Indexed OCR Text

Pages 41-60

- الأنعام -
وهناك سؤال وجوابه. وقرأ(١) أبو حيوة: ((سَأُنَزِّل)) مضعفاً. وقوله: ((مثلَ)) يجوز
فيه وجهان أحدهما: أنه منصوبٌ على المفعول به أي: سأنزل قرآناً مثل
ما أنزل الله، و((ما)) على هذا موصولة اسمية أو نكرة موصوفة أي: مثل الذي
أنزله أو مثل شيء أنزله. والثاني: أن يكون نعتاً لمصدر محذوف تقديره:
سأنزل إنزالاً مثل ما أنزل الله، و((ما)) على هذا مصدرية أي: مثل إنزال الله،
و ((إذ)) منصوبٌ بـ ((ترى))، ومفعول الرؤية محذوف أي: ولو ترى الكفار
أو الكذَبة، ويجوز أن لا يُقَدَّر لهامفعول أي: ولو كنت من أهل الرؤية في هذا
الوقت، وجواب ((لو)) محذوف أي: لَرَأَيْتَ أمراً عظيماً. و((الظالمون)) يجوز أن
تكون فيه أل للجنس، وأن تكون للعهدِ، والمراد بهم مَنْ تقدَّم ذكرُه من
المشركين واليهود والكذّبَة المفترين.
و ((في غَمَرات الموت)) خبر المبتدأ، والجملة في محل خفض بالظرف.
والغَمَرات: جمع غَمْرة وهي الشدة المفظعة، وأصلها مِنْ غَمَرَهُ الماء
إذا ستره، كأنها تستر بغمِّها وتنزل به، قال(٢):
١٩٨٢- ولا يُنْجي من الغَمَراتِ إلَّ بَرَاكاءُ القتالِ أو الفرارُ
وتجمع على غُمَر كعَمْرةٍ وَعُمَر، قال(٣):
وحان لتالِكَ الْغُمَرِ انقشاعُ
١٩٨٣-
ويروى («انحسار)). وقال الراغب(٤): ((أصل الغَمْر إزالة أثر الشيء،
(١) البحر ٤ /١٨١.
(٢) البيت لبشربن أبي خازم وهو في ديوانه ٧٩؛ والطبري ٥٣٨/١١؛ وابن يعيش
٤ /٥٠؛ والسان: برك؛ والخزانة ٣٥٩/٣. البراكاء: الثبات في الحروب.
(٣) تقدم برقم ٣٧٠.
(٤) المفردات ٣٦٥.
٤١

- الأنعام -
ومنه قيل للماء الكثير الذي يزيل أثر سيله غَمْر وغامِر، وأنشد غيرُ الراغب على غامر(١):
١٩٨٤- نصفَ النهارُ الماءُ غامِرُهُ ورفيقُه بالغيب لا يدري
ثم قال: ((والغَمْرَة معظمُ الماء لسَتْرها مقرَّها، وجُعِلت مثلاً للجهالة التي
تغمر صاحبها)). والغَمْر: الذي لم يجرِّبْ الأمور وجمعه أغمار، والغِمْر:
- بالكسر - (٢) الحقد، والغَمْر بالفتح الماء الكثير، والغَمَر بفتح الغين والميم
ما يغمر من رائحة الدسم سائرَ الروائح، ومنه الحديث: ((من بات وفي يديه
غَمَر))(٣)، وغَمِرَت يده وغَمِر عرضه دنسٌ، ودخلوا في غُمار الناس وخمارهم،
والغُمْرَةَ ما يُطْلَى به من الزَّعْفَران، ومنه قيل للقَدَح الذي يُتناول به الماء:
غُمَرٌ، وفلان مغامِرٌ: إذا رَمى بنفسه في الحرب: إمَّا لتوغَّله وخوضه فيه، وإمَّا
لتصور الغَمارة منه.
قوله: ((والملائكة باسِطُو)) جملة في محل نصب على الحال من الضمير
المستكنَّ في قوله ((في غَمَرات)) و((أيديهم)) خفض لفظاً وموضعه نصب،
وإنما سقطت النون تخفيفاً.
قوله: ((أَخْرِجوا)) منصوب المحل بقول مضمر، والقول يُضْمر كثيراً
تقديره: يقولون: أخرجوا، كقوله: ((يَدْخلون عليهم من كل باب سلامٌ
عليكم)) (٤) أي: يقولون: سلامٌ عليكم، وذلك القول المضمر في محل نصبٍ
على الحال من الضمير في ((باسطو)).
:
(١) البيت للأعشى وليس في ديوانه، وهو في أدب الكاتب ٢٧٨؛ وشرح أدب الكاتب
٢٧٩؛ وأمالي الشجري ١٩٠/٢؛ وابن يعيش ٦٥/٢؛ والمغني ٥٥٩؛ ورصف المباني
٤١٩؛ والأشموني ١٩٢/٢؛ والهمع ٢٤٦/١؛ وشواهد المغني ٨٧٨؛ والخزانة
٢٣٣/٣؛ والدرر ٢٠٣/١؛ ونصف: انتصف، والبيت في وصف غائص لطلب اللؤلؤ.
(٢) ضبطت في مطبوعة الراغب بالفتح .
(٣) رواه ابن ماجه: الأطعمة ٢٢ (١٠٩٦/٢)؛ أحمد ٢٦٣/٢.
(٤) الآية ٢٣ من الرعد.
٤٢

