Indexed OCR Text
Pages 101-120
- الأنعام - ((عَدُوًّا)) بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو بمعنى أعداء، ونصبه على الحال المؤكدة و((عدوّ) يجوز أن يقع خبراً عن الجمع، قال تعالى: ((هم العدو))(١) وقال تعالى: ((إنَّ الكافرين كانوا لكم عَدُوَّاً مُبينا))(٢). ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً وعُدُوَّاً وعُدْواناً وعَداءً. و((بغير عِلْم)) حالٌ أي: يَسُبُونه غير عالمين أي: مصاحبين للجهل؛ لأنه لو قَدَّره حَقَّ قَدْره لما أَقْدَموا عليه. وقوله ((كذلك)) نعتْ لمصدر محذوف أي: زَيَّنَّا لهؤلاء أعمالَهم تزييناً مثلَ تزبيننا لكلِّ أمةٍ عَمَلَهم، وقيل: تقديره: مثلَ تزيينِ عبادة الأصنام للمشركين زَيّنًا لكلِّ أمة عَمَلَهم وهو قريب من الأول. آ. (١٠٩) وقوله تعالى: ﴿جَهْدَ أيمانهم﴾: قد تقدَّم الكلام عليه في المائدة(٣). وقرأ طلحة(٤) بن مصرف: ((لَيُؤْمَنَنْ)) مبنياً للمفعول مؤكداً بالنون الخفيفة. قوله ((وما يُشْعِركم)): ((ما)) استفهامية مبتدأة، والجملة بعدها خبرها، وفاعلُ ((يشعر)» يعود عليها، وهي تتعدى لاثنين الأول ضمير الخطاب، والثاني محذوف، أي: وأي شيء يُذْريكم إيمانُهم إذا جاءتهم الآيات التي اقترحوها؟ وقرأ العامَّة(٥) ((أنها)) بفتح الهمزة، وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر - بخلاف عنه - بكسرها. فأمَّا على قراءةِ الكسر فواضحةٌ استجودها الناس: الخليل وغيره؛ لأن معناها استئناف إخبار بعدم إيمان مَنْ طُبع على قلبه ولو جاءتهم كلَّ آية. قال سيبويه(٦): ((سألْتُ الخليل عن هذه القراءة - يعني (١) الآية ٤ من المنافقون. (٢) الآية ١٠١ من النساء. (٣) الآية ٥٣. (٤) انظر: البحر ٢٠١/٤. (٥) انظر: السبعة ٢٦٥؛ النشر ٢٥٢/٢؛ الحجة ٢٦٥؛ البحر ٢٠١/٤. (٦) الكتاب ٤٦٢/١. ١٠١ - الأنعام - قراءة الفتح - فقلت: ما منع أن يكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال: لا يَحْسُن ذلك في هذا الموضع، إنما قال ((وما يُشْعركم»، ثم ابتدأ فأوجب فقال ((إنها إذا جاءت لا يؤمنون)) ولو فَتَح فقال: ((وما يُشْعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)) لكان عُذْراً لهم)). وقد شرح الناس قولَ الخليل وأوضحوه فقال :. الواحدي وغيره: ((لأنك لو فتحت ((أنَّ)) وجعلتها التي في نحو ((بلغني أن زيداً منطلق)) لكان عذراً لمن أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، لأنه إذا قال القائل: (إن زيداً لا يؤمن)) فقلت: وما يدريك أن لا يؤمن، كان المعنى أنَّه يؤمن، وإذا كان كذلك كان عذراً لمَنْ نفى عنه الإِيمان، وليس مرادُ الآية الكريمة إقامةً عُذْرِهم وووجودَ إيمانهم. وقال الزمخشري(١) ((وقرىء ((إنها)) بالكسر، على أن الكلام: قد تمَّ قبله بمعنى : وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون)). وأمَّا قراءة الفتح فقد وجَّهها الناس على ستة أوجه، أظهرها: أنها بمعنى: لعلَّ، حكى الخليل ((أتيت السوق أنك تشتري لنا منه شيئً) أي: لعلك، فهذا من كلام العرب - كما حكاه الخليل - شاهد على كون ((أنَّ)) بمعنى لعلَّ، وأنشد أبو جعفر النحاس(٢): ٢٠٢٧- أريني جواداً مات هُزْلاً لَأَنَّني أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلاً مُخَلَّدا قال امرؤ القيس(٣) : - أنشده الزمخشري ــ(٤) ٢٠٢٨ - عُوجا على الطلل المُحيلِ لأَنَّنا نبكي الديار كما بكى ابنُ حِذَامٍ (١) الكشاف ٤٤/٢. (٢) تقدم برقم ٧٢٥. (٣) تقدم برقم ١٣٦٥ (٤) الكشاف ٤٤/٢. ١٠٢ - الأنعام - وقال جرير(١): ٢٠٢٩ - هلَ أنتمْ عائجون بنا لَعَنًّا نرى العَرَصاتِ أو أثرَ الخيام وقال عدي بن زيد(٢). ٢٠٣٠ - أعاذلَ ما يُدْرِيكَ أن منيَّتي إلى ساعةٍ في اليوم أو في ضحى الغد وقال آخر(٣): ٢٠٣١ - قلت لشيبانَ آدنُ مِنْ لقائِهْ أَنَّا نُغَذِّي الناسَ مِنْ شوائِهْ فـ ((أنَّ)) في هذه المواضع كلها بمعنى لعلَّ، قالوا: ويدل على ذلك أنها في مصحف أُبَيّ وقراءته ((وما أدراكم لعلَّها إذا جاءت لا يؤمنون)) ونُقِلَ عنه: ((وما يشعركم لعلها إذا جاءت))، ذكر ذلك أبو عبيد، وغيره، ورجَّحوا ذلك أيضاً بأنَّ ((لعل)) قد كَثُرَ ورودها في مثل هذا التركيب كقوله تعالى: وما يُدْرِيك لعلَّ الساعةَ قريب))(٤) ((وما يُدْريك لعلَّه يَزَّكَّى))(٥) وممَّنْ جعل (أنَّ) بمعنى ((لعل)) أيضاً يحيى بن زياد الفراء(٦). ورجّح الزجاج (٧) ذلك، فقال: ((زعم سيبويه عن الخليل أن معناها ((لعلها)) قال: ((وهذا الوجه أقوى في العربية وأجود))، / ونسب القراءة لأهل [٣٤٤/ب] (١) تقدم برقم ١٣٦٧. (٢) تفسير الفخر الرازي ١٤٤/١٣؛ وتفسير الطبري ٤١/١٢؛ واللسان: أنن. (٣) البيت لأبي النجم وهو في الكتاب ٤٦٠/١؛ والإنصاف ٥٩١؛ والقرطبي ٦٤/٧. (٤) الآية ١٧ من الشورى. (٥) الآية ٣ من عبس. (٦) معاني القرآن ٣٥٠/١. (٧) معاني القرآن ٣١٠/٢. ١٠٣ - الأنغام - المدينة، وكذا أبو جعفر (١). قلت: وقراءة الكوفيين والشاميين أيضاً، إلا أن أبا علي الفارسي (٢) ضعَّف هذا القول الذي استجوده الناس وقوَّوه تخريجاً. لهذه القراءة فقال: ((التوقع الذي تدل عليه ((لعلَّ)) لا يناسب قراءة الكسر لأنها تدل على حكمه تعالى عليهم بأنهم لا يؤمنون)) ولكنه لمَّا منع كونها بمعنى ((لعل)) لم يجعلها معمولة لـ ((يُشْعِركم)) بل جعلها على حذف لام العلة أي لأنها، والتقدير عنده: قل إنما الآيات عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، فهو لا يأتي بها الإِصْرارهم على كفرهم، فيكون نظير ((وما مَنَعَنا أن نُرْسِلَ بالآيات إِلا أَنْ كذّب بها الأولون))(٣) أي بالآيات المقترحة، وعلى هذا فيكون قوله ((وما يُشْعركم)) اعتراضاً بين العلة والمعلول. الثاني: أن تكون ((لا)) مزيدةً، وهذا رأيُ الفراء(٤) وشیخه قال: ((ومثله. ((ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسجِد))(٥) أي: أن تسجد، فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا: أنها لو جاءت لم يؤمنوا، وإنما حملها على: زيادتها ما تقدَّم من أنها لو تُقَدَّر زائدةً لكان ظاهرُ الكلام عذراً للكفار وأنهم يُؤمنون، كما عرَفْتَ تحقيقَه أولاً. إلا أن الزجاج نسب ذلك إلى الغلط فقال(٦). ((والذي ذكر أن ((لا)) لغوٌ غالط، لأنَّ ما يكون لغواً لا يكون غيرَ لغو، ومَنْ قرأ. بالكسر فالإجماع على أن ((لا)) غير لغو)) فليس يجوز أن يكون معنى لفظة مرةٌ النفي ومرةً الإِیجاب في سياق واحد. وانتصر الفارسي (٧) لقول الفراء ونفى عنه الغلط، فإنه قال: ((يجوز أن (١) وهو النحاس في إعرابه ٥٧٣/١. (٢) الحجة (خ) ٤٣٠/٢. (٣) الآية ٥٩ من الإِسراء. (٤) معاني القرآن ٣٥٠/١. (٥) الآية ١٢ من الأعراف. (٦) معاني القرآن ٣١٠/٢. (٧) الحجة (خ) ٤٣٢/٢. ١٠٤ - الأنعام - تكون ((لا)) في تأويلٍ زائدةً، وفي تأويلٍ غيرَ زائدة كقول الشاعر(١): ٢٠٣٢ - أبى جودُه لا البخلَ واستعجلَتْ نَعَمْ به مِنْ فتى لا يمنع الجودَ نائِلُهُ يُنشد بالوجهين أي بنصب («البخل)» وجرِّه، فَمَنْ نَصَبَه كانت زائدة أي: أبى جوده البخل، ومَنْ خفض كانت غيرَ زائدة وأضاف ((لا)) إلى البخل قلت: وعلى تقدير النصب لا يلزم زيادتها لجواز أن تكون ((لا)) مفعولاً بها والبخل بدل منها أي: أبى جوده لفظ ((لا))، ولفظ ((لا)) هو بخل. وقد تقدَّم لك طرفٌ من هذا محققاً عند قوله تعالى ((ولا الضَّالِّين))(٢) في أوائل هذا الموضوع، وسيمر بك مواضعُ منها، كقوله تعالى: «وحرامٌ على قرية أهلكناها أنهم لا يَرْجِعُون))(٣) قالوا: تحتمل الزيادةَ وعَدَمَها، وكذا ((ما مَنَعَكَ أَنْ لا تسجد))(٤) ((لئلا يعلم أهل الكتاب))(٥). الثالث: أن الفتح على تقديرٍ لامِ العلة، والتقدير: إنما الآيات التي يقترحونها عند الله لأنها إذا جاءت لا يؤمنون، وما يُشْعركم اعتراض، كما تقدَّم تحقيق ذلك عن أبي علي فأغنى عن إعادته، وصار المعنى: إنما الآيات عند الله أي المقترحة لا يأتي بها لانتفاء إيمانهم وإصرارهم على كفرهم. الرابع: أنَّ في الكلام حذفَ معطوفٍ على ما تقدَّم. قال أبو جعفر(٦) في معانيه: ((وقيل في الكلام حذف، المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت (١) تقدم برقم ٨٥. (٢) من الآية ٧ من الفاتحة. (٣) الآية ٩٥ من الأنبياء. (٤) الآية ١٢ من الأعراف. (٥) الآية ٢٩ من الحديد. (٦) أي النحاس. ولم يرد هذا القول في كتابه («إعراب القرآن)). ١٠٥ - الأنعام - لا يؤمنون أو يؤمنون)» فحذف هذا لعلم السامع، وقَدَّره غيره: ما يشعركم بانتفاء الإِيمان أو وقوعه. الخامس: أنَّ ((لا)) غير مزيدة، وليس في الكلام حَذْفٌ بل المعنى: وما يدريكم انتفاء إيمانهم، ويكون هذا جواباً لمن حكم عليهم بالكفر أبداً ويئس من إيمانهم. وقال الزمخشري(١): «وما یشعرکم وما یدریکم أنها - أن الآيات التي يقترحونها - إذا جاءت لا يؤمنون