Indexed OCR Text
Pages 101-120
- التوبة - (لتحملَهم)) علةٌ لـ ((أَتَوْك)). وقوله ((لا أجد)) هي المتعديةُ لواحدٍ لأنها من الوُجْد. و «ما)) يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةٌ. قوله: ((وأعينُهم تفيض)) في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل ((تَوَلَّوا))، قال الزمخشري(١): ((تفيضُ من الدمع)) كقولك: تفيض دمعاً، وقد تقدَّم هذا في المائدة مستوفىَّ عند قوله: ((ترى أعينهم تفيضُ من الدَّمع)) (٢) وأنه جعل (من الدمع)) تمييزاً، و((مِنْ)) مزيدةً، وتقدَّم الردّ عليه في ذلك هناك فعليك بالالتفات إليه . قوله: ((حَزَناً)) في نصبه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه مفعولٌ مِنْ أجله والعاملُ فيه ((تفيض)) قاله الشيخ(٣). لا يُقال إن الفاعلَ هنا قد اختلف، فإن الفَيْضَ مسند للأعين والحزنَ صادرٌ من أصحاب الأعين، وإذا اختلف الفاعل وَجَبَ جِرُّه بالحرف لأنَّا نقول: إن الحزنَ يُسْنَدُ للأعين أيضاً مجازاً يقال: عين حزينةٌ وسخينة، وعين مسرورةً وقريرة في ضدِّ ذلك. ويجوز أن يكونَ الناصب له ((تَوَلَّوا)) وحينئذٍ يتحد فاعلا العلةِ والمعلول حقيقةً. الثاني: أنه في محلٍّ نصبٍ على الحال، أي: تَوَلُّوا حزينين أو تفيض أعينُهم حزينةً على ما تقدَّم من المجاز. الثالث: أنه مصدر ناصبُه مقدرٌ مِنْ لفظِه، أي: يحزنون حزناً قاله أبو البقاء(٤). وهذه / الجملةُ التي قدَّرها ناصبة لهذا المصدر هي أيضاً في [٤٤٩/ب] محلّ نصبٍ على الحال: إمَّا من فاعل ((تَوَلَّو)) وإمَّا من فاعل ((تفيض)). قوله: ((أَنْ لا يَجدوا)) فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ من أجله، والعامل فيه ((حَزَناً)) إِنْ أعربناه مفعولاً له أو حالاً، وأمَّا إذا أعربناه مصدراً فلا، (١) الكشاف ٢٠٨/٢. (٢) الآية ٨٣. (٣) البحر ٨٦/٥. (٤) الإملاء ٢٠/٢. ١٠١ - التوبة - لأن المصدر لا يعمل إذا كان مؤكداً لعامِله، وعلى القول بأنَّ ((حَزَناً) مفعول: من أجله يكون ((أن لا يَجِدوا)) علةَ العلة، يعني أنه يكون عَلَّلَ فَيْضَ الدمع بالحزن، وعَلَّل الحزن بعدم وُجْدان النفقة، وهذا واضحٌ، وقد تقدَّم لك نظيرُ ذلك في قوله ((جزاءً بما كسبا نكالاً من الله))(١). والثاني: أنه متعلق بـ (تفيض)). قال الشيخ(٢): ((قال أبو البقاء(٣): ((ويجوز أن يتعلَّقَ بـ ((تفيض)). ثم قال الشيخ: ((ولا يجوز ذلك على إعرابه ((حزناً) مفعولاً له، والعامل فيه ((تفيض))، إذ العاملُ لا يقتضي اثنين من المفعول له إلا بالعطف: أو البدل)). آ. (٩٣) قولُه تعالى: ﴿رَضُوا﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه مستأنفٌ كأنه قال قائل: ما بالُهم استأذنوا في القعود وهم قادرون على الجهاد؟ فَأُجيب بقوله ((رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالِفِ)). وإليه مال الزمخشري (٤). والثاني: أنه في محل نصبٍ على الحال و((قد)) مقدرةٌ في قوله [ (رَضُوا))]. وقوله: ((وطُبعَ)) نسقُ على ((رضُوا)) تنبيهاً على أن السببَ في تخلَّفهم رضاهم بقعودهم وطَبْعُ الله على قلوبهم. وقوله ((إنما السبيل على)) فأتى بـ ((على)) وإن كان قد يَصِل بـ (إلى)) لفّرْقٍ ذكروه(٥): وهو أنَّ ((على)) تدل على الاستعلاء وقلة مَنْعَة مَنْ (٦) تدخل عليه نحو: لي سبيل عليك، ولا سبيلَ لي عليك، بخلافٍ ((إلى)). فإذا قلت: (١). الآية ٣٨ من سورة المائدة. (٢) البحر ٨٦/٥. (٣) الإملاء ٢٠/٢. (٤) الكشاف ٢٠٨/٢. (٥) انظر: المحرر ٢٥٣/٨. (٦) ش: ما. ١٠٢ - التوبة - ((لا سبيل عليك)) فهو مغايرٌ لقولِك: لا سبيلَ إليك. ومن مجيء ((إلى)) معه، قوله(١): سبيلٌ فأمَّا الصبرُ عنها فلا صبرا ٢۵٣٣- ألا ليت شعري هل إلی أمِّ سالم. وقوله(٢): ٢٥٣٤- هل من سبيلٍ إلى خَمْرٍ فأشربَها أم من سبيل إلى نَصْرِ بن حَجَّاجٍ آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿قد نَبَّأنا الله مِنْ أخباركم﴾: فيها وجهان، أحدهما: أنها المتعديةُ إلى مفعولين أولهما ((نا))، والثاني: قوله ((مِنْ أخباركم)). وعلى هذا ففي ((مِنْ)) وجهان، أحدهما: أنها غيرُ زائدةٍ، والتقدير: قد نَبّانا اللَّهُ أخباراً مِنْ أخباركم، أو جملةً من أخباركم، فهو في الحقيقة