- الأنعام -
قوله: ((اليوم تُجْزَون)) في هذا الظرف وجهان، أحدهما: أنه منصوب
بـ ((أخْرِجوا)) بمعنى أخرجوها من أبدانكم، فهذا القول في الدنيا، ويجوز أن
يكونَ في يوم القيامة، والمعنى: خلِّصوا أنفسكم من العذاب، فالوقف على
قوله ((اليوم)). والابتداءُ بقوله ((تجزون عذاب الهون)). والثاني: أنه / منصوب [٣٣٣/ب]
بتُجْزون، والوقف حينئذ على ((أنفسكم))، والابتداء بقوله ((اليوم)) والمراد باليوم
يحتمل أن يكون وقت الاحتضار وأن يكون يوم القيامة، و((عذابَ)) مفعول ثان
والأول قائم مقام الفاعل، والهُون: الهَوان، قال تعالى: ((أَيُمْسِكه على
هُون))(١)، وقال ذو الإِصبع(٢):
١٩٨٥- اذهَبْ إليك فما أمي براعيةٍ
ترعى المَخَاضَ ولا أُغْضي على الهُون
وقالت الخنساء(٣):
١٩٨٦- يُهِينُ النفوسَ وهُونُ النفو سِ يومَ الكريهة أَبْقَى لها
وأضاف العذابَ إلى الهُون إيذاناً بأنه متمكن فيه، وذلك أنه ليس كلُّ
عذابٍ يكون فيه هُون، لأنه قد يكون على سبيل الزجر والتأديب، ويجوز أن
يكون من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفته، وذلك أن الأصل: العذاب الهون،
وصفَه به مبالغةً ثم أضافه إليه على حدٍّ إضافته في قولهم: بقلة الحمقاء
ونحوه. ويدل على أن الهُون بمعنى الهوان قراءة(٤) عبدالله وعكرمة له كذلك.
قوله: ((بما كنتم)) ((ما)» مصدريةٌ أي: بكونكم قائلين غير الحق وكونكم
مستكبرين. والباء متعلقة بتُجْزون أي بسببه. و ((غير الحق)) نصبُه من وجھین،
(١) الآية ٥٩ من النحل.
(٢) البيت في تفسير الطبري ٥٤٢/١١؛ والأمالي ٢٥٦/١؛ واللسان: هون.
(٣) ديوانها ٢١٥؛ والطبري ٥٤٢/١١؛ واللسان: هون.
(٤) البحر ١٨١/٤.
٤٣

- الأنعام -
أحدهما: أنه مفعول به أي: تذكرون غير الحق. والثاني: أنه نعت مصدرٍ
محذوفٍ أي: تقولون القول غير الحق. وقوله: ((وكنتم)) يجوز فيه وجهان،
أحدهما :- وهو الظاهر - أنه عطف على ((كنتم)) الأولى فتكون صلةً لـ ((ما))
كما تقدم. والثاني: أنها جملة مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. و ((عن آياته))
متعلق بخبر كان، وقُدِّم لأجل الفواصل.
آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿فرادى﴾: منصوب على الحال من فاعل.
«جئتمونا)»، وجئتمونا فيه وجهان، أحدهما: أنه بمعنى المستقبل أي : تجیئوننا،
وإنما أبرزه في صورة الماضي لتحقُّقه كقوله تعالى: ((أتى أمر الله))(١) (ونادى
أصحاب الجنة))(٢) . والثاني: أنه ماضٍ والمراد به حكاية الحال بين يدي الله
تعالی یوم یقال لهم ذلك، فذلك اليوم يكون مجيئهم ماضياً بالنسبة إلى ذلك اليوم.
واختلف الناس في ((فُرادى)) هل هو جمع أم لا؟ والقائلون بأنه جمع
اختلفوا في مفرده، فقال الفراء (٣): ((فُرادى جمع فَرْد وفريد وفَرِدٍ وَفَرْدان))
فجوّز أن يكون جمعاً لهذه الأشياء. وقال ابن قتيبة (٤): ((هو جمع فَرْدان
کسگران وسُکاری، وعَجلان وُجالى)). وقال قوم: هو جمع فرید کرديف
ورُدَافى، وأسير وأُسارى، قاله الراغب (٥)، وقيل: هو جمعٍ فَرَد بفتح الراء،
وقيل بسكونها، وعلى هذا فألفُّه للتأنيث كألف سُكارى وأُسارى، فَمِنْ ثَمَّ
لم ينصرف، وقيل: هو اسم جمع؛ لأنَّ فَرْداً لا يجمع على فُرادى، وقول من :
قال: إنه جمع له فإنما يريد في المعنى، ومعنى ◌ُرادى: فرداً فرداً، فإذا
قلت: جاء القوم فُرادى فمعناه واحداً واحداً، قال الشاعر(٦):
(١) الآية ١ من النحل:
(٢) الآية ٤٤ من الأعراف.
(٣) لم يشر إلى ذلك في معاني القرآن.
(٤) تفسير غريب القرآن ١٥٧.
(٥) المفردات ٣٧٥.
(٦) تقدم برقم ٢٣٥ .
٤٤

- الأنعام -
١٩٨٧ - ترى النُّعَراتِ الزُّرْقَ تحت لّبانِه
فُرادى ومثنى أَنْقَلَتْهَا صواهِلُهْ
ويقال: فَرِد يَفْرُد فُروداً فهو فارِدٌ وأفردته أنا، ورجل أفرد وامرأة فرداء
كأحمر وحمراء، والجمع على هذا فُرْد كحُمْر، ويقال في فرادى: فُراد على
زِنَةٍ فُعال فينصرف، وهي لغة تميم، وبها قرأ(١) عيسى بن عمر وأبو حيوة:
((ولقد جِئْتُمونا فُرَادً)) وقال أبو البقاء (٢) ((وقرىء في الشاذ بالتنوين على أنه اسم
صحيح، يقال في الرفع فُراد مثل نُوام ورُجال(٣) وهو جمع قليل)) انتهى،
ويقال أيضاً: ((جاء القوم فُرادَ)) غير منصرف فهو كأُحاد ورُباع في كونه معدولًا
صفة، وهي قراءة شاذة هنا (٤). وروى(٥) خارجة عن نافع وأبي عمرو كليهما
أنهما قرآ ((فَرْدى)) مثل سَكْرى اعتباراً بتأنيث الجماعة كقوله تعالى: ((وترى
الناس سَكْرى وما هم بسَكْرى»(٦) فهذه أربع قراءات: المشهورة فرادى، وثلاث
في الشاذ: فُراداً کرُجال، فُرادَ كأُحادَ، وفَرْدی کسکری.
قوله: ((كما خَلَقْناكم)) في هذه الكاف أوجه، أحدها: أنها منصوبةٌ
المحل على الحال من فاعل ((جئتمونا))، فَمَنْ أجاز تعدد الحال أجاز ذلك من
غير تأويل، ومَنْ منع ذلك جَعَلَ الكافَ بدلاً من ((فُرادى)). الثاني: أنها في
محل نصب نعتاً لمصدرٍ محذوف أي: مجيْتُنا مثل مجيئكم يوم خلقناكم،
وقدّره مكي(٧): ((منفردين انفراداً / مثل حالكم أول مرة)» والأول أحسن [٣٣٤/أ]
(١) المشكل لمكي ٢٧٨/١؛ والبحر ١٨٢/٤.
(٢) الإِملاء ٢٥٣/١.
(٣) هذا اللفظ لا معنى له أورده للوزن.
(٤) ذكرها صاحب البحر ١٨٢/٤ من دون نسبة. وقال في الشواذ ٣٩ ((حكاه أبو معاذ)).
(٥) الشواذ ٣٨.
(٦) الآية ٢ من الحج وهي قراءة حمزة والكسائي. السبعة ٤٣٤.
(٧) المشكل ٢٧٨/١ .
٤٥

