Indexed OCR Text
Pages 621-640
- الأنعام - أرأيتكنَّ)). ثم ذكر مذهبَ الفراء ثم قال: ((وفيما ذَكَرْنا إبطالٌ لمذهبه)). وقد انتصر أبو بكر بن الأنباري لمذهب الفراء بأن قال: ((لو كانت الكاف توكيداً لوقعت التثنية والجمع بالتاء، كما يقعان بها عند عدم الكاف، فلمَّا فُتِحت التاءُ في خطاب الجمع ووقع مِيْسَم الجمع لغيرها كان ذلك دليلاً على أن الكافَ غيرُ توكيد. ألا ترى أن الكاف لوسَقَطَت لم يَصْلُحْ أن يُقال الجماعة: أرأيت، فوضح بهذا انصرافُ الفعلِ إلى الكاف وأنها واجبةٌ لازمةٌ مفتقر إليها)). وهذا الذي قاله أبو بكر باطل بالكاف اللاحقةِ لاسمِ الإِشارة، فإنها يقع عليها / مِيْسَمُ الجمعِ ، ومع ذلك هي حرف. [٣١٣/ب] وقال الفراء (١): ((موضعُ الكاف نصب، وتأويلها رفع؛ لأن الفعل يتحول عن التاء إليها، وهي بمنزلة الكاف في ((دونك)) إذا أغري بها، كما تقول: ((دونكَ زيداً) فتجد الكاف في اللفظ خَفْضاً وفي المعنى رفعاً، لأنها مأمورةٌ، فكذلك هذه الكافُ موضعُها نصبٌ وتأويلها رفع)). قلت: وهذه الشبهةُ باطلةٌ مما تقدم، والخلاف في ((دونك)) و((إليك)) وبابِهما مشهورٌ تقدَّم التنبيهُ عليه غير مرة . وقال الفراء أيضاً كلاماً حسناً رأيت أن أذكره فإنه مُبين نافع، قال(٢): (للعرب في ((أرأيْتَ)) لغتان ومعنيان، أحدُهما رؤيةُ العين، فإذا أردت هذا عَدَّيْتَ الرؤية بالضمير إلى المخاطب ويتصرَّف تصرُّفَ سائرِ الأفعال، تقول للرجل: ((أرأيتك على غير هذه الحال)) تريد: هل رأيتَ نفسَك، ثم تثنِّي وتجمع فتقول: أرأيتماكما، أرأيتموكم، أرأيتكنَّ، والمعنى الآخر: أن تقول: ((أرأيتك)) وأنت تريد معنى أخبرني، كقولك: أرأيتك إنْ فَعَلْتَ كذا ماذا تفعل أي: أخبرني، وتترك التاء - إذا أردت هذا المعنى ـ موحدةً على كل حال تقول: (١) معاني القرآن ٣٣٣/١. (٢) معاني القرآن ٣٣٣/١. ٦٢١ - الأنعام - أرأيتكما، أرأيتكم، أرأيتكنَّ، وإنما تركَتِ العربُ التاءَ واحدةً؛ لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعاً من المخاطب على نفسه فاكتفوا من علامة المخاطب بذكره في المكان، وتركوا التاء على التذكير والتوحيد إذا لم يكن الفعل واقعاً)). قال: ((والرؤيةُ من الأفعال الناقصة التي يُعَدِّيها المخاطبُ إلى نفسه بالمكنى مثل: ظننتُني ورأيتُني، ولا يقولون ذلك في الأفعالِ التامة، لا يقولون للرجل: قتلتَك بمعنى: قتلتَ نفسَك، ولا أحسنت إليك، كما يقولون: متى تظنُّك خارجاً؟ وذلك أنَّهم أرادوا الفصلَ بين الفعل الذي قد يُلغى وبين الفعلِ الذي لا يجوزُ إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: ((أنا أظنُّ خارجٌ)) فتلغي ((أظُن))، وقال اللّه تعالى: ((أَنْ رَآهَ اسْتَغْنِى))(١) ولم يَقُلْ: رأى نفسه. وقد جاء في ضرورة الشعر إجراءُ الأفعال التامة مُجْرى النواقص: قال جران العود(٢): وعَمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْرِحُ ١٩١٩ - لقد كان لي عن ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُني والعرب تقول: عَدِمْتني ووَجَدْتُنِي وفَقَدْتُني وليس بوجه الكلام)) انتهى. واعلم أن الناس اختلفوا في الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب بأرأيتك نحو: أرأيتك زيداً ما صنع؟ فالجمهور على أن ((زيداً)) مفعول أول، والجملة بعده في محل نصب سادَّةً مَسَدِّ المفعول الثاني. وقد تقدم أنه لا يجوز التعليق في هذه وإن جاز في غيرها من أخواتها نحو: علمت زيداً أبو مَنْ هو؟، وقال ابن كَيْسان: ((إن الجملة الاستفهامية في أرأيتك زيداً ما صنع بدل من أرأيتك)). وقال الأخفش: ((إنه لا بد بعد ((أرأيت)) التي بمعنى أخبرني من الاسم المستَخْبَرِ عنه، ويلزمُ الجملةَ التي بعده الاستفهامُ لأن (١) الآية ٧ من العلق. (٢) ديوانه ٤٠؛ وأمالي الشجري ٣٩/١؛ وابن يعيش ٨٨/٧. ٦٢٢ - الأنعام - ((أخبرني)) موافق لمعنى الاستفهام)) وزعم أيضاً أنها تخرج عن بابها فتكون بمعنى ((أما)» أو «تبَّه))، وحينئذ لا يكون لها مفعولان ولا مفعول واحد، وجعل من ذلك: ((أرأيت إذ أَوَيْنا إلى الصخرة فإِنِّي نسيت الحوت))(١)، وهذا ينبغي أن لا يجوز لأنه إخراج للَّفْظَة عن موضوعها من غير داعٍ إلى ذلك. إذا تقرّر هذا فليُرْجع إلى الآية الكريمة فنقول وبالله التوفيق: اختلف الناس في هذه الآية على ثلاثة أقوال، أحدُها: أن المفعولَ الأولَ والجملةَ الاستفهامية التي سَدَّتِ مَسَدَّ الثاني محذوفان لفهم المعنى، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعُكم؟ أو اتِّخاذكم غيرَ الله إلهاً هل يَكْشِفُ ضُرَّكم؟ ونحو ذلك، فعبادَتَكُمْ أو اتِّخاذكم مفعول أول، والجملة الاستفهامية سادَّةً مَسَدَّ الثاني، والتاء هي الفاعل، والكاف حرف خطاب. الثاني: أن الشرط وجوابه - وسيأتي بيانه - قد سَدَّا مَسَدَّ المفعولين لأنهما قد حَصَّلا المعنى المقصود، فلم يَحْتج هذا الفعل إلى مفعولٍ ، وليس بشيء؛ لأن الشرط وجوابه لم يُعْهد فيهما أَن يَسُدَّا مَسَدَّ مفعولي ظن، وكونُ الفعلِ غيرَ محتاجٍ لمفعول إخراجٌ له عن وضعه، فإنْ عَنَى بقوله: ((سَدًّا مَسَدَّه)) أنَّهما دالان عليه فهو المدَّعى. والثالث: أن المفعول الأول محذوفٌ، والمسألةُ من باب التنازع بين أرأيتكم وأتاكم، والمتنازَعُ فيه هو لفظُ ((العذاب)). وهذا اختيار الشيخ(٢)، ولنوردْ كلامه ليظهرَ فإنَّه كلامٌ حسن قال: ((فنقول: الذي نختاره: / أنها باقية [٣١٤/أ] على حكمها في التعدِّي إلى اثنين، فالأول منصوب والثاني لم نجده بالاستقراء إلا جملة استفهامية أو قسمية. فإذا تقرَّر هذا فنقول: المفعول الأول في هذه الآية محذوف، والمسألة من باب التنازع، تنازع ((أرأيتكم)) والشرط (١) الآية ٦٣ من الكهف. (٢) البحر ١٢٧/٤. ٦٢٣ - الأنعام - على ((عذاب الله)»، فأعمل الثاني وهو ((أتاكم)) فارتفع ((عذاب)» به، ولو أعمل الأول لكان التركيب: ((عذاب)) بالنصب، ونظير ذلك: ((اضرب إنْ جاءك زيد) على إعمال ((جاءك))، ولو نصب لجاز، وكان من إعمال الأول. وأمَّا المفعول الثاني فهو الجملة من الاستفهام: ((أغيرَ الله تَدْعُون))، والرابط لهذه الجملة بالمفعول الأول المحذوف محذوف تقديره: أغيرَ الله تَدْعُون لِكَشْفِهِ، والمعنى: قل أرأيتكم عذابَ الله إنْ أتاكم - أو الساعة إن أتتكم - أغيرَ الله تَدْعُون لكشفه أو لكشف نوازلها)) انتهى. والتقدير الإِعرابيُّ الذي ذكره يحتاج إلى بعض إيضاح، وتقديره: قل أرأيتكموه أو أرأيتكم إياه إن أتاكم عذاب الله، فذلك الضمير هو ضمير العذاب لمَّا عمل الثاني في ظاهره أُعطي المُلْغَى ضميرَه، وإذا أُضْمِرَ في الأول حُذِف ما لم يكن مرفوعاً أو خبراً في الأصل، وهذا الضمير ليس مرفوعاً ولا خبراً في الأصل، فلأجل ذلك حُذِف ولا يَثْبُتُ إلا ضرورةٌ. وأمَّا جوابُ الشرط ففيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه محذوفٌ، فقدَّره الزمخشري(١): ((إن أتاكم عذابُ الله مَنْ تدعون)). قال الشيخ(٢): ((وإصلاحُه أن يقول: ((فَمَنْ تدعون)» بالفاء، لأن جواب الشرطِ إذا وقع جملةً استفهاميةً فلا بد فيه من الفاء. الثاني: أنه ((أرأيتكم))، قاله الحوفي، وهو فاسِدٌ لوجهين، أحدهما: أن جواب الشرط لا يتقدَّمُ عند جمهور البصريين، إنما جوَّزَه الكوفيون وأبو زيدٍ والمبردُ (٣). والثاني: أن الجملةَ المصدَّرَةَ بالهمزة لا تقع جواباً للشرط البتة، إنما يقع من الاستفهام ما كان بـ((هل)) أو اسمٍ من أسماء الاستفهام، وإنما لم تقع الجملة المصدرة بالهمزة جواباً لأنه لا يخلو: أن تأتي معها بالفاء أو لا تأتي بها، لا جائز أن لا تأتي بها؛ لأنَّ كلَّ ما لا يَصْلِح شرطاً (١) الكشاف ١٨/٢. (٢) البحر ١٢٧/٤. (٣) المقتضب ٦٨/٢. ٦٢٤ - الأنعام - يجب اقترانه بالفاء إذا وقع جواباً، ولا جائز أن تأتي بها لأنك: إمّا أن تأتي بها قبل الهمزة نحو: ((إن قمت فأزيد منطلق))، أو بعدها نحو: ((أفزيد منطلق))، وكلاهما ممتنعٌ، أمّا الأول فلتصدُّر الفاء على الهمزة، وأما الثاني فلأنه يؤدي إلى عدم الجواب بالفاء في موضع كان يجب فيه الإتيانُ بها، وهذا بخلاف ((هل)) فإنك تأتي بالفاء قبلها فتقول: إن قمت فهل زيد قائم، لأنه ليس لها تمامُ التصدير الذي تستحقُّه الهمزةُ، ولذلك تَصَدَّرَتْ على بعضٍ حروف العطف وقد تقدَّم مشروحاً غير مرة. الثالث(١): أنه ((أغير الله)) وهو ظاهر عبارة الزمخشري فإنه قال(٢): ((ويجوز أن يتعلَّق الشرطُ بقوله: ((أغيرَ الله تَدْعُون))، كأنه قيل: أغير الله تَدْعُون إن أتاكم عذاب الله)). قال الشيخ(٣): ((ولا يجوز أن يتعلَّق الشرط بقوله: (أغير الله))؛ لأنه لو تعلَّق به لكان جواباً له، لكنه لا يقع جواباً؛ لأنَّ جواب الشرط إذا كان استفهاماً بالحرف لا يقع إلا بـ((هل))، وذَكَر ما قدَّمْتُه إلى آخره، وعزاه الأخفش(٤) عن العرب ثم قال: ((ولا يجوز أيضاً من وجه آخر، لأنَّا قد قَرَّرْنا أنَّ ((أرأيتك)) متعدِّية إلى اثنين، أحدهما في هذه الآية محذوفٌ، وأنه من باب التنازع، والآخر وقعت الجملة الاستفهامية موقعَه، فلو جَعَلْتها جواب الشرط لبقيَتْ ((أرأيتكم)) متعدية إلى واحد وذلك لا