Indexed OCR Text
Pages 541-560
- الأعراف - قال: (وهي لغة ثابتة)) ثم قال: ((فإن تأوَّلنا ما ورد من ذلك نحو: (١) ٢٣٦٢- يا ليت أيامَ الصِّبا رواجعا أي: تُرى رواجعا / فكذلك هذه يكون تأويلها: إن الذين تدعون من دون [١/٤١٨] الله خلقناهم عباداً أمثالكم)). قلت: فيكون هذا التخريج مبنياً على مذهبين أحدهما: إعمال المخففة وقد نصَّ جماعة من النحويين على أنه أقل من الإِهمال، وعبارة بعضهم ((إنه قليل)) ولا أرتضيه لوروده في المتواتر(٢). والثاني: أن ((إنَّ)) وإخواتها تنصب الجزأين وهو مذهب مرجوح. وقد تحصَّل في تخريج هذه القراءة ثلاثة أوجه: كون ((إنْ)) نافيةً عاملةً، أو المخففة الناصبة للجزأين، أو النصب بفعل مقدر هو خبر لها في المعنى. وقرأ(٣) بعضهم ((إنْ)) مخففة، ((عبادا) نصباً، ((أمثالُكم)) رفعاً، وتخريجها على أن تكونَ المخففة وقد أُهملت، و((الذين)) مبتدأ، و((تدعون)) صلتها، والعائد محذوف، و((عباكلا حال من ذلك العائد المحذوف، و((أمثالكم)) خبره. والتقدير: إن الذين تدعونهم حال كونهم عباداً أمثالكم في كونهم مخلوقين مملوكين فكيف يُعبدون؟ ويَضْعُف أن يكون الموصول اسماً منصوبَ المحل لأن إعمالَ المخففة كما تقدَّم قليلٌ. وحكى أبو البقاء(٤) أيضاً قراءةً رابعةً وهي بتشديد ((إنَّ))، ونصب ((عباد))، ورفع ((أمثالكم))، وتخريجها على ما تقدم قبلها. (١) البيت للعجَّاج وهو في الكتاب ٢٨٤/١؛ وابن يعيش ١٠٣/١؛ والهمع ١٣٤/١؛ والدرر ١١٢/١؛ والخزانة ٢٩٠/٤. وليس في ديوانه. (٢) أي أن المؤلف لا يرتضي نص الجماعة القائلة بأنه أقل من الإهمال كما لا يرتضي عبارة بعضهم ((أنه قليل)) وذلك لقراءة نافع وابن كثير: ((وإنْ كلَّا)) وما دام قد ورد في المتواتر فلا يجوز الحكم بالقلة . (٣) البحر ٤ /٤٤٥. (٤) الإِملاء ٣٩٠/١. ٥٤١ - الأعراف - .آ. (١٩٥) قوله تعالى: ﴿يَبْطِشون﴾: العامة على كسر الطاء من بطش يبطِش. وقرأ (١) أبو جعفر وشيبة ونافع في رواية عنه: ((يَبطُشون)» بضمها وهما لغتان. والبطش: الأخذ بقوة. قوله: ((ثم كيدوني)) قرأ (٢) أبو عمرو: ((كيدوني)» بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً. وهشام بإثباتها في الحالين. والباقون بحذفها في الحالين، وعن : هشام خلافٌ مشهور. وقال الشيخ(٣): ((وقرأ أبو عمرو وهشام بخلاف عنه ((فكيدوني)) بإثبات الياء وصلاً ووقفً) قلت: أبو عمرو لا يثبتها وقفاً البتة، فإن : قاعدَته [في] الياءات الزائدة ما ذكرته لك. وفي القراءة ((فكيدوني)) ثلاثةُ ألفاظٍ: هذه وقد عُرف حكمُها، وفي هود(٤) ((فكيدوني جميعاً)) أثبتها القُرَّاء كلهم في الحالين، وفي المرسلات(٥): ((فإن كان لكم كيدُ فكيدون)) حَذَفَها الجميعُ في الحالين، وهذا نظير ما مرَّ بك من لفظة ((واخشوني)) (٦) فإنها في البقرة ثابتةٌ للكل وصلاً ووقفاً، ومحذوفةً في أول المائدة(٧)، ومختلف فيها في ثانيتها(٨). آ. (١٩٦) قوله تعالى: ﴿إِنَّ ولِّيَ الله﴾: العامة على تشديد ((وليي)) مضافاً لياء المتكلم المفتوحة وهي قراءة واضحة. أضاف الوليّ إلى نفسه. (١) البحر ٤٤٥/٤؛ الشواذ ٤٨ وأضاف الحسن . (٢) السبعة ٢٩٩؛ البحر ٤٤٦/٤. (٣) البحر ٤٤٦/٤. (٤) الآية ٥٥ . (٥) الآية ٣٩. (٦) الآية ١٥٠ من البقرة: ((فلا تخشوهم واخشوني)). (٧) الآية ٣. (٨) أي في الموضع الثاني من المائدة وهو الآية ٤٤، حيث قرأ أبو عمرو بالياء في الوصل، واختلف عن نافع، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل الوقف. السبعة ٢٤٣. ٥٤٢ - الأعراف - وقرأ أبو عمرو (١) في بعض طرقه: ((إن وليَّ)) بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان أحدهما: قال أبو علي: ((إن ياء فعيل مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإن الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس(٢). والثاني: أن يكون ((وليَّ)) اسمها وهو اسمُ نكرةٌ غيرُ مضاف لياء المتكلم والأصل: إن ولياً الله، فولياً اسمُها واللـهُ خبرها، ثم حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله(٣): ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا ٢٣٦٣- فألفيته غيرَ مُسْتَعْتِبٍ وكقراءة من قرأ: ((قل هو الله أحدُ الله الصمد))(٤). ولم يبق إلا الإِخبارُ عن نكرةٍ بمعرفة وهو واردٌ، قال الشاعر(٥): ٢٣٦٤ - وإنَّ حراماً أن أَسُبَّ مجاشعاً بآبائي الشمّ الكرام الخضارم وقرأ الجحدري في رواية(٦): ((إن وليَّ الله)) بكسر الياء مشددة، وأصلُها أنه سَكَّن ياء المتكلم فالتقت مع لام التعريف، فحذفت(٧) لالتقاء الساكنين وبقيت الكسرة تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلامِ الرجلُ. وقرأه في رواية أخرى: ((إن وليَّ الله)) بياء مشددة والجلالة بالجر، نقلها عنه أبو عمرو الداني، أضاف الوليّ إلى الجلالة. وذكر الأخفش(٨) وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولم يذكرا نصب الياء. وخرَّجها الناس على ثلاثة أوجه، الأول - قولُ الأخفش - وهو أن (١) السبعة ٣٠٠؛ الشواذ ٤٨ وأضاف: إلى أبي عمرو والحسن وشيبة. (٢) لعل سبب المنع أن الحرف الذي جاء لمعنى لا يجوز حذفه. (٣) تقدم برقم ١٥٠٤ . (٤) الآيتان ١ - ٢ من الصمد وهي رواية هارون عن أبي عمرو وقراءة نصر بن عاصم ورويت عن عمر. السبعة ٧٠١؛ الشواذ ١٨٢. (٥) تقدم برقم ١٣٥٧ . (٦) قال في البحر ٤٤٦/٤: ((نقلها عنه صاحب كتاب ((اللوامح في شواذ القراءات)). (٧) أي ياء المتكلم. (٨) لم يرد في معاني القرآن له. ٥٤٣ - الأعراف - يكون وليّ الله اسمها، والذي نزّل الكتاب خبرها، والمراد بالذي نزّل الكتاب جبريل، يدلُّ عليه قولُه تعالى ((نزل به الروح الأمين))(١) ((قل نَزَّله روح القدس)»(٢) إلا أن الأخفش قال في قوله ((وهو يتولى الصالحين)) هو مِنْ صفة. اللّه قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تَحَتَّم ذلك نظرً. والثاني: أن يكون: الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النبي صلى الله عليه وسلم ويكون ثَمَّ عائدٌ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: إنَّ وليَّ الله : النبيُّ الذي نَزَّل الله الكتاب عليه، فحذف ((عليه)) وإن لم يكن مشتملاً على [٤١٨/ب] شروط الحذف(٣) لكنه قد جاء قليلاً كقوله (٤): / وهُوَّ على مَنْ صَبَّهِ اللّه عَلْقَمُ ٢٣٦٥- وإن لساني شُهْدةٌ يُشْتغی بها أي: صَبَّه الله عليه. وقال آخر(٥): على الماء لا يدري بما هو قابض ٢٣٦٦- فأصبح من أسماء قیسٍ کقابضٍ أي: بما هو قابض عليه. وقال آخر(٦): إلى الأرض إن لم يَقْدِرِ الخیرَ قادره ٢٣٦٧- لعلَّ الذي أَصْعَدْتِي أَن يَرُدَّني أي: أَصْعَدْتني به. وقال آخر (٧): ٢٣٦٨ - ومِنْ حَسَدٍ يجورُ عليَّ قومي وأيُّ الدهر ذو لم يحسُدوني (١) الآية ١٩٣ من الشعراء. (٢) الآية ١٠٢ من النخل . (٣) أن يكون الموصول أو الموصوف بالموصول مجروراً بمثل ذلك الحرف معنى ومتعلقاً نحو (( ويشرب مما تشربون)) أي منه. انظر: أوضح المسالك ٨٩. (٤) تقدم برقم ٣٢٠. (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤٤٦/٤. (٦) تقدم برقم ٧٩٣. (٧) البيت لحاتم الطائي وليس في ديوانه، وهو في البحر ٤٤٧/٤؛ والعيني ٤٥١/١؛ والتصريح ٤١٤٧/١ وأوضح المسالك ٩٠. ٥٤٤ - الأعراف - وقال آخر(١): أخونُكِ عهداً إنني غيرُ خَوَّانِ ٢٣٦٩ - فقلت لها لا والذي حَجَّ حاتمٌ أي: حجَّ إليه. وقال آخر(٢): ٢٣٧٠ - فَأَبْلِغَنَّ خالدَ بنَ عَضْلَةٍ والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بلومٍ مَنْ يثقْ أي: يثق به، وإذا ثَبَتَ أن الضميرَ يُحْذف في مثل هذه الأماكن وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة في التخريج المذكور(٣) أسوة بها. والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إن وليَّ الله الصالحُ أَو مَنْ هو صالح، وحُذف لدلالة قوله ((وهو يتولَّى الصالحين)» وكقوله: ((إن الذين كفروا بالذِّكر))(٤)، أي: معذَّبون، وكقوله: ((إن الذين كفروا ويصدون))(٥). آ. (٢٠٠) والنَّزْغُ (٦): أدنى حركة تكون، وأكثر ما يُسْند للشيطان لأنه أسرعُ في ذلك. وقيل: النَّزْغ: الدخول في أمرٍ لِإِفساده. وقال الزمخشري (٧): ((والنزغ والنَّسْغِ الغَرْزُ والَنَّخْس، وجعل النزغ نازغاً كما قيل: ((جَدَّ جَدُّه)» يعني قصد بذلك المبالغة. آ. (٢٠١) قوله تعالى: ﴿طائفٌ﴾: قرأ(٨) ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ((طَيْفٌ)) والباقون ((طائف)) بزنة فاعل. فأمَّا طَيْف ففيه ثلاثة أوجه، (١) البيت للعُرْيان بن سهلة الجرمي - جاهلي - وهو في النوادر ٦٥؛ والخزانة ٥٢١/٢؛ والبحر ٤ /٤٤٧. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤ /٤٤٦؛ وشرح الجمل لابن عصفور ١٨٥/١. (٣) الأصل: ((المذكورة)» وهو سھو. (٤) ((إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز)) الآية ٤١ من فصلت. (٥) الآية ٢٥ من الحج. (٦) انظر: مفردات الراغب ٤٨٨. (٧) الكشاف ١٣٩/٢. (٨) السبعة ٣٠١؛ الحجة ٣٠٥؛ البحر ٤٤٩/٤. ٥٤٥ - الأعراف - أحدُها: أنه مصدرٌ مِنْ طاف يَطيف كباع يبيع، وأنشد أبو عبيدة(١): ومَطافُه لك ذُكْرَةٌ وَشُعُوفُ ٢٣٧١ - أنَّى ألمَّ بك الخيالُ يَطيف والثاني: أنه مخففٌ من فَيْعِل، والأصل: طَيِّف بتشديد الياء فحذف عين الكلمة كقولهم في مَّت مَيْت وفي ليّن ليْن وفي هيّن هيْن. ثم طَيّف الذي هو الأصل يحتمل أن يكون مِنْ طاف يطيف أو من طاف يطوف، والأصل: طَيْوِف فقلب وأدغم وهذا قول أبي بكر بن الأنباري. والثالث: أن أصله طَوْف من طاف يطوف، فقلبت الواو ياءً. قال أبو البقاء(٢): ((قلبت الواو ياءً وإن كانت ساكنة كما قلبت في أَيْد(٣) وهو بعيد)) قلت: وقد قالوا أيضاً في حَوْل: خَيْل(٤)، ولكن هذا من الشذوذ بحيث لا يُقاس عليه. وقوله ((وإن كانت ساكنة» ليس هذا مقتضياً لمنع قلبها ياء بل كان ينبغي أن يُقال: وإن كان ما قبلها غير. مکسور. وأمَّا طائفٌ فاسمُ فاعل، يُحْتمل أن يكون مِنْ طاف يطوف فيكون كقائم وقائل، وأن يكونَ مِنْ طاف يطيف فيكون كبائع ومائل. وقد زعم بعضُهم أنَّ طَيْفاً وطائفاً بمعنى واحد ويُعزى للفراء(٥)، فيحتمل أن يَرُدَّ طائفاً لطَيْف فيجعلهما مصدرين. وقد جاء فاعِل مصدراً كقولهم: ((أقائماً وقد قعد الناس) وأن يَرُدَّ طيفاً لطائف، أي: فيجعله وَصْفاً على فَعْل. (١) مجاز القرآن ٢٣٧/١، وهو لكعب بن زهير في ديوانه ١١٣؛ والطبري ٣٣٥/١٣، واللسان طيف؛ والبحر ٤ /٤٤٩؛ وشواهد الكشاف ١٩٠/٤. والذكرة: الحفظ للشيء أو الشيء يجري على اللسان، وشعفه الحب: أحرق قلبه. (٢) الإملاء ٢٩١/١. (٣) الأوْد: مصدر آده الأمر بلغ منه المجهود، ولم أجد من نَصَّ على قلب واوها ياء. (٤) الحَوْل والحَيْل: اسم من الاحتيال. انظر: القاموس: حيل. (٥) معاني القرآن ٤٠٢/١ وذلك لأنه شَرّح لفظتي القراءتين فقال: ((وهو اللمم والذنب)). ٥٤٦ - الأعراف - وقال الفارسي: ((الطيف كالخَطْرة، والطائف كالخاطر)) ففرَّق بينهما. وقال الكسائي: ((الطَّيْف: اللَّمَم، والطائف ما طاف حول الإِنسان)). قال ابن عطية(١): ((وكيف هذا وقد قال الأعشى (٢): ٢٣٧٢- وتُصْبح مِنْ غِبِّ السُّرَى وكأنما ألمَّ بها من طائفِ الجنِّ أولقُ ولا أدري ما تَعَجُّبُه؟ وكأنه أخذ قوله ((ما طافَ حول الإِنسان)) مقيَّداً بالإِنسان، وهذا قد جعله طائفاً بالناقة، وهي سَقْطة لأن الكسائي إنما قاله اتفاقاً لا تقييداً. وقال أبو زيد الأنصاري: ((طافَ: أقبل وأدبر يَطُوف طَوْفاً وطَوَافً، وأطاف: استدار القومُ من نواحيهم(٣). وطاف الخيالُ: أَلَمَّ، يَطيف طَيْفً)(٤) فقد فرَّق أبو زيد بين ذي الواو وذي الياء، فخصَّص كلَّ مادة بمعنى. وفرَّق أيضاً بين فعل وأفعل كما رأيت. وزعم السُّهَيْلي أنه لا يُسْتعمل مِنْ ((طاف الخيال)) اسم فاعل قال: ((لأنه تخيُّلٌ لا حقيقة له)). قال: ((فأمَّا قوله تعالى: ((فطاف عليها طائفٌ من ربك))(٥) فلا يقال فيه طَيْف لأنه اسمُ فاعل حقيقةً. وقال