزمخشري(١): ((يقاتلون)) فيه معنى الأمر، كقوله تعالى: ((تجاهدون في : سبيل الله بأموالكم وأنفسكم)»(٢). قلت: وعلى هذا فيتعيَّنُ الاستئناف، لأن الطلب لا يقع حالاً. وقد تقدَّم الخلاف في ((فَيَقتلون ويُقتلون)) في آل عمران(٣). قوله: ((وَعْداً)) منصوبٌ على المصدر المؤكد لمضمون الجملة لأنَّ معنى (اشترى)) معنى وعدهم بذلك فهو نظير ((هذا ابني حقاً). ويجوز أن يكونَ مصدراً في موضع الحال، وفيه ضعف. و((حقاً) نعت له، و((عليه)) حالٌ مِنْ ((حقاً) لأنه في الأصل صفةٌ لو تأخَّرَ. قوله: ((في التوراة)) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ ((اشترى» وعلى. هذا فتكونُ كل أمة قد أُمِرت بالجهاد ووُعِدت عليه الجنة. والثاني: أنه متعلقٌ. بمحذوف لأنه صفةٌ للوعد، أي: وعداً مذكوراً وكائناً في التوراة، وعلى هذا فيكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكوراً في كتب الله المُنَزَّلَة. وقال الزمخشري (٤) في أثناءِ كلامه: ((لا يجوز عليه قبيحٌ قط))، قال الشيخ(٥): (استعمل ((قط)) في غير موضوعه؛ لأنه أتى به مع قوله: ((لا يجوز عليه)) و ((قط)) ظرفٌ ماضٍ؛ فلا يعمل فيه إلا الماضي))، قلت: ليس المراد هنا زمناً(٦) بعينه . وقوله: ((فاستبشِروا)) فيه التفاتٌ من الغَيْبَة إلى الخطاب لأنَّ في (١) الكشاف ٢١٦/٢. (٢) الآية ١١ من سورة الصف. (٣) انظر إعرابه للآية ١٩٥، قرأ حمزة والكسائي هنا بالمجهول ثم المعلوم، وقرأ الباقون بالعكس. السبعة ٣١٩. (٤) الكشاف ٢١٦/٢ . (٥) البحر ١٠٣/٥. (٦) الأصل: زمن وهو سهو. ١٢٨٠ - التوبة - خطابهم بذلك تشريفاً لهم، واستفعل هنا ليس للطلب، بل بمعنى أفعل كاستوقد وأوقد. وقوله: ((الذي بايعتم به)) توكيدٌ كقوله: ((الذي بَنْوا))(١) لينصَّ لهم على هذا البيعِ بعينه. آ. (١١٢) قوله تعالى: ﴿التائبون): فيه خمسةُ أوجه، أحدها: أنهم مبتدأٌ، وخبره ((العابدون))، وما بعده أوصاف أو أخبار متعددة عند مَنْ يرى ذلك. الثاني: أنَّ الخبر قوله: ((الآمرون)). الثالث: أنَّ الخبر محذوف، أي: التائبون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة، ويؤيده قولُه: ((وبَشِّر. المؤمنين))، وهذا عند مَنْ يرى أن هذه الآية منقطعةٌ مما قبلها(٢)، وليست شرطاً في المجاهدة، وأمَّا مَنْ زعم أنها شرط في المجاهدة كالضحاك وغيره فيكون إعراب التائبين خبر مبتدأ محذوف، أي: هم التائبون، وهذا من باب قطع النعوت، وذلك أن هذه الأوصافَ عند هؤلاء القائلين من صفات المؤمنين في قوله تعالى: [((اشترى] من المؤمنين))(٣) / ويؤيد ذلك قراءة أَبَيّ [١/٤٥٦] وابن مسعود والأعمش (٤) ((التائبين)) بالياء. ويجوز أن تكونَ هذه القراءةُ على القطع أيضاً، فيكونَ منصوباً بفعل مقدر. وقد صَرَّح