- الأنعام -
لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة الوصف عليه. الثالث: أن
الكاف في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في فرادى أي:
مشبهين ابتداء خلقكم، كذا قدَّره أبو البقاء(١)، وفيه نظر؛ لأنهم لم يُشَبَّهوا
بابتداء خلقهم، وصوابه أن تقدر مضافاً أي: مُشْبِهةً حالكم حال ابتداء.
خلقكم .
قوله ((أولَ مرة)) منصوب على ظرف الزمان والعامل فيه: خلقناكم،
و ((مرة)) في الأصل مصدر لـ : مرَّ يَمُرُّ مَرَّة، ثم اتَّسع فيها فصارت زماناً، قال
أبو البقاء (٢): ((وهذا يدلُّ على قوة شبه الزمان، بالفعل)). وقال الشيخ(٣):
((وانتصب ((أول مرة)) على الظرف أي: أول زمان، ولا يتقدَّر أول خلق، لأنَّ
أولَ خَلْقِ يَسْتدعي خلقاً ثانياً، ولا يخلق ثانياً إنما ذلك إعادة لا خَلْقٌ)). يعني
أنه لا يجوز أن تكون المَرَّة على بابها من المصدرية، ويقدر أولَ مرةٍ من
الخلق لما ذكر.
قوله: ((وتَرَكْتُمْ) فيها وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب على الحال
من فاعل ((جِئْتُمونا))، و((قد)) مضمرة على رأيٍ ، أي: وقد تركتم. والثاني: أنها
لا محلَّ لها لاستئنافها، و(ما)) مفعولة بـ ((ترك))، و((مَنْ)) موصولة اسمية،
ويضعفُ جَعْلُها نكرةً موصوفة والعائد محذوف أي: ما خوَّلْناكموه، و((ترك)»
هنا متعدية لواحد لأنها بمعنى التخلية، ولو ضُمِّنَتْ معنى صيِّر تَعَدَّت لاثنين،
و ((خَوَّل)) يتعدى لاثنين لأنه بمعنى أعطى ومَلَّك.
والخَوَل: ما أعطاه الله من النِّعَمِ، قال أبو النجم (٤):
(١) الإملاء ٢٥٣/١.
(٢) الإملاء ٢٥٤/١.
(٣) البحر ١٨٢/٤.
(٤) البيت في اللسان: «خول)).
٤٦

- الأنعام -
١٩٨٨- كُومُ الذُّرَى مِن خَوَلِ المُخَوَّلِ
فمعنى خَوَّلْته كذا: مَلَّكته الخَوَل فيه، كقولهم: مَوَّلته أي: مَلَّكته
المال، وقال الراغب(١): ((والتخويل في الأصل: إعطاء الخَوّل، وقيل: إعطاء
ما يصير له خَوَلا، وقيل: إعطاء ما يَحتاج أن يتعهده، من قولهم: فلانٌ خالُ مالٍ
وخائل مال، أي: حسن القيام عليه)).
وقوله: ((وراء ظهوركم)) متعلق ((بتَرَكْتُم)) ويجوز أن يضمَّن ((ترك)) هنا
معنى صَيَّر فيتعدَّى لاثنين أولهما الموصول، والثاني: هذا الظرف فيتعلَّق
بمحذوف أي: وصيَّرتم الترك الذي خوَّلناكموه كائناً وراء ظهوركم .
قوله: ((وما نَرى)) الظاهر أنها المتعدية لواحد فهي بصرية، فعلى هذا
يكون (معكم)) متعلقاً بنرى، ويجوز أن يكون بمعنى علم، فيتعدّى لاثنين،
ثانيهما هو الظرف فيتعلَّق بمحذوف أي: ما نراهم كائنين معكم أي :
مصاحبيكم، إلا أن أبا البقاء (٢) استضعف هذا الوجه وهو كما قال؛ إذ يصير
المعنى: وما يعلم شفعاؤكم معكم، وليس المعنى عليه قطعاً. وقال
أبو البقاء(٣): ((ولا يجوز أن يكون - أي معكم - حالاً من الشفعاء،
إذ المعنى يصير أن شفعاءهم معهم ولا نراهم» وفيما قاله نظر لا يَخْفى: وذلك
أن النفي إذا دخل على ذات بقيد ففيه وجهان أحدهما: نفي تلك الذات
بقيدها، والثاني نفي القيد فقط دون نفي الذات، فإذا قلت: ((ما رأيت زيداً
ضاحكاً)) فيجوز أنك لم تَرَ زيداً البتة، ويجوز أنك رأيته من غير ضحك فكذا
هنا، إذ التقدير: وما نرى شفعاءكم مصاحبيكم، يجوز أن لم يروا الشفعاء البتة
ويجوز أن يَرَوْهم دون مصاحبيهم لهم، فمن أين يلزم أنهم يكونون معهم
(١) المفردات ١٦٣.
(٢) الإملاء ٢٥٤/١.
(٣) الإملاء ٢٥٤/١.
٤٧