بها، يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تَدْرُون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا حريصين على إيمانهم وطامعين فيه إذا جاءت تلك الآية ويتمنّون مجيئها فقال عز وجل: ((وما يدريكم أنهم لا يؤمنون)) على معنى: أنكم لا تَدْرُوْنَ ما سَبَقَ علمي بهم أنهم لا يؤمنون، ألا ترى إلى قوله: «كما لم يؤمنوا به أول مرة»(٢) انتهى. قلت بَسْطُ قولِه إنهم كانوا يطمعون في إيمانهم ما جاء في التفسير أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل علينا الآية التي قال الله فيها(إن نَشَأْ نُتَزِّل عليهم من السماء آية فَظَلَّتْ أعناقهم لها خاضعين)) ونحن والله نؤمن فأنزل [٣٤٥/أ] الله تعالى: وما يُشْعركم إلى آخرها /. وهذا الوجه هو اختيار الشيخ(٣) فإنه قال: ((ولا يحتاج الكلام إلى زيادة ((لا)) ولا إلى هذا الإِضمار)»-يعني حَذْفَ المعطوف - ((ولا إلى ((أَنَّ)) بمعنى لعلَّ، وهذا كله خروج عن الظاهر لغير ضرورةٍ، بل حَمْلُه على الظاهر أَوْلى وهو واضح سائغ أي: وما يشعركم ويدريكم بمعرفة انتفاء إيمانهم لا سبيل لكم إلى الشعور بها)). السادس: أنَّ ((ما)) حرف نفي، يعني أنه نَفَى شعورَهم بذلك، وعلى هذا فيُطْلَبُ لـ ((يُشْعركم)) فاعلٌ. فقيل: هو ضمير الله تعالى أُضْمر للدلالة عليه، وفيه تكلُّفّ بعيد أي: وما يُشْعِرُكم اللّه أنها إذا جاءت الآيات المقترحة (١) الكشاف ٤٣/٢. (٢) الآية ١١٠ من الأنعام. (٣) البحر ٢٠٢/٤ . ١٠٦ - الأنعام - لا يؤمنون. وقد تقدَّم في البقرة كيفيةُ قراءة أبي عمرو لـ ((يُشْعركم))(١) و ((يُنْصركم))(٢) ونحوهما عند قوله ((إنَّ الله يَأْمُركم)»(٣)، وحاصلها ثلاثة أوجه: الضم الخالص، والاختلاس، والسكون المحض. وقرأ الجمهور: ((لا يؤمنون)) بياء الغيبة، وابن عامر (٤) وحمزة بتاء الخطاب، وقرآ أيضاً في الجاثية(٥) ((فبأيٍّ حديث بعد الله وآياته تؤمنون)) بالخطاب، وافقهما عليها الكسائي وأبو بكر عن عاصم، والباقون بالياء للغيبة، فَتَحَصِّل من ذلك أنَّ ابن عامر وحمزة يقرآن بالخطاب في الموضعين، وأنَّ نافعاً وابن كثير وأبا عمرو وحفصاً عن عاصم بالغيبة في الموضعين، وأن الكسائي وأبا بكر عن عاصم بالغيبة هنا وبالخطاب في الجاثية، فقد وافقا أحد الفريقين في إحدى السورتين والآخر في أخرى. فأما قراءة الخطاب هنا فيكون الظاهر من الخطاب في قوله ((وما يشعركم)) أنه للكفار، ويتضح معنى هذه القراءة على زيادة ((لا)) أي: وما يُشْعركم أنكم تؤمنون إذا جاءت الآيات التي طلبتموها كما أَقْسَمْتُمْ عليه ويتضح أيضاً على كون ((أنَّ) بمعنى لعلَّ مع كون ((لا)) نافيةٌ، وعلى كونها علةً بتقديرِ حَذْفِ اللامِ أي: إنما الآيات عند الله فلا يأتيكم بها؛ لأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ويتضح أيضاً على كون المعطوف محذوفاً أي: وما يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءت الآيات أو وقوعه، لأنَّ مآل أمرِكم مُغَيِّبٌ عنكم فكيف تُقْسِمون على الإِيمان عند مجيء الآيات؟ وإنما يُشْكل إذا جَعَلْنا ((أنَّ)) معمولةً (١) من الآية ١٠٩ من الأنعام. (٢) من الآية ١٦٠ من آل عمران. (٣) من الآية ٦٧ من البقرة. (٤) انظر: السبعة ٢٦٥؛ الكشف ٤٤٦/١؛ البحر ٢٠١/٤؛ الحجة ٢٦٧؛ النشر ٢٥٢/٢. (٢) الآية ٦. ١٠٧ - الأنعام - لـ ((يُشْعركم)) وجَعَلْنَا ((لا)) نافيةً غير زائدة، إذ يكون المعنى: وما يدريكم أيها: المشركون بانتفاء إيمانكم إذا جاءتكم، ويزول هذا الإشكال بأنَّ المعنى: أيُّ شيء يدريكم بعدم إيمانكم إذا جاءتكم الآيات التي اقترحتموها؟ يعني لا يمرُّ هذا بخواطركم، بل أنتم جازِمُون بالإِيمان عند مجيئها لا يَصُدُّكم عنه صادٌّ، وأنا أعلم أنكم لا تؤمنون وقت مجيئها لأنكم مطبوعٌ على قلوبكم. وأمَّا على قراءةِ الغَيْبة فتكون الهمزةُ معها مكسورةً، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر عن عاصم، ومفتوحة وهي قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم. فعلى قراءة ابن كثير ومَنْ معه يكون الخطاب في ((وما يشعركم» جائزاً فيه وجهان، أحدهما: أنه خطاب للمؤمنين أي: وما يشعركم أيها المؤمنون . إيمانهم، ثم استأنف إخباراً عنهم بأنهم لا يؤمنون فلا تَطْمعوا في إيمانهم. والثاني : أنه للكفار أي: وما يُشْعركم أيُّها المشركون ما يكون منكم، ثم استأنف إخباراً عنهم بعدم الإِيمان لعلمه السابق فيهم، وعلى