حسان(٦): ٢٣٧٣ - جِنِّيَّةٌ أَرَّقَني طيفُها تَذْهَبُ صُبْحاً وَتُرى في المنامْ وقال السدِّي: ((الطَّيْفُ: الجنون، والطائف: الغضب))، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - هما بمعنى واحد وهو النَّزْغ. (١) التفسير ٢٣٥/٧. (٢) تقدم برقم ١١٠٠. (٣) في البحر عن أبي زيد ٤٥٠/٤ ((وأتاهم من نواحيهم)). (٤) تكرر قوله ((طيفاً) في نسخة الأصل. (٥) الآية ١٩ من القلم. (٦) ديوانه ١٠٦؛ البحر ٤٥٠/٤. ٥٤٧ - الأعراف - / آ. (٢٠٢) قوله تعالى: ﴿وإخوانهم يمَدُّونهم في الغَيِّ﴾: في هذه [١/٤١٩] الآيةِ أوجهً، أحدها: أن الضميرَ في ((إخوانهم)) يعود على الشياطين لدلالةٍ لفظ الشيطان عليهم، أو على الشيطان نفسه لأنه لا يُراد به الواحدُ بل الجنس. والضمير المنصوب في ((يَمُدُّونهم)) يعود على الكفار، والمرفوع يعود على الشياطين أو الشيطان كما تقدَّم. والتقدير: وإخوان الشياطين يَمْدُّهم الشياطين، وعلى هذا الوجه فالخبرُ جارٍ على غير مَنْ هو له في المعنى، ألا ترى أن الإِمداد مسند إلى الشياطين في المعنى، وهو في اللفظ خبر عن «إخوانهم))، ومثله(١): ٢٣٧٤ _ قوم إذا الخيلُ جالُوا في كواثبها وقد تقدم لك في هذا كلامٌ وبحثٌ مع مكي وغيره من حيث جَرَيانٌ الفعلِ على غير مَنْ هوله ولم يَبْرُزْ ضمير، وهذا التأويل الذي ذكرته هو قول الجمهور عليه عامَّة المفسرين. قال الزمخشري (٢) «هو أَوْجَهُ لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا)). الثاني: أن المرادَ بالإِخوان الشياطين، وبالضمير المضافِ إليه الجاهلون أو غيرُ المُتَّقين؛ لأن الشيء يَدُلُّ على مقابله. والواو تعود على الإِخوان، والضميرُ المنصوب يعود على الجاهلين أو غير المتقين، والمعنى: والشياطين الذين هم إخوانُ الجاهلين أو غير المتقين يَمُدُّون الجاهلين أو غير المتقين في الغَيِّ، والخبرُ في هذا الوجه جارٍ على مَنْ هوله لفظاً ومعنى وهذا تفسير قتادة . (١) عجزه : فوارسُ الخيل لا مِيلٌ ولا قدمُ وهو في شواهد الكشاف ٥٢٥/٤. ولم أهتد إلى قائله. والكاتبة من الفرس: ما تقدم من السرج. الميل: ج أميل وهو الذي لا يثبت على ظهر الدابة. ولا قدم: ليسوا لئاماً. (٢) الكشاف ١٣٩/٢. ٥٤٨ - الأعراف - الثالث: أن يعودَ الضمير المجرور والمنصوب على الشياطين، والمرفوع على الإِخوان وهم الكفار. قال ابن عطية (١): ((ويكون المعنى: وإخوان الشياطين في الغيِّ بخلافِ الإِخوة في الله يَمُدُّون [الشياطين](٢)، أي: بطاعتهم لهم وقبولهم منهم، ولا يترتَّب هذا التأويل على أن يتعلق في الغيّ بالإِمداد؛ لأن الإِنس لا يُغْوون الشياطين)). قلت: يعني يكون في (الغيّ)) حالاً من المبتدأ أي: وإخوانهم حال كونهم مستقرين في الغيّ، وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف، والأحسن أن يتعلق بما تضمَّنه إخوانهم من معنى المؤاخاة والأخوة، وسيأتي فيه بحث للشيخ. قال الشيخ(٣): ((ويمكن أن يتعلَّق ((في الغيّ)) على هذا التأويل بـ ((يمدُّونهم)) على جهة السبيّة، أي: يمدُّونهم بسبب غوايتهم نحو: ((دخلت امرأة النار في هرة))(٤)، أي: بسبب هرةٍ»، ويُحتمل أن يكون ((في الغيّ)) حالاً فيتعلَّق بمحذوف، أي: كائنين في الغيّ، فيكون ((في الغيّ)) في موضعه، ولا يتعلَّق بإخوانهم، وقد جَوَّز ذلك ابن عطية(٥). وعندي في ذلك نظرٌ، فلو قلت: ((مُطْعِمُك زيدٌ لحماً» تريد: مطعمك لحماً زيدٌ، فتفصل بين المبتدأ ومعموله بالخبر لكان في جوازه نظر؛ لأنك فَصَلْتَ بين العامل والمعمول بأجنبي لهما معاً، وإن كان ليس أجنبياً لأحدهما وهو المبتدأ)). قلت: ولا يظهر منعُ هذا البتةَ لعدم أجنبيَّته . وقرأ نافع (٦): ((يُمِدونهم)) بضم الياء وكسر الميم مِنْ أمدَّ، والباقون بفتح (١) التفسير ٢٣٦/٧. (٢) من ابن عطية . (٣) البحر ٤٥٠/٤ (٤) رواه البخاري (فتح الباري) بدء الخلق ٣٥٦/٦؛ ومسلم: التوبة ٢١١٠/٤. (٥) التفسير ٢٣٦/٧. (٦) السبعة ٣٠١؛ الحجة ٣٠٦؛ البحر ٤٥١/٤؛ الشواذ لابن خالويه ٤٨. ٥٤٩ - الأعراف - الياء وضم الميم مِنْ مدَّ، وقد تقدَّم الكلام على هذه المادة، وهل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق في أوائل هذا الموضوع. وقرأ الجحدري ((يُمادُّونهم)) مِنْ مادَّهُ بزنة فاعَلَهِ . وقرأ العامة ((يُقْصِرُون)) مِنْ أَقْصَرَ، قال الشاعر(١): ٢٣٧٥ - لعَمْرك ما قلبي إلى أهله بحُرِّ ولا مُقْصِرٍ يوماً فيأتيني بقُرْ وقال امرؤ القيس (٢): وحَلَّتْ سُلَيْمِى بَطْنَ قَوِّ فَعَرْعرا ٢٣٧٦- سما لك شوق بعدما كان أَقْصَرا أي: ولا نازع عمَّا هو فيه، وارتفع شوقك بعدما كان قد نزع وأقلع. وقرأ(٣) عيسى بن عمر وابن أبي عبلة ((ثم لا يَقْصُرون)) بفتح الياء وضم الصاد مِنْ قصر، أي: ثم لا يَنْقُصون من إمدادهم. وهذه الجملة - أعني ((وإخوانهم يمدُّونهم)) زعم الزجاج (٤) أنها متصلة بالجملة من قوله ((لا يستطيعون لهم نصراً» و هو تكلف بعید. وقوله ((في الغنيّ)): قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكون متعلقاً بالفعل، أو بإخوانهم، أو بمحذوف على أنه حال: إِمَّا من إخوانهم، وإمَّا مِنْ واو ((يمدُّونهم))، وإمَّا مِنْ مفعوله . أ. (٢٠٤) قوله تعالى: ﴿له﴾: متعلَّقٌ بـ استمعوا، على معنى لأجله، والضمير للقرآن. وقال أبو البقاء (٥): ((يجوزُ أن يكون بمعنى لله، أي: لأجله))، فأعاد الضميرَ على ((الله)) وفيه بُعْدٌ، وجَوَّز أيضاً أن تكونَ اللامُ زائدةً، (١) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ١٠٩؛ والقر: الاستقرار والراحة. (٢) ديوانه ٥٦ . (٣) شواذ ابن خالويه ٤٨؛ وضبطها المحقق بكسر الصاد. (٤) معاني القرآن ٤٣٩/٢. (٥) الإملاء ٢٩١/١ . ٥٥٠ - الأعراف - أي: فاستمعوه، وقد عَرَفْتَ أن هذا لا يجوز عند الجمهور إلا في موضعين: إمّا تقديمِ المعمولِ أو كون العامل فرعاً. وجوَّز أيضاً أن تكون بمعنى إلى ولا حاجة إليه . والاجتباء (١): افتعال مِنْ جَبَاه يَجْبيه، أي: جمعه مختاراًله، ولهذا(٢) غلب: اجتبيتُ الشيء، أي: اخترته. وقال الزمخشري(٣): ((اجتبى الشيء: بمعنى جَبَاء لنفسه، أي: جمعه / كقولك: اجتمعه أو جُبِيَ إليه فاجتباه، أي: [٤١٩/ب] أخذه كقوله: جَلَيْتُ إليه العروس فاجتلاها، والمعنى: هلا اجتمعتها افتعالاً من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون: ((إنْ هذا إلا إِفْكُ افتراه))(٤). آ. (٢٠٤) والإِنصاتُ: السُّكوت للاستماع، قاله الفراء(٥). ويقال: نَصَتَ وأنصت بمعنى واحد، وقد جاء أنصت متعدياً، قال الكميت(٦): ٢٣٧٧- أبوك الذي اجدی عليك بنصره فأنصت عني بعده كلَّ قائل وقوله: ((هذا بصائر))(٧) جمع بصيرة، وأطلق على القرآن بصائر: إِمَّا مبالغةً، وإمَّا لأنه سبب البصائر، وإمَّا على حَذْف مضاف، أي: ذو بصائر. و((لعل)) يجوز أن تكونَ للترجي بحسب المخاطبين، وأن تكون للتعليل. (١) عاد إلى الآية ٢٠٣ ((لولا اجتبيتها)). (٢) قوله: ((ولهذا)) غير واضح في الأصل. (٣) الكشاف ١٣٩/٢. (٤) الآية ٤ من الفرقان. (٥) عبارته في معاني القرآن ٤٠٢/١: ((كان الناس يتكلمون في الصلاة المكتوبة فيأتي الرجل القوم فيقول: كم صليتم فيقول: كذا وكذا، فنهوا عن ذلك، فحرّم الكلام في الصلاة لما أنزلت هذه الآية». (٦) البحر ٤٣٨/٤. وأجدى: أعطاه الجدوى وهي العطية. (٧) عاد إلى الآية ٢٠٣. ٥٥١ - الأعراف - آ. (٢٠٥) قوله تعالى: ﴿تَضَرُّعاً وخيفة﴾: في نصبهما وجهان، أظهرهما: أنهما مفعولان من أجلهما لأنه يتسبَّب عنهما الذِّكْر. والثاني: أن ينتصبا على المصدر الواقع موقع الحال، أي: متضرعين خائفين، أو ذوي تضرع وخيفة. وقرىء(١) ((وخفية)) بتقديم الفاء. وقيل: وهما مصدران للفعل مِنْ معناه لا من لفظه، ذكره أبو البقاء(٢) وهو بعيد. قوله: ((ودونَ الجهر)) قال أبو البقاء(٣): ((معطوف على ((تضرُّع)) والتقدير: ومقتصدين)). وهذا ضعيف لأن ((دون)) ظرف لا يتصرَّف على المشهور، فالذي ينبغي أن يُجْعَل صفةٌ لشيء محذوف، ذلك