Indexed OCR Text

Pages 281-300

- الأعراف -
مِنْ نَصَح أي أخلص، ومنه: ناصح العسل أي خالصه، فمعنی نصحه أخلص له
الُدَّ، وإمَّا من نَصَحْتُ الجِلْد والثوب إذا أحكمتَ خياطتهما، ومنه الناصح
للخيَّط والنِّصاح للخيط، فمعنى نَصَحه أي: أحكم رأيه منه. ويقال: نَصَحه
نُصوحاً ونَصاحة قال تعالى(١): ((توبوا / إلى الله توبةً نصوحاً) بضم النون في [٣٧٥/ب]
قراءة أبي بكر، وقال الشاعر في ((نَصاحة))(٢):
٢١٦٩ - أَحْبَيْتُ حُبَّأَ خالَطَتْه نَصاحةٌ
وذلك كذُهوب وذَهاب.
آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿فَدَلأُهما بِغُرور﴾: الباء للحال أي:
مصاحبين للغرور أو مصاحباً للغرور فهي حال: إمّا من الفاعلِ أو من
المفعول. ويجوز أن تكون الباءُ سببيةٌ أي: دَلَّهما بسبب أن غرَّهما. والغُرور
مصدر حُذف فاعله ومفعوله، والتقدير: بغروره إياهما. وقوله: ((فدلاً هما)» يحتمل
أن يكون من التَذْلية من معنى «لا(٣) دَلْوَه في البئر والمعنى أطمعهما. قال
أبو جندب الهذلي (٤):
٢١٧٠ - أَحُصُّ فلا أُجير ومَنْ أُجِرْه
فليس كمَنْ تَدَلَّى بالغرورِ
وأن تكون من الدالِّ والدالَّة وهي الجُرْأة أي: فجرًّاهما قال(٥):
وقد يُسْتَجْهَلُ الرجلُ الحليمُ
٢١٧١ - أظن الحِلْمَ دَلَّ عليَّ قومي
(١) الآية ٨ التحريم. وانظر الحجة ٧١٤.
(٢) لم أهتد إلى قائله وعجزه وهو في المفردات ٤٩٤.
(٣) رسمت في الأصل بالياء والفعل واوي.
(٤) ديوان الهذلبين ٩١/٣. أحص: أمنع الجوار.
(٥) البيت لقيس بن زهير، وهو في اللسان دلل.
٢٨١

- الأعراف-
وعلى الثاني يكون الأصل دَلَّلهما، فاستثقل توالي ثلاثة أمثال فأبدل
الثالثَ حرفَ لين، كقولهم: تظنّيْتُ في تظنّْت وقَصَّيْت أظفاري فِي قَصَصْت
وقال(١):
٢١٧٢ - تَقَضِّيَ البازِيْ إذا البازي كسرْ
والذَّوْق: وجود الطعم بالفم ويعبر به عن الأكل. وقيل: الذوق مَسُ:
الشيء باللسان أو بالفم يقال فيه: ذاق يذوق ذَوْقاً مثل: صام يصوم صوماً، ونام
ينام نوماً.
قوله: ((وطَفِقا)) طَفِقَ من أفعالِ الشَّروع كأخذ وجعل وأنشأ وعَلِق وهَبَّ
وانبری، فهذه تدلُّ علی التلُّس بأول الفعل ،وحكمها حكمُ أفعال المقاربة من کوی
خبرها لا يكون إلا مضارعاً، ولا يجوزُ أن يقترنَ بأَنْ البتة لمنافاتها لها لأنها
للشروع وهو حالٌ و((أَنْ)) للاستقبال، وقد يقع الخبر جملةٌ اسمية كقوله(٢)
من الْأَكْوارِ مَرْتَعُها قریبُ
٢١٧٣ - وقد جَعَلَتْ قَلوصُ بني سهيلٍ
وشرطية كإذا كقول عمر: ((فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يَخْرج أَرْسَلَ
رسولاً)) ويقال: طَفِّقَ بفتح الفاء وكسرها، وطَبِق بالباء الموحدة أيضاً. والألف
اسمها و ((يخصفان)» خبرها.
والخَصْف الخَرْز في النِّعال، وهو وَضْعُ طريقة(٣) على أخرى وخَرْزُهما،
والمِخْصَف: ما يُخْصَفُ به وهو الإِشْفى قال(٤):
(١) تقدم برقم ٥١٩.
(٢) البيت لرجل من بني بحتر وهو في المغني ٣١٠؛ والعيني ١٧٠/٢؛ والخزانة ٩٢/٤؛
والتصريح ٢٠٤/١.
(٣) الطريقة: الطبقة من جلد أو نحوه تطبَّق على مثلها، كل طبقة طراق.
(٤) البيت لأبي كبير الهذلي يصف عقاباً وتمامه:
سوداءَ رَوْثَةُ أَنْفِها كالمِخْصَّف
حتى انتهيت إلى فراش عزيزةٍ
وهو في ديوان الهذليين ١١٠/٢؛ واللسان خصف. والروثة: الطرف.
٢٨٢

- الأعراف -
٢١٧٤-
أَنْفِھا کالمِخْصَف
والخَصَفَةُ أيضاً الجُلَّة للتمر، والخَصَفُ: الثياب الغليظة، وخَصَفْتُ
الخَصْفَةِ نَسَجْتُها، والْأُخْصَف والخصيف طعام يبرق، وأصله أن يُوضع لبنْ
ونحوه في الخَصْفة فيتلوَّن بلونها، وقال العباس يمدح النبي صلى الله عليه
وسلم(١):
مستودَع حيث يُخْصَفُ الورقُ
طِبْتَ في الظلالوفي
٢١٧٥-
يشير إلى الجنة أي حيث يخرز ويطابق بعضها فوق بعض.
قوله: ((ألم أَنْهكما)) يجوز أن تكون هذه الجملةُ التقريرية مفسرةً للنداء
ولا محلَّ لها، ويُحتمل أن يكون ثَمَّ قولٌ محذوف وهي معمولةً له أي: فقال:
ألم أَنْهَكما، وذلك القولُ مفسِّر للنداء أيضاً. وقال الشيخ(٢): ((الْأُوْلى أن يعود
الضمير في ((عليهما)) على عورتيهما كأنه قيل: يَخْصِفان على سَوْءاتيهما، وعاد
بضمير الاثنين لأن الجمعَ يُراد به اثنان، ولا يجوز أن يعود الضمير على آدم
وحواء لأنه تقرَّر في علم العربية أنه لا يتعدَّى فعل الظاهر والمضمر المتصل
إلى الضميرِ المتصلِ المنصوب لفظاً أو محلاً في غير باب ظن وفقد وعدم
ووجد، لا يجوز: زيد ضربه ولا ضربه زيد، ولا زيد مرّ به ولا مرَّ به زيد،
فلو جَعَلْنا الضميرَ في ((عليهما)) عائداً على آدم وحواء لَلَزِمَ من ذلك تعدِّي
((يَخْصِفُ)) إلى الضمير المنصوب محلًا وقد رفع الضمير المتصل وهو الألف
في ((يَخْصِفان))، فإنْ أُخِذَ ذلك على حَذْف مضاف مرادٍ جاز ذلك وتقديره:
يَخْصِفان على بَدَنَّيْهما)) قلت: ((ومثلُ ذلك فيما ذكر ((وهزِّي إليك))(٣) ((واضمُمْ
(١) تمام صدره: من قبلها طِبْت في الظلال، وهو في اللسان خصف.
(٢) البحر ٤ / ٢٨٠.
(٣) الآية ٢٥ من مريم.
٢٨٣