هذا ففي الكلام التفاتٌ من خطاب إلى غيبة. وعلى قراءة نافع يكون الخطابُ للكفار، وتكون ((أنَّ)) بمعنى لعلَّ، كذا قاله أبو شامة وغيره. وقال الشيخ(١) في هذه القراءة: ((الظاهر أن الخطاب للمؤمنين، والمعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون)» يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ثم ساق كلام الزمخشري بعينه الذي قَدَّمْتُ ذِكْرَه عنه في الوجه الخامس قال: ((ويبعد جداً أن يكون الخطاب في ((وما يشعركم)) للكفار)). قلت: إنما استبعده لأنه لم يَرَ في (أنَّ) هذه أنها بمعنى لعل كما حكيتُه عنه. وقد جعل الشيخُ في مجموع ((أنها إذا جاءت لا يؤمنون)) بالنسبة إلى كسر الهمزة وفتحِها والخطاب والغَيْبة أربع (١) البحر ٤ /٢٠١. ١٠٨ - الأنعام - قراءات قال(١): ((وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والعليمي(٢) والأعشى عن أبي بكر، وقال ابن / عطية(٣): ((ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية داود الإِيادي(٤): [٣٤٥/ب] إنها بكسر الهمزة، وقرأ باقي السبعة بفتحها، وقرأ ابن عامر وحمزة ((لا تؤمنون)) بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، فترتَّب أربع قراءات: الأولى: كَسْرُ الهمزة والياء وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر بخلاف عنه في كسر الهمزة» ثم قال: ((القراءة الثانية: كَسْرُ الهمزة والتاء وهي رواية العليمي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، والمناسب أن يكون الخطاب للكفار في هذه القراءة كأنه قيل: وما يدريكم أيها الكفار ما يكون منكم؟ ثم أخبرهم على جهة الجزم أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها، ويبعد جداً أن يكون الخطاب في ((وما يُشْعركم)) للمؤمنين وفي ((تؤمنون)» للكفار. ثم ذكر القراءة الثالثة والرابعة ووجَّههما بنحو ما نَقَلْتُه عن الناس، وفي إثباته القراءة الثانية نظرٌ لا يخفى: وذلك أنه لَمَّا حكى قراءة الخطاب في ((تؤمنون)) لم يحكها إلا عن حمزة وابنٍ عامر فقط، ولم يدخل معهما أبو بكر لا من طريق العليمي والأعشى ولا من طريق غيرهما، والفرض أن حمزة وابن عامر يفتحان همزة ((أنها))، وأبو بكر يكسرها ويفتحها، ولكنه لا يقرأ ((يؤمنون)) إلا بياء الغيبة فمن أين تجيء لنا قراءةٌ بكسر الهمزة والخطاب؟ وإنما أتيتُ بكلامه برُمَّته لِيُعْرَفَ المأخذ عليه ثم إني جَوَّزْتُ أن تكون هذه روايةٌ رواها فكشفتُ كتابه في القراءات، وكان قد أفرد فيه فصلاً انفرد به العليمي في روايته، فلم يذكر أنه قرأ ((تؤمنون)) بالخطاب البتة، ثم كشفت كتباً في القراءات عديدةٌ فلم أرهم ذكروا (١) البحر ٢٠١/٤. (٢) يحيى بن محمد الكوفي شيخ القراءة بالكوفة أخذ عن أبي بكر، توفي سنة ٢٤٣. انظر: طبقات القراء ٣٧٨/٣. (٣) المحرر ١٢٨/٦. (٤) كذا في الأصل والصواب الأودي كما في السبعة ٢٦٥، وهو: داود بن عبدالله الأودي الزعافري أبو العلاء الكوفي ثقة، لم تذكر وفاته. تقريب التهذيب ٢٣٣/١. ١٠٩ - الأنعام - ذلك فعرفتُ أنه لَمَّا رأى للهمزة حالتين ولحرف المضارعة في ((يؤمنون)» حالتين: ضرب اثنين في اثنين فجاء من ذلك أربعُ قراءات ولكن إحداها مهملة. وقوله ((لا يُؤْمنُون)» متعلَّقُه محذوف للعلم به أي: لا يؤمنون بها. قوله: ((ونُقَلِّب)) في هذه الجملة وجهان، أحدهما - ولم يقلٍ الزمخشري(١) غيره ــ أنها وما عطف عليها من قوله (وَيذَرُهم)) عطف على (يُؤْمنون)) داخلٌ في حكم وما يُشْعركم، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يُشْعركم أنَّا نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، وما يُشْعركم أنَّا نَذَرَهم)) وهذا يساعده. ما جاء في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وابن زيد، والثاني: أنها استئناف إخبار، وجعله الشيخُ(٢) الظاهرَ، والظاهرُ ما تقدَّم. آ. ١١٠: والْأَفْئِدة: جمع فؤاد وهو القلب، ويُطلق على العقل. وقال. الراغب (٣): ((الفؤاد كالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتُبِرَ به معنى التَّفَؤُد أي التوقُّد يقال: فَأَدْتُ اللحم: شَوَيْتُه ومنه لحم فيد أي مَشْويَّ، وظاهر هذا أن الفؤاد غير القلب ويقال له فُواد بالواو الصريحة، وهي بدلٌ من الهمزة لأنه تخفيفٌ قياسيٍّ وبه يَقْرأ ورش فيه وفي نظائره، وصلاً ووقفاً، وحمزة وقفاً، ويُجْمع على أفئدة، وهو جمعٌ منقاس نحو غُراب وأغْرِبة، ويجوز أَقْيدة بياء بعد الهمزة، وقرأ بها هشام في سورة إبراهيم(٤) وسيأتي. قوله: ((كما لم يُؤْمنوا)) الكافُ في محل نصب نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ و((ما)) مصدرية، والتقدير : - كما قال أبو البقاء(٥) - تقليباً ككفرهم عقوبةٌ (١) الكشاف ٤٤/٢. (٢) البحر ٢٠٣/٤. (٣) المفردات ٣٨٦. (٤) في الآية ٣٧. (٥) الإملاء ٢٥٧/١. ١١٠ - الأنعام - مساوية لمعصيتهم، وقَدَّره الحوفي بلا يُؤْمنون به إيماناً ثابتاً كما لم يؤمنوا به أول مرة. وقيل: الكاف هنا للتعليل أي: نقلَّبُ أفئدتهم وأبصارهم لعدم إيمانهم به أولَ مرة. وقيل: في الكلامِ حَذْفٌ تقديره: فلا يؤمنون به ثاني مرة كما لم يؤمنوا به أول مرة. وقال بعضُ المفسّرين: ((الكافُ هنا معناها المجازاة أي: لِمَّا لم يؤمنوا به أولَ مرة نجازيهم بأَنْ نُقَلِّب أفئدتهم عن الهدى ونطبع على قلوبهم، فكأنه قيل: ونحن نقلّب أفئدتهم جزاءً لما لم يؤمنوا به أول مرة قاله ابن عطية(١). قال الشيخ(٢): ((وهو معنى التعليل الذي ذكرناه، إلا أنَّ تسميته ذلك بالمجازاة غريبة لا تُعْهَدُ في كلام النحويين)). قلت: قد سُبِقَ ابن عطية إلى هذه العبارة، قال الواحدي: ((وقال بعضهم: معنى الكاف في ((كما لم يؤمنوا)) معنى الجزاءِ، ومعنى الآية: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم عقوبةً لهم على ترك الإِيمان في المرة الأولى، والهاء في ((به)» تعود على الله تعالى أو على رسوله أو على القرآن، أو على القلب المدلول عليه بالفعل، وهو أبعدها / و((أول مرة)) نصبُ على ظرف الزمان وقد تقدَّم تحقيقه. [٣٤٦/أ] وقرأ(٣) إبراهيم النخعي ((ويُقُلُّب - ويَذَرُهم -)» بالياء، والفاعلُ ضمير الباري تعالى. وقرأ الأعمش: ((وتُقَلَّبُ أفئدتهم وأبصارهم)) على البناء للمفعول ورفعِ ما بعده على قيامه مَقامَ الفاعل، كذا رواها الزمخشري(٤) عنه، والمشهورُ بهذه القراءةِ إنما هو النخعي أيضاً، ورُوي عنه ((ويذرهم» بياء الغَيْبة كما تقدم وسكون الراء. وخَرَّج أبو البقاء(٥) هذا التسكين على وجهين: أحدهما: التسكين لتوالي الحركات. والثاني: أنه مجزوم عطفاً على ((يؤمنوا))، (١) المحرر ١٣٠/٦. (٢) البحر ٢٠٤/٤. (٣) انظر: البحر ٢٠٤/٤. (٤) الكشاف ٤٤/٢. (٥) الإملاء ٢٥٨/١. ١١١ - الأنعام - والمعنى: جزاء على كفرهم، وأنه لم يذرْهم في طغيانهم بل بَيِّنَ لهم)). وهذا الثاني ليس بظاهر. و((يَعْمَهون)) في محلِّ حال أو مفعول ثان؛ لأن الترك بمعنى التصيير. آ. (١١١) قوله تعالى: ﴿قبلاً﴾: قرأ نافع(١) وابن عامر («قبلاً)» هنا وفي الكهف(٢) بكسر القاف وفتح الباء، والكوفيون هنا وفي الكهف بضمها، وأبو عمرو وابن كثير بضمها هنا وكسر القاف وفتح الباء في الكهف، وقرأ الحسن البصري وأبو حَيْوة وأبورجاء بالضم والسكون. وقرأ أُبَيّ والأعمش ((قبيلاً)) بياء مثناة من تحت بعد باء موحدة مكسورة. وقرأ طلحة بن مصرف ((قبلا)) بفتح القاف وسكون الباء. فأمّا قراءة نافع وابن عامر ففيها وجهان، أحدهما: أنها بمعنى مُقَابلة أي: معايَنَةً ومُشَاهَدَةً، وانتصابه على هذا على الحال، قاله أبو عبيدة(٣) والفراء (٤) والزجاج(٥)، ونقله الواحدي أيضاً عن جميع أهل اللغة يقال: ((لَقِيته قِبَلًاً)» أي عِياناً. وقال ابن الأنباري: ((قال أبو ذر: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم أنبيّاً كان آدم؟ فقال: نعم كان نبياً، كلَّمه الله قِبَلاً)) وبذلك فَسَّرها ابن عباس وقتادة وابن زيد، ولم يَحْكِ الزمخشري(٦) غيره فهو مصدر في موضع الحال كما تقدَّم. والثاني: أنها بمعنى ناحية وجهه، قاله المبرد وجماعة من أهل اللغة كأبي زيد، وانتصابه حينئذٍ على الظرف كقولهم: لي قِبَلُ فلان دَيْنٌ، - (١) انظر: السبعة ٢٦٥؛ والكشف ٤٤٦/١؛ والنشر ٢٥٢/٢؛ والحجة ٢٦٧؛ والبحر ٤ / ٢٠٥. (٢) في الآية ٥٥ . (٣) مجاز القرآن ٢٠٤/١ . (٤) معاني القرآن ٣/٥١/١. (٥) معاني القرآن ٣١١/٢. (٦) الكشاف ٤٥/٢. ١١٢ - الأنعام - وما قِبَلك حق. ويقال: لَقِيْتُ فلاناً قِبَلًا ومُقابلةً وَقُبُلًا وقُبَلا وقَبْلِيّاً وقبيلاً، كلُّه بمعنى واحد، ذكر ذلك أبوزيد وأتبعه بكلام طويلٍ مفيد فَرَحِمَه الله تعالى وجزاه خيراً . وأمَّا قراءة الباقين هنا ففيها أوجه أحدها: أن يكون ((قُبُلَا)) جمع قبيل بمعنى كفيل كرَغيف ورُغُف وقضيب وقُضُب ونَصِيب ونُصُب. وانتصابه حالاً قال الفراء(١) والزجاج (٢): ((جمع قبيل بمعنى كفيل أي: كفيلاً بصدق محمد عليه السلام))، ويُقال: قَبَلْتُ الرجل أَقْبَلُه قَبالة بفتح الباء في الماضي والقاف في المصدر أي: تكفّلْت به والقبيل والكفيل والزعيم والْأَذِين والضمين والحَمِيل بمعنى واحد، وإنما سُمِّيت الكفالة قَبالة لأنها أوكد تَقَبُّل، وباعتبار معنى الكفالة سُمِّ العهدُ المكتوب قَبالة. وقال الفراء (٣) في سورة الأنعام: ((قُبُلًا)) جمع ((قبيل)) وهو الكفيل)). قال: ((وإنما اخترت هنا أن يكون القُبُل في معنى الكفالة لقولهم ((أوتأتيَ بالله والملائكة قَبِيلاً)) (٤) يَضْمَنُون ذلك. الثاني: أن يكون جمع قبيل بمعنى جماعةً جماعةٌ أو صنفاً صنفاً، والمعنى: وحَشَرْنا عليهم كلَّ شيء فَوْجاً فوجاً ونوعاً نوعاً من سائر المخلوقات . الثالث: أن يكون ((قُبُلًا)) بمعنى قِبَلًا كالقراءة الأولى في أحد وجهيها وهو المواجهة أي: مواجهةً ومعاينةً، ومنه ((آتيك قُبُلًا لا دُبُراً)) أي: آتيك من قِبَل وجهك، وقال تعالى: ((إن كان قميصه قُدَّ مِنْ قُبُل))(٥) وقُرِىء ((القُبُل (١) معاني القرآن ٣٥٠/١. (٢) معاني القرآن ٣١١/٢. (٣) معاني القرآن ٣٥٠/١. (٤) الآية ٩٢ من الإِسراء. (٥) الآية ٢٦ من يوسف. ١١٣ - الأنعام - عِدَّتِهِنَّ))(١) أي: لاستقبالها. وقال الفراء (٢): ((وقد يكون قُبُلًا: من قِبَل. وجوههم) . وأمَّا الذي في الكهف فإنه يَصِحُّ فيه معنى المواجهة والمعاينة والجماعة صنفاً صنفاً؛ لأن المراد بالعذاب الجنس وسیأتي له مزيد بيان. و ((قُبُلَا)) نصب على الحال - كما مَرَّ - مِنْ ((كلَّ))(٣) وإن كان نكرةً لعمومه وإضافته، وتقدَّم أنه في أحد أوجهه يُنْصَبُ على الظرف عند المبرد. وأمَّا قراءة الحسن (٤) فمخفّفةٌ من المضموم، وقرأه أُبَيُّ بالأصل(٥) وهو المفرد. وأمَّا قراءة طلحة(٦) فهو ظرفٌ مقطوعٌ عن الإِضافة معناه: أويأتي بالله والملائكة قَبْلَه، ولكن كان ينبغي أن يُبْنَى لأن الإِضافة مُرادة. وقوله: ((ما كانوا)) جواب ((لو)) وقد تقدَّم أنه إذا كان منفيًّاً امتنعَتِ اللام. وقال الحوفي: ((التقدير لَمَا كانوا، حُذِفَتْ اللام وهي مرادةٌ»، وهذا ليس بجید لأن الجوابَ المنفيَّ بـ ((ما)) يَقِلُّ دخولُها بل لا يجوز عند بعضهم، والمنفيُّ بـ ((لم) ممتنع البتة. وهذه اللام(٧) لام الجحود جارَّةٌ للمصدر المؤول من (أَنْ)) والمنصوب بها، وقد تقدَّم تحقيق هذا كلُّه بعَوْن الله تعالى. قوله ((إلا أَنْ يُشاءَ الله)) يجوز أن يكون متصلاً أي: ما كانوا ليؤمنوا في سائرِ الأحوال إلا في حال مشيئة الله أو في سائر الأزمان إلا في زمان مشيئته. (١) الآية ١ من الطلاق ((فطلقوهن لعدتهن)). قال القرطبي ١٥٣/١٨: ((وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم)). (٢) معاني القرآن ٣٥٠/١. (٣) أي صاحب الحال ((كل شيء)). (٤) أي: قُبْلاً. (٥) أي: قبيلاً. (٦) أي: قَبْلًاً. (٧) أي : في ليؤمنوا . ١١٤ - الأنعام - وقيل: إنه استثناء من علة عامة أي: ما كانوا ليؤمنوا لشيء من الأشياء إلا لمشيئة الله تعالى. والثاني: أن يكون منقطعاً، نقل ذلك الحوفي وأبو البقاء(١) واستبعده الشيخ (٢). آ. (١١٢) قوله تعالى: ﴿وكذلك﴾: الكافُ في محل نصب نعتاً المصدر محذوف، فقدَّره الزمخشري(٣) / كما خَلَّيْنا بينك وبين أعدائك كذلك [٣٤٦/ب] فَعَلْنا بِمَنْ قَبْلك))، وقال الواحدي: (وكذلك)) منسوقٌ على قوله ((وكذلك زَيِّنًا)) (٤) أي: كما فَعَلْنا ذلك كذلك جَعَلْنا لكلِّ نبيّ عدوًّا)). ثم قال: ((وقيل: معناه جَعَلْنا لك عدواً كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء، فيكون قولُه ((وكذلك)) عَطْفاً على معنى ما تَقَدَّم من الكلام، وما تقدَّم يدلُّ على معناه على أنه جعل له أعداءً و((جَعَل)) يتعدَّى لاثنين بمعنى صَيَّر. وأعرب الزمخشري(٥) وأبو البقاء(٦) والحوفي هنا نحوَ إعرابِهم في قوله تعالى: ((وجَعَلُوا للهِ شركاءَ الجنَّ))(٧) فيكونُ المفعول الأول ((شياطين الإِنس)) والثاني ((عَدُوًّا))، و((لكلِّ)) حال من ((عدوًّا)) لأنه صفتُه في الأصل، أو متعلَّق بالجَعْلِ قبلَه، ويجوز أن يكون المفعول الأول ((عدوًّا)) و((لكلِّ)) هو الثاني قُدِّم، و((شياطين)) بدل من المفعول الأول. والإِضافة في ((شياطين الإِنس)) يُحتمل أن تكونَ من باب إضافة الصفة الموصوفها، والأصل: الإِنس والجن الشياطين نحو: جَرْد قطيفة، ورجَّحْتُه بأنَّ المقصودَ التَّسَلِّ والانِّساء بمن سَبَق من الأنبياء إذ كان في أممهم مَنْ يُعادلهم (١) الإملاء ٢٥٨/١. (٢) البحر ٢٠٦/٤. (٣) الكشاف ٤٥/٢/٤. (٤) الآية ١٠٨ من الأنعام. (٥) الكشاف ٤٥/٢. (٦) الإملاء ٢٥٨/١. (٧) الآية ١٠٠ من الأنعام. ١١٥ - الأنغام- كما في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون من الإِضافة التي بمعنى اللام، وليست من باب إضافة صفة لموصوف، والمعنى: الشياطين التي للإِنس، والشياطين التي للجن، فإنَّ إبليس قسَّم جنده قسمين: قسمٌ مُتَسَلِّط على الإِنس، وآخر على الجن كذا جاء في التفسير، ووقع ((عَدُوَّا)) مفعولاً ثانياً. لشياطين على أحد الإِعرابين بلفظ الإِفراد لأنه يكتفي به في ذلك، وتقدَّم شواهده ومنه(١): ٢٠٣٣- إذا أنا لم أَنْفَعْ صديقي بودِّه فإنَّ عدوِّي لن يَضُرَّهُمُ بُغْضي فأعاد الضمير مِنْ ((يَضُرَّهُم)) على ((عدّو)) فدلَّ على جمعيته. قوله ((يوحي)) يحتمل أن يكون مستأنفاً أخبر عنهم بذلك، وأن يكون. حالاً من ((شياطين)) وأن يكون وصفاً لعدو، وقد تقدَّم أنه واقع موقع أعداء، فلذلك عاد الضمير عليه جمعاً في قوله ((بعضهم)) . قوله ((غُروراً) قيل: نصبُ على المفعول له أي: لِأَنْ يَغُرُّوا غيرهم. وقيل: هو مصدرٌ في موضع الحال أي غارِّين، وأن يكون منصوباً على: المصدر، لأن العاملَ فيه بمعناه كأنه قيل: يَغُرُّون غُروراً بالوحي. والزخرف: الزينة، وكلامٌ مُزَخْرَف مُنَمَّق، وأصلُه الذَّهب، ولمَّا كان الذهب مُعْجِباً لكل أحد قيل لكل مُسْتَحْسَن مزيَّن: زخرف. وقال أبو عبيدة(٢) (كلُّ ما حَسَّنْتَه وزَيَّنْتَه وهو باطل فهو زُخْرف)) وهذا لا يلزم إذ قد يُطْلق على ما هو زينةٌ حَقٌّ، وبيت مزخرف أي: مُزَيَّنُ بالنقش، ومنه الحديث: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة حتى أَمَرَ بالزخرف فَنُحِّي))(٣) يعني أنهم (١) لم أهتد إلى قائله وهو في تفسير الفخر الرازي ١٥٤/١٣؛ والبحر ٢٠٧/٤. (٢) مجاز القرآن ٢٠٥/١. (٣) لم أجده. ١١٦ - الأنعام - كانوا يزينون الكعبة بنقوش وتصاوير مُمَوَّهة بالذهب فَأُمِرْنا بإخراجها. قوله: (وما يَفْتَرُوْن)) ((ما)) موصولةٌ اسميةٌ أو نكرةٌ موصوفة، والعائدُ على كلا هذين القولين محذوف، أي: وما يفترُونه، أو مصدرية، وعلى كلِّ قول فمحلُّها نصبٌ، وفيه وجهان أحدهما: أنها نسقٌّ على المفعول في ((فَذَرْهُمْ)) أي: اتركهمْ واترك افتراءهم. والثاني: أنها مفعول معه، وهو مرجوحٌ لأنه متى أَمْكَنَ العطفُ من غير ضعف في التركيب أو في المعنى كان أَوْلَى من المفعول معه . آ. (١١٣) قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى﴾: في هذهِ اللام ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها لامُ كي والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار أَنْ. وفيما يتعلَّق به احتمالان: الاحتمال الأول أن يتعلق بُيُوحي على أنها نَسَقُ على ((غروراً))، وغروراً مفعول له والتقدير: يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ للغرور وللصَّغْو، ولكن لمَّا كان المفعول له الأول مستكمِلا لشروط النصب نُصِب، ولما كان هذا غيرَ مستكملٍ للشروط وَصَلَ الفعلُ إليه بحرف العلة، وقد فاته من الشروط كونُه لم يتُّحد فيه الفاعل، فإنَّ فاعلَ الوحي ((بعضهم)) وفاعلَ الصَّغْوِ الأفئدة، وفات أيضاً من الشروط صريحُ المصدرية. والاحتمالُ الثاني: أن يتعلَّق بمحذوف متأخرٍ بعدها، فقدَّره الزجاج(١): ولَتَصْغى إليه فَعَلُوا ذلك، وكذا قدَّرَه الزمخشري(٢) فقال: ((ولتصغى جوابُه محذوف تقديره: وليكونَ ذلك جَعَلْنا لكلِّ نبيّ عدُوَّاً، على أن اللام لام الصيرورة». الوجه الثاني: / أن اللام لام الصيرورة وهي التي يعبرون عنها بلام [٣٤٧/أ] العاقبة، وهو رأيُ الزمخشري(٣) كما تقدَّم حكايته عنه أيضاً. (١) لم يرد هذا القول في كتابه معاني القرآن. (٢) الكشاف ٤٥/٢. (٣) الكشاف ٤٥/٢. ١١٧ - الأنعام - الوجه الثالث: أنها لامُ القسم. قال أبو البقاء(١): ((إلا أنها كُسِرَتْ لمَّا لم يؤكّد الفعل بالنون)) وما قاله غيرُ معروفٍ، بل المعروفُ في هذا القول: أنَّ هذه لامُ كي، وهي جواب قسم محذوف تقديره: والله لَتَصْغَى فوضع (لِتَصْغَى)) موضع لَتَصْغَيَنَّ، فصار جواب القسم من قبيل المفرد كقولك : : ((واللهِ لَيقومُ زيدٌ)) أي: أحلفُ بالله لَقيامُ زيد، هذا مذهبُ الأخفش وأنشد (٢): ٢٠٣٤ - إذا