يجوز)). قلت: وهذا لا يلزم الزمخشري فإنه لا يرتضي ما قاله / من الإِعراب المشار إليه. قوله ((يلزم [٣١٤/ب] تعدِّيها لواحد)) قلنا: لا نسلِّم بل يتعدّى لاثنين محذوفين ثانيهما جملة استفهام، كما قدَّره غيرُه: بأرأيتكم عبادتكم هل تنفعكم، ثم قال: ((وأيضاً التزامُ العرب في الشرط الجائي بعد ((أرأيت)) مُضِيَّ الفعل دليلٌ على أن (١) من أوجه جواب الشرط. (٢) الكشاف ١٨/٢. (٣) البحر ١٢٧/٤. (٤) كذا، على تضمين ((عزا)» معنى نقل. ٦٢٥ - الأنعام - جواب الشرط محذوف، لأنه لا يُحْذَفُ جوابُ الشرط إلا عند مُضِيٍّ فِعْلِه، قال تعالى: ((قل أرأيتَكم إنْ أتاكم عذاب الله))(١) ((قل أرأيتم إن أخذ الله))(٢) ((قل: أرأيتم إنْ جَعَلَ الله)) (٣) ((قل أرأيتُمْ إِنْ جَعَلَ الله)) (٤) ((قل أرأيتُمْ إنْ أتاكم عذابُه))(٥) ((أفرأيت إن مَتَّعْناهم سنين)) (٦) ((أرأيْتَ إنْ كذَّبَ وتولَّى))(٧) إلى غير ذلك من الآيات. وقال الشاعر(٨). ١٩٢٠ - أَرَيْتَ إنْ جاءت به أُمْلودا وأيضاً مجيءُ الجملة الاستفهامية مُصَدَّرةً بهمزة الاستفهام دليل على أنها ليست جواب الشرط، إذ لا يَصِحُّ وقوعُها جواباً للشرط)) انتهى. ولما جَوَّزَ الزمخشري أن الشرطَ متعلُّقٌ بقوله: ((أغيرَ الله)) سأل سؤالاً وأجابَ عنه، قال(٩): ((فإنْ قلت: إِنْ عَلَّقْتَ الشرطَ بِهِ فما تصنعُ بقولِهِ: ((فيكشِفُ ما تَدْعُون إليه)) مع قوله: ((أو أتتكم الساعة)) وقوارع الساعة لا تكشف عن المشركين؟ قلت: قد اشترط في الكشفِ المشيئةَ وهو قوله ((إنْ شاء)) إيذاناً بأنه إنْ فَعَلَ كان له وجهٌ من الحكمة، إلا أنه لا يَفْعلُ لوجهٍ آخرَ من الحكمةِ أرجحَ منه)) قال الشيخ (١٠): ((وهذا مبنيٌّ على أن الشرط متعلقٌ بـ ((أغير الله)). وقد استَدْلَلْنا على أنه لا يجوز)). قلت: تَرَك الشيخُ التنبيهَ على ما هو أهمُّ من (١) الآية ٤٧ من الأنعام. (٢) الآية ٤٦ من الأنعام. (٣) الآية ٧١ من القصص. (٤) الآية ٧٢ من القصص. (٥) الآية ٥٠ من یونس. (٦) الآية ٢٠٥ من الشعراء. (٧) الآية ١٣ من العلق. (٨) تقدم برقم ١٩١١. (٩) الكشاف ١٨/٢. (١٠) البحر ١٢٨/٤. ٦٢٦ - الأنعام - ذلك وهو قوله: ((إلا أنه لا يفعل لوجهٍ آخر من الحكمة أرجحَ منه)) وهذا أصل فاسد من أصول المعتزلة يزعمون أن أفعاله تعالى تابعةٌ لمصالحَ وحِكمٍ يترجَّح مع بعضها الفعلُ ومع بعضها الترك، ومع بعضها يجب الفعل أو الترك، تعالى الله عن ذلك بل أفعاله لا تُعَلَّلُ بغرضٍ من الأغراض، لا يُسأل عما يَفعل، وموضوع هذه المسألةِ غيرُ هذا الموضوع، ولكني نبّهْتُك عليها إجمالاً . الرابع: أنَّ جواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذابُ الله أو أَتَتْكم الساعةُ دَعَوْتم، ودَلَّ عليه قوله: ((أغير الله تدعون)). الخامس: أنه محذوف أيضاً، ولكنه مقدَّرٌ من جنس ما تقدَّم في المعنى، تقديرُه: إنْ أتاكم عذاب الله أو أَتْكم الساعة فأخبروني عنه أَتَدْعُون غيرَ الله لكشفِه كما تقول: ((أخبرني عن زيدٍ إن جاءك ما تصنعُ به)» أي: إن جاءَك فأخبرني عنه، فَحُذِفَ الجوابُ الدلالة ((أخبرني)) عليه، ونظيرُه: أنت ظالمٌ إن فعلت، أي: فأنت ظالم، فحذف ((فأنت ظالمٌ)) لدلالةِ ما تقدَّم عليه. وهذا ما اختاره الشيخ. قال(١): ((وهو جارٍ على قواعد العربية)» وادَّعى أنه لم يَرَه لغيره. قوله: ((أغيرَ الله تَدْعُون)) ((غيرَ)) مفعول مقدم لـ((تَدْعون)) وتقديمُه: إمَّا للاختصاص كما قال الزمخشري(٢): (بَكَّتهم بقوله: أغير الله تَدْعُون، بمعنى: أَتَخُصُون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرِّ أم تدعون اللَّهَ دونها، وإمَّا للإِنكارِ عليهم في دعائهم للأصنام؛ لأن المُنْكَرَ إنما هو دعاءُ الأصنامِ لا نفسُ الدعاء، ألا ترى أنك إذا قلت ((أزيداً تضربُ)) إنما تُنْكِرُ كونَ ((زيد)) مَحَلًّ للضرب ولا تُنْكر نفسَ الضرب، وهذا من قاعدةٍ بيانية قَدَّمْتُ التنبيه عليها عند قوله تعالى: ((أأنت قلت للناسِ اتَّخِذوني))(٣). (١) البحر ١٢٨/٤. (٢) الكشاف ١٨/٢. (٣) الآية ١١٦ من المائدة. ٦٢٧ - الأنعام - قوله: ((إنْ كنتمْ صادقين)) جوابُه محذوف لدلالة الكلام عليه وكذلك معمولُ ((صادقين)) والتقدير: إن كنتم صادقين في دعواكم أنَّ غيرَ الله إلهٌ فهل تَدْعُونه لكشْفِ ما يَحُلُّ بكم من العذاب؟ آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿بل إيَّه تَدْعُون﴾: ((بل)) حرفُ إضراب وانتقال لا إبطالٍ، لِمَا عَرَفْتَ غيرَ مرة من أنها في كلام الله كذلك و((إياه)) مفعول مقدَّم للاختصاص عند الزمخشري، ولذلك قال(١): ((بل تَخْصُونه بالدعاء، وعند غيره للاعتناء، وإن كان ثَمَّ حَصْرٌ واختصاص فَمِنْ قرينة أخرى. و («إياه)» ضميرٍ منصوب منفصل تقدَّم الكلامُ عليه مشبعاً في الفاتحة(٢) [٣١٥/أ] وقال ابن عطية(٣): ((هنا ((إيّا)) اسم مضمر أُجري / مُجرى المظهرات في أنه مضاف أبداً)). قال الشيخ (٤): ((وهذا خلافُ مذهبٍ سيبويه، فإنَّ مذهب سيبويه(٥) أن ما بعد ((إِيَّ)) حرفٌ يُبَيِّن أحوال الضمير، وليس مضافاً لما بعدِهِ، لئلا يلزمَ تعريفُ الإِضافةِ، وذلك يستدعي تنكيره، والضمائر لا تَقْبَلُ التنكير فلا تقبل الإِضافة. قوله: ((ما تَدْعُون)) يجوز في ((ما)) أربعةُ أوجه، أظهرها: أنها موصولة بمعنى الذي أي: فتكشف الذي تَدْعون، والعائد محذوف لاستكمال الشروط أي: تَدْعونه. الثاني: أنها ظرفية، قاله ابن عطية(٦). وعلى هذا فيكون مفعول (يكشفُ)) محذوفاً تقديره: فيكشف العذاب مدةً دعائكم أي: ما دُمْتُمْ داعِيه. (١) الكشاف ١٨/٢. (٢) انظر إعرابه للآية ٥ من الفاتحة. (٣) المحرر ٥٠/٦. (٤) البحر ٤ /١٢٨. (٥) الكتاب ٣٨٠/١. (٦) المحرر ٥٠/٦. ٦٢٨ - الأنعام - قال الشيخ (١): ((وهذا ما لا حاجةً إليه مع أنَّ فيه وَصْلَها بمضارعٍ ، وهو قليلٌ جداً تقولُ: ((لا أُكَلِّمك ما طلعت الشمس))، ويضعف: ما تطلع الشمس)). قلت: قوله ((بمضارع)) كان ينبغي أن يقول مثبت؛ لأنه متى كان منفياً بـ ((لم)) كَثُر وَصْلُها به نحو قوله(٢): ١٩٢١ - ولَنْ يَلْبَثَ الجُهَّالُ أن يَتَهَضَّموا أخا الحلم ما لم يَسْتَعِنْ بجَهول ومِنْ وَصْلها بمضارعٍ مثبت قولُه(٣): ١٩٢٢ - أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثم آوي إلى أَمَّا ويَرْوِيني النقيعُ وقول الآخر(٤): إلى بيتٍ قعيدَتُهُ لَكاعٍ ١٩٢٣- أُطَوِّفُ ما أُطَوِّفُ ثم آوي فـ ((أُطَوِّفُ)) صلةٌ لـ ((ما)) الظرفية. الثالث: أنها نكرة موصوفة ذكره أبو البقاء(٥)، والعائد أيضاً محذوف أي: فيكشفُ شيئاً تَدْعونه أي: تَدْعون كَشْفَه، والحذفُ من الصفةِ أقلُّ منه من الصلة. الرابع: أنها مصدرية، قال ابن عطية (٦): ((وَيَصِحُّ أن تكون مصدرية على حذف في الكلام)). قال الزجاج(٧): ((وهو مثل: واسأل (١) البحر ١٢٨/٤. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في الدرر ٥٥/١؛ والهمع ٨٢/١؛ ومعجم شواهد العربية ٣١٢. (٣) البيت لنقيع بن جرموز، وهو في النوادر ١٩؛ واللسان ((نقع)) برواية ((أمي))؛ والعيني ٢٤٧/٤؛ والهمع ٥٣/٢؛ والدرر ٦٩/٢. (٤) البيت للحطيئة وهو في ديوانه ١٢٠؛ والمقتضب ٢٣٨/٤؛ وابن يعيش ٤ /٥٧؛ والهمع ٨٢/١؛ والدرر ٥٥/١. (٥) الإملاء ٢٤٢/١. (٦) المحرر ٥٠/٦. (٧) معاني القرآن ٢٧١/٢. ٦٢٩ - الأنعام - القرية))(١). قلت: والتقدير: فيكشف سبب دعائكم وموجبه. قال الشيخ(٢): ((وهذه دعوى محذوف غيرِ معين وهو خلاف الظاهر)). وقال أبو البقاء(٣): (وليست مصدرية إلا أَنْ تجعلها مصدراً بمعنى المفعول)) يعني يصير تقديره: فيكشف مَدْعُوَّكم أي: الذي تَدْعُون لأجله، وهو الضُّرُّ ونحوه. قوله: ((إليه)) فيما يتعلق به وجهان، أحدهما: أن يتعلق بـ ((تَدْعون))، والضمير حينئذ يعود على ((ما)) الموصولة أي: الذي تدعون إلى كَشْفِه، و((دعا)) بالنسبة إلى متعلَّق الدعاء يتعدى بـ ((إلى)) أو اللام. قال تعالى: ((وَمَنْ أحسنُ قولاً مِمَّن دَعا إلى الله))(٤) ((وإذا دُعُوا إلى الله))(٥) وقال(٦): ١٩٢٤ - وإن أُدْعَ للجُلَّى أكنْ مِنْ حُماتها وقال(٧): يوماً سَراةً كرامِ الناس فادْعِينا ١٩٢٥ - وإنْ دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ . وقال(٨): ١٩٢٦ - دعوتُ لِمَا نابني مِسْوَراً فَلَبَّيْ فَلَبِّيْ يَدَيْ مِسْوَرٍ والثاني: أن يتعلَّق بـ ((يَكْشِفُ)) قال أبو البقاء (٩): ((أي: يرفعه (١) الآية ٨٢ من يوسف. (٢) البحر ١٢٩/٤. (٣) الإملاء ٢٤٢/١. (٤) الآية ٣٣ من فصلت. (٥) الآية ٤٨ من النور: (٦) لم أهتد إلى قائله وتمامه وهو في البحر ١٢٩/٤. (٧) تقدم برقم ٥٧٦. (٨) لم أهتد إلى قائله وهو في الكتاب ١٧٦/١؛ والمحتسب ٧٨/١؛ وابن يعيش ١١٩/١؛ واللسان: لبب؛ والعيني ٣٨١/٣؛ والهمع ١٩٠/١؛ والدرر ١٦٥/١. (٩) الإملاء ٢٤٢/١. ٦٣٠ - الأنعام - إليه)) انتهى. والضميرُ على هذا عائد على الله تعالى، وذكر أبو البقاء وجهي التعلق ولم يَتَعرَّضْ للضمير وقد عَرَفْتَه. وقال ابن عطية(١): ((والضمير في ((إليه)) يُحتمل أن يعودَ إلى الله بتقدير: فيكشف ما تدعون فيه إليه)). قال الشیخ(٢): «وهذا ليس بجید؛ لأنَّ «دعا» یتعدی لمفعول به دون حرف جر: ((ادْعُوني أستجبْ لكم))(٣) ((إذا دَعانٍ))(٤) ومن كلام العرب: ((دعوتُ الله سميعا). قلت: ومثلُه: ((قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعو))(٥) «ادعُوا ربّكم تَضَرُّعاً))(٦) قال: ((ولا تقول بهذا المعنى: ((دعوت إلى الله)) بمعنى: دعوت الله، إلا أنه يمكن أن يُصَحَّح كلامُه بمعنى التضمين، ضمَّن ((تدعون» معنى «تلجَؤون فيه إلى الله))، إلا أنَّ التضمين ليس بقياس، لا يُصارُ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورةً تدعو إليه هنا». قلت: ليس التضمين مقصوراً على الضرورة، وهو في القرآن أكثر من أن يُحْصَر، تقدَّم لك منه جملةٌ صالحة، وسيأتي لك إن شاء الله مثلُها، على أنه قد يقال تجويزُ أبي محمد عَوْدَ الضمير إلى الله تعالى محمولٌ على أن (إليه)) متعلق بيكشف، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء / وأن معناه ((يرفعه))(٧) فلا يلزم [٣١٥/ب] المحذورُ المذكور، لولا أنه يُعَكِّر عليه تقديرُه بقوله ((تدعون فيه إليه)) فتقديره ((فيه)) ظاهره أنه يزعمُ تعلُّقَه بـ((تَدْعُون)). قوله: ((إنْ شاء)) جوابه محذوف لفهم المعنى، ودلالة ما قبله عليه، أي: إنْ شاء أن يكشِفَ كشف، وادِّعاءُ تقديمِ جواب الشرط هنا واضحٌ (١) المحرر ٥٠/٦. (٢) البحر ١٢٩/٤. (٣) الآية ٦٠ من غافر. (٤) الآية ١٨٦ من البقرة. (٥) الآية ١١٠ من الإِسراء. (٦) الآية ٥٥ من الأعراف. (٧) قوله ((يرفعه)) غير واضح في الأصل. ٦٣١ - الأنعام- الاقترانه بالفاء، فهو أحسنُ مِنْ قوله: ((أنت ظالم إن فعلت)) لكن يمنع مِنْ كونها جواباً هنا أنها سبيّةٌ مرتبة أي: أنها أفادَتْ ترتَّبَ الكشفِ على الدعاء، وأن الدعاءَ سببٌ فيه، على أن لنا خلافاً في فاء الجزاء: هل تفيد السبيّة أو لا؟ قوله: ((وتنسَوْن ما تُشْركون)) الظاهر في ((ما)) أن تكون موصولةً اسمية، والمرادُ بها ما عُبِد مِنْ: دون الله مطلقاً: العقلاءُ وغيرُهم، إلا أنه غَلَّب غِيرَ العقلاء عليهم كقوله: ((وللَّه يَسْجُد ما في السموات))(١) والعائدُ محذوفٌ أي ما تُشْركونه مع الله في العبادة. وقال الفارسي: ((الأصلُ: وَتَنْسَون دعاءَ ما تشركون، فحذف المضاف)). ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وحينئذ لا تحتاج إلى عائد عند الجمهور. ثم هل هذا المصدر باق على حقيقته؟ أي: تَنْسَون الإِشراَكَ نفسَه لِما يلحقُكم من الدَّهْشَة والخَيْرةِ، أو هو واقعٌ موقعَ المفعول به، أي: وتنسَوْن المُشْرَك به وهي الأصنام وغيرها، وعلى هذا فمعناه كالأول وحينئذٍ يحتمل السياقُ أن يكون على بابه من الغفلة، وأن يكون بمعنى الترك، وإن كانوا ذاكرين لها أي للأصنام وغيرها. آ. (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ولقد أَرْسلنا إلى أممٍ مِنْ قبلك فأخذناهم﴾: في الكلام حَذْفٌ تقديره: أَرْسَلْنا رسلاً إلى أمم فكذَّبوا فأخذناهم، وهذا الحذفُ ظاهرٌ جداً، و((مِنْ قبلك)) متعلَّق بأَرْسلنا، وفي جعله صفةٌ لأمم كلامٌ تقدَّم غيرَ مرة، وتقدَّم تفسيرُ البأساء والضرَّاء (٢)، ولم يُلْفَظْ لهما بمذكَّر على أَفْعَل آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا تَضَرَّعوا﴾: ((إذ) منصوب بـ ((تضرَّعوا)) فَصَلَ به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، وهو جائز (١) الآية ٤٩ من النحل. (٢): في الآية ١٧٧ من البقرة. ٦٣٢ - الأنعام - حتى في المفعول به، تقول: ((لولا زيداً ضَرَبْتَ))، وتقدَّم أن حرف التحضيض مع الماضي يكون معناه التوبيخ . والتضرُّع: تفعُّل من الضُّراعة، وهي الذِّلَّة والهيئة المسيّة عن الانقياد إلى الطاعة يقال: ضَرَع يَضْرَعُ ضَراعة فهو ضارعٌ وضَرِع قال(١): ومختبطٌ ممَّا تُطيح الطوائِحُ ١٩٢٧ - لِيُّبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومَةٍ وللسهولة والتذلُّل المفهومة من هذه المادة اشتقُّوا منها للثدي اسماً فقالوا له ((ضَرْعاً)). قوله: ((ولكنْ قَسَتْ قلوبُهم)) ((لكنْ)) هنا واقعة بين ضدين، وهما اللين والقسوة؛ وذلك أن قولَه ((تَضَرَّعوا)) مُشْعِرٌ باللين والسهولة، وكذلك إذا جَعَلْتَ الضراعةَ عبارة عن الإِيمان، والقسوة عبارة عن الكفر، وعَبَّرت عن السبب بالمسبَّب وعن المسبّب بالسبب، ألا ترى أنك تقول: ((آمَنَ قلبُه فتضرَّع، وقسا قلبه فكفر» وهذا أحسن من قول أبي البقاء(٢): ((ولكن)) استدراك على المعنى، أي ما تضرَّعوا ولكن)) يعني أن التحضيض في معنى النفي، وقد يترجَّح هذا بما قاله الزمخشري فإنه قال(٣): ((معناه نَفْيُ التضرُّعِ كأنه قيل: لم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ولكنه جاء بـ ((لولا)) ليفيد أنه لم يكنْ لهم عذرٌ في تَرْك التضرُّع إلا قسوةُ قلوبهم وإعجابُهم بأعمالهم (٤) التي زيَّنها الشيطان لهم». قوله: ((وزَيَّن لهم)» هذه الجملة تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون استئنافيةً، أخبر تعالى عنهم بذلك. والثاني - وهو الظاهر -: أنها داخلةٌ في حَيِّز (١) تقدم برقم ١٢٠١. (٢) الإملاء ٢٤٢/١. (٣) الكشاف ١٩/٢. (٤) قوله: ((بأعمالهم)) غير واضح في الأصل. ٦٣٣ - الأنعام - الاستدراك فهي نسقٌ على قوله: ((قَسَتْ قلوبهم)) وهذا رأيُ الزمخشري فإنه قال(١): ((لم يكن لهم عُذْرُ في ترك التضرع إلا قسوةُ قلوبهم وإعجابُهم بأعمالهم)» وقد تقدَّم ذلك. و((ما)) في قوله: ((ما كانوا)) يحتمل أن تكونَ موصولةً اسمية أي: الذي كانوا يعملونه وأن تكون مصدریة، أي: زَیَّن لهم عملَهم، كقوله: ((زيَّنًا لهم أعمالهم))(٢) ويَبْعُد جَعْلُها نكرةً موصوفة. : آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿فَتَحْنا﴾: قرأ الجمهور ((فَتَحْنا)) مخفَّفاً، وابن عامر (٣) (فتَّحنا)): مثقلاً، والتثقيلُ مُؤْذِنٌ بالتكثير؛ لأنَّ بعده ((أبواب)) فناسب التكثير، والتخفيف هو الأصل. وقرأ ابنُ عامر أيضاً في الأعراف: (لفتَّحنا))(٤)، وفي القمر: ((ففتَّحْنا أبواب))(٥) بالتشديد أيضاً، وشدَّد أيضاً ((فُتِحَتْ يأجوج))(٦) والخلاف أيضاً في ((فُتِحَتْ أبوابها)) في الزمر في الموضعين (٧)، ((وفُتِحَتْ السماء)) في النبأ(٨)، فإن الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها، ولم يُقْرَأْها بالتخفيف إلا الكوفيون (٩)، فقد جرى ابن عامر على نمطٍ واحد في هذا الفعل، والباقون شدَّدوا في المواضع الثلاثة المشارِ إليها، وخفّفوا في الباقِي جَمْعاً بين اللغتين. قوله: ((فإذا هم مُبْلسون)) / ((إذا)) هي الفجائية وفيها ثلاثة مذاهب، [٣١٦/أ] (١) الكشاف ١٩/٢. (٢) الآية ٤ من النمل . ! (٣) انظر: السبعة ٢٥٧؛ الكشف ٤٣٢/١؛ والحجة ٢٥٠؛ والنشر ٢٤٩/٢ . (٤) الآية ٩٦. وانظر: السبعة ٢٨٦. (٥) الآية ١١. وانظر السبعة ٦١٨. (٦) الآية ٩٦ من الأنبياء. وانظر: السبعة ٤٣١. (٧) الآية ٧١، والآية ٧٣ من الزمر. وانظر: السبعة ٥٦٤. (٨) الآية ١٩ من النبأ. (٩) الكوفيون هم عاصم وحمزة والكسائي. وانظر: السبعة ٦٦٨. ٦٣٤ - الأنعام - أ مذهب سيبويه(١) أنها ظرف مكان، ومذهب جماعة منهم والرياشي أنها ظرفُ زمانٍ، ومذهب الكوفيين أنها حرف. فعلى تقدير كونها ظرفاً مكاناً أو زماناً الناصبُ لها خبر المبتدأ، أي أَبْلِسوا في مكان إقامتهم أو في زمانها. والإِبلاسُ: الإِطراق، وقيل: هو الحُزْن المعترض من شدة البأس، ومنه اشْتُقَّ ((إبليس)) وقد تقدَّم في موضعه(٢) وأنه هل هو أعجمي أم لا؟. قوله: (فقُطِع دابرُ)) الجمهور على ((فَقُطِع)) مبنيًّاً للمفعول. ((دابر)) مرفوع به. وقرأ عكرمة (٣): ((قطع)) مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، ((دابر)) مفعول به، وفيه التفاتٌ، إذ هو خروج من تكلم في قوله: ((أخذناهم)) إلى غيبة. والدائِرُ: التابع من خلف، يقال: دَبَر الولدُ والدَه، وذَبَر فلان القوم يَذْبُرُهم دُبُوراً ودَبْراً. وقيل: الدابر: الأصل، يقال: قطع الله دابِرَه أي: أصله، قاله الأصمعي. وقال أبو عبيد: ((دابرُ القوم آخرُهم))، وأنشدوا لأميَّة بن أبي الصلت (٤). ١٩٢٨- فاستُؤْصِلوا بعذابٍ حَصَّ دابِرَهُمْ فما استطاعوا له صَرْفاً ولا انتصروا ومنه: دَبَر السهمُ الهدفَ أي: سقَط خلفَه. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿أَرَأيْتُمْ إن أخذ الله﴾: المفعول الأول محذوف تقديره: أرأيتم سَمْعَكم وأبصاركم إن أخذها الله، والجملة الاستفهامية في موضع الثاني، وقد تقدم أنَّ الشيخ يجعلُه من التنازع، وجواب الشرط محذوف على نحو ما مرَّ. وقال الحوفي: ((وحرفُ الشرط وما اتصل به في موضع نصبٍ على الحال، والعاملُ في الحال ((أرأيتم)) كقولك: («اضربه إن خرج)) أي خارجاً، وجواب الشرط ما تقدَّم مِمَّا دخلَتْ عليه همزة (١) الكتاب ٣١١/٢. (٢) انظر إعرابه للآية ٣٤ من البقرة. (٣) انظر: البحر ١٣١/٤. (٤) ديوانه ٣٨٩. حصّ: لم يُبْق شيئاً. ٦٣٥ - الأنعام - الاستفهام)) وهذا إعرابٌ لا يَظْهر. ولم يُؤْتَ هنا بكاف الخطاب وأُتي به هناك؛ لأنَّ التهديدَ هناك أعظم فناسب التأكيد بالإِتيان بكاف الخطاب، ولمًّا 1: لم يُؤْتَ بالكافِ وجب بروزُ علامة الجمع في التاء لئلا يلتبسَ، ولو