صفةٌ للمفعول المحذوف. والثاني: أن ((مِنْ)) مزيدةٌ عند الأخفش (٣) لأنه لا يَشْترط فيها شيئاً. والتقدير: قد نبَّنا الله أخباركم. الوجه الثاني من الوجهين الأوَّلَيْن: أنها متعديةٌ لثلاثة كـ أعلم، فالأولُ والثاني ما تقدَّم، والثالث محذوف اختصاراً للعلم به والتقدير: نَبّأنا الله مِنْ أخباركم كَذِباً ونحوه. قال أبو البقاء(٤): ((قد تتعدَّى إلى ثلاثةٍ، والاثنان الآخران محذوفان، تقديره: أخباراً مِنْ أخباركم مُثْبَتَة، و((مِنْ أخباركم)) تنبيه على المحذوف وليست ((مِنْ)) زائدة، إذ لو كانت زائدة لكانت مفعولاً ثانياً، والمفعول الثالث محذوفٌ، وهو خطأ لأن المفعول الثاني متى ذُكِر في هذا (١) تقدم برقم ٢٣٢٩. (٢) البيت للذلفاء، وهو في ابن يعيش ٢٧/٧؛ والخزانة ١٠٨/٢. (٣) لم يشر إلى ذلك هنا في كتابه معاني القرآن، وقد يكون هذا مفهوماً من الأخفش من إعرابه لآياتٍ أُخرى حيث لا يشترط في زيادة ((مِنْ)) شيئاً. (٤) الإملاء ٢/ ٢٠. ١٠٣ - التوبة - ا البابِ لَزِمِ ذِكْرُ الثالثُ. وقيل: ((مِنْ)) بمعنى عن)). قلت: قوله: ((إنَّ حذف الثالث خطأ)) إنْ عنى حَذْفَ الاقتصارِ فمسَلَّم، وإن عَنَى حَذْفَ الاختصار فممنوعٌ، وقد مَرَّ بك في هذه المسألة مذاهبُ الناس. آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿جزاءً﴾: يجوز أن ينتصبَ على المصدر بفعل مِنْ لفظه مقدرٍ، أي: يُجْزَوْنَ جزاء، وأن ينتصب بمضمون الجملة السابقة لأنَّ كونَهم يَأْوُوُن في جهنم في معنى المجازاة. ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله. آ. (٩٧) قوله تعالى: ﴿الْأَعْراب): صيغة جمعٍ وليس جمعاً لعرب قاله سيبويه(١)؛ وذلك لئلا يلزمَ أن يكونَ الجمعُ أخصٍّ من الواحد، فإن العرب هذا الجيل الخاص سواء سكن البوادي أم سكن القرى، وأما الأعرابُ فلا يُطْلق إلا على مَنْ يَسْكن البواديّ فقط. وقد تقدَّم لك في أوائل هذا. الموضوع عند قوله تعالى: ((رب العالمين))(٢)، ولهذا الفرقِ نُسِب إلى [٤٥٠/أ] الأعراب على لفظه فقيل: أعرابيّ (٣). ويُجْمع / على أعاريب. وقوله: ((أَجْدَر))، أي: أحقُّ وأَوْلِى، يقال: هو جديرٌ وأجدر وحقيق وأحقّ وقمين وأَوْلى وخليق بكذا، كلُّه بمعنى واحد. قال الليث: ((جَدَر يَجْدُر. جَدارةً فهو جديرٌ، ويؤنَّث ويثنَّى ويُجمع قال الشاعر(٤): ٢٥٣٥- بِخَيْلِ عليها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ جديرون يوماً أن يَنَالوا ويَسْتَعْلوا وقد نَبَّه الراغب(٥) على أصل اشتقاقٍ هذه المادة وأنها من الجدار أي (١) الكتاب ٨٩/٢. (٢) الآية ١ من سورة الفاتحة. (٣) أي ولو كان الأعراب مفردُها عَرَب لنُسِب إلى المفرد على حسب قاعدة النسب. (٤) تقدم برقم ١١٠١: (٥) المفردات ٨٩. ١٠٤ - التوبة - الحائط، فقال: ((والجديرُ: المنتهى لانتهاء الأمر إليه انتهاءً الشيء إلى الجدار)) والذي يظهر أن اشتقاقَه مِنَ الجَدْر وهو أصل الشجرة(١) فكأنه ثابت كثبوت الجَدْر في قولك ((جدير بكذا)). قوله: ((ألَّ يَعْلموا))، أي: بأن لا يَعْلموا فحذف حرفَ الجر فجرى الخلافُ المشهور بين الخليل والكسائي مع سيبويه والفراء. آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرماً﴾: (مَنْ)) مبتدأوهي: إِمَّا موصولةُ وإِمَّا موصوفةٌ. ومَغْرَماً مفعول ثانٍ لأنَّ ((اتخذ)» هنا بمعنى صَيَّر. والمَغْرَمُ: الخُسْران، مشتق مِنَ الغَرامِ وهو الهلاك لأنه سيئةٌ، ومنه ((إنَّ عذابَها كان غراماً)(٢). وقيل: أصلُه الملازمةُ ومنه ((الغَرِيمُ)) للزومه مَنْ يطالبه. قوله: ((وَيَتَرَبَّص)) عطفُ على ((يَتَّخِذ)) فهو: إمّا صلة وإمَّا صفة. والتربُّصُ: الانتظار. والدوائر: جمعُ دائرة، وهي ما يُحيط بالإِنسان مِنْ مصيبة ونكبة، تصوُّراً من الدائرة المحيطة بالشيء من غير انفلاتٍ منها. وأصلها داوِرَة لأنها مِنْ دار يدور، أي: أحاط. ومعنى ((تربُّص الدوائر))، أي: انتظار المصائب قال(٣) : ٢٥٣٦ - تَرَبَّصْ بها رَيْبَ المَنون لعلها تُطَلَّقُ يوماً أو يموتُ حليلُها قوله: ((عليهم دائرةُ السوء)) هذه الجملةُ معترضة بين جمل هذه القصة وهي دعاءً على الأعراب المتقدمين، وقرأ (٤) ابن كثير وأبو عمرو هنا ((السُّوء)) (١) الجدر: أصل الجدار، وفي الحديث: ((حتى يبلغ الماء جَدْرَه))، أي: أصله. انظر: اللسان: جدر. (٢) الآية ٦٥ من سورة الفرقان. (٣) تقدم برقم ٩٦٧. (٤) السبعة ٣١٦؛ الحجة ٣٢١؛ البحر ٩١/٥. ١٠٥ - التوبة - وكذا الثانية في الفتح(١) بالضم، والباقون بالفتح. وأما الأولى في الفتح(٢) وهي ((ظنَّ السَّوْء)) فاتفق على فتحها السبعة. فأما المفتوح، فقيل: هو مصدر. قال الفراء (٣): ((يقال: سُؤْتُهِ سُوْءاً ومَساءةً وسَوائِية ومَسَائِية، وبالضم الاسم)) قال أبو البقاء(٤): ((وهو(٥) الضَّرر وهو مصدر في الحقيقة)). قلت: يعني أنه في الأصل كالمفتوح في أنه مصدرٌ ثم أُطْلِقِ على كل ضررٍ وشرّ. وقال مكي(٦): (مَنْ فتح السينَ فمعناه الفساد والرداءة، ومَنْ ضمَّها فمعناه الهزيمةُ والبلاءُ والضرر). وظاهر هذا أنهما اسمان لِماذكر، ويحتمل أن يكونا في الأصل مصدراً ثم أُطْلِقا على ما ذكر. وقال غيره: المضموم: العذاب والضرر، والمفتوح: الذم، ألا ترى أنه أُجُمع على فتح ((ظن السَّوْء)) (٧) وقوله: ((ما كان : أبوك امرَأَ سَوْءٍ)»(٨) ولا يليق ذِكْرُ العذاب بهذين الموضعين. وقال الزمخشري(٩) فأحسن: ((المضموم: العذاب، والمفتوحُ ذمِّ الدائرة، كقولك: ((رجلُ سَوْء)) في نقيض ((رجل عدل))، لأنَّ مَنْ دارَتْ عليه يَذُمُّها)) يعني أنها من باب إضافة الموصوف إلى صفته فُوُصِفَتْ في الأصل بالمصدر مبالغةً، ثم أُضِيْفَتْ لصفتِها كقوله تعالى: ((ما كان (١) الآية ٦ من سورة الفتح: ((عليهم دائرة السوء)). (٢) الآية ٦ من سورة الفتح: ((الظانين بالله ظن السوء)). (٣) معاني القرآن ٤٥٠/١. (٤) الإملاء ٢٠/٢. (٥) أي بضم السين. (٦) الكشف مكي ٥٠٥/١. (٧) من الآية ٦ من سورة الفتح. (٨) الآية ٢٨ من سورة مريم. (٩) الكشاف ٢٠٩/٢. ١٠٦ - التوبة - أبوكِ امرأً سوء))(١). قال الشيخ (٢): ((وقد حُكي بالضم)) وأنشد(٣): بصاحبه يوماً أحال على الدَّم ٢٥٣٧ - وكنت كذئبِ السُّوء لمّا رأى دماً وفي الدائرة مذهبان أظهرهُما: أنها صفةٌ على فاعِلة كقائمة. وقال الفارسي(٤): ((إنها يجوز أن تكون مصدراً كالعافية)). وقوله: ((بكم الدوائر)» فيه وجهان، أظهرهُما: أن الباء متعلقة بالفعلِ قبلها. والثاني: أنها حالٌ من ((الدوائر)) قاله أبو البقاء. (٥) وليس بظاهرٍ، وعلى هذا فيتعلَّقُ / بمحذوف على ما تقرر غير مرة. [٤٥٠/ب] تم الجزء الثاني بحوله وقوته على يد عبده وفقيره أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الشافعي الحلبي حامداً ومُصَلَّاً في شهور سنة ثلاث وثلاثين وسبعمئة أحسن الله تَقَضِّيَها في خير وعافية، ويتلوه إن شاء الله تعالى قوله تعالى ((قُرُبات)) مفعول ثان (١) الآية ٢٨ من سورة مريم. (٢) البحر ٩١/٥. (٣) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٧٤٩، برواية فتح السين؛ والبحر ٩١/٥؛ واللسان: سواء وروايته بفتح السين. (٤) الحجة (خ) ١٢٢/٣. (٥) الإملاء ٢٠/٢ . ١٠٧ - التوبة - [١/٤٥١] / ورقة العنوان [٤٥٢/أ] / بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين. ربِّ تَهِّمْ بخير. آ. (٩٩) قوله تعالى: ﴿قُرُبات﴾: مفعولٌ ثان ليتخذ كما مرَّ في (مَغْرَما)). ولم يختلف قُرَّاء السبعة في ضم الراء من ((قُرُبات)) مع اختلافهم في راء ((قربة)) كما سيأتي، فيحتمل أن تكون هذه جمعاً لقُرُبة بالضم كما هي قراءة ورش عن نافع، ويحتمل أن تكون جمعاً للساكنها، وإنما ضُمَّت اتباعاً لـ ((غرفات))(١). وقد تقدم التنبيه على هذه القاعدة وشروطها عند قوله تعالى: ((في ظلمات))(٢) أولَ البقرة. قوله: ((عند الله)) في هذا الظرفِ ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه متعلقٌ بـ((يَتَّخذ)). والثاني: أنه ظرف لـ ((قربات)) قاله أبو البقاء(٣)، وليس بذاك. الثالث: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه صفةٌ لـ((قربات)). قوله: ((وصلواتِ الرسول)) فيه وجهان أظهرهما: أنه نسق على ((قربات)) وهو ظاهرُ كلام الزمخشري (٤) فإنه قال: ((والمعنى أنَّ ما ينفقه سببٌ لحصول القربات عند الله ((وصلوات الرسول)) لأنه(٥) كان يدعو للمتصدِّقين بالخير كقوله: ((اللهم صل على آل أبي أوفى))(٦). والثاني : - وجَوَّزَه ابن عطيةُ(٧) ١ (١) الآية ٣٧ من سورة سبأ ((وهم في