الزمخشري(٥) وابن عطية (٦) بأن التائبين في هذه القراءةِ نعتٌ. الخامس: أن ((التائبون)) بدل من الضمير المتصل (٧) في ((يقاتلون)). ولم يذكر لهذه الأوصافِ متعلَّقاً، فلم يَقُلْ: التائبون مِنْ كذا، ولا العابدون (١) من الآية ١١٠ من سورة التوبة ((لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة)). (٢) الأصل: ((مقتطعة مما قبله)) والتصحيح من ش. (٣) أول الآية ١١١ من سورة التوبة . (٤) الشواذ ٥٥؛ والبحر ١٠٤/٥. (٥) الكشاف ٢١٦/٢. (٦) المحرر ٢٨٥/٨. (٧) في الأصل «المستتر» وهو سهو. ١٢٩ - التوبة - الله لفَهْمِ ذلك إلا صيغتي الأمر والنهي مبالغةً في ذلك، ولم يأتِ بعاطفٍ بين : هذه الأوصاف لمناسبتها لبعضِها إلا في صيغتي الأمر والنهي لتباين ما بينهما، فإن الأمرَ طلبُ فعل والنهيَ طلبُ تَرْكٍ أو كفٍ، وكذا (الحافظون)) عَطفَه وذَكَر متعلَّقه. وأتى بترتيب هذه الصفاتِ في الذِّكْر على أحسنٍ نَظْمٍ وهو ظاهر بالتأمُّل، فإنه قَدَّم التوبةَ أولا ثم ثنّى بالعبادة إلى آخره .. وقيل: إنما دخلت الواوُ لأنها واوُ الثمانية، كقوله: ((وثامنهُم كلُّبهم))(١). وقوله: ((وفُتِحت. أبوابُها))(٢) لَمَّا كان للجنة ثمانية أبواب أتى معها بالواو. قال أبو البقاء(٣): ((إنما دخلت الواو في الصفة الثامنة إيذاناً بأن السبعة عندهم عددٌ تام، ولذلك قالوا: («سبع في ثمانية))، أي: سبع أذرع في ثمانية أشبار، وإنما دَلّت الواوُ على ذلك لأن الواو تُؤذن بأنَّ ما بعدها غير ما قبلها، ولذلك دخلت في باب عطفِ النَّسق))، قلت: وهذا قولٌ ضعيفٌ جداً لا تحقيقَ له. آ. (١١٣) وقوله تعالى: ﴿ولو كانوا أولي قربى﴾: كقوله: «أَعْطوا السائلّ ولو على فرس))(٤)، وقد تقدَّم ما في ذلك، وأنها حالٌ معطوفةٌ على حال مقدرة . آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿وَعَدَها إياه﴾: اختُلِف في الضمير المرفوع والمنصوبِ المنفصل فقيل : - وهو الظاهر - إن المرفوع يعود على إبراهيم، والمنصوب على أبيه، يعني أن إبراهیم کان وعد أباه أن يستغفر له. ويؤيد هذا قراءةُ(٥) الحسن وحماد الراوية(٦) وابن السَّميفع وأبي نهيك ومعاذ القارىء (١) الآية ٢٢ من الكهف. (٢) الآية ٧١ من سورة الزمر ((حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها)). (٣) الإملاء ٢٣/٢. (٤) رواه الموطأ في الصدقة ٣ (٩٩٦/٢). (٥) الشواذ ٥٥؛ البحر ١٠٥/٥. (٦) حماد بن سابور أو ميسرة. من أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها. رُمِيَ بالزندقة ونحل الشعر توفي سنة ١٥٥. انظر: نزهة الألباء ٤٣؛ الخزانة ١٢٩/٤؛ الأعلام ٢٧١/٢. ١٣٠ - التوبة - (وعدها أباه))، بالباء الموحدة. وقيل: المرفوع لأبي إبراهيم والمنصوب لإِبراهيم، وفي