جيء معها. بالكاف لاستُغْنِي بها كما تقدَّم، وتوحيد السمع وجَمْعُ الأبصارِ مفهومٌ ممّا تقدَّم في البقرة(١). قوله: ((مَنْ إلهٌ)) مبتدأ وخبر، و((مَنْ)) استفهامية، و((غيرُ الله)) صفةٌ لـ ((إله)) و ((يأتيكم)) صفةٌ ثانية، والهاء في ((به)) تعود على سمعكم. وقيل: تعود على الجميع. وَؤُحِّد ذهاباً به مذهب اسم الإِشارة. وقيل: تعود على الهَدْي المدلول عليه بالمعنى. وقيل: يَعودُ على المأخوذ والمختوم المدلول عليهما بالْأَخْذ والخَتْم. والاستفهام هنا للإِنكار. قوله: ((انظر كيف نُصَرِّفُ)) ((كيف)) معمولةٌ لنصرِّف، ونصبُها: إمَّا على التشبيه بالحال أو التشبيه بالظرف، وهي مُعَلِّقَةٌ لـ ((انظر)) فهي في محل نصب بإسقاط حرف الجر، وهذا كله ظاهر مِمَّا تقدم. و((يَصْدِفون)» معناه يُعْرِضُون، يقال: صَدَف عن الشيءَ صَدْفاً وصُدُوفاً وصدافِيَةً. قال عدي بن الرقاع(٢) ١٩٢٩ - إذا ذكرْنَ حديثاً قُلْنَ أحسنَه وهُنَّ عن كل سوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ (صُدُف)) جمع صَدُوف کـ صُبُر في جمع صبور، وقيل: معنى صدف :. مالَ، مأخوذ من الصَّدَفَ في البعير وهو أن يَميل خِفُّه من اليد إلى الرِّجْل من. الجانب الوحشي. والصَّدَف جمع صَدَفة وهي المحارة التي تكون فيها الدُّرَّة قال(٣): (١): انظر: الورقة ١٣ أ، الآية ٧. (٢) البيت في تفسير الطبري ٣٦٦/١١؛ والقرطبي ٤٢٨/٦؛ والبحر ١١٧/١. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١١٧/٤. وقوله ((سبل)) ورد في البحر ((سمك))، وقوله ((دوران)) وردت في الأصل بسقوط الواو. وقوله ((درت)) كذا في الأصل. ٦٣٦ - الأنعام - وما دَرَتْ دَوَرَان الدُّرِّ فِي الصَّدَفِ ١٩٣٠- وزادَها عَجَباً أَنْ رُحْتُ فِي سُبُلٍ والصَّدَف والصُّدُف بفتح الصاد والدال وضمهما، وضم الصاد وسكون الدال ناحية الجبل المرتفع، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان. والجمهور: ((بهِ انظر)) بكسر الهاءِ على الأصل، وروى المُسَيَّبي(١) عن نافع: ((بهُ انظر)» بضمها نظراً إلى الأصل(٢). وقرأ الجمهور أيضاً: ((نُصَرِّف)) مضغَّفاً، وقُرِىء شاذاً: ((نَصْرِف)) بكسر الراء من صرف ثلاثياً(٣). قوله: ((هل يُهْلَكُ)) هذا استفهامٌ بمعنى النفي؛ ولذلك دخلت (إلَّ))، وهو استثناء مفرَّغٌ، والتقدير: ما يُهْلك إلا القوم الظالمون. وهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لـ ((أرأيتكم)) والأولُ محذوفٌ، وهذا من التنازع على رأي الشيخ كما تقدَّم تقريره. وقال أبو البقاء(٤): ((الاستفهامُ ههنا بمعنى التقرير، فلذلك ناب عن جواب الشرط أي : إن أتاكمْ هَلَكْتم، والظاهرُ ما قَدَّمْتُه، ويجيء هنا قول الحوفي المتقدم في الآية قبلها من كون الشرط حالاً. وقرأ ابن محيصن(٥): ((هل يَهْلَكُ)) مبنياً للفاعل. وتَقَدَّم الكلام أيضاً على ((بَغْتة)) اشتقاقاً وإعراباً))(٦). آ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿إِلا مُبَشِّرِين ومُنْذِرِين﴾: حال من (المرسلين))، وفي هذه الحال معنى الغَلَبة أي: لم نُرْسِلْهم لأن تُقْتَرَحَ عليهم (١) إسحاق بن محمد المسيبي المدني ضابط لقراءة نافع، توفي سنة ٢٠٦. انظر: طبقات القراء ١٥٧/١. (٢) انظر: البحر ١٣٢/٤، وهي قراءة الأعرج أيضاً وانظر: السبعة ١٢٨. (٣) انظر: البحر ١٣٢/٤ - ونسبها إلى بعض القراء - والمحرر ٥٣/٦. (٤) الإملاء ٢٤٣/١. (٥) البحر ١٣٢/٤. (٦) انظر إعرابه للآية ٣١ من الأنعام. ٦٣٧ - الأنعام - الآيات، بل لأن يُبَشِّرُوا وَيُنْذِرُوا. وقرأ(١) إبراهيم ويحيى: (مُبْشِرين)) بالتخفيف وقد تقدَّم أن ((أَبْشَر)) لغةً في ((بَشِّر))(٢). ٠ ٠٫ قوله: ((فَمَنْ آمَنَ)) يجوز في ((مَنْ)) أن تكون شرطية، وأن تكون موصولةً ، وعلى كلا التقديرين فمحلّها رفعٌ بالابتداء والخبر: ((فلا خوف»: فإن كانت شرطية فالفاء جواب الشرط، وإن كانت موصولة فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون محلّ الجملتين الجزمَ، وعلى الثاني لا محلّ [٣١٦/ب] للأولى، ومحلَّ الثانية / الرفع، وحُمِل على اللفظ فأفردَ في ((آمن)) و ((أصلَح))، وعلى المعنى فجمع في «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)»، ويُقَوِّي کونَها موصولةً مقابلتُها بالموصول بعدها في قوله: ((والذين كَذَّبوا)». أ. (٤٩) وقرأ علقمة: ((تُمسُّهم)) (٣): بنونٍ مضمومة من ((أَمَسَّه كذا) ((العذابَ)) نصباً،، والأعمش ويحيى بن وثاب (٤): ((يَفْسِقون)) بكسر السين، وقد تقدَّم أنها لغة(٥). و(ما)) مصدريةٌ على الأظهر، أي: بفِسْقِهم. أ. (٥٠) قوله: ﴿ولا أعلمُ الغيبَ﴾: في محلُ هذه الجملة وجهان، أحدهما: النصب عطفاً على قوله ((عندي خزائنُ الله)) لأنه من جملة المقول، كأنه قال: لا أقول لكم هذا القولَ ولا هذا القولَ، قاله الزمخشري(٦)، وفيه نظرٌ من حيث إنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير: ولا أقول لكم لا أَعْلَمُ الغيب، وليس بصحيحٍ. والثاني: أنه معطوف على ((لا أقول)) لا معمولٌ له، فهو أمَرَ أَن يُخْبِرَ عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة (١) الشواذ ٣٧. (٢) انظر إعرابه للآية ٢٥ من البقرة. (٣) انظر: البحر ١٣٣/٤ .. (٤) انظر: البحر ٠٠١٣٣/٤ (٥) انظر إعرابه للآية ٥٩ من البقرة. (٦) الكشاف ٢١/٢. ٦٣٨ - الأنعام - الأمر الذي هو ((قل))، وهذا تخريجُ الشيخ(١)، قال بعد أن حكى قول الزمخشري: ((ولا يتعيَّنُ ما قاله، بل الظاهرُ أنه معطوفُ على ((ألاّ أقول)» إلى آخره)» . آ. (٥٢) قوله: ﴿بالغداة﴾: قرأ الجمهور: ((بالغداة)» هنا وفي الكهف (٢)، وابن عامر(٣): ((بالغُذْوة)) بضم الغين وسكون الدال وفتح الواو في الموضعين، وهي قراءة أبي عبدالرحمن السلمي والحسن البصري ومالك بن دينار وأبورجاء العطاردي ونصربن عاصم الليثي (٤). والأشهر في ((الغُدْوة)) أنها معرفة بالعلمية، وهي علميّة الجنس كأسامة في الأشخاص ولذلك مُنِعت من الصرف(٥). قال الفراء(٦): «سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيت كغدوة قط، يريد: غداة يومه)) قال: ((ألا ترى أن العرب لا تضيفها، فكذا لا يدخلها الألف واللام، إنما يقولون: جئتك غداة الخميس)). وقال الفراء (٧) في كتاب (المعاني)) في سورة الكهف: ((قرأ أبو عبدالرحمن السلمي: ((بالغُدْوَةِ والعَشِيّ))(٨) ولا أعلم أحداً قرأ بها غيره، والعرب لا تُدْخل الألف واللام في ((الغدوة)) لأنها معرفة بغير ألف ولام)) فذكره إلى آخره. (١) البحر ١٣٤/٤. (٢) الآية ٢٨ من الكهف. (٣) السبعة ٢٥٨، ٣٩٠؛ النشر ٢٤٩/٢؛ الكشف ٤٣٢/١؛ الحجة ٢٥١؛ البحر ١٣٦/٤. (٤) نصر بن عاصم الليثي، تابعي، يقال إنه أول من نقط المصاحف وخَّسها وعشّرها. مات سنة ٩٠. طبقات القراء ٣٣٦/٢. (٥) يُقال ((أتيته غُذْوَةَ)) غير مصروفة لأنها معرفة مثل سحر، إلا أنها من الظروف المتمكنة. تقول: سِير على فرسك غُذْوَةَ وغُدْوَةٌ، وغُدوةُ وغدوةً فما نُوّن من هذا فهو نكرة، وما لم ينَوَّن فهو معرفة. انظر: اللسان ((غدو)). (٦) لم يرد هذا النص في كتابه ((معاني القرآن)) في هذا الموضع. (٧) معاني القرآن ١٣٩/٢. (٨) من الآية ٢٨ من الكهف. ٦٣٩ - الأنعام- وقد طعن أبو عبيد القاسم بن سلام على هذه القراءة فقال: ((إنما نرى ابن عامر والسلمي قرآ تلك القراءة إتباعاً للخط، وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها، لأنهم كتبوا الصلاة والزكاة بالواو ولفظُهما على . تَرْكها، وكذلك الغداة، على هذا وجدنا العرب)). وقال الفارسيُّ (١): ((الوجه: قراءة العامة بالغداة، لأنها تستعمل نكرة ومعرفة باللام، فأمّا ((غُدْوَة)) فمعرفة وهو عَلَمٌ وُضِع للتعريف، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف واللام للتعريف، كما لا تَدْخُل على سائر الأعلام، وإن كانت قد كُتِبتْ بالواو لأنها لا تدلُّ على ذلك، ألا ترى الصلاة والزكاة بالواو ولا تُقرآن بها، فكذلك الغداة. قال سيبويه(٢): ((غُدْوة وبُكْرة جُعِل كلُّ واحد منهما اسماً للحين، كما جعلوا ((أم حُبَيْن)) اسماً لدابَّةٍ معروفة)). إلا أنَّ هذا الطعنَ لا يُلتفت إليه، وكيف يُظَنُّ بَمَنْ تَقَدَّم أنهم يَلْحنون، والحسن البصري ممن يُسْتَشْهد بكلامِه فضلاً عن قراءته، ونصر بن عاصم شيخ النحاة أخذ هذا العلم عن أبي الأسود ينبوعِ الصناعة، وابن عامر لا يَعْرف اللحن لأنه عربي، وقرأ على عثمان بن عفان وغيره من الصحابة، ولكن أبا عبيد - رحمه الله - لم يعرف أن تنكير «غدوة)) لغةٌ ثانية عن العرب حكاها سيبويه والخليل. قال سيبويه(٣): ((زعم الخليل أنه يجوز أن تقول: ((أتيتُكَ اليوم غُدْوَةً وبُكْرة)) فجعلهما مثل: ضَحْوة، قال المهدوي: ((حكى سيبويه والخليل أنَّ بعضَهم يُنْكِّر فيقول ((غُدْوةً)) بالتنوين، وبذلك قرأه ابن عامر، كأنه جعله نكرة، [٣١٧/أ] فأدخل عليها الألف واللام)) / وقال أبو علي الفارسي(٤): ((وجه دخول الألف واللام عليها أنه يجوز وإن كانت معرفةً أن تُنَكَّر، كما حكى أبو زيد «لقيته فَيْنَةَ)) (١) الحجة (خ) ٣٨٦/٣ (٢) الكتاب ٤٨/٢ (٣) الكتاب ٤٨/٢. (٤) الحجة ٣٨٦/٣ (خ). ٦٤٠