- الأعراف -
إليك جناحَك))(١) وقول الشاعر(٢):
بِكَفِّ الإِله مقاديرُها
٢١٧٦ - هَوِّنْ عليك فإن الأمور
وقوله أيضاً(٣).
٠٠
٢١٧٧- دع عنك نھْباً صِيْح في حجراته
ولكنْ حديثاً ما حديثُ الرواحلِ
و ((من ورق)) يحتمل أن تكون ((مِنْ)) لابتداء الغاية وأن تكون للتبعيض.
وقرأ (٤) أبو السَّمَّال ((وطَفِقا)» بفتح الفاء وهي لغة كما تقدم.
وقرأ(٥) الزهري ((يُخْصِفان)) مِنْ أخصف وهي تحتمل وجهين أحدهما:
أن يكون أَفْعَلَ بمعنى فَعَل. والثاني: أن تكون الهمزةُ للتعدية، والمفعولُ على
هذا محذوفٌ أي: يَخْصِفان أنفسهما أي: يجعلان أنفسَهما خاصِفين. وقرأ
[٣٧٦/أ] الحسن والأعرج ومجاهد وابن وثاب / ((يَخِصِّفان)) بفتح الياء وكسر الخاء
والصادُ مشددةً، والأصل: يختصفان، فأُدْغمت التاء في الصاد ثم أُتْبِعت الخاءُ
للصاد في حركتها، وسيأتي لهذه القراءة نظيرٌ في يونس ويس نحو ((يَهِدِّي))(٦)
و ((يَخِصِّمُون))(٧) إن شاء الله تعالى. وروى محبوب عن الحسن كذلك إلا أنه :
فتح الخاء فلم يُتْبِعْها للصاد، وهي قراءة يعقوب أيضاً وابن بريدة. وقرأ عبد الله
(يُخُصِّفان)) بضم الياء والخاء وكسر الصاد مشددة وهي مِنْ خصَّف بالتشديد،
إلا أنه أتبع الخاء للياء قبلها في الحركة وهي قراءة عَسِرةُ النطق، ويدل على
(١) الآية ٣٢ من القصص.
(٢) تقدم برقم ٨٠.
(٣) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ٩٤، والحجرات: النواحي، والنهب: الغارة. وقد
أصاب التفعيلة الأولى خرم وهو حذف الأول من فعولن.
(٤) البحر ٢٨٠/٤؛ الشواذ ٤٢.
(٥) البحر ٢٨٠/٤؛ ابن عطية ٣٢/٧ - ٣٣.
(٦) الآية ٣٥ من يونس ((أفمنْ يهدي إلى الحقِّ أحقُّ أن يُتَّبع أم مَنْ لا يَهدِّي إلا أن يُّهْدَى)).
(٧) الآية ٤٩ من يس ((ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصُّمون)).
٢٨٤

-
- الأعراف -
أن أصلها مِنْ خَصَّف بالتشديد قراءةُ بعضهم ((يُخَصِّفَان)) كذلك إلا أنه بفتح
الخاء على أصلها.
قوله: ((أَلَمْ أَنْهَكما)) هذه الجملةُ في محل نصب بقول مقدر ذلك القولُ
حالٌ تقديره: وناداهما قائلاً ذلك. ولم يُصَرِّحْ هنا باسم المنادي للعلم به.
و((لكما))(١) متعلق بـ ((عدو)» لما فيه من معنى الفعل. ويجوزُ أن تكونَ متعلقةً
بمحذوف على أنها حال من ((عدوّ) لأنها لو تأخّرت لجاز أن تكون وصفاً له.
آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿وإن لم تَغْفِرْ﴾: هذا شرطٌ حُذِفَ جوابه لدلالة
جواب القسم المقدر عليه، فإنَّ قَبْلَ حرف الشرط لامَ التوطئة للقسم مقدرةً
كقوله: ((وإن لم يُنْتَهُوا عمَّا يقولون لَيَمَسَّنَّ))(٢)، ويدلُّ على ذلك كثرةُ ورودٍ
لام التوطئة قبل أداة الشرط في كلامهم. وما بعد ذلك قد تقدَّم إعرابُه في
البقرة .
آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿ومنها تُخْرَجُون﴾: قرأ الْأَخَوان(٣) وابن
ذكوان ((تَخْرُجون)» هنا، وفي الجاثية: ((فاليومَ لا تَخْرجون منها ولا))(٤) وفي
الزخرف: ((كذلك تُخْرجون))(٥) وفي أول الروم: ((وكذلك تَخْرجون، ومن
آياته)(٦) قرؤوا الجميعَ مبنياً للفاعلَ، والباقون قرؤوه مبنياً للمفعول، وفي أول
الروم خلافٌ عن ابن ذكوان. وتحرَّزْتُ بأول الروم من قوله: ((إذا أنتم
(١) من قوله: ((إن الشيطان لكما عدو مبين)).
(٢) الآية ٧٣ من المائدة .
(٣) السبعة ٢٧٨، الحجة ٢٨٠ .
(٤) الآية ٣٥ من الجاثية.
(٥) الآية ١١ من الزخرف.
(٦) الآية ١٩ من الروم.
-
٢٨٥

