Indexed OCR Text

Pages 581-600

- الأنعام -
من هذا الخطاب إلى الغَّيْبة. وقيل: يعود المرفوع على أبي طالب وأتباعه .
وفي قوله ((يَنْهَوْن)) و((يَنْأون)) تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد
كل كلمة عن الأخرى بحرف فينهَوْن انفردت بالهاء، ويَنْأَوْن بالهمزة، ومثله
قوله تعالى: ((وهم يَحْسبون أنهم يُحْسنون))(١) ((بما كنتم تَفْرحون ...
وبما كنتم تُمْرحون))(٢) وقوله عليه السلام: ((الخيلُ معقودٌ في نواصيها
الخيرُ))(٣)، وبعضهم يسمِّيه ((تجنيس التحريف)) وهو الفرق بين كلمتين
بحرف، وأنشدوا(٤):
١٨٨٤ - إنْ لم أشُنَّ على ابن حرب غارةً . لم تَخْلُ يوماً من نِهاب نفوسِ
/ وذكر غيره أن تجنيسَ التحريف هو أن يكون الشكل فرقاً بين [٣٠٦/أ]
كلمتين، وجعل منه ((اللَّهى تفتح اللَّهى))(٥) وقد تقدم تحقيق ذلك. وقرأ(٦)
الحسن البصري ((ويَنَّوْن)) بإلقاء حركة الهمزة على النون وحذفها، وهو تخفيف
قياسي. والنّأَيُّ: الْبُعْد، قال(٧):
١٨٨٥- إذا غيَّر النأيُّ المُحِبِّين لم يَزَلْ
رَسِيسُ الهوىْ مِنْ حُبِّ مَيَّةً ییرُ
وقال آخر(٨):
١٨٨٦- ألا حَبَّا هندٌ وأرضُ بها هندُ وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ والبعدُ
(١) الآية ١٠٤ من الكهف.
(٢) الآية ٧٥ من غافر.
(٣) رواه البخاري (الفتح): الجهاد ٥٤/٦؛ الموطأ: الجهاد ٤٦٧/٢؛ ابن حنبل ٤٩/٢.
(٤) تقدم برقم ٨٠٣.
(٥) اللَّهاة: لحمة في الحلق، وبالضم العطية. انظر: أساس البلاغة ٥٧٨.
(٦) البحر ٤ /١٠٠.
(٧) البيت لذي الرمة وهو في ديوانه ١١٩٢/٢؛ والتاج: رسس؛ والخزانة ٧٥/٤.
(٨) تقدم برقم ٤٦٦.
٥٨١

- الأنعام -
عطف الشيء على نفسه للمغايرة اللفظية، يقال: نأى زيد يَنْأَى نأياً،
ويتعدَّى بالهمزة فيقال: أَنْأَيْتُه، ولا يُعَدَّى بالتضعيف، وكذا كلُّ ما كان عينه
همزة. ونقل الواحدي أنه يقال: نَأَيْتُه بمعنى نَأَيْتُ عِنه، أنشد المبردِ(١):
١٨٨٧- أعاذِلُ إن يُصْبِحْ صَداي بقَفْرَةٍ بعيداً نَآَنِي صاحبي وقريبي
أي: نأى عني. وحكى اللَّيْث: (فَأَيْت الشيء)) أي: أبعدته، وأنشد(٢):
/١٨٨- إذا ما التَقَيْنَا سالَ من عَبَراتنا شَآَبِيبُ يُنْأَىُ سَيْلُها بالأصابعِ
فبناء للمفعول أي: يُنَجَّى ويُبْعَد. والحاصلُ أن هذه المادةَ تدلُّ على
الْبُعْد، ومنه: أَتْنَأَّى أي: أفتعلُ النّأَيَ. والمَنْأى: الموضع البعيد، قال
النابغة (٣):
وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتأى عنك واسعُ
١٨٨٩- فإنَّك كالموتِ الذي هو مُدْرِکي
وتناءَى: تباعَدَ، ومنه النُّؤْيُّ للحُفَيْرة التي حول الخِباء لِتُبْعِدَ عنه الماء.
وقُرِىء: ((وناءَ بجانبه))(٤) وهو مقلوبٌ مِنْ نأى، ويدل على ذلك أن الأصلّ
هو المصدرُ وهو النّأْيُ بتقديم الهمزة على حرف العلة.
قوله: ((وإن يُهْلِكون)) ((إِنْ)) نافيةٌ كالتي في قوله: ((إِنْ هذا))(٥)،
و ((أنفسَهم)) مفعولٌ، وهو استثناء مفرغ، ومفعول ((يَشْعرون)) محذوف: إمّا
اقتصاراً وإمَّا اختصاراً، أي: وما يشعرون أنهم يُهْلكون أنفسهم.
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿ولو ترى﴾: جوابها محذوف لفَهْمِ
(١) البيت للنمر بن تولب وهو في الكامل ٣٧٣/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: نأي.
(٣) ديوانه ١١١.
(٤) قراءة ابن عامر من رواية ابن ذكوان. السبعة ٥٧٧. وهي الآية ٥١ من فصلت.
(٥) من الآية ٢٥ من الأنعام.
٥٨٢

- الأنعام -
المعنى، التقدير: لرأيت شيئاً عظيماً وهَوْلاً مُفْظِعاً. وحَذْفُ الجواب كثيرٌ في
التنزيل وفي النظم، كقوله تعالى: ((ولو أن قرآناً))(١) وقول الآخر(٢):
سِواك ولكن لم نَجِدْ لك مَدْفَعا
١٨٩٠- وجَدِّك لو شيءٌ أتانا رسولُه
وقوله(٣):
ولكنها نفسٌ تساقَطُ أَنفُسَا
وقوله(٤):
١٨٩١- فلو أنها نفسٌ تموتُ جمیعةً
بِحَزِيزِ رامةَ والمَطِيُّ سَوَامي
١٨٩٢- كَذَبَ العوادِلُ لو رَأَيْنَ مُنَاخَنَا
وحَذْفُ الجواب أبلغُ. قالوا: لأنَّ السَّامع تَذْهَبُ نفسُه كلَّ مذهب،
فلو صُرِّح له بالجواب وَطَّن نفسَه عليه فلم يَخْشَ منه [كثيراً، ولذلك قال
كثير(٥):
إذا وُطُّنَتْ لها النفسُ ذَلَّتٍ]
١٨٩٣- فقلتُ لها يا عَزُّ كُّ مصيبةٍ
و ((ترى)) يجوز أن تكونَ بَصَريةً ومفعولُها محذوف، أي: ولو ترى
حالَهم، ويجوز أن تكونَ القلبيةَ، والمعنى: ولو صَرَفْتَ فكرَك الصحيح لأن
تَتَذَبَّر حالَهم لازْدَدْتَ يقيناً.
وفي ((لو)) هذه وجهان، أظهرهما: أنها الامتناعية فينصرف المضارع
بعدها للمضيِّ، فـ ((إذ)) باقية على أصلها من دلالتها على الزمن الماضي،
(١) الآية ٣١ من الرعد.
(٢) تقدم برقم ٨٠١.
(٣) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ١٠٧؛ وابن يعيش ٨/٩.
(٤) البيت لجرير وهو في ديوانه ٥٥٢؛ وابن يعيش ٨/٩. والسوامي: الرافعة لأبصارها
وأعناقها.
(٥) ديوانه ٩٧، وما بين معقوفين محروم في الأصل أثبتناه من ي.
٥٨٣