المحذوف هو الحال كما قدَّره الزمخشري فقال(٤): ((ودونَ الجهر: ومتكلماً كلاماً دون الجهر؛ لأن الإِخفاءَ أَدْخَلُ في الإِخلاص وأقربُ إلى حسن التفكر)). قوله: «بالغُدُوِّ والآصال)) متعلق باذكر، أي: اذكره في هذين الوقتين وهما عبارةٌ عن الليل والنهار. قال أبو البقاء(٥): ((بالغُدُوِّ) متعلق بـ («ادعوا)). وهو سَبْقُ لسانٍ وقلم؛ إذ ليس نظمُ القرآن كذا. والغُدُوّ: إمَّا جِمع غُدْوة كقمح وقمحة، وعلى هذا فيكون قد قابل الجمع بالجمع المعنوي .. وقيل. هو مصدرٌ فِيقدَّرُ زمانٌ مضاف إليه حتى يتقابل زمان مجموع بمثله، تقديره: بأوقات الغدو. والآصال: جمع أُصْل، وأُصُل جمع أصيل فهو جمع الجمع. ولا جائزٌ أن يكونَ جمعاً لأصيل؛ لأن فعيلاً لا يُجْمع على أفعال. وقيل: بل هو جمعٌ لأصيل، وفعيل يُجمع على أفعال نحو: (١) البحر ٤٥٣/٤ ولم ينص عليها ابن خالويه في شواذه. (٢) الإملاء ٣٩١/١. (٣) الإِملاء ٣٩١/١. (٤) الكشاف ١٤٠/٢ (٥) الإملاء ٢٩١/١. ٥٥٢ - الأعراف - يمين وأيمان. وقيل: آصال جمع لـ ((أُصُل)) وأُصُل مفرد، ثبت ذلك مِنْ لغتهم وهو العشيُّ، وفُعُل يُجمع على أَفْعال قالوا: عُنُقَ وأعناق، وعلى هذا فلا حاجة إلى دَعْوى أنه جمع الجمع، ويُجْمع على أُصْلان كرَغيف ورُغْفان، ويُصَغّر على لفظه كقوله(١): عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدٍ ٢٣٧٨ - وَقَفْتُ فيها أُصَيْلالاً أسائلُها واستدلُّ الكوفيون بقولهم ((أُصَيْلان)) على جواز تصغير جمع الكثرة بهذا البيت، وتأوَّله البصريون على أنه مفرد، وتُبدل نونه لاماً، ويُروى أصيلالاً (٢). وقرأ(٣) أبو مجلز - واسمُه لاحق بن حميد السدوسي البصري - ((والإِيصال)) مصدرُ آصَل، أي: دخل في الأصيل. (١) البيت للنابغة وهو في ديوانه ١٦؛ والكتاب ٣٦٤/١؛ ومعاني القرآن للفراء ٢٨٨/١؛ والهمع ٢٢٣/١؛ والدرر ١٩١/١. (٢) لعل صواب العبارة ((وتبدل لامه نوناً ويروى أصيلاناً)). (٣) البحر ٤٥٣/٤؛ الشواذ ٤٨ . ٥٥٣ - سورة الأنفال بسم الله الرحمن الرحيم آ. (١) قوله تعالى: ﴿يَسْأُلُونك عن الأنْفال﴾: فاعل ((يَسْأل)) يعود على معلوم، وهم مَنْ حَضَرَ بَدْراً. و((سأل)) تارةً تكونُ لاقتضاء معنى في نَفْسِ المسؤول فتعدَّى بـ ((عن)) كهذه الآية، وكقول الشاعر (١): فليس سواءً عالمٌ وجَهولُ ٢٣٧٩ - سَلي إنْ جَهِلْتِ الناسَ عنَّا وعنهمُ وقد تكون لاقتضاء مالٍ ونحوه فتتعدّى لاثنين نحو: ((سألت زيداً مالاً)). وقد ادَّعى بعضُهم أن السؤالَ هنا بهذا المعنى، وزعم أن ((عَنْ)) زائدةٌ، والتقدير: يسألونك الأنفالَ، وأَيِّد قولَه بقراءة(٢) سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وزيدٍ ولدِه ومحمد الباقر ولدِه أيضاً وولده جعفر الصادق وعكرمة وعطاء: ((يسألونك الأنفالَ)) دون ((عن)). والصحيحُ أن هذه القراءةً على إرادةٍ حرفِ الجر. وقال بعضهم: ((عن)) بمعنى ((مِنْ)). وهذا لا ضرورةً تدعو إليه. وقرأ ابنُ محيصن: ((عَلْفَال)). والأصل: أنه نقل حركةَ الهمزة إلى لام (١) تقدم برقم (٨٢٣). (٢) البحر ٤٥٦/٤؛ مختصر ابن خالويه ص ٤٨. ٥٥٥ - الأنفال - التعريف، ثم اعتدَّ بالحركة العارضة فأدغم النونَ في اللام كقوله: ((وقد تبيَّنْ لكم))(١)، وقد تقدَّم ذلك في قوله ((عن الأهلة))(٢). والأنفال(٣): جمع نَفَل وهي الزيادة على الشيء الواجب [٤٢٠/أ] وسُمِّيَتْ / الغنيمة نَفَلَّا لزيادتِها على حِماية الحَوْزة(٤). قال لبيد(٥): ٢٣٨٠ - إنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ وبإذنِ الله رَيْشي وعَجَلْ وقال آخر(٦): ٢٣٨١ - إنَّا إذا احْمَرَّ الوغَى نَرْوي القَنا ونَعِفُّ عند مَقاسِمٍ الأنفالِ وقيل: سُمِّيتِ (الأَنْفال)) لأنَّ المسلمين فُضَّلُوا بها على سائر الأمم. وقال الزمخشري (٧): (والنَّفَل: ما يُنْفَلُه الغازي، أي يُعْطاه زيادةً على سهمه من المَغْنم)». قوله: ((ذاتَ بينكم)): قد تقدَّمَ الكلامُ على ((ذات)) في آل عمران(٨). وهي