الأعراف -
تَخْرجون))(١) فإنه قُرىء مبنياً للفاعل من غير خلاف، ولم يذكر بعضهم موافقةً
ابنِ ذكوان للأخَوَيْن في الجاثية. والقراءتان واضحتان.
و [في] قوله: ((قالا ربَّنا))(٢): فائدةُ حَذْفِ حرف النداء هنا تعظيم
المنادى وتنزيهه. قال مكي (٣): ((ونداء الربِّ قد كَثُر حَذْفُ ((يا)) منه في
القرآن، وعلةُ ذلك أن في حذف ((يا)) من نداء الرب معنى التعظيم والتنزيه،
وذلك أنَّ النداءَ فيه طَرَفٌ من معنى الأمر؛ لأنك إذا قلت: يا زيد فمعناه: تعالَ
يا زيد، أدعوك يا زيد، فحُذِفت ((يا)» من نداء الرب ليزولَ معنى الأمر وينقص
لأنَّ ((يا)» تُؤَكِّده وتُظهر معناه فكان في حذف ((يا)) الإِجلالُ والتعظيم والتنزيه)).
آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿يُواري﴾: في محلِّ نصبٍ صفةٌ للباساً.
وقوله ((وريشاً)) يُحْتمل أن يكونَ من باب عطف الصفات، والمعنى : أنه وصف
اللباس بشيئين: مواراةِ السَّوْءة والزينة، وعبَّر عنها بالريش، لأنَّ الريش زينةٌ
للطائر، كما أن اللباس زينة للآدميين ولذلك قال الزمخشري(٤): ((والريش
لباسُ الزينة))، استعيرٍ مِنْ ريش الطير لأنه لباسُه وزينتُه)). ويُحْتَمل أن يكون
من باب عطف الشيء على غيره أي: أَنْزَلْنا عليكم لباسَيْن لباساً موصوفاً
بالموازاة ولباساً موصوفاً بالزينة، وهذا اختيار الزمخشري فإنه قال(٥) بعدما
حَكَيْتُه عنه آنفاً: ((أي: أنزلنا عليكم لباسَيْن لباساً يواري سَوْءاتكم ولباساً
يُزَيِّنُكم، لأن الزينةَ غرضٌ صحيح كما قال تعالى: ((لتركبوها وزينة))(٦) ((ولكم
(١) الآية ٢٥ من الروم.
(٢) عاد إلى الآية ٢٣ .
(٣) المشكل ٣٠٨/١.
(٤) الكشاف ٧٤/٢.
(٥) الكشاف ٧٤/٢.
(٦) الآية ٨ من النحل.
٢٨٦

- الأعراف -
فيها جَمالٌ))(١) وعلى هذا فالكلام في قوة حذف موصوف وإقامة صفته مُقامه
والتقدير: ولباساً ريشاً أي: ذا ريش)).
والرِّيْشُ فيه قولان، أحدهما: أنه اسم لهذا الشيء المعروف. والثاني:
أنه مصدرٌ يُقال: راشَه يَريشه رِيْشاً إذا جعل فيه الرِّيش، فينبغي أن يكون
الريشُ مشتركاً بين المصدر والعين وهذا هو التحقيق. وقرأ (٢) عثمان وابن
عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسُّلمي وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء
وزر بن حبيش، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما: ((ورِياشاً))، وفيها تأويلان
أحدهما - وبه قال الزمخشري _ (٣) أنه جمع رِيْش فيكون كشِعْب وشِعاب.
والثاني: أنه مصدرٌ أيضاً فيكون ريش ورياش مصدرَيْن لـ راشه الله رَيشاً ورياشاً
أي: أنعم عليه. وقال الزجاج (٤): ((اللباس، فعلى هذا هما اسمان للشيء
الملبوس قالوا: لِبْس ولباس)). قلت: وقد جَوَّز الفراء(٥) أن يكون مصدراً فأخذ
الزمخشري بأحد القولين، وغيرُه بالآخر، وأنشدوا(٦):
٢١٧٨ - ورِيْشي منكمُ وهَوايَ مَعْكُمْ
وإن كانت زيارتُكم لِماما
قوله: ((ولباسُ التقوى)) قرأ نافع (٧) وابن عامر والكسائي ((لباسَ)) بالنصب
والباقون ((لباسُ)) بالرفع. فالنصب نسقاً على ((لباساً)) أي: أنزلنا لباساً موارياً
وزينة، وأنزلنا أيضاً لباس التقوى، وهذا يُقَوِّي كون ((ريشاً)) صفةً ثانية للباساً
(١) الآية ٦ من النحل.
(٢) البحر ٢٨٢/٤؛ وابن عطية ٣٨/٧؛ والشواذ ٤٢.
(٣) الكشاف ٧٤/٢.
(٤) معاني القرآن ٣٦٢/٢؛ وتفسير الزجاج اللباس لقوله الريش وليس الرياش حيث قال:
((ويقرأ رياشاً. والريش: اللباس)).
(٥) معاني القرآن له ٣٧٥/١.
(٦) تقدم برقم ١٩٧ وسقطت الواو من ((ريشي)) في الأصل سهواً.
(٧) السبعة ٢٨٠، الحجة ٢٨٠؛ البحر ٢٨٣/٤.
٢٨٧

--
- الأعراف -
الأول إذ لو أراد أنه صفة لباسٍ ثانٍ لأبرز موصوفه كما أبرز هذا اللباسَ .
المضاف للتقوى(١).
وأمّا الرفعُ فمِنْ خمسة أوجه، أحدها: أن يكون (لباس)) مبتدأ، و((ذلك))
مبتدأ ثان و((خير)) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابطُ هنا اسمُ
الإِشارةِ وهو أحدُ الروابط الخمسة المتفق عليها، ولنا سادسٌ فيه خلافٌ تقدَّم
التنبيه عليه. وهذا الوجهُ هو أَوْجَهُ الأعاريب في هذه الآية الكريمة. الثاني:
أن يكون ((لباس)» خبرَ مبتدأ محذوف أي: وهو لباس التقوى، وهذا قول
[٣٧٦/ب] أبي إسحاق الزجاج(٢)، وكأن المعنى / بهذه الجملة التفسيرُ للّباس
المتقدم، وعلى هذا فيكون قوله ((ذلك)) جملةً أخرى من مبتدأ وخبر.
وقَدَّره مكي(٣) بأحسنَ مِنْ تقدير الزجاج فقال: ((وسَتْر العورة لباس التقوى)).
الثالث: أن يكون (ذلك)) فَضْلاً بين المبتدأ وخبره، وهذا قول الحوفي
ولا أعلم أحداً من النحاة أجاز ذلك، إلا أن الواحديَّ قال: ((ومَنْ قال إن
((ذلك)) لغوٌ لم يَلْقَ على قوله دلالة؛ لأنه يجوز أن يكون على أحد ما ذكرنا)).
قلت: فقوله ((لغو)) هو قريب من القول بالفصل؛ لأنَّ الفصلَ لا محلَّ له من
الإِعراب على قول جمهور النحويين من البصريين والكوفيين. الرابع: أن
یکون ((لباس)) مبتدأً و ((ذلك)) بدلٌ منه أو عطفُ بیان له أو نعت و (خير)» خبره،
وهو معنى قول الزجاج (٤) وأبي علي(٥) وأبي بكر ابن الأنباري، إلا أنّ
(١) أي إن الريش صفة ثانية لقوله ((ولباساً)) الأول؛ ولذلك لم يذكر له إضافة كما صنع في
لباس الثاني حيث إنها تختلف عن لباس الأول، ولذلك أبرز الثانية بقوله: ((ولباس
التقوى)» .
(٢) معاني القرآن ٣٦٣/٢.
(٣) المشكل ٣٠٩/٢.
(٤) معاني القرآن ٣٦٢/٢.
(٥) الحجة ٦/٣ (خ)
٢٨٨