- الأنعام -
وهذا وإن كان لم يقعْ بعدُ لأنه سيأتي يوم القيامة إلا أنه أُبْرِزَ في صورة
الماضي لتحَقَّقِ الوعد. والثاني: أنها بمعنى ((إنْ)) الشرطية)). و((إِنْ)) هنا تكون : .
بمعنى ((إذا))، والذي حَمَلَ هذا القائلَ على ذلك كونُه لم يقعْ بعدُ، وقد تقدَّم
تأويله .
وقرأ الجمهور: ((وُقِفُوا)) مبنياً للمفعول من وقف ثلاثياً. و((على)) يُحْتمل
أن تكونَ على بابها وهو الظاهر أي: حُبِسوا عليها، وقيل: يجوز أن تكون
بمعنى في، وليس بذاك. وقرأ (١) ابن السَّمَيْفَع وزيد بن علي: ((وَقَفوا)) مبنياً
للفاعل. و((وقف)) يتعدَّى ولا يتعذَّى، وفرَّقَتِ العرب بينهما بالمصدر، فمصدرُ
اللازم على فُعول، ومصدرُ المتعدِّي على فَعْل، ولا يقال: أَوْقَفْتُ. قال
أبو عمرو بن العلاء: ((لم أسمعْ شيئاً في كلام العرب: أوقفت فلاناً، إلا أنِّي
لو رأيت رجلاً واقفاً فقلت له: ((ما أوقفك ههنا)) لكان عندي حسناً) وإنما قال
كذلك لأنَّ تعدِّيَ الفعل بالهمزة مقيس نحو: ضحك زيد وأضحكته أنا، ولكن
سَمِعَ غيره في («وقف» المتعدي أوقفته. قال الراغب(٢): ((ومنه - يعني من
لفظِ وَقَفْتُ القومَ - اسْتُعِيرِ وَقَفْتُ الدابة إذا سَبَلْتُهَا)) فَجَعَل الوقفَ حقيقةً في
مَنْع المشي وفي التسبيل مجازاً على سبيل الاستعارة، وذلك أن الشيء
المُسْبَل كأنه ممنوع من الحركة، والوَقْفُ لفظُ مشترك بين ما تقدَّم وبين سِوار
من عاج(٣)، ومنه: ((جَمار مُوَقَّفٌ بأرساغه مِثْلُ الوَقْف من البياض)).
قوله: ((يا لَيْتنا)) قد تقدَّم الكلام في ((يا)» المباشرة للحرف والفعل.
وقرأ (٤): (ولا نُكَذِّبُ)) و(«نكونُ)) برفعهما نافع وأبو عمرو وابن كثير والكسائي،
(١) انظر: البحر ٠١/٤
(٢) المفردات ٥٣٠.
(٣) انظر: اللسان ((وقف).
(٤) انظر: السبعة ٢٥٥؛ الحجة ٢٤٥؛ الكشف ٤٢٧/١؛ النشر ٢٤٨/٢؛ البحر.
٠١٠١/٤
٥٨٤

- الأنعام -
وبنصبهما حمزةُ وحفص عن عاصم، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر
وأبو بكر. ونقل الشيخ(١) عن ابن عامر أنه نصب الفعلين، ثم قال بعد كلام
طويل ((قال ابن عطية(٢): وقرأ ابن عامر / في رواية هشام بن عمار عن [٣٠٦/ب]
أصحابه عن ابن عامر: ((ولا نكذُّبُ)) بالرفع، و((نكون)» بالنصب)»(٣). فأما
قراءة الرفع فيهما ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن الرفع فيهما على العطف على
الفعل قبلهما وهو ((نُرَدُ))، ويكونون قد تمنُّوا ثلاثة أشياء: الردّ إلى دار الدنيا،
وعدمَ تكذيبهم بآيات ربهم، وكونَهم من المؤمنين. والثاني: أن الواو واو
الحال، والمضارع خبر مبتدأ مضمر، والجملة الاسمية في محل نصب على
الحال من مرفوع ((نُرَدُّ»، والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذِّبين وكائنين من
المؤمنين، فيكونُ تمنِّي الرد مقيَّداً بهاتين الحالَيْن، فيكونُ الفعلان أيضاً
داخلَيْن في التمني.
وقد استشكل الناسُ هذين الوجهين: بأن التمني إنشاء، والإنشاء
لا يدخله الصدق ولا الكذب، وإنما يدخلان في الإخبار، وهذا قد دخله
الكذبُ لقوله تعالى: ((وإنهم لكاذبون))(٤). وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه،
أحدها - ذكره الزمخشري(٥) - قال: ((هذا تمنَّ تضمَّنَ معنى العِدَة فجاز أن
يدخلَه التكذيبُ كما يقول الرجل: ((ليت اللَّهَ يرزقني مالاً فأُحْسِنَ إليك،
وأكافئَك على صنيعك)) فهذا مُتَمَنَّ في معنى الواعد، فلو رُزِق مالاً ولم يُحْسِنْ
إلى صاحبه ولم يكافئه كذَّبَ، وصَحَّ أن يقال له كاذب، كأنه قال: إن رزقني
الله مالاً أحسنت إليك.
(١) البحر ١٠١/٤.
(٢) المحرر ٣١/٦.
(٣) انتهى كلام ابن عطية.
(٤) وذلك في الآية التالية .
(٥) الكشاف ١٣/٢.
٥٨٥

- الأنعام -
والثاني: أن قوله تعالى: ((وإنهم لكاذبون)) ليس متعلّقاً بالمتمنّى، بل
هو مَحْضُ إخبار من الله تعالى بأنهم دَيْدَنهم الكذب وهِجِّيراهم ذلك،
فلم يدخل الكذب في التمني. وهذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح .
والثالث: أنَّا لا نُسَلِّم أن التمنِّي لا يَدْخُله الصدق ولا الكذب، بل
يدخلانه، وعُزِي ذلك إلى عيسى بن عمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر(١):
١٨٩٤- مُنَّىَّ إن تكن حقاً يكنْ أحسنَ المنى وإلّ فقد عِشنا بها زمناً رغْدًا
قال: ((وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقاً جاز أن توصف بكونها
باطلاً وكذباً)). وهذا الجواب ساقط جداً، فإن الذي وُصِفَ بالحق إنما
هو المنى، والمُنى جمع مُنْيَة والمُنْيَّةُ توصف بالصدق والكذب مجازاً ؛ لأنها
كأنها تَعِد النفس بوقوعها فيُقال لِما وقع منها صادق ولما لم يقع منها كاذب،
فالصدق والكذب إنما دخلا في المُنْيَةِ لا في التمني .
والثالث من الأوجه المتقدمة أن قوله ((ولا نكذِّبُ)) خبر لمبتدأ محذوف،
والجملة استئنافية لا تعلُّقَ لها بما قبلها، وإنما ◌ُطِفَتْ هاتان الجملتان
الفعليّتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما في حَيِّزها فليسَتْ داخلةٌ
في التمني أصلاً، وإنما أخبر الله تعالى عنهم أنهم أَخْبروا عن أنفسهم بأنهم
لا يُكَذِّبون بآيات ربهم، وأَنَّهم يكونون من المؤمنين، فتكون هذه الجملة
وما عُطِف عليها في محل نصبٍ بالقول، كأنَّ التقديرَ: فقالوا: يا ليتنا نُرُدُّ
وقالوا: نحن لا نُكَذِّبُ ونكونُ من المؤمنين. واختار سيبويه(٢) هذا الوجه،
وشبَّهه بقولهم: ((دعني ولا أعودُ))، أي وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني، أي:
لا أعود على كل حال، كذلك معنى الآية أَخْبروا أنهم لا يُكَذَّبون بآيات ربهم
وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال، رُدُّوا أو لم يُرَدوا.
(١) لم أقف عليه .
(٢) الكتاب ٤٩٨/١.
٥٨٦

- الأنعام -
وهذا الوجه وإن کان الناسُ قد ذكروه ورجّحوه واختاره سيبويه - كما
مر - فإن بعضهم استشكل عليه إشكالاً وهو: أنَّ الكذبَ لا يقع في الآخرة
فكيف وُصِفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم ((ولا نكذّب ونكون»؟ وقد
أُجيب عنه بوجهين، أحدهما: أن قوله ((وإنهم لكاذبون)) استيثاقٌ لِذَمِّهم
بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّم ذلك آنفاً. والثاني: أنهم صَمَّموا في
تلك الحال على أنهم لورُدُّوا لَمَا عادوا إلى الكفرلما شاهدوا من الأهوال
والعقوبات، فأخبر الله تعالى أنَّ قولَهم في تلك الحال: ((ولا نكذِّبُ)) وإن كان
عن اعتقاد وتصميم يتغيّر على تقدير الرد ووقوع العَوْد، فيصير قولهم:
((ولا نكذب)) كذباً، كما يقول اللص عند ألم العقوبة: ((لا أعود))، ويعتقد ذلك
ويصمم عليه، فإذا خُلُّص وعادَ كان كاذباً.
[وقد أجاب مكي(١) أيضاً بجوابين، أحدهما](٢) قريبٌ مما تقدَّم،
والثاني لغيره، فقال: ((أي: لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل وإنكارهم
البعثَ للحال التي كانوا عليها (٣). وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوعَ التكذيب في
الآخرة لأنهم ادِّعَوا أنهم لورُدُّوا لم يكذِّبوا بآيات الله، فعلمَ اللَّهُ ما لا يكون
لو كان كيف يكون، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكذَّبوا بآيات الله، فأكذبهم الله
في دعواهم».
وأمَّا نَصْبُهما فبإضمار ((أَنْ)) بعد الواو التي بمعنى مع، كقولك: ((ليت [٣٠٧/أ]
لي مالاً وأنفقَ منه)) فالفعل منصوب بإضمار (أن)) و((أنْ)) مصدرية ينسبك منها
ومن الفعل بعدها مصدرٌ، والواو حرف عطف فيستدعي معطوفاً عليه، وليس
قبلها في الآية إلا فعلٌ فكيف يُعْطَفُ اسمُ على فعل؟ فلا جَرَمَ أَنَّا نقدِّر مصدراً
(١) المشكل لمكي ٢٦٢/١.
(٢) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من ي.
(٣) عبارة المشكل: ((فيكون ذلك حكاية للحال التي كانوا عليها في الدنيا)).
٥٨٧

- الأنعام -
متوهماً يُعْطَفُ هذا المصدر المنسبك من ((أَنْ)) وما بعدها عليه، والتقدير:
يا ليتنا لنا رَدُّ وانتفاءُ تكذيب بآيات ربنا وكون من المؤمنين، أي: ليتنا لنا ردّ
مع هذين الشيئين، فيكون عدمُ التكذيب والكونُ من المؤمنين مُتَمَنَّبْنِ أيضاً،
فهذه الثلاثةُ الأشياءِ: أعني الردَّ وعدمَ التكذيب والكونَ من المؤمنين متمنَّاةٌ
بقيد الاجتماع، لا أنَّ كلَّ واحدٍ متمنَّى وحدَه؛ لأنه كما قَدَّمْتُ لك: هذه الواوُ
شرطُ إضمار ((أَنْ)) بعدها: أن تصلح ((مع)) في مكانها، فالنصبُ يُعَيِّنُ أَحدَ
محتملاتِها في قولك ((لا تأكل السمك وتشرب اللبن)) وشبهه، والإِشكالُ
المتقدم وهو إدخال التكذيب على التمني واردٌ هنا، وقد تقدم جواب ذلك، إلا
أن بعضَه يتعذَّر ههناٍ وهو كون ((لا نكذِّبُ، ونكونُ)) مستأنَفَيْن سِيقا لمجرد
الإِخبار، فبقي: إمَّا لكون التمني دخله معنى الوعد، وإمَّا أن قوله تعالى:
((وإنهم لكاذبون)) ليس راجعاً إلى تمنِّهم، وإمَّا لأنَّ التمنِّي يدخله التكذيب،
وقد تقدَّم فساده.
وقال ابن الأنباري: ((أَكْذَبَهم في معنى التمني؛ لأن تمنّيُهم راجعٌ إلى
معنى: ((نحن لا نكذِّب إذا رُدِدْنا)) فغلَّب عزَّ وجل تأويلَ الكلام فأكذبهم،
ولم يُسْتعمل لفظ التمني)). وهذا الذي قاله ابن الأنباري تقدَّم معناه بأوضح من
هذا. قال الشيخ(١): ((وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أنَّ هذه الواوَ المنصوبُ
بعدها هو على جواب التمني، كما قال الزمخشري(٢): ((وقرىء: ولا نكذِّبَ
ونكونَ بالنصب بإضمار أَنْ على جواب التمني، ومعناه: إنْ رُدِدْنا لم نكذِّبْ
ولكنْ من المؤمنين)). قال(٣): ((وليس كما ذكر، فإنَّ نَصْبَ الفعل بعد الواو
ليس على جهة الجواب؛ لأنَّ الواوَ لا تقع [في](٤) جواب الشرط فلا ينعقد
(١) البحر ٤ /١٠١.
(٢) الكشاف ١٣/٢.
(٣) أي الشيخ أبو حيان.
(٤) زيادة من البحر.
٥٨٨