التفسير أنه كان وَعَدَ إبراهيمَ أنه يؤمن، فبذلك طَمِع في إيمانه . والأُوَّاه: الكثير التأَوُّه، وهو مَنْ يقول: أَوَّاه، وقيل: مَنْ يقول أوَّه، وهو أَنْسَبُ لأن أَوَّهَ بمعنى أتوجع، فالأوَّاه فعَّال، مثالُ مبالغة من ذلك، وقياسُ فعلِه أن يكون ثلاثياً لأن أمثلة المبالغة إنما تَطَّد في الثلاثي. وقد حكى قطرب فعله ثلاثياً فقال: يقال آهَ يَؤُوه كقام يقوم، أَوْهاً. وأنكر النحويون هذا القول على قطرب، وقالوا: لا يُقال مِنْ أَوَّه بمعنى الوَجَع فعلٌ ثلاثي، إنما يقال: أوَّه تَأَوْيهاً، وتَأَوَّه تَأَوُّهاً. قال الراجز (١): ٢٥٤٧ - فأَوَّه الراعي وضَوْضَىْ أَكْلُبُه وقال المثقب العبدي (٢): ٢٥٤٨- إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بليلٍ تأوَّهُ آهَةً الرجلِ الحزينِ وقال الزمخشري (٣): ((أَوَّاه فَعَّال مِنْ أَوَّه كـ لأَّل من اللؤلؤ، وهو الذي يُكثر التأوُّه)»، قال الشيخ (٤): ((وتشبيهه أوَّاه مِنْ أوَّه كـ لأَّل من اللؤلؤ ليس بجيدٍ، لأنَّ مادةَ أوَّه موجودة في صورة أواه، ومادة ((لؤلؤ)) مفقودةٌ في لأل لاختلاف التركيب إذ ((لأل)) ثلاثي، و((لؤلؤ)) رباعي، وشرط الاشتقاق التوافق في الحروف الأصلية)). قلت: لأَل ولؤلؤ كلاهما من الرباعي المكرر، أي: إن (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير الطبري ٥٣٥/١٤؛ والبحر ٨٨/٥، وضوضى: صاحت. (٢) ديوانه ٢٩؛ المفضليات ٥٨٦؛ ومجاز القرآن ٢٧٠/١، واللسان: أوه؛ وتفسير الطبري ٥٣٤/١٤، والمثقب يذكر ناقته فهي تحنّ إلى ديارها. (٣) الكشاف ٢١٧/٢. (٤) البحر ١٠٦/٥. ١٣١ - التوبة - الأصل لام وهمزة، ثم كرَّرْنا، غاية ما في الباب أنه اجتمع الهمزتان في لأُل فأُدْغمت أولاها في الأخرى، وفُّرِّق بينهما في: ((لؤلؤ)). آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿اتبعوه﴾: يجوز فيه وجهان أحدهما: أنه اتباعٌ حقيقي، ويكون عليه السلام خَرَج أولاً وتبعه أصحابه، وأن يكون مجازاً، أي: اتبعوا أمَرَه ونَهْيَه، وساعةُ الْعُسْرةِ عبارةٌ عن وقتِ الخروج إلى الغزو، وليس المرادُ حقيقةً الساعة بل كقولهم: يوم الكُلاب(١)، وعشيةً قارعْنَا جُذام(٢)، فاستعيرت السَّاعة لذلك كما استعير الغداة والعشية في قوله(٣): ٢٥٤٩ - غَدَاةَ طَفَتْ عَلْماءِ بكرُ بنُ وائلٍ [وقوله] (٤): عشية قارَعْنا جُذَام وحميرا ٢٥٥٠- [وقوله](٥): ٢٥٥١- إذا جاء يوماً وارثي يبتغي الغنى (١) الكلاب: اسم ماء كانت عنده وقعة العرب. اللسان: كلب. (٢) جذام: قبيلة من اليمن تنزل بجبال حِسْمَى. اللسان: جذم. (٣) البيت القطري بن الفجاءة. وعجزه: وعُجْنا صدورَ الخيل نحو تميم وهو في أبن يعيش ١٤٥/١٠؛ وشواهد الشافية ٤٩٨؛ وأمالي الشجري ٩٧/١. وعُجْتُ البعير: عطفتُ رأسه بالزمام . (٤) البيت لزفر بن الحارث وصدره: وكنا حَسِبنا كل بيضاءَ شحمةٌ وهو في العيني ٣٨٢/٢؛ والتصريح ٢٤٩/١. (٥) البيت لحاتم الطائي في ديوانه ٤٦، وعجزه: يجدْ جُمْعَ كفٍ غيرِ مَلْأى ولا صِفْرٍ وهو في شواهد الكشاف ٤ /٤٠٥. ١٣٢ - التوبة - قوله: ((كاد يَزَيغ))، قرأ(١) حمزة وحفص عن عاصم ((يزيغ)) بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق. فالقراءةُ الأولى تحتمل أن يكونَ اسمُ ((كاد)) ضميرَ الشأن، و((قلوب)) مرفوعٌ بيزيغ، والجملةُ في محلِّ نصبٍ خبراً لها، وأن يكونَ اسمُها ضميرَ القوم، أو الجمع الذي دلَّ عليه ذِكْرُ المهاجرين والأنصار، ولذلك قَدَّره أبو البقاء(٢) وابنُ عطية: (٣) (من بعد كاد القوم)) (٤)، وقال الشيخ(٥) في هذه القراءةِ: ((فيتعيَّن أن يكون في ((كاد)) ضميرُ الشأن وارتفاعُ (قلوب)) بيزيغ لامتناعِ أن يكون ((قلوب)) اسمَ كاد، و((يزيغ)) في موضع الخبر، لأنَّ النيةَ به التأخير، / ولا يجوز: مِنْ بعد كاد قلوب يزيغ بالياء)». قلت: [٤٥٦/ب] لا يتعين ما ذكر في هذه القراءة لما تقدَّم لك من أنه يجوز أن يكونَ اسمُ كاد ضميراً عائداً على الجمع أو القوم، والجملةُ الفعلية خبرها، ولا محذور يمنع من ذلك. وقوله: ((لامتناع أن يكون ((قلوب)) اسم كاد)»، يعني أنَّا لو جَعَلْنا ((قلوب)) اسمَ ((كاد)) لَزِم أن يكون ((يزيغ)) خبراً مقدماً فيلزم أن يرفعَ ضميراً عائداً على ((قلوب))، ولو كان كذلك لَلَزِمِ تأنيثُ الفعل لأنه حينئذٍ مسندٌ إلى ضمير مؤنث مجازي؛ لأن جمع التكسير يجري مجرى المؤنثة مجازاً. وأمَّا قراءة التاء من فوق فتحتمل أن يكون في ((كاد)»، ضميرُ الشأن، كما تقدم، و((قلوب)) مرفوعٌ بتزيغ، وأَنَّث لتأنيث الجمع، وأن يكون ((قلوب)) اسمَها، و ((تزيغ)) خبر مقدم ولا محذورَ في ذلك، لأن الفعلَ قد أُنَّث. قال (١) السبعة ٣١٩؛ الحجة ٣٢٥؛ البحر ١٠٩/٥. (٢) الإِملاء ٢٣/٢ . (٣) المحرر ٢٩٤/٨. (٤) أي فكأنه قال: من بعد ما كاد القوم يزيغ قلوب فريق منهم. (٥) البحر ١٠٩/٥. ١٣٣ - التوبة -: الشيخ(١): ((وعلى كلُّ واحدٍ من هذه الأعاريب الثلاثة(٢) إشكال على ما تقرر في علمِ النحو مِنْ أنَّ خبرَ أفعالِ المقاربة لا يكون إلا مضارعاً رافعاً ضمير اسمها(٣)، فبعضهم أطلق وبعضهم قيَّد بغير ((عسى)) من أفعال المقاربة،. ولا يكون سببيًّاً(٤)، وذلك بخلاف ((كان)) فإن خبرها(٥) يرفع الضمير(٦) والسبي لاسم كان(٧)، فإذا قَدَّرْنا فيها ضميرَ الشأن(٨) كانت الجملةُ في موضع نصبٍ. على الخبر، والمرفوعُ ليس ضميراً يعود على اسم ((كاد)) بل ولا سببياً له. وهذا يلزم في قراء التاء أيضاً. وأمَّا توسيط(٩) الخبرِ فهو مبنيٌّ على جواز مثل هذا التركيب في مثل ((كان يقوم زيد)» وفيه