- الأعراف -
الحوفي قال: ((وأنا أرى أن لا يكون ((ذلك)) نعتاً للباس التقوى؛ لأن الأسماء
المبهمة أعرف ممَّا فيه الألفُ واللام وما أضيف إلى الألف واللام، وسبيل
النعت أن يكون مساوياً للمنعوت أو أقلَّ منه تعريفاً، فإن كان قد تقدَّمَ قولُ
أحدٍ بہ فھو سھوٌ)).
قلت: أمَّا القول به فقد قيل كما ذَكَّرْتُه عن الزجاج والفارسي وابن
الأنباري، ونصَّ عليه أبو علي في ((الحجة)) أيضاً وذكره الواحدي. وقال ابن
عطية(١): ((هو أنبل الأقوال))، وذكر مكي (٢) الاحتمالات الثلاثة: أعني كونه بدلاً
أو بياناً أو نعتاً، ولكن ما بحثه الحوفي صحيح من حيث الصناعةُ، ومن حيث
إن الصحيح في ترتيب المعارف ما ذَكَر من كونِ الإِشارات أعرف من ذي
الأداة، ولكن قد يقال: القائلُ بكونه نعتاً لا يجعله أعرفَ مِنْ ذي الألف
واللام. الخامس: جَوَّز أبو البقاء(٣) أن يكون ((لباسُ)) مبتدأً، وخبره محذوف
أي: ولباسُ التقوى ساتر عوراتكم)) وهذا تقديرٌ لا حاجةً إليه.
وإسنادُ الإِنزال إلى اللباس: إمّا لأن أنزل بمعنى خلق كقوله: ((وأنزلنا
الحديد))(٤) وأنزلَ لكم من الأنعام ثمانية أزواج»(٥)، وإمَّا على ما يسمِّيه أهلُ العلم
التدريجَ وذلك أنه ينزل أسبابه، وهي الماء الذي هو سببٌ في نبات القطن
والكُتَّان والمرعى الذي تأكله البهائم ذواتُ الصوفِ والشعر والوبر التي يُتَّخَذُ
منها الملابسُ، ونحو قولِ الشاعر يصف مطراً (٦):
(١) التفسير ٣٩/٧.
(٢) المشكل ٣٠٩/١ - ٣١٠.
(٣) الإملاء ٢٧١/١ .
(٤) الآية ٢٥ من الحديد.
(٥) الآية ٦ من الزمر.
(٦) رجز لم أهتد إلى قائله، وهو في الكامل ٩١/٣؛ وابن عطية ٣٨/٧؛ والبحر ٢٨٢/٤.
والمستنّ. المتحرك المضطرب، والربابة: السحابة البيضاء، والآبال: ج إبل أراد أن
السحاب ينبت ما تأكله الإبل فيصير الشحم في السنام.
٢٨٩

- الأعراف -
أسيِمة الآبال في ربابَهْ
٢١٧٩ - أقبل في الْمُسْتَنِّ من سَحابَهْ
فجعله جائياً لأسنمة ... (١) الإِبل مجازاً لمّا كان سبباً في تربيتها،
وقريب منه قول الآخر(٢):
٢١٨٠ - إذا نَزَلَ السَّمَاءُ بأرض قومٍ
رعيناه وإن كانوا غضابا
وقال الزمخشري (٣): ((جَعَلَ ما في الأرض منزَّلاً من السماء لأنه قضى
ثَمَّ وكتب، ومنه ((وأنزل لكم من الأنعامِ ثمانيةً))(٤). وقال ابن عطية (٥):
((وأيضاً فَخَلْقُ الله وأفعالُه إنما هي من علوّ في القَدْر والمنزلة)).
وفي قراءة عبد الله وأُبَيّ ((ولباس التقوى خير)) بإسقاط ((ذلك))، وهي مقوِّيةٌ
للقول بالفصل والبدل وعطف البيان. وقرأ النحوي(٦): ((ولُبُوسُ) بالواو ورفع
السين. فأمَّا الرفعُ فَعلى ما تقدَّم في ((لباس))، وأمَّا ((لبوس)) فلم يُبَيِّوها: هل:
هي بفتح اللام فيكون مثلَ قوله تعالى: ((وعلَّمناه صنعةً لَبوس لكم))(٧).
أو بضم اللام على أنه جمعٌ وهو مُشْكل، وأكثر ما يُتَخَيَّل له أن يكون جمع
لِبْس بكسر اللام بمعنى ملبوس.
وقوله: ذلك مِنْ آيات الله)) مبتدأ وخبر، والإِشارة به إلى جميع ما تقدَّم
من إنزال اللباس والريش ولباس التقوى. وقيل: بل هو إشارة لأقرب مذكور
وهو لباسُ التقوى فقط.
(١) كلمة لم أتبينها وأسقطها في (ش)، أما (ي) فكتبها التي.
(٢) البيت لمعاوية بن مالك، وهو في اللسان سمو.
(٣) الكشاف ٢ /٧٤ . :
(٤) الآية ٦ من الزمر.
(٥) التفسير ٣٨/٧.
(٦) لم ينصَّ صاحب ((البحر)) عليها، ونسبها ابن خالويه ٤٣ إلى سكن النحوي.
(٧) الآية ٨٠ من الأنبياء.
٢٩٠