- الأنعام -
ممَّا قبلها ولا ممَّا بعدها شرط وجواب، وإنما هي واو ((مع)) يُعْطَفُ ما بعدها
على المصدر المتوهّم قبلها، وهي واو العطف يتعيَّنُ مع النصب أحدُ محامِلها
الثلاثة: وهي المعيَّةُ ويُمَيِّزها من الفاء تقديرُ ((مع)) موضعها، كما أن فاء
الجواب إذا كان بعدها فعلٌ منصوب ميّزها تقدير شرطٍ قبلها أو حال مكانها.
وشُبْهَةٌ مَنْ قال إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء،
فتوهّم أنها جواب. وقال سيبويه(١): ((والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب
من حيث انتصب ما بعد الفاء، والواو والفاء معناهما مختلفان، ألا ترى(٢):
١٨٩٥- لا تّنْهَ عن خلق وتأتي مثله
لو دخلت الفاءُ هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد: لا تجمع النهيَ
والإِتيان وتقول: ((لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبن)) لو أَدْخَلْتَ الفاء فَسَدَ
المعنى)). قال الشيخ (٣): ((ويوضِّح لك أنها ليست بجواب انفرادُ الفاءِ دونها
بأنها إذا حُذِفت انجزم الفعلُ بعدها بما قبلها لِما تضمَّنه من معنى الشرط إلا
في النفي (٤)، فإن ذلك لا يجوز)). قلت: قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة
أبو إسحاق الزجاج شيخ الجماعة. قال أبو إسحاق(٥): ((نصبُ على الجواب
بالواو في التمني كما تقول: ((ليتك تصير إلينا ونكرمَك)) المعنى: ليت مصيرك
يقع وإكرامَنا، ويكون المعنى: ليت ردًّنا وقع وأن لا نكذِّب)).
وأمَّا كونُ الواو ليست بمعنى الفاء فصحيحٌ، على ذلك جمهورُ النحاة.
إلا أني رأيت أبا بكر ابن الأنباري خرَّج النصب على وجهين، أحدهما: أن
(١) الكتاب ٤٢٤/١.
(٢) تقدم برقم ٤١١.
(٣) البحر ١٠٢/٤.
(٤) عبارة البحر: ((إلا إذا نصبت بعد النفي وسقطت الفاء فلا ينجزم)).
(٥) معاني القرآن ٢٦٣/٢.
٥٨٩

- الأنعام -
الواو بمعنى الفاء. قال أبو بكر: ((في نصب ((نكذِّبَ)) وجهان، أحدهما: أن
الواو مُبْدَلةٌ من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ فلا نكذِّبَ ونكونَ، فتكون الواو هنا
بمنزلة الفاء في قوله: ((لو أنَّ لي كرة فأكون من المحسنين))(١) يؤكد هذا قراءة
ابنِ مسعود وابن أبي إسحاق: ((يا ليتنا نردُّ فلا نكذبَ)) بالفاء منصوباً. والوجه
[٣٠٧/ب] الآخر: النصب على الصرف ومعناه الحال، أي: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذِّبين /.
وأمَّا قراءة ابن عامر - برفع الأول ونصب الثاني - فظاهرةٌ بما تقدَّم؛
لأنَّ الأولَ يرتفع على حدٍّ ما تقدَّم من التأويلات، وكذلك نصبُ الثاني يتخرَّج
على ما تقدَّم، ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو استأنفه، إلا أنَّ
المنصوبَ يحتمل أن يكون من تمام قوله ((نُرَدُّ) أي: تَمَنَّوا الردَّ مع كونهم من
المؤمنين، وهذا ظاهر إذا جَعَلْنا ((ولا نكذِّب)) معطوفاً على ((نردُّ» أو حالاً منه.
وأما إذا جَعَلْنا ((ولا نكذُّبُ)) مستأنفاً فيجوز ذلك أيضاً ولكن على سبيل
الاعتراض، ويحتمل أن يكونَ من تمامِ ((ولا نكذِّب)» أي: لا یکونُ منا تكذيب
مع كوننا من المؤمنين، ويكون قوله ((ولا نكذب)) حينئذ على حاله، أعني مِنْ
احتماله العطفَ على ((نُرَدُّ» أو الحالية أو الاستئناف، ولا يخفى حينئذٍ دخولُ
كونهم مع المؤمنين في التمني وخروجُه منه بما قرَّرْتُه لك.
:
وَقُرىء شاذاً عكسَ قراءة ابن عامر، أي: بنصب ((نكذبَ)) ورفع
(نكون)). وتخريجها على ما تقدم، إلا أنها يضعف فيها جَعْلُ ((ونكونُ مِن
المؤمنين)» حالاً لكونه مضارعاً مُثْبَتاً إلا بتأويل بعيد كقوله(٢):
١٨٩٦-
نَجَوْتُ وأَرْهَنُهم مالكاً
أي: وأنا أَرْهَنُهم، وقولهم: «قمتُ وأصلُ عينه)»، ويدل على حذف
هذا المبتدأ قراءةُ أُبيٍّ: ((ونحن نكونُ من المؤمنين)).
(١) الآية ٥٨ من الزمر.
(٢) تقدم برقم ٤١٩.
٥٩٠