الغرفات آمنون)) قرأ حمزة بتسكين الراء، وقرأ الباقون بضمها. السبعة ٥٣٠. (٢) من الآية ١٧، ١٩. ولكنه لم يذكر شيئاً في هذين الموضعين. (٣) الإِملاء ٢٠/٢. (٤) الكشاف ٢٠٩/٢ - ٢١٠. (٥) أي الرسول صلى الله عليه وسلم. (٦) رواه البخاري: الدعوات ٣٣ (الفتح ١٦٩/١١) أبو داود الزكاة ٦ (٢٤٧/٢)؛ ابن ماجة الزكاة ٨ (٥٧٢/١). (٧) المحرر ٢٥٨/٨ . ١٠٨ - التوبة - ولم يذكر أبو البقاء (١) غيره - أنها منسوقةٌ على ((ما ينفق))، أي: ويتخذ بالأعمال الصالحة وصلوات الرسول قربة . قوله: ((ألا إنها قربة)) الضمير في ((إنها)). قيل: عائد على ((صلوات)) وقيل: على النفقات أي المفهومة من ((يُنفقون)). وقرأ(٢) ورش ((قُرُبَة)) بضم الراء، والباقون بسكونها فقيل: لغتان. وقيل: الأصل السكون والضمة إتباع، وهذا قد تقدم لك فيه خلاف بين أهل التصريف: هل يجوز تثقيل فُعْل إلى فُعُل؟ وأن بعضَهم جعل عُسْراً يُسُرا بضم السين فَرْعين على سكونها. وقيل: الأصل قُرُبة بالضم، والسكون تخفيف، وهذا أَجْرى على لغة العرب إذ مبناها (٣) الهرب مِنَ الثَّقَل إلى الخفة. وفي استئناف هذه الجملة (٤) وتصدُّرِها بحرفَيْ التنبيه والتحقيق المُؤْذنين بثبات الأمر وتمكّنه شهادةٌ من الله بصحة ما اعتقده من إنفاقه(٥)، قال معناه الزمخشري(٦) قال: ((وكذلك سيُدْخلهم، وما في السين من تحقيق الوعد». آ. (١٠٠) قوله تعالى: ﴿والسَّابقون﴾: فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه، أحدُها : - وهو الظاهر - أنه الجملة الدعائية من قوله: ((رضي الله عنهم)). والثاني: أن الخبر قوله: ((الأوَّلون)) والمعنى: والسابقون أي بالهجرة [هم] الأوَّلون مِنْ أهل هذه المِلَّة، أو السابقون إلى (١) الإِملاء ٢ /٢٠. (٢) السبعة، ٣١٧؛ الحجة ٣٢٢؛ البحر ٩١/٥. (٣) ش: منتهاها. (٤) أي جملة ((ألا إنها قربة لهم)). (٥) ش: من كون نفقته قربات. (٦) الكشاف ٢١٠/٢. ١٠٩ - التوبة - الجنة الأولون من أهل الهجرة. الثالث: أن الخبرَ قولُه: ((من المهاجرين (٤٥/ب] والأنصار)) والمعنى فيه الإِعلام بأن السَّابقين من هذه / الأمة من المهاجرين والأنصار. ذكر ذلك أبو البقاء (١)، وفي الوجهين الأخيرين تكلُّفٌ. الثاني من وجهي ((السابقين))(٢): أن يكون نُسَقاً على ((مَنْ يؤمن بالله)) أي: ومنهم السابقون. وفيه بُعْدٌ. والجمهورُ على جَرِّ ((الأنصار)) نسقاً على المهاجرين. يعني أن السابقين من هذين الجنسين. وقرأ(٣) جماعة كثيرة أَجِلَّاء: عمر بن الخطاب وقتادة والحسن وسلام وسعيد بن أبي سعيد(٤) وعيسى الكوفي(٥) وطلحة ويعقوب: (والأنصارُ)) برفعها. وفيه وجهان أحدهما: أنه مبتدأ، وخبرُه ((رضيَ الله عنهم)). والثاني: عطف على ((السابقون)). وقد تقدم ما فيه فُيُحكم عليه بحكمه. قوله: ((بإحسان)) متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه حالٌ من فاعل ((اتّبعوهم)). وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أن الواوَ ساقطةٌ من قوله: ((والذين اتبعوهم» ویقول: إن الموصول صفةٌ لمن قبله، حتى قال له زید بن ثابت إنها بالواو فقال: ائتوني بأُبَيّ. فأتَوه به فقال له: تصديق ذلك في كتاب الله في أول الجمعة (٦): ((وآخرين منهم لمَّا يُلْحقوا بهم))، وأوسط الحشر(٧): ((والذين (١) الإِملاء ٢٠/٢. (٢) الوجه الأول الابتداء. (٣) الإِتحاف ٢٤٤؛ البحر ٩٢/٥؛ النشر ٢٨٠/٢. (٤) لعله سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري أبو سعد المدني ثقة من الثالثة. انظر: تقريب : التهذيب ٢٣٦. (٥) عيسى بن عمر أبو عمر الهمذاني مقرىء الكوفة بعد حمزة عرض على عاصم وطلحة. توفي سنة ١٥٦. انظر: طبقات القراء ٦١٣. (٦) الآية ٣ من سورة الجمعة. (٧) الآية ١٠ من سورة الحشر. ١١٠ - التوبة - جاؤوا من بعدهم))، وآخر الأنفال(١): ((والذين آمنوا مِنْ بعدُ وهاجروا)). ورُوِيّ أنه سمع رجلاً يقرؤها بالواو فقال: مَنْ أقرأك؟ قال: أَبَيّ. فدعاه فقال: أَقْرَأنيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وإنك لتبيع القَرَّظ(٢) بالبقيع. قال: صَدَقْتَ وإن شئت قل: شهدنا وغِبْتم، ونَصَرْنا وخَذَلْتم، وآَوَيْنا وطَرَدْتم. ومن ثَمَّ قال عمر: لقد كنتُ أرانا رُفِعْنا رَفْعَةً لا يَبْلُغها أحدٌ بعدنا. وقرأ(٣) ابن كثير: ((تجري من تحتها)) بـ((مِنْ)) الجارة، وهي مرسومةٌ في مصاحف مكة. والباقون ((تحتها)) بدونها، ولم تُرْسَمْ في مصاحفهم، وأكثرُ ما جاء القرآن موافقاً لقراءة ابن كثير هنا: ((تجري مِنْ تحتها)» في غير موضع (٤). آ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿وَمِمِنْ حولكم﴾: خبر مقدم. و(«منافقون)) مبتدأ، و((مَنْ)) يجوز أن تكون الموصولةَ والموصوفة، والظرف صلة أو صفة. وقوله: ((من الْأُعْراب)) لبيان الجنس. وقوله: ((ومِنْ أهل المدينة)) يجوز أن يكونَ نسقاً على ((مَنْ)) المجرورة بـ ((مِنْ)) فيكونَ المجروران مشتركَيْن في الإِخبار عن المبتدأ وهو (منافقون))(٥)، كأنه قيل: المنافقون من قومٍ حولكم ومِنْ أهل المدينة، وعلى هذا هو من عطف المفردات إذ عَطَفَتْ خبراً على خبر، وعلى هذا فيكون قوله ((مَرَدُوا)) مستأنفاً لا محلّ له. ويجوز أن يكون الكلامُ تمَّ عند قوله «منافقون))، ويكون قوله: ((ومِنْ أهل المدينة)) خبراً مقدماً، والمبتدأ بعده محذوفٌ قامت صفتُه مَقامه / وحَذْفُ الموصوفِ وإقامةُ صفتِه [١/٤٥٣] (١) الآية ٧٥ من سورة الأنفال. (٢) القرظ: ضرب من الشجر له سوق غلاظ. (٣) السبعة ٣١٧؛ الحجة ٣٢٢؛ البحر ٩٢/٥. (٤) من ذلك الآية ٢٢ من سورة المجادلة، والآية ١٢ من سورة الصف، والآية ٩ من سورة التغابن. (٥) بعده في الأصل كلمة من حرفين لم أتبينها سقطت من النسخ، رسمت مها. ١١١ - التوبة :- مُقامَه - وهي جملة - مطردٌ مع ((مِنْ)) التبعيضية وقد مَرَّ تحريره نحو: ((منا ظَعَنْ ومنا أقام)) والتقدير: ومن أهلِ المدينة قومٌ أو ناسٌ مردوا، وعلى هذا فهو من عطفِ الجمل. ويجوز أن يكون ((مَرَدُوا)) على الوجه الأول صفةً لـ ((منافقون))، وقد فُصِل بينه وبين صفته بقوله: ((ومن أهل المدينة)). والتقدير: ومَمَّن حولكم ومِنْ أهلِ المدينة منافقون ماردون. قال ذلك الزجاج(١)، وتبعه الزمخشري (٢) وأبو البقاء(٣) أيضاً. واستبعده الشيخ (٤) للفصلِ بالمعطوف بين الصفة وموصوفها، قال: ((فيصير نظيرَ: ((في الدار زيدٌ وفي القصرِ العاقلُ)) يعني فَفَصَلْتَ بين زيد والعاقل بقولك: ((وفي القصر)). وشبَّه الزمخشري(٥) حَذْفَ المبتدأ الموصوف في الوجه الثاني وإقامة صفته مُقامَه بقوله(٦): ٢٥٣٨- أنا ابنُ جَلا قال الشيخ (٧): ((إن عنى في مطلق حذف الموصوف فَحَسَنٌ، وإن كان شبَّهه به في خصوصيته فليس بحسنٍ؛ لأن حَذْفَ الموصوف مع ((مِنْ)) مطردٌ، وقوله: ((أنا ابن جلا)) ضرورة كقوله(٨): ٢٥٣٩ - يَرْمِي بكفَّيْ كان مِنْ أَرْمَى البَشَرْ (١) معاني القرآن ٥١٧/٢ (٢) الكشاف ٢١١/٢. (٣) الإملاء ٢١/٢. (٤) البحر ٩٣/٥. (٥) الكشاف ٢١١/٢. (٦) البيت لسحیم بن وثيل وتمامه: أنا ابن جَلا وَطَلَّاَّعُ الثنايا متى أضعِ العِمامة تعرفوني وهو في الكتاب ٧/٢؛ ابن يعيش ٦١/١؛ الخزانة ١٢٣/١؛ الهمع ٣٠/١؛ الدرر ٠١٠/١ (٧) البحر ٩٣/٥. (٨) تقدم برقم ٢١٠٩. ١١٢ -- - التوبة - قلت: البيتُ المشار إليه هو قوله(١): متى أَضَعِ العِمامةَ تعرفونِي ٢٥٤٠ - أنا ابن جَلا وطَلَّعُ الثَّنايا والنحاة في هذا البيت تأويلات، أحدها: ما تقدم. والآخر: أن هذه الجملة محكية لأنها قد سُمِّ بها هذا الرجل، فإنَّ ((جلا)» فيه ضمير فاعل، ثم سُمِّيَ بها وحُكِيَتْ كما قالوا: ((شاب قَرْناها)) و((ذَرَّى حَبَّ)) وقوله(٢): ٢٥٤١ - نُبِئْتُ أخوالي بني يزيدُ ظُلْماً علينا لهمُ فَدِيدُ والثالث: وهو مذهب عيسى بن عمر أنه فعلٌ فارغ من الضمير، وإنما لم يُنَوَّنْ لأنه عنده غيرُ منصرفٍ فإنه يُمْنعِ بوزن الفعل المشترك، فلو سُمِّي بضرب وقتل مَنْعَهما. أمّا مجردُ الوزنِ من غير نقلٍ مِنْ فعل فلا يُمنع به البتةَ نحو جَمَل وجَبَل. و (مَرَدوا)) أي: مَهَروا وتمرَّنوا. وقد تقدم الكلام على هذه المادة في النساء عند قوله: ((شيطاناً مريداً))(٣). قوله: ((لا تَعْلَمهم)) هذه الجملةُ في محلِّ رفعٍ أيضاً صفةً لـ («منافقون)) ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، والعلم هنا يحتمل أن يكونَ على بابه فيتعدَّى لاثنين أي: لا نعلمهم منافقين، فحذف الثاني للدلالة عليه بتقدُّم ذِكْرِ المنافقين، ولأن النفاقَ من صفات القلب لا يُطّلع عليه. وأن تكونَ العِرْفانية فتتعدَّى الواحد، قاله أبو البقاء(٤). وأمَّا ((نحن نعلمهم)) فلا يجوز أن تكون إلا على (١) تقدم برقم ٢٥٣٨ . (٢) البيت لرؤبة وهو في ملحقات ديوانه ١٧٢؛ ابن يعيش ٢٨/١؛ الخزانة ١٣٠/١؛ والعيني ٣٨٨/١؛ واللسان فدد. والفديد: الصوت إذا اشتد. (٣) الآية ١١٧ . (٤) الإملاء ٢١/٢ . ١١٣ - التوبة - بابها لبحثٍ ذكرتُه لك في الأنفال(١)، وإن كان الفارسيُّ في ((إيضاحه))(٢). صرَّح بإسناد المعرفة إليه تعالى، وهو محذورٌ لِما عرفته. وقوله: ((مرَّتَّيْن)) قد تقدَّم الكلام في نصب ((مرة))(٣) وأنه من وجهين: إمَّا: المصدرية وإمَّا الظرفية فكذلك هذا. وهذه التثنية يحتمل أن يكون المرادُ بها. شَفْعَ الواحد وعليه الأكثر، واختلفوا في تفسيرهما، وأن لا يراد بها التثنية الحقيقية بل يُراد بها التكثيرُ كقوله تعالى: ((فارْجِعِ البصرَ كَرَّتين))(٤) أي: كَرَّاتٍ، بدليل قوله: ((ينقلبْ إليك البصرُ خاسئاً وهو حسير)) أي مزدجراً. وهو كليلٌ، ولا يصيبُهِ ذلك إلا بعد كَرَّات، ومثلُه: ◌َبَّيْك وسَعْدَيْك وحنانَيْكَ. وروى(٥) عباس عن أبي عمرو: ((سنعذّبْهم)) بسكون الباء وهو على [٤٥٣/ب] عادته في تخفيفٍ توالي الحركات كينصركم (٦) وبابه / وإن كان باب ((ينصركم)) أحسنَ تسكيناً لكونٍ الراءِ حرف تكرار، فكأنه توالى ضمَّتان بخلاف غيره. وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقال الشيخ (٧): ((وفي مصحفٍ أنس :. (سيعذبهم)) بالياء)). وقد تقدم أن المصاحف كانت مهملةً من النَّقْط والضبط. بالشكل فكيف يُقال هذا؟ آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿وآخرون﴾: نسقٌ على «منافقون)) أي: (١) انظر إعرابه للآية ٦٠ من سورة الأنفال. وانظر: الورقة ٤٣٢]. (٢) لم أقف على نص صريح في ((الإِيضاح)) يفيد ذلك. (٣) انظر إعرابه للآيات ٩٤ من سورة الأنعام، ١٣، ٨٠ من سورة التوبة. (٤) الآية ٤ من سورة الملك. (٥) البحر ٩٤/٥. (٦) من الآية ١٦٠ من سورة آل عمران حيث سكّن أبو عمرو انظر: معجم القراءات القرآنية ٨١/٢. (٧) البحر ٩٤/٥. ١١٤ - التوبة - وممن حولكم آخرون، أو ومن أهل المدينة آخرون. ويجوز أن يكون مبتدأ و ((اعترفوا) صفته، والخبر قولُه ((خلطوا)). قوله: ((وآخَرَ)) نسقُ على ((عملً)). قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: قد جُعِل كلُّ واحد منهما مخلوطاً فما المخلوط به؟ قلت: كلُّ واحدٍ مخلوطٌ ومخلوطٌ به، لأن المعنى: خلط كل واحدٍ منهما بالآخر كقولك: ((خَلَطْتُ الماء واللبن)» تريد: خَلَطْتُ كلَّ واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: (خَلَظْتُ الماءَ باللبن)) لأنك جَعَلْتُ الماءَ مخلوطاً واللبن مخلوطاً به. وإذا قلته بالواو جَعَلْتَ الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما، كأنك قلت: خَلَطْتُ الماء باللبن واللبن بالماء)». ثم قال: ((ويجوز أن يكونَ مِنْ قولهم: ((بِعْتُ الشاء: شاةً ودرهماً)) بمعنى: شاة بدرهم)) قلت: لا يريد أن الواو بمعنى الباء، وإنما هذا تفسيرُ معنى. وقال أبو البقاء (٢): ((ولو كان بالباء جاز أن تقول: خلطْتُ الحِنْطة والشعير، وخلطت الحنطةً بالشعير)). قوله: ((عَسَى اللَّهُ)) يجوز أن تكون الجملةُ مستأنفةً، ويجوز أن تكونَ في محل رفع خبراً لـ((آخرون))، ويكون قولُه: ((خلطوا)) في محلٌّ نصبٍ على الحال، و((قد)» معه مقدرةٌ أي: قد خلطوا. فتلخّص في (آخرون)) أنه معطوفٌ على ((منافقون))، أو مبتدأُ مخبر عنه بـ ((خلطوا)) أو الجملةِ الرجائية. آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿مِنْ أموالهم﴾: يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقُ بـ((خُذْ)) و((مِنْ)) تبعيضية. والثاني: أن تتعلق بمحذوف لأنها حالٌ مِنْ ((صدقة) إذ هي في الأصل صفةٌ لها فلمَّا قُدِّمت نُصِبَتْ حالاً. قوله: (تُطَهِّرهم وتُزَكِّيهم)) يجوز أن تكونَ التاء في ((تُطَهِّرهم)) خطاباً (١) الكشاف ٢١٢/٢ . (٢) الإملاء ٢١/٢. ١١٥ - التوبة - للنبي عليه السلام، وأن تكون للغَيْبة، والفاعل ضمير الصدقة. فعلى الأولِ تكونُ الجملةُ في محلّ نصبٍ على الحال مِنْ فاعل ((خذ». ويجوز أيضاً أن تكونَ صفةً لـ ((صدقةً))، ولا بد حينئذ من حذف عائد