- الأعراف -
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿لا يَفْتِنَنْكم﴾: هونهيٌ للشيطان في الصورة،
والمراد نَهْيُ المخاطبين عن متابعته والإِصغاءِ إليه، وقد تقدم معنى ذلك في
قوله ((فلا يكنْ في صدرك حَرَجْ))(١). وقرأ(٢) ابن وثاب وإبراهيم: ((لا يُقْتِنَنْكم))
بضمٌّ حرفِ المضارعة مِنْ أفتنه بمعنى حَمَلَه على الفتنة. وقرأ زيد بن علي
((لا يَفْتِنْکم)» بغیر نون توکید.
قوله: ((كما أخرج)) نعتٌ لمصدرٍ محذوف أي: لا يَفْتَنكم فتنةً مثلَ فتنة
إخراج أبوّيْكم. ويجوز أن يكون التقدير: لا يُخْرِجَنَّكم بفتنته إخراجاً مثل
إخراجه أبويكم. وقوله: ((يُنْزِع)) جملة في محل نصب على الحال. وفي
صاحبها احتمالان، أحدهما: أنه الضمير في ((أخرج)) العائدُ على الشيطان،
والثاني: أنه الأبوين(٣)، وجاز الوجهان لأنَّ المعنى يَصِحُ على كلٍ من
التقديرين، والصناعةُ مساعدةٌ لذلك؛ فإن الجملة مشتملة على ضمير الأبوين
وعلى ضمير الشيطان. قال الشيخ(٤): ((فلو كان بدل ((ينزع)» نازعاً تعيّن
الأولُ، لأنه إذ ذاك لو جُوِّز الثاني لكان وصفاً جرى على غير مَنْ هوله فكان
يجب إبراز الضمير، وذلك على مذهب البصريين)». قلت: يعني أنه
يفرّق / بين الاسم والفعل إذا جريا على غير ما هما له في المعنى: فإن كان [٣٧٧/أ]
اسماً كان مذهبُ البصريين ما ذكر، وإن كان فعلًا لم يَحْتَجْ إلى ذلك. وقد
تقدَّم لك الكلامُ على هذه المسألة، وأن الشيخ جمال الدين بن مالك سَوَّى
بينهما، وأن مكيّاً له فيها كلام مُشْكل.
و ((يُنْزِعُ)) جيء بلفظ المضارع على أنه حكاية حال كأنها قد وقعَتْ
(١) الآية ٢ من الأعراف.
(٢) البحر ٢٨٣/٤؛ الشواذ ٤٣.
(٣) كذا على الحكاية.
(٤) البحر ٢٨٣/٤.
٢٩١

- الأعراف -
وانقضَتْ .. والنَّزْعُ (١): الجَذْبُ بقوة للشيء عن مقرِّه، ومنه «تَنْزِعُ الناسَ كأنهم
أعجازُ نخل مُنْقَعِر))(٢) ومنه نَزْع القوس، وتستعمل في الأعْراض، ومنه نَزْعُ
العداوة والمحبة من القلب، ونُزِعِ فلانٌ كذا سُلِبَه، ومنه ((والنازعاتِ غَرْقً))(٣)
لأنها تَقْلع أرواح الكفرة بشدة، ومنه المنازعةُ وهي المخاصمة، والنَّزْعِ عنْ
الشيء كفّ عنه، والنزوع: الاشتياق الشديد، ومنه نَزَع إلى وطنه ونَزَع إلى
مذهب كذا نَزْعَةً، وأنزع القومُ: نَزَعَتْ إبلهم إلى مواطنها، ورجل أَنْزَعُ أي
زال شعُرُه، والنّزْعتان بياض يكتنف الناصية، والنّزْعة أيضاً الموضع مِنْ رأس
الأنزع، ولا يقال امرأة نَزْعاء إذا كان بها ذلك، بل يقال لها: زَعْراء، وبئر نُزُوع
أي قريبة القَعْر لأنها يُنزع منها بالید.
قوله: «إنه يراكم هو وقبيلُه)): ((هو)) تأكيد للضمير المتصل ليسوغُ
العطفُ عليه، كذا عبارة بعضهم. قال الواحدي: ((أعاد الكناية ليحسن
العطف كقوله: (اسكن أنت وزوجُك))(٤) قلت: ولا حاجةً إلى التأكيد في مثل
هذه الصورةِ لصحة العطف، إذ الفاصلُ هنا موجودٌ وهو كافٍ في صحةٍ
العطف، فليس نظيرُ ((اسكن أنت وزوجُك)). وقد تقدَّم لك بحثٌ في ((اسكن
أنت وزوجك)) وهو أنه ليس من باب العطف على الضمير لمانعٍ ذُكر ثَمَّةً.
و «قبيلُه)) المشهورُ قراءته بالرفع نسقاً على الضمير المستتر، ويجوز أن
يكونَ نسقاً على اسم ((إنَّ)» على الموضع عند مَنْ يجيز ذلك، ولا سيما عند مَنْ
يقول: يجوز ذلك بعد الخبر بإجماع. ويجوز أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر
فتحصَّل في رفعه ثلاثة أوجه. وقرأ (٥) اليزيدي ((وقبيله)) نصباً وفيها تخریجان،
(١) انظر: المفردات ٤٨٧.
(٢) الآية ٢٠ من القمر.
(٣) الآية ١ من النازعات.
(٤) الآية ٣٥ من البقرة.
(٥) البحر ٢٨٤/٤؛ الشواذ ٤٣.
٢٩٢