- الأنعام -
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿بل بدا﴾: ((بل)) هنا لانتقالٍ من قصة إلى
أخرى وليست للإِبطالِ، وعبارةُ بعضهم توهم أن فيها إبطالاً لكلام الكفرة فإنه
قال: ((بل)) رَدٌّ لِما تمَنَّوه، أي: ليس الأمر على ما قالوه لأنهم لم يقولوا ذلك
رغبةً في الإِيمان، بل قالوه إشفاقاً من العذاب وطمعاً في الرحمة. قال
الشيخ (١): ((ولا أدري ما هذا الكلام؟)). قلت: ولا أدري ما وَجْهُ عدمِ الدراية
منه؟ وهو كلام صحيح في نفسه، فإنهم لمّا قالوا: يا ليتنا كأنهم قالوا تمنّْنا،
ولكن هذا التمنَّ ليس بصحيح، لأنهم إنما قالوه تقيّةً، فقد يتمنى الإِنسان
شيئاً بلسانه وقلبه فارغ منه. وقال الزجَّاج(٢) ((بل)) هنا استدراك وإيجابُ نفي
كقولهم: ما قام زيد بل قام عمرو)). قال الشيخ (٣): ((ولا أدري ما النفيُ الذي
سَبَق حتى توجبَه ((بل))؟ قلت: الظاهرُ أنَّ النفي الذي أراده الزجاج هو الذي
في قوله: ((ولا نكذِّبُ بآيات ربنا)) إذا جعلناه مستأنفاً على تقدير: ونحن
لا نكذِّبُ، والمعنى: بل إنهم مُكَذِّبون.
وفاعلُ ((بدا)) قوله: ((ما كانوا))، و((ما)) يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً
وهو الظاهر، أي: ظهر لهم الذي كانوا يُخْفونه. والعائد محذوف. ويجوز أن
تكونَ مصدريةً، أي ظهر لهم إخفاؤهم، أي: عاقبته، أو أُطْلِقِ المصدرُ على
اسم المفعول، وهو بعيد، والظاهر أن الضميرين: أعني المجرورَ والمرفوع
في قوله ((بدا لهم ما كانوا يخفون)) عائدان على شيء واحد، وهم الكفار
أو اليهود والنصارى خاصة. وقيل: المجرورُ للأتباع والمرفوعُ للرؤساء، أي:
بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبوعون يُخْفُونه.
قوله: ((ولو رُدُّوا)) قرأ الجمهور بضم الراء خالصاً. وقرأ(٤) الأعمش
(١) البحر ١٠٣/٤.
(٢) لم يرد هذا القول في ((معاني القرآن)).
(٣) المحرر ١٠٣/٤.
(٤) البحر ١٠٤/٤.
٥٩١

- الأنعام -
ويحيى بن وثاب وإبراهيم: ((رِدُّوا)) بكسرها خالصاً. وقد عَرَفْتَ أن الفعلّ
الثلاثي المضاعف العين واللام يجوز في فائه إذا بُني للمفعول ثلاثة الأوجه
المذكورة في فاء الثلاثي المعتل العين إذا بُني للمفعول نحو: قيل وبيع، وقد
تقدَّم ذلك. وقال الشاعر(١):
١٨٩٧ - وما جِلَّ مِنْ جهلٍ حُبا حُلمائِنا ولا قائلُ المعروف فينا يُعَنَفُ
بكسر الحاء.
قوله: ((وإنهم لكاذبون)) تقدَّم الكلام على هذه الجملة: هل هي مستأنفة
أو راجعة إلى قوله ((يا ليتنا))؟
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾: هل هذه الجملة معطوفة على
جواب ((لو)»، والتقدير: ولورُدُّوا لعادوا ولقالوا، أو هي مستأنفة ليست داخلةً
[٣٠٨/ أ] في حَيِّز ((لو)، / أوهي معطوفةٌ على قوله: ((وإنهم لكاذبون)»؟ ثلاثةُ أوجه، ذكر
الزمخشري (٢) الوجهين الأول والآخر فإنه قال: ((وقالوا عطف على ((لعادوا)).
أي: لو رُدُّوا لكفروا ولقالوا: إنْ هي إلا حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل.
معاينة القيامة، ويجوز أن يُعْطف على قوله: ((وإنهم لكاذبون)) على معنى:
وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء)). والوجهُ الأولُ منقول عن ابن زيد، إلا أن
ابن عطية ردَّه فقال(٣): ((وتوقيفُ اللَّهِ لهم في الآية بعدها على البعث
والإِشارة إليه في قوله ((أليس هذا بالحق)) يردُّ على هذا التأويل)). وقد يُجاب
عن هذا باختلاف حالين: فإنَّ إقرارَهم بالبعث حقيقةً إنما هو في الآخرة،
وإنكارَهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عَوْدِهم إلى الدنيا، فاعترافهم به في
الدار الآخرة غيرُ منافٍ لإنكارهم إياه في الدنيا.
(١) تقدم برقم ١٨٨ .
(٢) الكشاف ١٣/٢.
(٣) المحرر ٣٤/٦.
٥٩٢

- الأنعام -
قوله: ((إنْ هي إلا حياتُنا)) ((إِنْ)) نافية و ((هي)) مبتدأ، و((حياتُنا)) خبرها،
ولم يكتفُوا بمجرَّد الإِخبار بذلك حتى أبرزوها محصورةً في نفيٍ وإثبات،
و ((هي)) ضمير مُبْهَم يفسِّره خبره، أي: ولا نعلم ما يُراد به إلا بذكر خبره،
وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها لفظاً ورتبة، وقد قَدَّمْتُ ذلك عند قوله:
((فَسَوَّاهن سبعَ سموات))(١)، وكونُ هذا ممَّا يفسِّره ما بعده لفظاً ورتبةً فيه نظرً،
إذ لقائل أن يقول ((هي)» تعود على شيء دلَّ عليه سياقُ الكلام، كأنهم قالوا:
إنَّ العادةَ المستمرة أو إن حالتنا وما عَهِدْنا إلا حياتنا الدنيا، واستند هذا القائل
إلى قولِ الزمخشري(٢): ((هذا ضميرٌ لا يُعْلَمُ ما يُراد به إلا بِذِكْر ما بعده))
ومثّل الزمخشري بقول العرب: ((هي النفس تتحمِّل ما حَمَلَتْ)) و((هي العرب
تقول ما شاءت)).
وليس فيما قاله الزمخشري دليل له؛ لأنه يعني أنه لا يُعلم ما يعود عليه
الضمير إلا بذكر ما بعده، وليس في هذا ما يدلُّ على أن الخبر مفسِّرٌ للضمير،
ويجوز أن يكون المعنى: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، فقوله ((إلا حياتنا الدنيا)»
دالٌّ على ما يفسِّر الضمير وهو الحياة مطلقاً، فَصَدَقَ عليه أنه لا يعلم ما يُراد به
إلا بذكر ما بعده من هذه الحيثية لا من حيثيّة التفسيرِ، ويدلُّ على ما قلتُه قولُ
أبي البقاء(٣): ((هي كنايةٌ عن الحياة، ويجوز أن يكون ضميرَ القصة)).
قلت: أمَّا أولُ كلامِه فصحيحٌ، وأمَّا آخرُه وهو قوله: ((إن هي ضمير
القصة)» فليس بشيء؛ لأن ضمير القصة لا يفسّر إلا بجملةٍ مصرَّحٍ بجزْأَيْها.
فإن قلت: الكوفي يجوِّزُ تفسيره بالمفرد فيكون نحا نحوَهم. فالجوابُ أن
الكوفيَّ إنما يُجَوِّزه بمفرد عامل عملَ الفعل نحو: ((إنه قائم زيد)) ((وظنتُه قائماً
زيدٌ)) لأنه في صورة الجملة، إذ في الكلام مسندٌ ومسندٌ إليه. أما نحو
(١) الآية ٢٩ من البقرة.
(٢) لم يرد في ((الكشاف)) في هذا الموضع.
(٣) الإملاء ٢٣٩/١.
٥٩٣