خلافٌ والصحيحُ المنع. وأمَّا الوجهُ. الأخير (١٠) فضعيف جداً من حيث أضمر في ((كاد)» ضميراً ليس له على مَنْ يعود إلا بتوهم، ومن حيث يكون خبر ((كاد)» رافعاً سبباً)(١١). قلت: كيف يقول: ((والصحيح المنعُ)) وهذا التركيب موجود في القرآن (١) البحر ١٠٩/٥. (٢) هذه الأعاريب تشمل القراءتين وهي: ( أ) يضمر في كاد ضمير الشأن، وقلوب فاعل ((يزيغ)). (ب) قلوب اسم كاد ويزيغ الخبر. (ج) اسم كاد ضمير مستتر يعود على المفهوم مما تقدم. (٣) نحو: كاد زيد يصل. (٤) فلا يقال: كاد علي ينجح أخوه. (٥) الأصل: «اسمها» وهو سھو. (٦) نحو: كان علي يشرب. (٧) نحو: كان علي يضرب أبوه بكراً، فقد رفع خبرُها وهو يضرب سبباً لاسمها أي مشتمل على ضميره لأن الهاء في «أبوه)» تعود على علي. (٨) على الإعراب الأول الذي يتوجه على قراءة الياء وهو الإشكال الذي أراده. (٩) وهو الإِعراب الثاني الذي يتوجه على قراءة التاء. (١٠) وهو الإعراب الثالث الذي يتوجه على قراءة التاء. (١١) لأن التقدير: من بعد ما كاد القوم تزيغ قلوب فريق منهم. ١٣٤ - التوبة - كقوله تعالى: ((ما كان يصنع فرعون))(١)، و((كان يقول سفيهُنا))(٢)، وفي قول امرىء القيس(٣) : ٢٥٥٢- وإن تَكُ قد ساءَتْكِ مني خَليقَةٌ فهذا التركيبُ واقعٌ لا محالةَ، وإنما اختلفوا في تقديره: هل من باب تقديم الخبر أم لا؟ فَمَنْ مَنَعَ لأنه(٤) كباب المبتدأ والخبر، والخبرُ الصريح متى كان كذلك امتنع تقديمُه على المبتدأ لئلا يلتبسَ بباب الفاعل، فكذلك بعد نَسْخِه. ومن أجاز فلأَّمْنِ اللبس. ثم قال الشيخ(٥): ((ويُخَلِّصُ من هذه الإشكالات اعتقادُ كون («كاد)) زائدة، ومعناها مرادٌ، ولا عملَ لها إذ ذاك في اسمٍ ولا خبر، فتكون مثل ((كان)) إذا زِيْدَتْ، يُراد معناها ولا عملَ لها، ويؤيد هذا التأويلَ قراءةُ ابن مسعود «من بعد ما زاغَتْ))، بإسقاط كاد. وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في قوله تعالى: ((لم يكدْ يَراها))(٦)، مع تأثّرِها بالعاملِ وعملها في ما بعدها، فأحرى أن يُدَّعَى زيادتُها وهي ليسَتْ عاملةً ولا معمولة)). قلت: زيادتُها أباه الجمهور، وقال به من البصريين الأخفش(٧)، وجَعَلَ منه ((أكاد أُخْفيها))(٨). وتقدم الكلامُ على ذلك في أوائلِ هذا الكتاب(٩). (١) الآية ١٣٧ من سورة الأعراف. (٢) الآية ٤ من سورة الجن. (٣) تقدم برقم ٩٠٠. (٤) لعل الصواب: فلأنه. (٥) البحر ١٠٩/٥. (٦) الآية ٤٠ من سورة النور. (٧) معاني القرآن له ٣٠٤. (٨) الآية ١٥ من سورة طه . (٩) انظر: الورقة ٢١ ب. ١٣٥ - التوبة - وقرأ(١) الأعمش والجحدري (تُزيغ)) بضم التاء وكأنه جَعَلَ ((أزاغ)) و(زاغ)) بمعنى. وقرأ أُبَيّ ((كادَتْ)) بتاء