- الأعراف -
أحدهما: أنه منصوب نسقاً على اسم إنَّ لفظاً إِنْ قلنا إنَّ الضمير عائد على
الشيطان، وهو الظاهر. والثاني: أنه مفعولٌ معه أي: يراكم مصاحباً لقبيله.
والضمير في ((إنه)) فيه وجهان الظاهرُ منهما كما تقدَّم أنه للشيطان. والثاني:
أن يكون ضمير الشأن، وبه قال الزمخشري(١)، ولا حاجةَ تدعو إلى ذلك.
والقبيل: الجماعة يكونون من ثلاثة فصاعداً من جماعة شتى، هذا قول
أبي عبيد. والقبيلةُ: الجماعةُ من أب واحد، فليست القبيلةُ تأنيثَ القبيل
لهذه المغايرة.
قوله: (مِنْ حيث لا تَرَوْنَهم)) ((مِنْ)) لابتداء غاية الرؤية، و((حيث)) ظرفٌ
لمكان انتفاء الرؤية، و((لا تَرَوْنهم)» في محل خفض بإضافة الظرف إليه، هذا
هو الظاهر في إعراب هذه الآية.
وثَمَّ كلامٌ مُشْكل منقول عن أبي إسحاق(٢)، رأيت ذِكْرَه لئلا يَتَوَهِّم
صحتّه مَنْ رآه. قال أبو إسحاق(٣): ((ما بعد ((حيث)) صلةٌ لها وليست بمضافةٍ
إليه)). قال الفارسي: ((هذا غيرُ مستقيم، ولا يَصِحُّ أن يكون ما بعد ((حيث)) صلةً
لها؛ لأنه إذا کان صلة لها وجب أن یکون للموصول فیه ذکرٌ، کما أن في سائر
صلات الموصول ذِكْراً للموصول، فخلُ الجملة التي بعد ((حيث)) من ضميرٍ
يعود على ((حيث)) دليلٌ على أنها ليست صلة لحيث، وإذا لم تكن صلةً كانت
مضافة. فإن قيل: نقدِّر العائد في هذا كما نقدِّر العائدَ في الموصولات، فإذا
قلت: (رأيتك حيث زيد قائم)) كان التقدير: حيث قائمه، ولو قلت: رأيتك
حيث قام زيد)» كان التقدير: حيث قام زيد فيه، ثم اتّسِع في
الحرف فَحُذِف فاتصل الضمير فحذف، كما يُخْذف في قولك: ((زيد الذي
(١) الكشاف ٢ / ٧٥.
(٢) أي الزجاج.
(٣) معاني القرآن ٣٦٣/٢.
٢٩٣

- الأعراف -
ضربت)) أي: الذي ضربته. قيل: لو أريد ذلك لجاز استعمالُ هذا الأصل،
فَتَرْكُهم لهذا الاستعمالِ دليلٌ على أنه ليس أصلاً له)).
قلت: أبو إسحاق لم يَعْتقد كونَها موصولةً بمعنى الذي، لا يقول بذلك
أحد، وإنما يزعم أنها ليست مضافةً للجملة بعدها فصارت كالصلة لها أي
كالزيادة، وهو كلامُ متهافت، فالردُّ عليه من هذه الحيثيّةِ لا من حيثية اعتقادِه
لكونها موصولةً. ويُحتمل أن يكون مرادُه أن الجملة لَّمَّا كانت من تمام معناها:
بمعنى أنها مفتقرةٌ إليها كافتقار الموصول لصلته أُطْلق عليها هذه العبارة، ويَدُلُّ
على ما قلته أنَّ مكياً ذكر في علة بنائها فقال(١): ((ولأنَّ ما بعدها مِنْ تمامها.
كالصلة والموصول)) إلا أنه يَرَى أنها مضافٌ لما بعدها.
وقرىء(٢) ((من حيث لا تَرَوْنه)) بالإِفراد، وذلك يحتمل وجهين أحدهما :.
يكون الضميرُ عائداً على الشيطان وحده دون قبيله، لأنه هو رأسُهم وهم تَبَعّ له
ولأنه المَنْهِيُّ [عنه] أول الكلام، وأن يكون عائداً عليه وعلى قبيله، ووحَّد
الضميرَ إجراءً له مُجرى اسم الإشارة في قوله تعالى ((عَوَانٌ بين ذلك))(٣).
[٣٧٧/ب] ونظير هذه القراءة / قول رؤية (٤):
٢١٨١ - فيها خطوطٌ من سَوادٍ وبَلَقْ كأنه في الجلد توليعُ الْبَهَقْ
وقد تقدم هذا البيتُ بحكايته معه في البقرة(٥).
قوله: ((إنَّا جَعَلْنا)) يحتمل أن يكون بمعنى صَيَّر أي: صَيَّرْنا الشياطين
(١) المشكل ٣١٠/١
(٢) البحر ٢٨٥/٤.
(٣) الآية ٦٨ من البقرة.
(٤) تقدم برقم ٥٣٩.
(٥) انظر: الورقة ٢٩ ب.
٢٩٤

- الأعراف -
أولياءَ. وقال الزهراوي: ((جعل هنا بمعنى وصف))(١) وهذا لا يُعْرَفُ في
((جعل))، وكأنه فرارٌ من إسناد جَعْل الشياطين أولياء لغير المؤمنين إلى(٢) الله
تعالى وكأنها نزعةٌ اعتزالية. و((للذين)) متعلق بأولياء لأنه في معنى الفعل،
ويجوز أن يتعلق بمحذوف لأنه صفةٌ لأولياء.
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا﴾: هذه الجملةُ الشرطية لا محلَّ
لها من الإِعراب لأنها استئنافية وهو الظاهر، وجَوَّز ابنُ عطية(٣) أن تكونَ داخلةً
في حَيِّز الصلة لعطفها عليها. قال ابن عطية: ((ليقع التوبيخُ بصفةٍ قومٍ قد
جعلوا أمثالاً للمؤمنين(٤) إذ أشبه فعلُهم فِعْلَ الممثَّل بهم)) وقوله: ((وَجَدْنا))
يُحْتمل أن تكون العِلْمِيَّة أي: عَلِمْنا طريقتهم أنها هذه، ويحتمل أن تكونَ
بمعنى لَقِيْنا، فيكون ((عليها)) مفعولاً ثانياً على الأول، وحالاً على الثاني.
وقوله ((لا يأمر بالفحشاء)) حُذِف المفعولُ الأول للعلم به أي: لا يأمر
أحداً، أو لا يأمركم بأمر ... (٥) ذلك.
وقوله: ((ما لا تعلمون)) مفعولٌ به، وهذا مفرد في قوة الجملة، لأنَّ
ما لا يعلمون - ممَّا يتقوَّلونه على الله تعالى - كلامٌ كثير من قولهم ((والله أَمَرَنا بها»
كتبحير البحائر وتسييب السوائب وطوافهم بالبيتِ عُراةً إلى غير ذلك، وكذلك
أيضاً حُذِف المفعول من قوله ((أَمَر ربي بالقسط)).
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿وأقيموا﴾: فيه وجهان، أظهرهما: أنه
معطوفٌ على الأمر المقدر أي: الذي ينحلُّ إليه المصدر وهو ((بالقسط))، وذلك
(١) وهذا أيضاً تقدير النحاس في إعرابه ٦٠٨/١.
(٢) قوله ((إلى الله)) متعلق بإسناد.
(٣) التفسير ٤٢/٧.
(٤) ابن عطية: للموبخين.
(٥) كلمة لم أتبينها، كتبها في ش ((غيره وفي ي ((عين)).
٢٩٥