- الأنعام -
((هوزيد)) فلا يُجيزه أحدٌ، على أن يكونَ ((هو)) ضميرَ شأنٍ ولا قصة، والدنيا
صفة الحياة، وليست صفةٌ مزيلةً اشتراكاً عارضاً، يعني أن ثَمَّ حياةً غيرَ دنيا
يُقِرُّون بها، لأنهم لا يَعْرفون إلا هذه، فهي صفةٌ لمجرد التوكيد، كذا قيل،
ويَعْنون بذلك أنها لا مفهومَ لها، وإلاّ فحقيقةُ التوكيد غير ظاهرةٍ بخلاف
(نفخة واحدة))(١). والباء في قوله ((بمبعوثين)) زائدةٌ لتأكيد الخبر المنفي،
ويحتمل مجرورها أن يكونَ منصوبَ المحلِّ على أنَّ ((ما) حجازيةٌ، أو مرفوعةٌ
على أنها تميمية.
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿على ربهم﴾: فیه وجهان، أحدهما: أنه من
باب الحذف، تقديره: على سؤال ربهم أو ملك ربهم أو جزاء ربهم. والثاني :
أنه من باب المجاز؛ لأنه كنايةٌ عن الحَبْسِ للتوبيخ، كما يوقَفُ العبدُ بين
يدي سيِّده ليعاتبه، ذكر ذلك الزمخشري(٢)، ورجّح المجاز على الحذف لأنه
بدأ بالمجاز، ثم قال: ((وقيل [وُقفوا](٣) على جزاء ربهم)). وللناس خلافٌ
[٣٠٨/ب] / في ترجيح أحدهما على الآخر. وجملة القول فيه أن فيه ثلاثةَ مذاهب،
أشهرُها: ترجيحُ المجاز على الإِضمار، والثاني عكسُه، والثالث: هما سواء.
قوله: ((قال أليس، في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها استفهاميةٌ أي:
جواب سؤال مقدر، قال الزمخشري (٤): ((قال)) مردودٌ على قولٍ قائلٍ
قال: ماذا قال لهم ربُّهم إذا وُقِفوا عليه؟ فقيل: قال لهم: أليس هذا بالحق)).
والثاني: أن تكون الجملة حالية، وصاحبُ الحال ((ربُّهم)) كأنه قيل: وُقِفُوا عليه
قائلاً: أليس هذا بالحق. والمشارُ إليه قيل: هو ما كانوا يكذُّبون به من
البعث. وقيل: هو العذاب يدلُّ عليه ((فذوقوا العذابَ)).
(١) من الآية ١٣ من الحاقة.
(٢) الكشاف ١٣/٢.
(٣) زيادة من الكشاف.
(٤) الكشاف ١٣/٢.
٥٩٤

- الأنعام -
وقوله: ((بما كنتم)) يجوز أن تكونَ ((ما)) موصولةً اسميةً والتقدير:
تكفرونه، والأصل: تكفرون به، فاتصل الضمير بالفعل بعد حذف الواسطةِ،
ولا جائزٌ أن يُحْذَف(١) وهو مجرور بحاله، وإن كان مجروراً بحرفٍ جُرَّ بمثله
الموصولُ لاختلاف المتعلّق، وقد تقدَّم إيضاحُه غيرَ مرة. والْأَوْلَى أَن تُجْعَلَ
((ما) مصدرية ويكون متعلَّق الكفر محذوفاً، والتقدير: بما كنتم تكفرون بالبعث
أو بالعذاب أي بملاقاته أي بكفركم بذلك.
آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿بَغْتَةٌ﴾: في نصبها أربعة أوجه، أحدها:
أنها مصدرٌ في موضع الحال من فاعل ((جاءَتْهم)) أي: مباغتةً، وإمَّا من مفعوله
أي : مَبْغوتين. الثاني: أنها مصدرٌ على غير الصدر؛ لأنَّ معنى ((جاءتهم))
بَغَتَتْهُمْ بغتة، فهو كقولهم: ((أتيته رَكْضاً)). الثالث: أنَّها منصوبةٌ بفعلٍ محذوف
من لفظها، أي: تَبْغَتُهُم بَغْتَة. الرابع: بفعلٍ من غير لفظها، أي: أتتهم
بغتة .
والبَّغْتُ والبَغْتَةُ مفاجأة الشيء بسرعة من غير اعتدادٍ به ولا جَعْلٍ بالٍ
منه حتى لو استشعر الإِنسانُ به ثم جاءه بسرعةٍ لا يُقال فيه بَغْتَة، ولذلك قال
الشاعر (٢):
١٨٩٨- إذا بَغَتَتْ أشیاءُ قد كان قبلها
قديماً فلا تَعْتَدَّها بَغْتَاتٍ
والألف واللام في ((الساعة)) للغلبة كالنجم والثريا، لأنها غلبت على يوم
القيامة، وسمِّيَتِ القيامةُ ساعةً لسرعة الحساب فيها على الباري تعالى. وقوله
((قالوا)) هو جواب ((إذا)).
قوله: ((يا حَسْرَتا)) هذا مجازٌ؛ لأنَّ الحسرةَ لا يتأتّى منها الإِقبال، وإنَّما
(١) أي يحذف الضمير العائد.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في مفردات الراغب ٥٥ .
٥٩٥