- الأنعام -
ولا يرونهم من هذا التركيب؟ وقد تقدَّم تحقيق هذه القاعدة في أوائل البقرة
وفي قوله ((لا يسألون الناس إلحافاً)(١).
و ((أنهم))(٢) سادٌّ مَسَدَّ المفعولين لـ ((زعم))، و((فيكم)) متعلق بنفس
شركاء، والمعنى: الذين زعمتم أنهم شركاء الله فيكم أي: في عبادتكم أو في
[٣٣٤/ب] خلقكم لأنكم أشركتموهم / مع الله في عبادتكم وخلقكم. وقيل ((في)) بمعنى
((عند)) ولا حاجة إليه. وقيل: المعنى أنهم يتحملون عنكم نصيباً من العذاب
أي: شركاء في عذابكم إن كنتم تعتقدون فيهم أنكم إذا أصابكم نائبةٌ
شارکوکم فيها .
قوله: «بینکم»(٣) قرأ نافع والکسائي وعاصم في رواية حفص عنه:
(بينكم)) نصباً، والباقون: ((بينُكم)) رفعاً. فأمَّا القراءة الأولى ففيها سبعة أوجه،
أحسنها: أن الفاعل مضمر يعود على الاتصال، والاتصال وإن لم يكن مذكوراً
حتى يعود عليه ضميرٍ لكنه تقدَّم ما يدل عليه وهو لفظة ((شركاء))، فإن الشركة
تُشْعر بالاتصال، والمعنى: لقد تقطع الاتصال بينكم فانتصب ((بينكم)) على
الظرفية. الثاني: أن الفاعل هو ((بينكم)) وإنما بقي على حاله منصوباً حَمْلاً له
على أغلب أحواله وهو مذهب الأخفش(٤)، وجعلوا من ذلك أيضاً قوله
(يُفْصَلُ بينكم))(٥) فيمن بناه للمفعول، وكذا قوله تعالى: ((ومنا دونَ ذلك))(٦)
قال الواحدي: ((كما جرى في كلامهم منصوباً ظرفاً، تركوه على ما يكون عليه
في أكثر الكلام)) ثم قال : - في قوله ومنًّا دون ذلك ــ فدون في موضع رفع
(١) الآية ٢٧٣ من البقرة.
(٢) من قوله تعالى: ((زعمتم أنهم فيكم شركاء)).
(٣) انظر: السبعة ٢٦٣؛ الكشف ٤٤٠/١؛ النشر ٢٥١/٢؛ والحجة ٢٦١؛ والبخر
٠١٨٢/٤
(٤) ليس في كتابه ((معاني القرآن)) إشارة إلى ذلك.
(٥) الآية ٣ من الممتحنة وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو. السبعة ٦٣٣.
(٦) الآية ٣٣ من الجن.
٤٨
۔

- الأنعام -
عنده، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحون ومنا
الطالحون» .
إلا أن الناس لما حَكَوا هذا المذهب لم يتعرَّضوا لبناء هذا الظرف بل
صَرَّحوا بأنه معرب منصوب، وهو مرفوعُ المحل، قالوا: وإنما بقي على نصبه
اعتباراً بأغلب أحواله. وفي كلام الشيخ(١) لَمَّا حكى مذهب الأخفش
ما يصرح بأنه مبنيٌّ فإنه قال: «وخرَّجه الأخفش على أنه فاعل ولكنه مبني
حملاً على أكثر أحوال هذا الظرف. وفيه نظر لأن ذلك لا يصلح أن يكون علة
للبناء، وعللُ البناء محصورة ليس هذا منها، ثم قال الشيخ(٢): ((وقد يقال
لإضافته إلى مبني كقوله: ((ومنا دونَ ذلك))(٣) وهذا ظاهر في أنه جَعَل حَمْله
على أكثرٍ أحواله علةً لبنائه كما تقدم.
الثالث: أن الفاعل محذوف، و((بينكم)) صفة له قامت مقامه، تقديره: لقد
تقطّع وصلّ بينكم، قاله أبو البقاء (٤)، ورَدَّه الشيخ(٥) بأنَّ الفاعل لا يُحذف،
وهذا غيرُ ردِّ عليه، فإنه يعني بالحذف عدمَ ذكره لفظاً، وأن شيئاً قام مقامه فكأنه
لم يُحْذَفْ. وقال ابن عطية(٦): ((ويكون الفعل مسنداً إلى شيء محذوف،
أي: لقد تقطع الاتصال بينكم والارتباط ونحو هذا)»، وهذا وجه واضح، وعليه
فَسَّر الناس. وردَّه الشيخ بما تقدَّم. ويُجاب عنه بأنه عبر بالحذف عن الإِضمار
لأن كلّ منهما غير موجود لفظاً. الرابع: أنَّ ((بينكم)) هو الفاعل، وإنما بُني
لإضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى: ((إنه لحقٌ مثل مَا أنكم تنطقون))(٧) ففتح
(١) البحر ١٨٢/٤.
(٢) البحر ١٨٣/٤.
(٣) الآية ١١ من الجن.
(٤) الإملاء ١/ ٢٥٤.
(٥) البحر ١٨٣/٤.
(٦) المحرر ١١٣/٦.
(٧) الآية ٢٣ من الذاريات.
٤٩

- الأنعام-
((مثل)) وهو تابع لـ ((حق) المرفوع، ولكنه بُني لإضافته إلى غير متمكن،
وسيأتي في مكانه. ومثله قولُ الآخر (١):
مثلَ ما أثمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ
١٩٨٩ - تَتَداعى: مَنْخِراه بدَمٍ
بفتح ((مثل)» مع أنها تابعة لـ ((دم))، ومثله قول الآخر (٢):
١٩٩٠- لم يمنعِ الشُّربَ منها غيرَ أَنْ نطقَتْ
حمامةٌ في غصونٍ ذاتِ أوقال
بفتح ((غير)) وهي فاعل ((يمنع))، ومثله قول النابغة(٣):
١٩٩١- أتاني أبيتَ اللعنَ أنك لُمْتني
وتلك التي تَسْتَكُّ منها المسامَعُ
مقالةً أَنْ قدِ قلتَ سوف أنالُه
وذلك مِنْ تلقاء مثلِك رائِعُ
فمقالة بدل من ((أنك لمتني)) وهو فاعل، والرواية بفتح تاء ((مقالة))
لإِضافتها إلى أَنْ وما في حيِّزها.
الخامس: أن المسألة من باب الإِعمال، وذلك أن ((تَقَطَّع)) و((ضَلَّ))
كلاهما يتوجَّهان على ((ما كنتمْ تزعُمون)» كلَّ منهما يطلبه فاعلاً، فيجوز أن
تکون المسألة من باب إعمال الثاني ،وأن تکون من إعمال الأول، لأنه ليس هنا
قرينة تُعَيِّن ذلك، إلا أنك قد عرفت مما تقدَّم أن مذهب البصريين اختيار.
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في المقرب ١٠٢/١؛ وابن يعيش ١٣٥/٨؛ واللسان: حمض؛
ورصف المباني ٣١٢.
(٢) البيت لأبي قيس بن الأسلت، وهو في الكتاب ٣٦٩/١؛ وأمالي الشجري ٤٦/١؛
ابن يعيش ٨٠/٣؛ والخزانة ٤٥/٢؛ والهمع ٢١٩/١؛ والدرر ١٨٨/١؛ واللسان:
وقل.
(٣) ديوانه ١١١؛ والمغني ٦٧٣. والرائع: المفزع.
٥٠

- الأنعام -
إعمال الثاني، ومذهب الكوفيين بالعكس، وقد تقدَّم تقرير ذلك في البقرة،
فعلى اختيار البصريين يكون ((ضَلَّ)) هو الرافع لـ ((ما كنتم تزعمون)) واحتاج
الأول لفاعل فأعطيناه ضميرَه فاستتر فيه، وعلى اختيار الكوفيين يكون ((تقطّع))
هو الرافع لـ «ما كنتم تزعمون))، وفي ((ضلَّ)) ضميره فاعلًا به، وعلى
كلا القولين فـ ((بينكم)) منصوبٌ على الظرف وناصبه ((تقطّع)).
السادس: أن الظرف صلة الموصول محذوف تقديره: تقطع ما بينكم،
فحذف الموصول وهو ((ما)» وقد تقدَّم أن ذلك رأي الكوفيين، وتقدَّم
ما استشهدوا به عليه من القرآن وأبيات العرب، واستدل القائلُ / بذلك بقول [٣٣٥/أ]
الشاعر (١):
١٩٩٢- يُدِيرونني عن سالمٍ وأُديرُهمْ
وجِلْدَةُ بين الأنف والعينِ سالمُ
وبقول الآخر(٢):
١٩٩٣- ما بين عَوْفٍ وإبراهيمَ مِنْ نَسَبِ
إلا قرابةٌ بين الزنج والرومِ
تقديره: وجلدة ما بين، وإلا قرابة ما بين، ويدل على ذلك قراءة عبدالله
ومجاهد والأعمش: ((لقد تقطّع ما بينكم)).
السابع: قال الزمخشري(٣): ((لقد تقطع بينكم: لقد وقع التقطع
بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد
الفعل إلى مصدره بهذا التأويل)) انتهى. قوله: ((بهذا التأويل)) قولٌ حسن:
وذلك أنه لو أضمر في ((تقطع)) ضمير المصدر المفهوم منه لصار التقدير:
تقطع التقطع بينكم، وإذا تقطع التقطَّع بينهم حَصَل الوصل، وهو ضد
(١) البيت لأبي الأسود وهو في ديوانه ٢٥٠.
(٢) لم أقف عليه .
(٣) الكشاف ٣٦/٢.
٥١

- الأنعام -
المقصود فاحتاج أن قال: إن الفعل أسند إلى مصدره بالتأويل المذكور. إلا أن
الشيخ اعترض فقال(١): ((وظاهره أنه ليس بجيد، وتحريره أنه أسند الفعل إلى
ضمير مصدره فأضمره فيه، لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر فهو محذوف،
ولا يجوز حذف الفاعل، ومع هذا التقدير فليس بصحيح؛ لأن شرط الإِسناد
مفقود فيه وهو تغايرُ الحكم والمحكوم عليه)) يعني أنه لا يجوز أن يتحد الفعل
والفاعل في لفظ واحد من غير فائدة لا تقول: قام القائم ولا قعد القاعد
فتقول: إذا أسند الفعل إلى مصدره: فأمَّا إلى مصدره الصريح من غير إضمار
فيلزم حذف الفاعل، وأمَّا إلى ضميره فيبقى تقطّع التقطع، وهو مثل: قام
القائم، وذلك لا يجوز مع أنه يلزم عليه أيضاً فساد المعنى كما تقدم من أنه
يلزم أن يحصل لهم الوصل)» وهذا الذي أورده الشيخُ وقرَّرته مِنْ كلامه حتى
فُهِم لا يَرِدُ؛ لِما تقدم من قول الزمخشري على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا
التأويل، وقد تقدم ذلك التأويل.
وأما القراءة الثانية(٢) ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه اتَّسع في هذا
الظرفِ، فأُسند الفعل إليه فصار اسماً كسائر الأسماء المتصرف فيها، ويدل
على ذلك قوله تعالى: ((ومِنْ بيننا وبينك حجابٌ))(٣) فاستعمله مجروراً بـ ((مِنْ))
وقوله تعالى ((فراقُ بيني وبَيْنِك))(٤) ((مَجْمَعَ بينهما))(٥) ((شهادة بينكم))(٦).
وحكى سيبويه(٧): ((هو أحمر بين العينين)) وقال عنترة(٨):
(١) البحر ٤ /١٨٣.
(٢) أي: برفع بينكم
(٣) الآية ٥ من فصلت.
(٤) الآية ٧٨ من الكهف.
(٥) الآية ٦١ من الكهف.
(٧) الكتاب ١٠٠/١.
(٦) الآية ١٠٦ من المائدة.
(٨) ديوانه ١٩٩؛ شرح التبريزي على المعلقات ٢٨١. أقص: أكسر. والصلم: القطع من
الأصل، المنسم: الظفر.
٥٢