- الأعراف -
أن القِسْط مصدرٌ فهو ينحلُّ لحرفٍ مصدري وفعل، فالتقدير: قل : أمر ربي بأن
أقسِطُوا وأقيموا، وكما أن المصدر ينحلُّ لـ ((أَنْ)) والفعل الماضي نحو: ((عجبت
من قيامٍ زيد وخرج)) أي: من أن قام وخرج، ولـ((أَنْ)) والفعل المضارع
کقولها(١):
٢١٨٢ - لَلُبْس عباءة وتَقَرَّ عيني
أي: لَأنْ ألبسُ وتَقَرَّ، كذلك ينحلُّ لـ((أَنْ)) وفعل أمر (٢) لأنها بالثلاث
الصيغ(٣): الماضي والمضارع والأمر بشرط التصرُّف. وقد تقدَّم لنا تحقيقُ
هذه المسألةِ وإشكالِها وجوابِه، وهذا بخلاف ((ما)) فإنها لا تُوصل بالأمر،
وبخلاف ((كي)) فإنها لا تُؤْصَلُ إلا بالمضارع، فلذلك لا ينحلُّ المصدر إلى
((ما)) وفعل أمر، ولا إلى كي وفعلٍ ماضٍ أو مضارع(٤). وقال الزمخشري(٥):
((وأقيموا وجوهكم: وقل أقيموا وجوهكم أي: اقصدوا عبادته)). وهذا من:
أبي القاسم يحتمل تأويلين، أحدهما: أن يكونَ قولُه ((قل)) أراد به أنه مقدَّرٌ
غيرُ هذا الملفوظ به، فيكون ((أقيموا)) معمولاً لقولٍ أمرٍ مقدرٍ، وأن يكون
معطوفاً على قوله ((أَمَر ربي)) فإنه معمول لـ ((قل)). وإنما أظهر الزمخشري.
((قل)) مع ((أقيموا) لتحقيق عطفيَته على ((أَمَر ربي)). ويجوز أن يكونَ قولُه.
((وأقيموا)) معطوفاً على أمرٍ محذوفٍ تقديرُه: قل أَقْبِلوا وأقيموا.
وقال الجرجاني صاحب ((النظم)): ((تَسَقَ الأمرَ على الجر(٦)، وجاز ذلك
(١) تقدم برقم ٧٠١.
(٢) نحو: كتبت إليه بأن قم.
(٣) لعل الأفصح: بثلاث الصيغ.
(٤) كذا في الأصل لعل الصواب: أو أَمْر.
(٥) الكشاف ٢/ ٧٥ ..
(٦) الأمر: أقيموا، والجر: بالقسط.
٢٩٦

- الأعراف -
لأنَّ قوله ((قل أَمَر ربي)) قول؛ لأنَّ الأمر لا يكون إلا كلاماً والكلام قول، وكأنه
قال: قل يقول ربي: أقسطوا وأقيموا)) يعني أنه عطف على المعنى.
و((مَسْجِد)) هنا يحتمل أن يكون مكاناً وزماناً. قال الزمخشري(١): ((في
وقت كل سجود وفي مكان كل سجود)» وكان مِنْ حَقِّ مسجدٍ مَسْجَد بفتح
العين لضمها في المضارع، وله في هذا الشذوذ أخواتٌ كثيرةٌ مذكورةٌ في
التصريف(٢).
وقوله: ((مُخْلِصين)) حال من فاعل ((ادْعُوه))، و((الدّين)) مفعول به باسم
الفاعل. و((له)) متعلَّقٌ بمخلصين، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال
من «الدین)).
قوله: ((كما بدأكم)) الكافُ في محلِّ نصبٍ نعتاً لمصدر محذوف
تقديره: تَعُودون عَوْداً مثلَ ما بدأكم. وقيل: تقديره: يَخْرجون خروجاً مثل
ما بدأكم ذكرهما مكي(٣)، والأول أليقُ بلفظِ الآيةِ الكريمة. وقال
ابن الأنباري: ((موضعُ الكاف في ((كما)) نصبٌ بتعودون؛ وهو على مذهبٍ
العرب في تقديم مفعول الفعل عليه أي: تعودون كما ابتدأ خلفكم)). قال
الفارسي: ((كما بدأكم تعودون)) ليس على ظاهره إذ ظاهرُه: تعودون كالبَدْء(٤)،
وليس المعنى تشبيهَهم بالبَدَاء(٥)، إنما المعنى على إعادةِ الخَلْق كما ابتُدِىء،
فتقديرُ كما بدأكم تعودون: كما بدأ خَلْقُكم أي: يُخْيي خَلْقَکم عَوْداً کبدئه،
وكما أنه لم يَعْنِ بالبَدْء ظاهرَه من غير حذفِ المضافِ إليه كذلك لم يَعْنِ
(١) الكشاف ٢ / ٧٥.
(٢) نحو: المَطْلِع والمَسْكِن والمنسك والمنبت. انظر: ابن يعيش ١٠٧/٦.
(٣) المشكل ٣١١/١.
(٤) قوله ((كالبدء)» غير واضح في الأصل. ش: على البدء.
(٥) لعله بالبدء، لأن البداء مصدر بدا بمعنى ظهر.
٢٩٧