التأنيث. آ. (١١٨) قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة﴾: يجوز أن يُنْسَق على ((النبيّ))، أي: تاب على النبي وعلى الثلاثة، وأن يُنسقَ على الضمير في «علیھم)»، أي: ثم تاب عليهم وعلى الثلاثة، ولذلك حُرِّر حرفُ الجر. وقرأ جمهور الناس: ((خُلِّفوا))، مبنياً للمفعول مشدداً مِنْ خلَّه يُخَلِّفه. وقرأ أبو(٢) مالك كذلك إلا أنه خفف اللام. وقرأ عكرمة(٣) وزر بن حبيش وعمرو بن عبيد وعكرمة بن (٤) هارون المخزومي ومعاذ القارىء: ((خَلَّفوا))، مبنياً للفاعل مخففاً مِنْ خَلَفَه، والمعنى: الذين خلفوا، أي: فَسَدوا، مِنْ خُلوف فم الصائم. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم خلفوا الغازين في المدينة. وقرأ أبو العالية وأبو الجوزاء كذلك إلا أنهم شدَّدا اللام. وقرأ أبورزين وعلي ابن الحسين(٥) وابناه زيد ومحمد الباقر وابنه جعفر الصادق: ((خالفوا))، بألف، أي: لم يوافقوا الغازين في الخروج. قال الباقر: ((ولو خُلُّفوا لم يكن لهم)). والظن هنا بمعنى العلم كقوله (٦): سَرَاتُهُمُ كالفارِسي المُسْرَّدِ ٢٥٥٣ - فقلتُ لهم ظُنُوا بَلْفَي مُدَجِّجٍ وقيل: هو علی بابه. (١) البحر ١٠٩/٥. (٢) انظر في قراءاتها: الشواذ ٥٥؛ البحر ١١٠/٥. وثمة أسماء كثيرة كنيتها أبو مالك. انظر: تقريب التهذيب ٦٧٠. (٣) عكرمة بن خالد بن العاص المخزومي المكي، تابعي ثقة. روى عن ابن عباس أو أصحابه. انظر: طبقات القراء ٥١٥/١. (٤) لم أقف على ترجمته ، (٥) علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب زين العابدين عرض على أبيه الحسين، وعرض عليه ابنه الحسين. انظر: طبقات القراء ٥٣٤/١. (٦) تقدم برقم ٤٣١. ١٣٦ - التوبة - قوله: ((أنْ لا ملجأَ) أنْ هي المخففة سادَّة مسدَّ المفعولين، و((لا)) وما في حيِّزها الخبرُ، و((من الله)) خبرها. ولا يجوز أن تكونَ تتعلقُ بـ ((مَلْجأ)»، ويكون ((إلا إليه)) الخبر لأنه كان يلزم إعرابه، لأنه يكون مطولاً(١). وقد قال بعضهم: إنه يجوزُ تشبيهُ الاسمِ المُطَوَّل بالمضاف فَيُنْتَزَعُ ما فيه مِنْ تنوينٍ ونون كقوله(٢): ٢٥٥٤- أراني ولا كفرانَ لله أيَّةٌ وقوله(٣): ((لا صَمْتَ يومٌ إلى الليل)) برفع ((يوم)) وقد تقدَّم القولَ في ذلك. وقوله: ((إلا إليه)) استثناءً من ذلك العامُّ المحذوفِ، أي: لا مَلْجَأَ إلى أحدٍ إلا إليه كقولك: لا إله إلا الله. آ. (١٢٠) والظّمَأُ: العطش، يُقال: ظَمِئٍ يَظْمَأُ ظَمَأْ، فهو ظمآنُ وهي / ظَمْأَى، وفيه لغتان: القصر والمدُّ، وبالمدّ قرأ عمرو بن (٤) عبيد، نحو: [١/٤٥٧] سَفِهِ سَفاهاً. والظّمْءُ ما بين الشِّرْبَتَيْن. و ((مَوْطِئً)) مَفْعِل مِنْ وَطِىءَ، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الوَطْء، وأن يكون مكاناً، والأول أظهر، لأن