قلتُ قَدْني قال بالله حِلْفَةً لِتُغْنِيَ عني ذا إنائك أجمعا فقوله ((لتُغْني)) جوابُ القسم، فقد ظهر أن هذا القائل يقول بكونها لامَ كي، غايةُ ما في الباب أنها وقعت موقع جواب القسم لا أنها جواب بنفسها، وكُسِرَتْ لَمَّا حَذَفَتْ منها نون التوكيد، ويدلُّ على فساد ذلك أن النونَ قد حُذِفَتْ، ولامَ الجواب باقيةٌ على فتحها قال(٣): ٢٠٣٥ - لَئِنْ تَكُ قد ضاقَتْ عليكم بيوتُكُمْ لَيَعْلَمُ ربِّي أَنَّ بيتِيَ واسعُ فقوله (لَيَعْلَمُ)) جوابُ القسم الموظّأ له باللام في ((لئنْ))، ومع ذلك فهي مفتوحةٌ مع حَذْفِ نون التوكيد، ولتحقيقِ هذه المسألةِ مع الأخفش موضوعٌ غيرُ هذا. والضمير في قوله ((ما فعلوه)) وفي ((إليه)) يعود: إمَّا على الوحي، وإمَّا على الزخرف، وإمَّا على القول، وإمَّا على الغرور، وإمّا على العداوة لأنها بمعنى (١) الإملاء ٢٥٨/١. (٢) البيت لجريث بن عناب الطائي، وهو في معاني القرآن للأخفش ٣٣٤؛ والمغني ٢٧٨/١؛ والخزانة ٥٨٠/٤. وقدني: حسبي. (٣) تقدم برقم ٦٦٣ . ... .. ١١٨ - الأنعام - التعادي. ولتصغى أي تميل، وهذه المادة تدل على الميل ومنه قوله تعالى ((فقد صَغَتْ قلوبكم))(١) وفي الحديث: ((فأصغى لها الإِناء))(٢)، وصاغِيَةُ الرجل قرابته الذين يميلون إليه، وعين صَغْوى أي: مائلة، قال الأعشى(٣): ٢٠٣٦ - ترى عينها صَغْواءَ في جَنْبِ مُؤْقِها تُراقب في كَفِّي القطيعَ المحرَّما والصَّغا: مَيْلٌ فِي الحَنَّك والعين، وصَغَت الشمس والنجوم: أي مالت الغروب. ويقال: صَغَوْتُ وصَغِيْتُ وصَغَيْتُ، فاللام(٤) واو أوياء، ومع الياءِ تُكْسَرُ غين الماضي وتُفْتَحُ. قال الشيخ(٥): ((فمصدرُ الأول صَغْوٌ، والثاني صُغِيٍّ، والثالث صَغّاً، ومضارِعُها يَصْغَى بفتح العين)) قلت: قد حكى الأصمعي في مصدر صَغَا يَصْغُو صَغّاً، فليس ((صَغَا)) مختصاً بكونِهِ مصدراً لـ ((صَغِي)) بالكسر. وزاد الفراء (٦) ((صُغِيَّا)) و ((صُغُوَّا)) بالياء والواو مُشَدَّدتين. وأمَّا قولُه (ومضارعُها أي مضارع الأفعال الثلاثة يَصْغَى بفتح العين، فقد حكى أبو عبيد عن الكسائي صَغَوْتُ أصغو، وكذا ابن السكيت(٧) حكى: صَغَوْتُ أَصْغُو، فقد خالفوا بين مضارعِها، وصَغَوْت أَصْغُو هو القياس الفاشي، فإنَّ فَعَل المعتل اللام بالواو قياسُ مضارعِهِ يَفْعُل بضم العين. وقال الشيخ(٨) أيضاً: ((وهي - يعني الأفعال الثلاثة - لازمة)) أي؛ لا تتعدَّى، وأصغى مثلُها (١) الآية ٥ من التحريم. (٢) رواه أبو داود (الطهارة باب سؤر الهرة ٣٨) ٦٠/١؛ ابن ماجه: (الطهارة ٣٢) ١٣١/١؛ ابن حنبل ٢٩٦/٥. (٣) ديوانه ٣٣١. المؤق: طرف العين مما يلي الأنف. القطيع: السوط. (٤) الأصل: ((فالعین)) ولعله سهو. (٥) البحر ٢٠٥/٤. (٦) ليس في كتابه ((معاني القرآن)). (٧) إصلاح المنطق ٢١٥ . (٨) البحر ٤ /٢٠٥. ١١٩ - الأنعام - لازم، ويأتي متعدِّياً فتكون الهمزة للنقل، وأنشد على ((أَصْغَى)) اللازم قول الشاعر(١): ٢٠٣٧ - ترى السَّفِيهَ به عن كل مُحْكِمَةٍ زَيْغٌ وفيه إلى التشبيه إصغاء قلت: ومثلُه قول الآخر(٢): ٢٠٣٨ - تُصْغِي إذا شدَّها بالرَّحْلِ جانحةٌ حتى إذا ما استوى في غَرْزِها تَئِبُ وتقول: أصغى فلانٌ بأذنه إلى فلان. وأنشد(٣) على ((أصغى)) المتعدي قول الآخر (٤): ٢٠٣٩ - أَصاخٌ مِنْ نَبْأَةٍ أَصْغى لها أُذُنَاً صِماخُها بدخيس الذوق مستور قلت: وفي الحديث(٥) ((فأصغى لها الإِناء»، وهذا الذي زعمه مِنْ كون صغَى أو صَغِيَ أو صَغَا يكون لازماً غير موافق عليه، بل قد حكى الراغب(٦) أنه يقال: صَغَيْتُ الإِناء وأصغيتُه، وصَغِيت بكسر الغين يحتمل أن يكون من ذوات الياء، ويحتمل أن يكون من ذوات الواو، وإنما قُلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كقَوِي وهو من القوة. وقراءة النخعي (٧) والجراح بن عبدالله: (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٦٩/٧؛ والبحر ٢٠٥/٤. (٢) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ٤٨/١؛ واللسان: صغي؛ والقرطبي ٦٩/٧. والجانحة: اللاصقة: بالأرض، والغرز: ركاب الناقة . (٣) أي صاحب البحر الشيخ أبو حيان ٢٠٥/٤. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٠٥/٤. والصماخ: خرق الأذن، والدَّخيس: اللحم الكثير، والنبأة: الصوت الخفيّ . (٥) تقدم تخريجه في أول حديثه عن هذه المادة. (٦) المفردات ٢٨٢. (٧) انظر: المحتسب ٢٢٧/١؛ والبحر ٢٠٨/٤. ١٢٠