- الأنعام -
بقريب بينِ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّمٍ
١٩٩٤- وكأنما أَقِصُ الإِكامَ عشيةٌ
وقال مهلهل(١) :
بعيدةِ بين جالَيْها جَرُورٍ
١٩٩٥- كأنَّ رماحَنا أشطانُ بئرٍ
فقد اسْتُعْمِلَ في هذه المواضع كلها مضافاً إليه متصرَّفاً فيه فكذا هنا،
ومثله قوله(٢):
١٩٩٦-
وجِلْدَةُ بين الأنف والعين سالم
وقوله(٣):
إلا قرابةُ بين الزنج والروم
١٩٩٧-
وقوله (٤):
١٩٩٨- ولم يْرك النبلُ المُخالِفُ بينها
أخاًّ لاح [قد] يُرْجى وما ثورةُ الهندِ
يروى برفع ((بينها)) وفتحه على أنه فاعل لـ ((مخالف))، وإنما بني لإضافته
إلى مبنيّ، ومثلُه في ذلك: أمام ودون كقوله(٥):
١٩٩٩- فَغَدَتْ كلا الفَرْجَيْنِ تحسب أنَّه
مَوْلَى المخافةِ خَلْفُها وأمامُها
(١) أمالي القالي ١٣٢/٢؛ ومجالس العلماء ١٤٣؛ والمحتسب ١٩٠/٢؛ واللسان: بين.
والجال: ناحية البئر، والجرور: البعيدة.
(٢) تقدم برقم ١٩٩٢.
(٣) تقدم برقم ١٩٩٣.
(٤) لم أقف عليه، وفي الشطر الثاني نظر.
(٥) البيت من معلقة لبيد، وهو في الكتاب ٢٠٢/١؛ والمقتضب ١٠٢/٣؛ وابن يعيش
٤٤/٢؛ شذور الذهب ١٣٢؛ الهمع ٢١٠/١؛ والدرر ١٧٨/١؛ واللسان: كلا.
٥٣

- الأنغام-
برفع أمام، وقوله(١):
٢٠٠٠ - ألم تَرَ أني قد حَمَّيْتُ حقيقتي
وباشَرْتُ حدَّ الموتِ والموتُ دونُها
برفع ((دون)). الثاني: أن ((بين)) اسمٌ غير ظرف، وإنما معناها الوصل
أي: لقد تَقَطَّع وصلكم. ثم للناس بعد ذلك عبارتان تؤذن بأن ((بين)) مصدر
بان يبين بَيْناً بمعنى بَعُد، فيكون من الأضداد أي إنه مشترك اشتراكاً لفظياً
يُستعمل للوصل والفراق كالجَوْن الأسود والأبيض، ويُعْزى هذا لأبي عمرو
[٣٣٥/ب] وابن جني والمهدوي والزهراوي، وقال أبو عبيد: / ((وكان أبو عمرو يقول:
معنى تقطّع بينكم: تقطّع وصلكم، فصارت هنا اسماً من غير أن يكون معها
((ما)). وقال الزجاج(٢): ((والرفع أجود، ومعناه: لقد تقطّع وَصْلُكم))، فقد
أطلقوا (٣) هؤلاء أنَّ (بَيْن)) بمعنى الوصل، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
إلا أنَّ ابن عطية (٤) طعن فيه وزعم أنه لم يُسْمع من العرب ((البين))
بمعنى الوصل، وإنما انتزع ذلك من هذه الآية، أو أنه أُريد بالبَيْن الافتراقُ،
وذلك مجازٌ عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطّعت المسافة بينكم لطولها
فعبَّر عن ذلك بالبين. قلت: فظاهر كلام ابن عطية يؤذن بأنه فَهِمَ أنها بمعنى
الوصل حقيقةً، ثم رَدَّه بكونِه لم يُسْمع من العرب، وهذا منه غير مُرْضٍ ، لأنَّ
أبا عمروٍ وأبا عبيد وابن جني والزهراوي والمهدوي والزجاج أئمة يُقبل قولُهم.
وقوله: ((وإنما انتُزِع من هذه الآية)) ممنوعٌ بل ذلك مفهوم من لغة العرب،
ولو لم يكن ممَّن نقلها إلا أبو عمرو لكفى به، وعبارته تؤذن بأنه مجاز، ووجه
(١) تقدم برقم ٢٧٦ .
(٢) معاني القرآن ٣٠٠/٢.
(٣) كذا على لغة أكلوني البراغيث.
(٤) المحرر ١١٢/٦.
٥٤

- الأنعام -
المجاز كما قاله الفارسي (١): أنه لمَّا استعمل ((بين)) مع الشيئين المتلابسين
في نحو: ((بيني وبينك شركَةٌ، وبيني وبينك رحم وصداقة)) صارت لاستعمالها
في هذه المواضع بمعنى الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، فلهذا جاء لقد تقطّع
وصلكم)). وإذا تقرَّر هذا فالقول بكونه مجازاً أولى من القول بكونه مشتركاً،
لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز خير منه عند الجمهور.
وقال أبو علي(٢) أيضاً: ((ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل
ظرفاً أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتَّبِع فيه، أو يكون الذي
هو مصدر، فلا يجوز أن يكونَ هذا القسمَ لأن التقدير يصير: لقد تقطع
افتراقكم، وهذا خلاف القصد والمعنى، ألا ترى أن المراد: وصلكم وما كنتم
تتألفون عليه. فإن قلت: كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل وأصله الافتراق
والتباين؟ قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: ((بيني وبينك
شركة))، فذكر ما قدَّمْتُه عنه من وجه المجاز إلى آخره.
وأجاز أبو عبيد والزجاج(٣) وجماعة قراءة الرفع. قال أبو عبيد: ((وكذلك
نقرؤها بالرفع لأنَّا قد وَجَدْنا العرب تجعل ((بين)» اسماً من غير ما، ويُصَدِّق
ذلك قولُه تعالى: ((بلغا مجمعَ بينهما)) (٤) فجعل ((بين)) اسماً من غير
ما، وكذلك قوله: ((هذا فراقُ بيني وبينك))(٥) قال: ((وقد سمعناه في غير
موضع من أشعارها)» ثم ذكر ما ذَكَّرْتُه عن أبي عمرو بن العلاء، ثم قال:
((وقرأها الكسائي نصباً، وكان يعتبرها بحرف عبدالله ((لقد تقطع ما بينكم)). وقال
(١) الحجة (خ) ٤١٨/٢.
(٢) الحجة (خ) ٤١٦/٢.
(٣) معاني القرآن ٣٠٠/٢.
(٤) الآية ٦١ من الكهف.
(٥) الآية ٧٨ من الكهف.
٥٥