تقديره تطهِّرهم بها، وحُذِف ((بها)) لدلالة ما بعده عليه. وعلى الثاني تكون الجملةُ صفةً لصدقة ليس إلا. وأما ((وتُزَكّيهم)) فالتاءُ فيه للخطاب لا غير لقوله ((بها)) فإن الضمير يعود على الصدقة فاستحالَ أن يعودَ الضمير مِنْ ((تزكُّيهم)) إلى الصدقة، وعلى هذا فتكون الجملةُ حالاً مِنْ فاعل ((خُذْ)) على قولنا إنَّ ((تُطَهِّرهم)) حال منها وإن التاء فيه للخطاب. ويجوز أيضاً أن تكون صفة إن قلنا إن ((تطهُّرهم)): صفةٌ، والعائدُ منها محذوفٌ. وجَوَّز مكي (١) أن يكون ((تُطَهِّرهم)) صفةً لصدقة على أن التاء للغيبة، و ((تُزَكِّيهم) حالاً من فاعل ((خُذْ)) على أن التاء للخطاب. وقد رَدُّوه عليه بأن الواوَ عاطفةٌ أي: صدقةً مطهِّرةً ومُزَكَّيَّاً بها، ولو كان بغير واوٍ جاز. قلت: ووجهُ الفسادٍ ظاهرٌ فإن الواوَ مُشَرِّكَةٌ لفظاً ومعنى، فلو كانت ((وتزكيهم)) عطفاً على ((تُطَهِّرهم)) لَلَزِمَ أن تكونَ صفةٌ كالمعطوف عليه، إذ لا يجوز اختلافُهما، . ولكن يجوزُ ذلك على أن «تزكِّيهم)) خبر مبتدأ محذوف، وتكون الواوُ للحال تقديره: وأنت تزكِّيهم. وفيه ضعفٌ لقلةٍ نظيرِه في كلامهم. فتلخّص من ذلك أن الجملتين يجوز أن تكونا حالَيْن من فاعل ((خُذْ)) على أن تكونَ التاءُ للخطاب، وأن تكونا صفتين لصدقة، على أن التاء للغيبة، والعائد محذوفٌ من الأولى، وأن تكون ((تطهِّرهم)) حالاً أو صفةً، و((تزكِّيهم)) حالاً على ما جَوَّزه مكي، وأن تكونَ (تزكَّيهم)) خبرَ مبتدأ محذوف، والواوُ للحال. (١) المشكل ٣٦٩/١. ١١٦ - التوبة - وقرأ(١) الحسن: ((تُظْهِرهم)) مخفَّفاً مِنْ ((أطهر)) عَدَّاه بالهمزة. قوله: ((إنَّ صَلاتك)) قرأ(٢) الأخوان وحفص: ((إنَّ صلاتَكَ))، وفي هود(٣): ((أصلاتك تأمُرك)) بالتوحيد، والباقون: ((إنَّ صلواتك)) ((أصلواتُك)) بالجمع فيهما وهما واضحتان، إلا أنَّ الصلاةَ هنا الدعاء وفي تِيْكَ العبادة. والسَّكَنُ: الطمأنينة قال(٤): ٢٥٤٢ - يا جارةَ الحيِّ ألَّ كنتِ لي سَكَناً إذليس بعض من الجيران أَسْكنني ففَعَل بمعنى مفعول كالقَبْض بمعنى المقبوض والمعنى: يَسْكنون إليها. قال أبو البقاء(٥): ((ولذلك لم يؤنّثْه)) لكن الظاهر أنه هنا بمعنى فاعل / لقوله [١/٤٥٤] ((لهم))، ولو كان كما قال لكان التركيب ((سكنٌ إليها)) أي مَسْكون إليها، فقد ظهر أن المعنى: مُسَكَّنة لهم. آ. (١٠٤) قوله تعالى: ﴿هو يَقْبَلُ﴾: ((هو)) مبتدأ، و ((يَقْبَلُ)) خبره والجملةُ خبر أنَّ، وأنَّ وما في حيِّزها سادةٌ مَسَدَّ المفعولين أو مسدَّ الأول. ولا يجوز أن يكونَ ((هو)) فصلاً لأنَّ ما بعده لا يوهم الوصفيَّة، وقد تحرِّر مِنْ ذلك فيما تقدم. وقرأ(٦) الحسن - قال الشيخ (٧): وفي مصحف أُبي ــ ((ألم تعلموا)) بالخطاب. وفيه احتمالات، أحدها: أن يكون خطاباً للمتخلَّفين الذين قالوا: ما هذه الخاصية التي اختصَّ بها هؤلاء؟ و[الثاني]: أن يكون التفاتاً من غير (١) الشواذ ٥٤؛ البحر ٩٥/٥. (٢) السبعة ٣١٧؛ الحجة ٣٢٢؛ البحر ٩٦/٥. (٣) الآية ٨٧. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في تفسير الماوردي ١٦٣/٢؛ والبحر ٩٥/٥. (٥) الإملاء ٢١/٢. (٦) المحرر الوجيز ٢٦٧/٨؛ البحر ٩٦/٥. (٧) البحر ٩٦/٥. ١١٧ - التوبة - إضمارٍ قولٍ، والمرادُ التائبون. و [الثالث]: أن يكون على إضمارِ قولٍ أي : قل لهم يا محمد ألم تعلموا. قوله: ((عن عبادِه)) متعلقٌ بـ ((يَقْبَل))، وإنما تعدَّى بـ ((عن)) فقيل: لأنّ معنى ((مِنْ)) ومعنى ((عن)) متقاربان. قال ابن عطية(١): ((وكثيراً ما يُتَوَصَّل في موضع واحد بهذه وبهذه نحو ((لا صدقةً إلا عن غني ومِنْ غني)»، و «فعل ذلك فلانٌ مِنْ أَشَره(٢) وبَطَرِهِ، وعن أَشَره وبَطَرَه)). وقيل: لفظة ((عن)) تُشعر بُعْدٍ ما، تقول: ((جلس عن يمين الأمير)) أي مع نوع من البعد. والظاهرُ أنَّ ((عن)) هنا للمجاوزة على بابها، والمعنى: يتجاوز عن عباده بقبول توبتهم، فإذا قلت: ((أخذت العلم عن زيد))، فمعناه المجاوزةُ، وإذا قلت: منه فمعناه: ابتداء الغاية . قوله: ((هو التَّواب)) يجوز أن يكون فصلاً، وأن يكون مبتدأ بخلافٍ ما قبله. آ. (١٠٦) قوله تعالى: ﴿مُرْجَوْن): قرأ(٣) ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم (٤) ((مُرْجُؤُون)) بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة. والباقون (مُرْجَوْن)) دون تلك الهمزة، وهذا كقراءتهم في الأحزاب(٥): (تُرْجِىء)) بالهمزة، والباقون بدونه. وهما لغتان يقال: أَرْجَأْتُه وأَرْجَيْتُه كأَعْطيته. ويحتمل أن يكونا أصلين بنفسِهما، وأن تكونَ الياءُ بدلاً من الهمزة، ولأنه قد عُهِد تحقيقُها كثيراً كَقْرَأْت وقَرَيْتُ، وتوضَّأْت وتوضَّيْت. (١) المحرر ٢٦٨/٨. (٢) الْأَشَر: أشد البطر .. (٣) الحجة ٣٢٣؛ التيسير ١١٩؛ البحر ٩٧/٥. (٤) في الأصل: (عن حفص))، وهو سهو. (٥) الآية ٥١. وانظر: السبعة ٥٢٣. ١١٨ - التوبة - قوله: ((إمَّا يُعَذِّبُهم)) يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في محل رفع خبراً، . و (مُرْجَوْن)) يكون على هذا نعتاً للمبتدأ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكونَ في محل نصبٍ على الحال أي: هم مُؤَخَّرون: إمَّا معذّبين وإمَّا متوباً عليهم. و(إمَّ)) هنا للشك بالنسبة إلى المخاطب، وإمَّا للإِبهام بالنسبة إلى أنه أَبْهَمَ على المخاطبين. آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا﴾: قرأ نافع(١) وابن عامر: ((الذين اتخذوا)) بغير واو، والباقون بواو العطف. فأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر فلموافقة مصاحفِهم، فإنَّ مصاحف المدينة والشام حُذفت منها الواوُ وهي ثابتةٌ في مصاحف غيرهم. و((الذين)) على قراءة مَنْ أسقط الواوَ قبلها فيها أوجه، أحدها: أنها بدلٌ مِنْ ((آخرون)) قبلها. وفيه نظر لأن هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضِراراً، لا يُقال في حَقُّهم إنهم مُرْجَوْن لأمر الله، لأنه يُروى في التفسير أنهم من كبار المنافقين كأبي عامر الراهب. الثاني: أنه مبتدأ وفي خبره حينئذٍ أقوالٌ أحدها: أنه ((أَفَمَنْ أَسَّسَ بنيانَه)» والعائد محذوفٌ تقديره: بنيانَه منهم. الثاني: أنه ((لا يزال بنيانُهم)) قاله النحاس(٢) والحوفي، وفيه بُعْدُ لطول الفصل. الثالث: أنه ((لا تقمْ فيه)) قاله الكسائي. قال ابن عطية(٣): ((ويتجه بإضمارٍ: إمَّا في أول الآية، وإمّا في آخرها بتقدير: لا تقم في مسجدهم)). الرابع: أن الخبرَ محذوفٌ تقديرُه: معذَّبون ونحوه، قاله المهدوي. الوجه الثالث (٤) أنه منصوبٌ على الاختصاص. وسيأتي هذا الوجهُ أيضاً في قراءة الواو. (١) السبعة ٣١٨؛ الحجة ٣٢٣؛ البحر ٩٨/٥. (٢) إعراب القرآن له ٢ /٤٠. (٣) المحرر ٢٧٠/٨. (٤) أي في إعراب ((الذين))، والأول بدل، والثاني مبتدأ. ١١٩ - التوبة - وأمَّا قراءةُ الواو ففيها ما تقدَّم(١)، إلا أنه يمتنع وجهُ البدل مِنْ ((آخرون)) لأجل العاطف. وقال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: ((والذين اتخذوا)) ما محلُّه من الإعراب؟ قلت: محلَّه النصب على الاختصاص، كقوله تعالى: ((والمقيمين الصلاة(٣). وقيل: هو مبتدأ وخبرُه محذوفٌ معناه: فيمَنْ وَصَفْنا الذين اتخذوا، كقوله: ((والسَّارقُ والسارقة)) (٤)، قلت: يريد على مذهب سيبويه(٥) فإن تقديره: فيما يُتْلى عليكم السارق، فحذف الخبرَ وأبقى المبتدأَ كهذه الآية. [٤٥٤/ب] قوله: ((ضِراراً) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: / أنه مفعولٌ من أجله أي: مُضَارَّةٌ لإِخوانهم. الثاني: أنه مفعولٌ ثان لـ((أَتَّخذ)) قاله أبو البقاءِ(٦). الثالث: أنه مصدر في موضع الحال من فاعل ((اتخذوا)) أي: اتخذوه مضارِّين لإخوانهم، ويجوز أن ينتصبَ على المصدرية أي: يَضُرُّون بذلك غيرهم: ضِراراً، ومتعلَّقاتُ هذه المصادرِ محذوفةٌ أي: ضِراراً لإِخوانهم وكفراً بالله . قوله: ((من قبل)) فيه وجهان، أحدهما - وهو الذي لم يذكر الزمخشري (٧) غيره - أنه متعلقٌ بقوله: ((اتخذوا)) أي: اتخذوا مسجداً مِنْ قبل أن ينافقَ هؤلاء. والثاني: أنه متعلقٌ بـ ((حارب)) أي: حارب مِنْ قبل اتّخاذ. هذا المسجد. قوله: ((وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا)» لَيَحْلِفُنَّ: جوابُ قسم مقدر أي: والله (١) أي في إعراب ((الذين)). (٢) الكشاف ٢١٤/٢ . (٣) الآية ١٦٢ من سورة النساء. (٤) الآية ٣٨ من سورة المائدة. (٥) الكتاب ٧٢/١. (٦) الإملاء ٢٢/٢. (٧) الكشاف ٢١٤/٢ ١٢٠