فاعل ((يغيظ)) يعود عليه من غير تأويل بخلاف كونه مكاناً فإنه يعود على المصدر وهو الوَطْءُ الدال عليه المَوْطِىءُ(٥). وقرأ(٦) زيد بن علي: ((يُغيظ)) بضم الياء وهما لغتان: غاظَه وأغاظه. (١) وهو الشبيه بالمضاف. (٢) البيت لكثير، وعجزه: لنفسي لقد طالَبْتُ غِيرَ مُنِيلِ وهو في اللسان ((أوي))، والخصائص ٣٣٧/١، والمغني ٥١٥. والأيَّة: الرحمة. (٣) نسبه الكسائي إلى العرب. انظر: اللسان («صمت)). (٤) أي ظَماء. ونسبها في البحر ١١٢/٥ إلى عبيد بن عمير وكذا صاحب الكشاف ٢٢٠/٢. (٦) البحر ١١٢/٥. (٥) أي: يغيظ وطؤهم إياه الكفار. ١٣٧ - التوبة : - والنَّيْلُ مصدرٌ فيحتمل أن يكون على بابه، وأن يكون واقعاً موقعَ المفعول به، وليست ياؤه مبدلةً من واو كما زعم بعضهم، بل ناله ينولُه مادةٌ أخرى ومعنى آخر وهو المناولة، يقال: ◌ِلْتُه أَنُوْله، أي: تناولته وزِلْتُه أنيله، أي : أَدْرَكْته. آ. (١٢١) والوادي: قال الزمخشري(١): ((الوادي: كل منفرَجٍ من جبال وآكام(٢) يكون مُنْفذاً للسيل، وهو في الأصل فاعِل مِنْ وَدَى إذا سال، ومنه الوَدِيّ، وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض)). وجُمع على أودية وليس بقياس، كان قياسُه الْأُوادي كأَواصل جمع واصل، والأصل: وَوَاصِل، قُلبت الواو الأولى همزة. قال النحاس(٣): ((ولا أعرف فاعلًا وأفْعلة سواه»، وقد استُدْرِك هذا عليه فزادوا: نادٍ وأندية وأنشدوا (٤): ٢٥٥٥- وفيهم مقاماتُ حِسانٌ وجوهُهمْ وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ والنادي: المجلس. وقال الفراء(٥): إنه (٦) يُجمع على أَوْداء كصاحب وأصحاب وأنشد لجرير (٧): ٢٥٥٦ - عَرَفْتُ بُيُرْقَةِ الْأَوْداءِ رَسْماً مُحيلا طال عهدُكَ مِنْ رسومٍ (١) الكشاف ٢٢٠/٢. (٢) الآكام: مفردها أَكْمَةَ وأَكَم وهي التلال دون الجبال. (٣) إعراب القرآن له ٤٥/٢. (٤) تقدم برقم ٧١٤. (٥) نسبه في اللسان ودي إلى ابن الأعرابي. (٦) أي الوادي. (٧) ديوانه ٤٩٤ وروايته ((الوَدَّاءِ)) وهو وادٍ بعينه، اللسان: ودي؛ والبحر ٨٨/٥؛ والقرطبي ٢٩١/٨ وفيه ((الأوداه)). ١٣٨ - التوبة - قلت: وقد زاد الراغب(١) في فاعل وأَفْعِلة: ناجٍ وأنْجِيَة، فقد كَمُلَتْ ثلاثةُ ألفاظ في فاعل وأفْعِلة، ويقال: وَدَاه، أي: أهلكه كأنهم تصوَّروا منه إسالة الدم، وسُمِّيت الدِّيَةُ دِيَةً لأنها في مقابلة إسالة الدم، ومنه الوَدْيُ(٢) وهو ماءُ الفحل عند المداعبة وماءً يخرج عند البول، والوَدِيُّ بكسر الدال والتشديد في الياء: صغار النحل. وقوله: ((ذلك بأنهم))(٣)، مبتدأ وخبر، والإشارة به إلى ما تضمَّنه انتفاءُ التخلُّف مِنْ وجوب الخروج معه. وقوله: ((إلا كُتِبَ))، هذه الجملةُ في محل نصب على الحال مِنْ ((ظَمَأْ)) وما عُطِف عليه، أي: لا يصيبهم ظماً إلا مكتوباً. وأَفْرد الضمير في ((به)) وإن تقدَّمه أشياء إجراء له مُجْرى اسمِ الإشارة، أي: كُتب لهم بذلك عَمَلٌ صالح. والمضمرُ يُحتمل أن يعودَ على العمل الصالح المتقدم، وأن يعودَ على أحد المصدرين المفهومين في ((ينفقون)) و((يقطعون))، أي: إلا كُتِب لهم بالإِنفاقِ أو القَطْعِ . وقوله: ((ليجزيهَم)) متعلقٌ بـ ((كُتِب)). وفي هذه الجملة من البلاغةِ والفصاحةِ ما لا يَخْفى على متأمِّله لا سيما لمن تدرَّب بما تقدَّم في هذا الموضوع. آ. (١٢٢) قوله تعالى: ﴿فلولا نَفَرَ مِنْ كل فرقةٍ﴾: ((لولا)) تحضيضية والمرادُ به الأمر. و ((منهم)) يجوز أن يكون صفةً لـ ((فرقة)» وأن يكون حالاً من ((طائفة)) لأنها في الأصل صفة لها، وعلى كلا التقديرين فيتعلقُ (١) المفردات ٥١٨. (٢) وثمة لغة ثانية: الوَدِيّ. انظر: اللسان ودي. (٣) عاد إلى الآية ١٢٠. ١٣٩ - التوبة - بمحذوف. والذي ينبغي أن يُقال: إنَّ ((من كل فرقة) حالٌ من طائفة، و ((منهم)) صفة لفرقة، ويجوز أن يكونَ ((من كل)) متعلقاً بـ ((نَفَر)). وقوله: ((ليتفقَّهوا)) في هذا الضمير قولان، أحدهما: أنه للطائفة النافرة على أن المراد بالنفور: النفور لطلب العلم، وهو ظاهر. وقيل: الضمير في ((ليتفَّقهو)) عائد على الطائفة القاعدة، وفي (رَجَعوا)) عائدٌ على النافرة، والمراد بالنفور نفورُ الجهاد، والمعنى: أن النافرين للجهاد إذا ذهبوا بقيت إخوانهم يتعلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقه، فإذا رَجَع الغازون أنذرهم المُعَلِّمون، أي: علَّموهم الفقه والشّرْع. آ. (١٢٣) قوله تعالى: ﴿وَلْيَجدوا﴾: وهو من باب («لا أُرَيِّنَّك ههنا)» وتقدَّم شرحه(١). قوله: ((غِلْظة)) قرأها (٢) الجمهور بالكسر وهي لغة أسد. وقرأ الأعمش، وأبان بن تغلب والمفضل - كلاهما عن عاصم ــ ((غَلْظة)) بفتحها، وهي لغة الحجاز. وقرأ أبو حيوة والسلمي وابن أبي عبلة والمفضل وأبان - في رواية عنهما - ((غُلظة)) بالضم وهي لغة تميم. وحكى أبو عمرو اللغات الثلاث. والغلظة: أصلها في الأجْرام فاستعيرت هنا للشدة والصبر والتجنُّد. آ. (١٢٤) قوله تعالى: ﴿أَيُّكم زادته﴾: الجمهور على رفع ((أيُّكم)) بالابتداء وما بعده الخبر. وقرأ(٣) زيد بن علي وعبيد بن عمير بالنصب على الاشتغال، ولكن يُقَدَّر الفعل متأخراً عنه من أجلِ أن له صدرَ الكلام. والنصبُ عند الأخفش(٤) في هذا النحوِ أحسنُ من الرفع؛ لأنه يُجري اسم (١) أي: إن ظاهر الأمر متوجه إلى غير حقيقته فالأمر في ((وليجدوا)) متوجه للغائبين وحقيقته للمخاطبين المؤمنين .: (٢) السبعة ٣٢٠؛ الشواذ ٥٥؛ البحر ١١٥/٥. (٣) الشواذ ٥٥؛ البحر ١١٥/٥. (٤) انظر: معاني القرآن له ٣٣٩/٢. ١٤٠