هنا صفةٌ لمفعولٍ محذوف تقديره: وأَصْلِحوا أحوالاً ذاتَ افتراقِكم وذاتَ وَصْلِكم، أو ذات المكانِ المتصل بکم، فإنَّ ((بین)» قد قيل إنه يُراد به هنا الفراقُ أو الوصل أو الظرف. وقال الزجاج(٩) وغيره: ((إنَّ ((ذات)) هنا بمنزلة (١) الآية ٣٨ من سورة العنكبوت. ولم أقف على نسبة هذه القراءة. (٢) الآية ١٨٩ من سورة البقرة. (٣) انظر: مفردات الراغب ص ٥٠٢. (٤) حوزة الإِسلام: حدوده ونواحيه . (٥) ديوانه (بيروت)، ص ١٣٩؛ وتفسير ابن عطية ٤/٨؛ والبحر ٤٥٥/٤. (٦) البيت لعنترة وهو في ديوانه، ص ٣٣٧؛ وابن عطية ٤/٨؛ والبحر ٤٥٥/٤؛ والقرطبي ٣٦٢/٧. (٧) الكشاف ١٤٠/٢. (٨) في الآية ١١٩، والآية ١٥٤. (٩) معاني القرآن له ٤٤٢/٢. ٥٥٦ - الأنفال - حقيقة الشيء ونفسه)) وقد أوضح ذلك ابنُ عطية(١). والتفسير ببيان هذا أولى. وقال الشيخ (٢): ((والبَيْنُ: الفِراق، و((ذات)) نعت لمفعول محذوف أي: وأَصْلِحوا أحوالا ذات افتراقكم، لمَّا كانت الأحوالُ ملابسةً للبَيْنِ أُضِيْفَتْ صفتُها إليه، كما تقول: اسْقِني ذا إنائك أي: ماءً صاحبَ إنائك، لَمَّا لابس الماءُ الإِناءَ وُصِفَ بـ ((ذا)) وأُضيف إلى الإِناء. والمعنى: اسقِني ما في الإِناء من الماء)). آ. (٢) قوله تعالى: ﴿وَجِلَتْ﴾: يُقال: وَجِلَ بالكسر في الماضي يَوْجَلُ بالفتح، وفيه لُغَيَّةٌ أخرى، قرىء(٣) بها في الشاذ: وَجَلَتْ بفتح الجيم في الماضي وكَسْرِها في المضارع فَتَنْحَذِف الواو كَوَعَد يَعِدُ(٤). ويُقال(٥) في المشهورة: وَجِلَ يَوْجَل. ومنهم مَنْ يقول: ياجَلُ بقلب الواو ألفاً، وهو شاذٌّ لأنه قَلْبُ حرفِ العلة بأحد السببين: وهو انفتاحُ ما قبلَ حرفِ العلة دون تحركه وهو نظير ((طائي)) في النسب إلى طيِّىء. ومنهم من يقول: بِبْجَلُ بكسر حرف المضارعة فتنقلبُ الواوُ ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. وقد تقدَّم في أول هذا الموضوع(٦) أنَّ من العرب مَنْ يكسِرُ حرف المضارعة بشروطٍ منها: أن لا يكونَ حرفُ المضارعة ياءً إلا في هذه اللفظة وفي أَبَى بِئْبَى. (١) المحرر الوجيز ١١/٨. (٢) البحر ٤ /٤٥٦. (٣) البحر ٤٥٧/٤؛ ونسبها ابن خالويه في مختصره ص ٤٨ إلى يحيى وأبي وافد. (٤) بعده في (ش): (والوجَّلُ الفَزَعِ، وقيل: استشعار الخوف يقال منه: وَجِل يَوْجَل وياجل ويَبْجَلِ وبِيجل وَجَلًا فهو وَجِلٌ)) وقد استلّها الناسخ من عبارة المؤلف في نهاية بحثه في الآية ٩. ويبدو أن ناسخ (ش) أراد أن يقدم هذه الجملة حيث إن هذا هو مكانها في ترتيب الآيات، ورغبنا نحن في الإبقاء على ما في نسخة المؤلف. (٥) انظر: الممتع ٤٣٢/٢. (٦) انظر: الورقة ٧ب. ٥٥٧ - الأنفال ـ ومنهم مَنْ ركَّب من هاتين اللغتين لغةً أخرى وهي فتحُ الياء وقلبُ الواو ياءً فقال: يَيْجَلُ، فأخذ قلبَ الواو ممِّن كسرَ حرفَ المضارعة، وأخذ فتحَ الياءِ مِنْ لغة الجمهور. وقوله: ((إن كنتم مؤمنين))(١): قال ابن عطية (٢): ((وجوابُ الشرط المتقدم في قوله: (وأطيعوا))، هذا مذهب سيبويه، ومذهب المبرد أن الجواب محذوف متأخر، ومذهبه في هذا ألَّ يتقدَّمَ الجوابُ على الشرطِ)). قلت: وهذا الذي ذكره أبو [محمد] نقل الناسُ خلافَه، نقلوا ذلك - أعني جوازَ تقديمِ جواب الشرط عليه - عن الكوفيين وأبي زيد وأبي العباس، فالله أعلم أيُّهما أثبت(٣). ويجوز أن يكون للمبرد قولان وكذا لسيبويه، فنقل كلُّ فريق عن كلٍ منهما أحد القولين. آ. (٣) وقوله تعالى: ﴿الذين يُقيمون﴾: يجوز في هذا الموصول أن يكون مرفوعاً على النعت للموصول، و على البدل، أو على البيان له، وأن يكون منصوباً على القطع المُشْعِر بالمدح. وقوله: ((وعلى ربهم يتوكلون))(٤): التقديمُ يفيدُ الاختصاصَ أي: عليه لا على غيره. وهذه الجملةُ يُحتمل أن يكون لها محلٌّ من الإعراب وهو النصبُ على الحال مِنْ مفعول ((زادَتْهم، ويُحتمل أن تكونَ مستأنفةً، ويحتمل أن تكون معطوفةً على الصلة قبلها فتدخلَ في حَيِّزِ الصلاتِ المتقدمةِ، وعلى هذين الوجهين فلا محَلَّ لها من الإعراب. آ. (٤) قوله تعالى: ﴿حقاً﴾: يجوز أن يكونَ صفةً لمصدرٍ محذوف (١) عاد إلى الآية الأولى. (٢) المحرر الوجيز ١٢/٨. (٣) سبق للمؤلف أن بحث المسألة في الورقة ٣٠أ. (٤) عاد إلى الآية ٢ . ٥٥٨ - الأنفال ـ أي: هم المؤمنون إيماناً حقاً. ويجوز أن يكونَ مؤكّداً لمضمون الجملة كقولك: هو عبدالله حقاً، والعاملُ فيه على كلا القولين مقدَّرٌ أي: أحقُّه حقاً. ويجوز - وهو ضعيف جداً - أن يكونَ مؤكّداً لمضمون الجملة الواقعة بعده وهي ((لهم درجات)) ويكون الكلامُ قد تمَّ عند قوله ((هم المؤمنون)) ثم ابتدىء بـ ((حقاً)) لهم درجات)). وهذا إنما يجوز على رأيٍ ضعيف، أعني تقديمَ المصدرِ المؤكّد / لمضمون جملة عليها. [٤٢٠/ب] قوله: ((عند ربهم)) يجوز أن يكونَ متعلقاً بـ ((درجات)) لأنها بمعنى (أُجُورُ))، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنها صفةٌ لـ((درجات)) أي: استقرَّت عند ربهم، وأن يتعلَّق بما تعلَّق به ((لهم)) من الاستقرار. آ. (٥) قوله تعالى: ﴿كما أُخْرَجك﴾: فيه عشرون وجهاً: أحدها: أن الكافَ نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: الأنفالُ ثابتةً لله ثبوتاً كما أخرجك أي: ثبوتاً بالحق كإخراجك من بيتك بالحق، يعني أنه لا مِرْيَةَ في ذلك. الثاني: أن تقديره: وأصلحوا ذاتَ بينكم إصلاحاً كما أخرجك. وقد التفت من خطابِ الجماعةِ إلى خطاب الواحد. الثالث: تقديرُه: وأطيعوا اللّهَ ورسوله طاعةً محققةً ثابتةً كما أخرجك أي: كما أن إخراج الله إياك لا مِرْيَةً فيه ولا شبهة. الرابع: تقديرُه: يتوكلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك ربك. الخامس: تقديره: هم: المؤمنون حقاً كما أخرجك فهو صفة لـ ((حقاً)). السادس: تقديره(١): استقرَّ لهم درجاتٌ وكذا استقراراً ثابتاً كاستقرار إخراجك. السابع: أنه متعلقٌ بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلةً كما أخرجك ربك. الثامن: تقديرُه: لكارهون كراهيةً ثابتة كما أخرجك ربك أي: إن هذين الشيئين: الجدالَ والكراهيةَ ثابتان لا محالة، كما أن إخراجك ثابت (١) الأصل: ((تقدير)) وسقطت الهاء سهواً والتصحيح من (ش). ٥٥٩ - الأنفال - لا محالة. التاسع: أن الكافَ بمعنى إذ، و((ما)) مزيدة. التقدير: اذكر إذ أخرجك. وهذا فاسدٌ جداً إذا لم يَثْبُتْ في موضعٍ أن الكاف تكون بمعنى إذ، وأيضاً فإنَّ ((ما)) لا تُزَادُ إلا في مواضعَ ليس هذا منها. العاشر: أن الكاف بمعنى واو القسم و ((ما)) بمعنى الذي، واقعةٌ على ذي العلم مُقْسَماً بِه، وقد وقعت على ذي العلم في قوله: ((والسماءِ وما بناها))(١) ((وما خلق الذكر والأنثى))(٢) والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله ((يجادلونك)) جواب القسم. وهذا قول أبي عبيدة(٣). وقد ردّ الناس عليه قاطبةً. وقالوا: كان ضعيفاً في النحو، ومتى ثبت كونُ الكافِ حرفَ قسمٍ بمعنى الواو؟ وأيضاً فإن ((يجادلونك)) لا يَصِحُّ كونُه جواباً؛ لأنه على مذهب. البصريين متى كان مضارعاً مثبتاً وَجَب فيه شيئان: اللام وإحدى النونین، نحو (ليُسْجَنَنَّ وَلَيَكونا)(٤)، وعند الكوفيين: إمَّا اللامُ وإِمَّا إحدى النونين، و ((يجادلونك)) عار عنهما. : الحادي عشر: أن الكاف بمعنى على، و((ما)) بمعنى الذي والتقدير: امْضٍ على الذي أخرجَك. وهو ضعيفٌ لأنه لم يثبتْ كونُ الكاف بمعنى: ((على)» البتةَ إلا في موضعٍ يحتمل النزاع كقوله: ((واذكروه كما هداكم))(٥) أي على هدايته إياكم. الثاني عشر: أن الكافَ في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله، كأنه ابتداءً وخبر. قال ابن عطية(٦): ((وهذا المعنى وَضَعه هذا المفسِّر، وليس من ألفاظ الآية في وِرْدٍ ولا صَدَر)). (١) الآية ٥ من سورة الشمس. (٢) الآية ٣ من سورة الليل. (٣) المجاز ٢٤٠/١. (٤) الآية ٣٢ من سورة يوسف. (٥) الآية ١٩٨ من سورة البقرة. (٦) المحرر الوجيز ١٥/٨. ٥٦٠