- الأنعام -
المعنى على المبالغة في شدة التحرُّ، وكأنهم نادوا التحسُّر، وقالوا: إن كان
لكِ وقتٌ فهذا أوان حضورك. ومثله: ((يا ويلتا)»، والمقصودُ التنبيهُ على خطأ
المنادي حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء.
قوله: ((على ما فرَّطْنَا)) متعلقٌ بالحَسْرة، و((ما)) مصدريةٌ، أي: على
تفريطنا. والضمير في ((فيها)) يجوز أن يعود على الساعة، ولا بد من مضاف
أي: في شأنها والإِيمان بها، وأن يعود على الصفقة المتضمِّنة في قوله: ((قد
خسر الذين)) قاله الحسن، أو يعود على الحياة الدنيا وإن لم [يَجْرِ] لها ذِكْرٌ
لكونها مَعْلومةً، قاله الزمخشري(١). وقيل: يعود على منازلهم في الجنة
إذا رأَوْها. وهو بعيدٌ.
والتفريطُ: التقصيرُ في الشيء مع القدرة على فعله. وقال أبو عبيد(٢):
((هو التضييع)). وقال ابن بحر: ((هو السَّبْق، ومنه الفارط أي السابق للقوم،
فمعنى فرَّط بالتشديد خلَّى السبق لغيره، فالتضعيف فيه للسَّلْب كجلَّدْتُ
البعیر (٣) ،ومنه «فتهجَّد به نافلة»(٤).
قوله: ((وهم يَحْمِلون)) الواو للحال، وصاحب الحال الواو في ((قالوا))
أي: قالوا: يا حَسْرَتَنا في حالةٍ حَمْلِهم أوزارَهم. وصُدِّرت هذه الجملة بضمير
مبتدأ ليكون ذِكْرُه مرتين فهو أبلغُ، والحَمْلُ هنا قيل: مجازٌ عن مقاساتهم
العذابَ الذي سيُّه الأوزارُ، وقيل: هو حقيقةً. وفي الحديث: ((إنه يُمَثَّل له
عملُه بصورةٍ قبيحةٍ مُنْتِنَةٍ الريح فيحملها))(٥) وخُصِّ الظهرُ لأنه يُطِيق من
الحمل ما لا يُطِيقه غيره من الأعضاء كالرأس والكاهل، وهذا كما تقدَّم في
(١) الكشاف ١٣/٢.
(٢) هذه عبارة أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٩٠/١، وأثبتنا ما هو في الأصل.
(٣) جلَّدت البعير: مثل سلخ الشاة.
(٤) الآية ٧٩ من الإِسراء.
(٥) لم أقف عليه.
٥٩٦

- الأنعام -
((فلمسوه بأيديهم))(١)؛ لأن اليدَ أقوى في الإِدراك اللمسي من غيرها.
الأوزار(٢): جمع وِزْر كحِمْل وأَحْمال وعِدْل وأعدال. والوِزْر في
الأصل الثقل، ومنه: وَزِرْتُهُ أي: حَمِّلْته شيئاً ثقيلاً، ووزير المَلِك من هذا لأنه
يتحمَّل أعباءَ ما قلَّده الملك من مؤونة رعيَّته وحَشَمَتِه، ومنه أوزار الحرب
/ لسلاحها وآلاتها، قال(٣):
[٣٠٩/أ]
١٨٩٩- وأعدَدْتُ الحرب أوزارَها رماحاً طِوالاً وخيلا ذُكورا
وقيل: الأصل في ذلك الوَزَر بفتح الواو والزاي، وهو الملجأ الذي
يُلْتجأ إليه من الجبل، قال تعالى: ((كلا لا وَزَر))(٤) ثم قيل للثقل وِزْرٌ تشبيهاً
بالجبل، ثم استُغير الوِزْرُ الذُّنْبِ تشبيهاً به في ملاقاة المشقة منه، والحاصل
أنَّ هذه المادةَ تَدُلُّ على الرَّزانةِ والعِصْمة.
قوله: ((ألا ساءَ ما يَزِرون)) ((ساء)) هنا تحتمل أوجهاً ثلاثة، أحدُها: أنها
((ساء)) المتصرفةُ المتعدِّية، ووزنها حينئذ فَعَل بفتح العين، ومفعولُها حينئذ
محذوف، وفاعلها ((ما))، و((ما)) تحتمل ثلاثة أوجه: أن تكونَ موصولةٌ اسمية
أو حرفية أو نكرة موصوفة وهو بعيدٌ، وعلى جَعْلِها اسميةً أو نكرة موصوفة تُقَدِّر
لها عائداً، والحرفية غير محتاجة إليه عند الجمهور. والتقدير: ألا ساءهم
الذي يَزِرُونه أو شيء يزرونه أو وِزْرُهم. وبدأ ابن عطية بهذا الوجه قال(٥).
((كما تقول: ساءني هذا الأمر، والكلام خبر مجرد كقوله(٦):
١٩٠٠ - رَضِيْتِ خِطَّةَ خَسْفٍ غيرَ طائلةٍ
فساءَ هذا رِضَئِ يا قیسَ عیلانا
(١) الآية ٧ من الأنعام.
(٢) انظر: مفردات الراغب ٥٢١.
(٣) البيت للأعشى وهو في ديوانه ١٣٥؛ واللسان: وزر.
(٤) الآية ١١ من القيامة.
(٥) المحرر ٣٧/٦.
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٠٨/٤.
٥٩٧

- الأنعام -
!
قال الشيخ(١): ((ولا يتعيّن أن تكون ((ما)) في البيت خبراً مجرداً بل تحتمل
الأوجه الثلاثة)) انتهى وهو ظاهر.
الثاني: أن تكون للتعجُّبِ فتنتقل من فَعَل بفتح العين إلى فَعُل بضمها،
فتُعْطَى حكمَ فعل التعجب: من عدم التصرُّفِ والخروج من الخبر المحض
إلى الإنشاء، إن قلنا: إن التعجب إنشاءٌ وهو الصحيح، والمعنى: ما أسوأ
- أي أقبح ــ الذي يَزِرُونه أو شيئاً يَزِرُونه أو وِزْرُهم. الثالث: أنها بمعنی بئس
فتكون للمبالغةِ في الذم فتُعْطى أحكامَها أيضاً، ويجري الخلاف في ((ما))
الواقعةِ بعدها حَسْبما ذكر في ((بئسما اشتروا))(٢). وقد ظهر الفرقُ بين هذه
الأوجه الثلاثة فإنها في الأول متعدية متصرفة والكلام معها خبرٌ محض، وفي
الأخيرين قاصرة جامدة إنشائية. والفرق بين الوجهين الأخيرين أنَّ التعجبيَّةً
لا يُشْترط في فاعلها ما يشترط في فاعل بئس. وقال الشيخ (٣): ((والفرقُ بين
هذا الوجهِ - يعني كونها بمعنى بئس - والوجه الذي قبله - يعني كونَها
تعجبيَّةً - أنه لا يُشترط فيه ما يُشترط في فاعل ((بئس)) من الأحكام،
ولا هو جملةٌ منعقدةٌ من مبتدأ وخبر، إنما هو منعقدٌ من فعل وفاعل)). انتهى .
وظاهره لا يَظْهر إلا بتأويل وهو أن الذمَّ لا بد فيه من مخصوصٍ بالذم
وهو مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره فانعقدَ من هذه الجملةِ مبتدأ وخبر،
إلا أنَّ لقائل أن يقول: إنما يتأتَّى هذا على أحد الأعاريب في المخصوص،
وعلى تقدير التسليم فلا مَدْخَل للمخصوص بالدم في جملة الذم بالنسبة إلى
كونها فعليةً فحينئذ لا يظهر فرقٌ بينها وبين التعجبية في أنَّ كلّ منها منعقدة من
فعلٍ وفاعل.
(١) البحر ١٠٨/٤.
(٢) الآية ٩٠ من البقرة.
(٣) البحر ١٠٨/٤.
٥٩٨