- الأنعام -
الزجاج(١): ((والرفعُ أجودُ والنصب جائز، والمعنى: لقد تقطع ما كان من
الشركة بينكم». الثالث: أن هذا كلام محمول على معناه إذ المعنى: لقد تفرق
جمعكم وتشتّت، وهذا لا يصلح أن يكون تفسير إعراب.
قوله: ((ما كنتم)) ((ما)) يجوز أن تكون موصولةً اسمية أو نكرة موصوفة
أو مصدرية، والعائد على الوجهين الأولين محذوف بخلاف الثالث، والتقدير:
تزعمونهم شركاء أو شفعاء، فالعائد هو المفعول الأول و((شركاء)) هو الثاني،
فالمفعولان محذوفان اختصاراً للدلالة عليهما إن قلنا: إن ((ما)) موصولةٌ اسمية
أو نكرة موصوفة. ويجوز أن يكون الحذف حَذْفَ اقتصار إن قلنا إنها
مصدرية، لأن المصدرية لا تحتاج إلى عائد بخلاف غيرها، فإنها تفتقر إلى
عائد فلا بد من الالتفات إليه وحينئذ يلزم تقدير المفعول الثاني، ومن الحذف
اختصاراً قوله(٢):
٢٠٠١ - بأيِّ كتابٍ أم بأية سنةٍ
ترى حبَّهم عاراً علي وتحسبُ
[٣٣٦/أ]
أي: وتحسب حبهم عاراً علي.
آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿فالق الحب﴾: يجوز / أن تكون الإِضافة
محضةً على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي لأن ذلك قد كان، ويدل عليه قراءة
عبد الله ((فلق))(٣) فعلًا ماضياً، ويجوز أن تكون الإِضافةُ غيرَ محضة على أنه
بمعنى الحال أو الاستقبال، وذلك على حكاية الحال، فیکون «الحبِّ)» مجرور
اللفظ منصوب المحل. والفِلْق: هو شِقُّ الشيء، وقيده الراغب (٤) بإبانة
بعضِه من بعض، والفُلَق: المطمئنُّ مِنَ الأرض بين الرَّبْوَتين، والفلَق من قوله
(١) معاني القرآن ٣٠٠/٢.
(٢) تقدم برقم ٧٢٤.
(٣) البحر ١٨٤/٤.
(٤) المفردات ٣٨٥.
٥٦

- الأنعام -
((أعوذ برب الفلق))(١) ما علَّمه لموسى عليه السلام حتى فلق به البحر. وقيل:
الصبح. وقيل: هي الأنهار المشارُ إليها بقوله: ((وجعل خلالها أنهاراً)(٢) والفِلْق
بالكسر بمعنى المفلوق كالنِّكث والنِّقض، ومنه: ((سمعته من فِلْق منه)) وقيل:
الفِلْقِ العَجَبُ، والفَليق والفالِقُ ما بين الجبلين وما بين السنامين من البعير،
وفسَّر بعضهم ((فالق)) هنا بمعنى خالق، قيل: ولا يُعرفُ هذا لغةً، وهذا
لا يُلتفت إليه لأن هذا منقول عن ابن عباس والضحاك أيضاً، لا يقال ذلك
على جهة التفسير للتقريب، لأن الفراء (٣) نَقَل في اللغة أن فَطَر وخلق وفلق
بمعنى واحد.
[والنَّوى اسم جنسٍ مفرده نواة على حدّ](٤) قمح وقمحة. والنوى:
البعد أيضاً، ويقال: نوت البُسْرة وأنْوَتْ: اشتدَّت نواتها، ولام ((النواة)) ياء لأنَّ
عينَها واو، والأكثر التغاير.
قوله: ((يُخْرِج)) يجوز فيه وجهان أحدهما: أنها جملة مستأنفة فلا محل
لها. والثاني: أنها في موضع رفع خبراً ثانياً لـ إنَّ، وقوله ((ومُخْرِج)) يجوز فيه
وجهان أيضاً، أحدهما: أنه معطوف على فالق - ولم يذكر الزمخشري(٥) غيره -
أي: الله فالق ومخرج، أخبر عنه بهذين الخبرين، وعلى هذا فيكون ((يخرج»
على وجهه، وعلى كونه مستأنفاً يكون معترضاً على جهة البيان لما قبله من
معنى الجملة. والثاني: أن يكون معطوفاً على ((يخرج))، وهل يُجعل الفعل
في تأويل اسم ليصح عَطْفُ الاسم عليه، أو يُجعل الاسم بتأويل الفعل ليصحَّ
عطفه عليه؟ احتمالان مبنيان على ما تقدم في ((يخرج)): إن قلنا إنه مستأنف
فهو فعل غير مؤول باسم، فيُرَدُّ الاسم إلى معنى الفعل، فكأن مُخْرِجاً في قوة
(١) الآية ١ من الفلق.
(٢) الآية ٦١ من النمل.
(٣) لم يرد في كتابه معاني القرآن.
(٤) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من: ي.
(٥) الكشاف ٣٧/٢.
٥٧

- الأنعام -
يُخرج، وإن قلنا: إنه خبر ثان لـ ((إنَّ) فهو بتأويل اسم واقع موقع خبر ثان،
فلذلك عُطِفَ عليه اسم صريح، ومِنْ عَطْفِ الاسم على الفعل لكون الفعل
بتأويل اسم قولُ الشاعر(١):
٢٠٠٢ - فألفيتُه يوماً يُبير عدوَّه
ومُجْرِ عطاءً يَسْتَخِفُّ المعابرا
وقوله(٢):
أُمِّ صبيّ قد حَبًا أو دارج
٢٠٠٣ - يا رُبَّ بيضاءَ من العواهجِ
وقوله(٣):
٢٠٠٤ - بات يُغَشِّيها بِعَضْبِ باترٍ يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِها وجَائِرُ
أي: مبيراً، أو أمِّ صبي حابٍ، وقاصِدٍ.
آ. (٩٦) وقوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾: كقوله: ((فالق الحب)) فيما
تقدم(٤). والجمهور على كسر الهمزة وهو المصدر، يقال: أصبح يصبح
إصباحاً، وقال الليث والزجاج(٥): إن الصبح والصباح والإِصباح واحد،
وهما أول النهار، وكذا الفراء (٦). وقيل: الإِصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء
القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هو إضاءة الفجر،
نُقل ذلك عن مجاهد، والظاهر أن الإِصباح في الأصل مصدر سُمِّ به الصبح
وكذا الإِمساء، قال امرؤ القيس(٧):
(١) تقدم برقم ١٢٨٨.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في أمالي الشجري ١٦٧/٢؛ واللسان: عهج؛ والعيني ١٧٣/٤؛
والتصريح ١٥٢/٢ والعواهج: ج عوهج: الطويلة العنق من الظباء.
(٣) تقدم برقم ١٢٨٩.
(٤) أي: في الآية قبلها
(٥) ليس في معاني القرآن له.
(٦) معاني القرآن له ٣٤٦/١.
(٧) من معلقته، وهو في ديوانه ١٨.
٥٨

- الأنعام -
٢٠٠٥ - ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انْجَلِ
بصبحٍ وما الإِصباح منك بأمثلٍ
وقرأ الحسن(١) وأبو رجاء وعيسى بن عمر: الأصباح: بفتح الهمزة
وهو جمع صُبْح نحو: قُفْل وأقفال وبُرْد وأبراد، وينشد قوله(٢):
٢٠٠٦ - أفنى رياحاً وبني رياحٍ تناسخُ الأمساءِ والأصباح
بفتح الهمزة من الأمساء والأصباح على أنهما جمع مُسْي وصُبْح،
وبكسرها على أنهما مصدران. وقرىء (٣) / ((فالقُ الإِصباحَ)) بنصب الإِصباح [٣٣٦/ب]
وذلك على حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله (٤):
٢٠٠٧_
ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا
وقرىء: ((والمقيمي الصلاة)(٥) و((لذائقو العذابَ))(٦) بالنصب حملاً
للنون على التنوين، إلا أن سيبويه(٧) لا يجيز حذف التنوين لالتقاء الساكنين
إلا في شعر، وقد أجازه المبرد(٨) في السَّعة. وقرأ(٩) يحيى والنخعي
وأبو حيوة: ((فلق)) فعلًا ماضياً، وقد تقدم أن عبدالله قرأ الأولى كذلك،
وهذا أدلُّ دليل على أن القراءة عندهم سنة متبعة، ألا ترى أن عبدالله
كيف قرأ ((فلق الحب)) فعلاً ماضياً، وقرأ ((فالق الأصباح))، اسمَ فاعل،
(١) البحر ١٨٥/٤؛ الشواذ ٣٩.
(٣) البحر ١٨٥/٤ من دون نسبة.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٨٥/٤.
(٤) تقدم برقم ١٥٠٤.
(٥) الآية ٣٥ من الحج، وهي قراءة أبي عمرو كما في القرطبي ٥٩/١٢.
(٦) الآية ٣٨ من الصافات، وهي قراءة أبي السمال وأبان عن ثعلبة عن عاصم كما في
البحر ٣٥٨/٧.
(٧) الكتاب ٨٥/١.
(٨) انظر مناقشة المبرد للمسألة في المقتضب ٣١٣/٢،١٩/١.
(٩) البحر ١٨٥/٤؛ الشواذ ٣٩.
٥٩

- الأنعام -
والثلاثة المذكورون بعكسه. قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: فما معنى فَلَق
الصبح، والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح كما قال(٢):
تَفَرِّيَ ليلٍ عن بياض نهار
٢٠٠٨_
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يُراد: فالق ظلمة الإِصباح، يعني أنه
على حذف مضاف. والثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن
بياض النهار وإسفاره، وقالوا: انشق عمود الفجر وانصدع، وسَمَّوا الفجرَ فَلَقاً
بمعنى مفلوق، قال الطائي(٣):
٢٠٠٩ - وأزرقُ الفجر يبدو قبل أبيضه
وقرىء: فالق وجاعل بالنصب على المدح)). انتهى. وأنشد غيره(٤):
٢٠١٠ - فانشقَّ عنها عمودُ الفَجْرِ جافلةً
عَدْوَ النَّحوص تخافُ القانِصَ اللَّحِما
قوله: ((وجاعل الليل)) قرأ الكوفيون(٥): ((جعل)) فعلاً ماضياً، والباقون
بصيغة اسم الفاعل، والرسم يحتملهما، والليل منصوب عند الكوفيين
بمقتضى قراءتهم، ومجرور عند غيرهم، ووجه قراءتهم له فعلاً مناسبته
(١) الكشاف ٣٨/٢.
(٢) البيت لأبي نواس وصدره:
تردَّت به ثم انفرى عن أديمها
وهو في الكشاف ٣٨/٢، والبيت في وصف الخمرة.
(٣) عجزه :
وأول الغيث قطرٌ ثم ينسكب
وهو في الكشاف ٣٨/٢، وليس في ديوان حاتم.
(٤) لم أقف عليه. والنجوص من الأتْن: ما لا ولد لها ولا لبن. والقانص: الصائد.
واللحم: الكثير لحم الجسد أو الأكول. والجافل: المنزعج.
(٥) انظر: السبعة ٢٦٣؛ الحجة لأبي زرعة ٢٦٢.
٦٠