- الأعراف -
بالعَوْدِ من غير حذف المضافِ الذي هو الخَلْقِ فلمَّا حَذَفَه قام المضافُ إليه
مَقامَ الفاعِلِ فصار الفاعلون مخاطَبِين، كما أنه لَمَّا حَذَفَ المضافَ من قوله
(كما بدأ خلقكم صار المخاطبون مفعولين في اللفظ)» قلت: يعني أن الأصل
كما بدأ خَلْقُكُمْ يعود خَلْقُكم فحذف الخَلْقَ في الموضعين، فصار المخاطبون
في الأول مفعولين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة، وفي الثاني صاروا فاعلين
بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضاً.
و ((بدأ)) بالهمز أنشأ واخترع، ويُسْتعمل بهذا المعنى ثلاثياً ورباعياً على
أَفْعل، فالثلاثيُّ كهذه الآيةِ، وقد جمع بين الاستعمالين في قوله تعالى:
(أو لم يَروا كيف يُبْدِىء الله الخلق))(١) فهذا مِنْ أبدأ، ثم قال: ((كيفٍ بَدَأَ
الخَلْقِ))(٢) هذا فيما يتعدَّى بنفسه. وأمَّا ما يتعدى بالباء نحو: بدأت بكذا
بمعنى قَدَّمْته وجَعَلْته أولَ الأشياء يُقال(٣) منه: بدأت به وابتدأت به. وحكى
الراغب (٤) أيضاً أنه يقال مِنْ هذا: أَبْدَأْت به على أَفْعَل وهو غريب، وقولهم
(أَبْدَأْتُ من أرض كذا)) أي ابتدأت منها بالخروج. والبَدْهُ: السيِّدُ، سُمِّيَ بذلك
قيل: لأنه يُبْدأ به في العدِّ إذا عُدَّ السادات، وذكروا عليه قوله(٥):
٢١٨٣ - فَجِئْتُ قبورَهم بَدْءاً ولمَّا فنادَيْتُ القبورَ فلم يُجِبْنَةْ
أي: جئت قبور قومي سَيِّداً ولمَّا أكن سيداً، لكنْ بموتهم صُيِّرْتُ
[٣٧٨/أ] سيِّداً / وهذا يَنْظُرُ لقول الآخر (٦):
٢١٨٤ - خَلَتِ الديارُ فسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدٍ
ومن العَناء تفرُّدي بالسُّؤْدُدِ
(١) الآية ١٩ من العنكبوت.
(٢) الآية ٢٠ من العنكبوت ((فانظروا كيف بدأ الخلق)) ..
(٣) لعل الأفصح: فيقالٍ.
(٤) المفردات ٤٠.
(٥) تقدم برقم ٢١٦ .
(٦) لم أقف عليه.
٢٩٨

- الأعراف -
و «ما)) مصدرية(١) أي: کبَدْئكم.
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿فريقاً هدى وفريقاً حَقِّ عليهم الضلالة﴾ :
في نصب ((فريقاً) وجهان أحدُهما: أنه منصوب بهدى بعده، وفريقاً الثاني
منصوب بإضمار فعلٍ يفسِّره قولُه ((حَقَّ عليهم الضلالة)) من حيث المعنى،
والتقدير: وأضلَّ فريقاً حَقَّ عليهم، وقَدَّره الزمخشري(٢): ((وخَذَل فريقاً»
الغرضٍ له في ذلك(٣). والجملتان الفعليتان في محل نصب على الحال من
فاعل ((بدأكم)) أي: بَدَأكم حالَ كونه هادياً فريقاً ومُضِلاً آخر، و((قد)» مضمرةٌ
عند بعضهم. ويجوز على هذا الوجهِ أيضاً أن تكون الجملتان الفعليتان
مستأنفَتْن، فالوقفُ على ((يعودون)) على هذا الإِعرابِ تامُّ بخلاف ما إذا
جَعَلهما حالَيْن، فالوقفُ على قوله ((الضلالة)).
الوجه الثاني: أن ينتصبَ ((فريقاً)) على الحال من فاعل («تَعُودون)) أي:
تعودون: فريقاً مَهْدِيًّاً وفريقاً حاقًاً عليه الضلالة، وتكون الجملتان الفعليتان على
هذا في محل نصب على النعت لفريقاً وفريقاً، ولا بد حينئذ من حَذْفٍ عائد
على الموصوف من هَدَى أي: فريقاً هداهم، ولو قُدَّرْته ((هداه)) بلفظ الإِفراد
لجاز، اعتبار(٤) بلفظ «فريق))، إلا أن الأحسنَ الأول لمناسبة قوله: ((وفريقاً
حقَّ عليهم))، والوقف حينئذ على قوله ((الضلالة))، ويؤيد إعرابَه حالاً قراءةُ(٥)
أَبَيّ بن كعب: ((تعودون فريقَيْن: فريقاً هدى وفريقاً حقَّ عليهم
الضلالة)) ففريقَيْن نصب على الحال، وفريقاً وفريقاً بدل(٦) أو منصوب بإضمار
(١) أي في ((كما بدأتم)).
(٢) الكشاف ٧٦/٢.
(٣) وهو الاعتزال.
(٤) التقدير: وهذا اعتبار.
(٥) البحر ٢٨٨/٤.
(٦) واضح أن فريقاً الثانية لا يجوز فيها البدلية لوجود الواو فهي بدل بحكم أن المعطوف على
الشيء يأخذ حكمه.
٢٩٩

- الأعراف -
أعني على القطع، ويجوز أن ينتصبَ فريقاً الأول على الحال من فاعل
تعودون، وفريقاً الثاني نصب بإضمار فعلٍ يفسِّره ((حقَّ عليهم الضلالة)» كما
تقدم تحقيقه في كل منهما.
وهذه الأوجهُ كلُّها ذكرها ابن الأنباري فإنه قال كلاماً حسناً، قال رحمه
الله: ((انتصب فريقاً وفريقاً على الحال من الضمير الذي في تعودون، یرید :
تعودون كما ابتدأ خَلْقُكم مختلفين، بعضكم أشقياء وبعضكم سُعَداء، فاتصل
((فريق)) وهو نكرةٌ بالضمير الذي في ((تعودون)) وهو معرفة فقُطِع عن لفظه،
وعُطِف الثاني عليه)). قال: ((ويجوز أن يكونَ الأول منصوباً على الحال من .
الضمير، والثاني منصوب بحقَّ عليهم الضلالة، لأنه بمعنى أضلَّهم كما يقول
القائل: ((عبد الله أكرمته وزيداً أحسنت إليه)) فينتصب زيداً بأحسنت إليه بمعنى
نَفَعْته، وأنشد (١):
٢١٨٥ - أثعلبةً الفوارس أم رِياحا عَدَلْتَ بهم ◌ُهَيَّةَ والخِشابا
نصب ثعلبة بـ (عَدَلْتَ بهم طهية)) لأنه بمعنى أَهَنْتَهم أي: عَدَلْت بهم
مَنْ هو دونَهم، وأنشد أيضاً قوله(٢):
٢١٨٦ - يا ليت ضيفَكمُ الزبيرَ وجارَكم
إيايَ لَّس حبلَه بحبالي
فنصب ((إياي)): بقوله: لَبَّس حبله بحبالي، إذكان معناه خالطني
وقصدني)) قلت: يريد بذلك أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر من معنى الثاني لا من
لفظه، هذا وجهُ التنظير. وإلى كون ((فريقاً)) منصوباً بـ ((هدى)) و(«فريقاً))
منصوباً بـ (حَقَّ)) ذهب الفراء (٣)، وجَعَلَه نظيرَ قوله تعالى: ((يُدْخِلُ مَنْ يَشَاء
(١) تقدم برقم ٧٧٢ .
(٢) لم أقف عليه .
(٣) معاني القرآن ٣٧٦/١.
٣٠٠