- الأنعام-
آ. (٣٢) قوله تعالى: ﴿وما الحياةُ الدنيا إلا لَعِبٌ﴾: يجوز أن
يكون من المبالغة جَعْلُ الحياة نفس اللعب واللهو كقولها(١):
١٩٠١-
فإنما هي إقبالٌ وإدبار
وهذا أحسن، ويجوز أن يكون في الكلام حذف أي: وما أعمال
الحياة، وقال الحسن البصري: ((وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب))، فقدَّر
شيئين محذوفين.
واللَّهْو: صَرْفُ النفس عن الجدّ إلى الهزل(٢). ومنه لها يلهو. وأمَّا لَّهِي
عن كذا فمعناه صَرَفَ نفسَه، والمادةُ واحدةٌ انقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها
نحو: شَقِي ورضي. وقال المهدوي: ((الذي معناه الصرفُ لامُه ياء بدليل
قولهم لَهْيان، ولام الأول واو)). قال الشيخ(٣): ((وليس بشيء؛ لأن الواو في
التثنية انقلبت ياءً فليس أصلها الياء، ألا ترى إلى تثنية شَجٍ : شَجِيان وهو مِن
الشَّجْوِ)) انتهى. يعني أنهم يقولون في اسم فاعله: لَهٍ كشجٍ، والتثنيةُ مبنيّةٌ
على المفرد، وقد انقلبت في المفرد فَلْتنقلب في المثنى [ولنا فيه بحثُ
أَوْدَعْناه في ((التفسير الكبير)» ولله الحمد](٤) وبهذا يَظْهَرُ فسادُ رَدِّ المهدوي على
الرماني، فإنَّ الرماني قال: ((اللعب عَمَلٌ يُشْغِلُ النفسَ عما تنتفعُ به، واللّهْوُ
صَرْفُ النفسِ من الجدّ إلى الهزل، يقال: لَهَيْتُ عنه أي صرفْتُ نفسي عنه))
قال المهدوي: ((وفيه ضعفٌ وبُعْدٌ؛ لأنَّ الذي فيه معنى الصرف لامه ياء،
بدليل قولهم في التثنية لهيان)) انتهى. وقد تقدَّم فسادُ هذا الردِّ وقال
/ الراغب(٥): ((اللَّهُوُ ما يَشْغَلُ الإِنسانَ عما يَعْنِيه ويَهُمُّه، يقال: لَهَوْتُ بكذا [٣٠٩/ب]
(١) تقدم برقم ١٨٤٣.
(٢) قوله: ((الهزل)) غير واضح في الأصل.
(٣) البحر ١٠٨/٤.
(٤) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل أثبتناه من ص.
(٥) المفردات ٤٥٥ .
٥٩٩

- الأنعام =
أو لهيت عن كذا اشتغلْتُ عنه بلَهْوِ) وهذا الذي ذكره الراغب هو الذي حَمَلَ
المهدوي على التفرقة بين المادتين . .
قوله: ((وللدارُ الآخرةِ)) قرأ الجمهور بلامَيْن، الْأُوْلى لام الابتداء،
والثانية للتعريفِ، وقرؤوا (الآخرةُ)) رفعاً على أنها صفةٌ للدار، و((خيرٌ))
خبرُها. وقرأ(١) ابن عامر: ((وَلَدَارُ)) بلامٍ واحدة هي لامُ الابتداء، و ((الآخرةِ» جرِّ
بالإِضافة. وفي هذه القراءة تأويلان، أحدُهما قولُ البصريين وهو أنه من باب
حَذْف الموصوف وإقامةِ الصفةِ مُقامه، والتقدير: ولَدارُ الساعةِ الآخرة، أو لَدار
الحياة الآخرة، يدلُّ عليه ((وما الحياة الدنيا)) ومثله قولهم: ((حبة الحمقاء ومسجد
الجامع وصلاة الأولى ومكان الغربي)) التقدير: حبة البقلة الحمقاء، ومسجد
المكان الجامع، وصلاة الساعة الأولى، ومكان الجانب الغربي. وحَسَِّن ذلك
أيضاً في الآية كونُ هذه الصفةِ جَرَتْ مَجْرى الجوامد في إيلائِها العوامل
كثيراً، وكذلك كلُّ ما جاء مما تُوُهِّم فيه إضافةُ الموصوفِ إلى صفته، وإنما
احتاجوا إلى ذلك لِئلّاً يُلْزَمَ إضافةُ الشيء إلى نفسه وهو ممتنع؛ لأن الإضافة:
إمَّا للتعريف أو للتخصيص، والشيء لا يُعَرِّف نفسه ولا يخصِّصُها.
والثاني :- وهو قول الكوفيين _(٢) أنه إذا اختلف لفظ الموصوف وصفته
جازت إضافته إليها، وأوردوا ما قدَّمْتُه من الأمثلة. قال الفراء (٣): ((هي إضافةُ
الشيء إلى نفسِه كقولك: بارحة الأولى ويوم الخميس وحق اليقين، وإنما
يجوز عند اختلاف اللفظين)». وقراءةُ ابن عامر موافقةٌ لمصحفه؛ فإنها رُسِمَتْ
في مصاحف الشاميين بلامٍ واحدة، واختارها بعضُهم لموافقتها لما أُجْمِع عليه
(١) انظر: السبعة ٢٥٦؛ الكشف ٤٢٩/١؛ الحجة ٢٤٦؛ النشر ٢٤٨/٢؛ البحر
٠١٠٩/٤
(٢) انظر: الإنصاف ٤٣٦
(٣) معاني القرآن ٣٣٠/١
٦٠٠