Indexed OCR Text
Pages 561-580
- الأنعام - منه إعمال المصدر مضمراً، وقد يقال: يُخْتفر ذلك في الظروف. الثالث: قال أبو البقاء(١): ((إنه حال من الضمير)). قلت: يعني الضمير الذي قام مقام الفاعل، وجاز وقوعُ الحال ظرف زمان لأنها عن معنىٌ لا عن جثة. الثاني من الأوجه الأربعة(٢): أن القائم مقام الفاعل ضمير ((مَنْ))، والضمير في ((عنه)) يعود على العذاب، والظرف منصوب: إمَّا بـ ((يُصْرف))، وإمَّا على الحال من هاء ((عنه)). والثالث من أوجه العامل في ((يومئذ)) متعذّر هنا وهو واضح، والتقدير: أي شخصٍ يُصْرف هو عن العذاب. الثالث: أن القائم مقام الفاعل ((يومئذ)): إمَّا على حذف مضاف أي: من يُصرف عنه فَزَعُ يومئذ أو هول يومئذ، وإمَّا على قيام الظرف دون مضاف كقولك: ((سير يوم الجمعة))، وإنما بُني ((يومئذ)) على الفتح لإضافته إلى غير متمكن، ولو قرىء بالرفع لكان جائزاً في الكلام، وقد قرىء: ((ومِنْ خزي يومئذ))(٣) فتحاً وجراً بالاعتبارين، وهما اعتباران متغايران، فإن قيل: يلزمُ على عدم تقدير حذف المضاف إقامةُ الظرف غير التام مقامَ الفاعل، وقد نصُّوا على أن الظرف المقطوع عن الإضافة لا يُخبر به ولا يقوم مقام فاعل، لو قلت: ((ضُرب قبلُ)) لم يجز، والظرف هنا في حكم المقطوع عن الإِضافة فلا يجوز قيامه مقام / الفاعل إلا على حذف مضاف، فالجواب أن هذا في قوة الظرف المضاف، [٣٠٢/ب] إذ التنوين عوضٌ عنه، وهذا ينتهض على رأي الجمهور، أما الأخفش فلا، لأن التنوين عنده تنوين صَرْفٍ والكسر كسر إعراب، وقد أوضحت ذلك إيضاحاً شافياً في غير هذا الموضوع(٤). (١) الإملاء ٢٣٧/١. (٢) أي في القائم مقام فاعل يُصْرَف. (٣) الآية ٦٦ من هود، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بكسر الميم، وقرأ الكسائي بالفتح واختلف عن نافع. السبعة ٣٣٦. (٤) انظر إعرابه للآية ١٦٧ من آل عمران. ٥٦١ - الأنعام - الرابع: أن القائم مَقَامَه ((عنه))، والضمير في ((عنه)) يعود على ((مَنْ)) و ((يومئذ)) منصوب على الظرف، والعامل فيه ((يُصْرَفْ)). ولا يجوز الوجهان الأخيران، أعني نصبه على الحال؛ لأنَّ الضميرَ للجُثَّة، والزمانُ لا يقع حالاً عنهما كما لا يقع خبراً، وأعني كونَه معمولاً للعذاب، إذ ليس هو قائماً مقام الفاعل . والثاني من وجهي ((مَنْ)): أنها في محل نصب بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده، وهذا إذا جعلنا ((عنه)) في محل نصب بأَنْ يُجْعَلَ القائم مقام الفاعل: إمَّا ضميرَ العذاب وإمَّا ((يومئذ))، والتقدير: مَنْ يكرم اللَّهُ أو من يُنَجِّ يُصْرف عنه العذابُ أو هولُ يومئذ، ونظيره: ((زيدٌ مُرَّ به مرورٌ حسن))، أقمت المصدر فبقي ((عنه)) منصوب المحل، والتقدير: جاوزت زيداً مُرَّ به مرورٌ حسن. وأمَّا إذا جُعل ((عنه)) قائماً مقام الفاعل تعيَّن رَفْعُه بالابتداء. واعلم أنه متى قلت: منصوب على الاشتغال فإنما يُقَدَّر الفعل بعد ((مَنْ)) لأنَّ لها صدر الكلام، ولذلك لم أُظْهِره إلا مؤخراً، ولهذه العلَّةِ منع بعضهم الاشتغالَ فيما له صدر الكلام كالاستفهام والشرط. والتنوين في ((يومئذ)) عوض عن جملة محذوفة تضمَّنها الكلام السابق، التقدير: يوم إذ يكون الجزاء، وإنما قلت كذلك لأنه لم يتقدَّم في الكلام جملةٌ مُصَرَّحْ بها يكون التنوين عوضاً منها، وقد تقدَّم خلاف الأخفش. وهذه الجملة الشرطية يجوز فيها وجهان: الاستئناف والوصف ـ ((عذاب يوم))، فحيث جعلنا فيها ضميراً يعود على عذاب يوم إمَّا مِنْ ((يُصْرف)) وإمَّا مِنْ ((عنه) جاز أن تكونَ صفةٌ وهو الظاهر، وأن تكونَ مستأنفةٌ، وحيث لم نجعِلْ فيها ضميراً يعود عليه - وقد عرفت كيفية ذلك - تَعَيَّن أن تكون مستأنفة، ولا يجوز أن تكون صفةً لخلوِّها من الضمير. وقد تكلّم الناس في ترجيح إحدى هاتين القراءتين على الأخرى، وذلك ٥٦٢ - الأنعام - على عادتهم، فقال أبو علي الفارسي(١): ((قراءة ((يَصْرِفْ)) يعني المبنيَّ للفاعل أحسن لمناسبة قوله ((رحمه)). يعني أن كلاً منهما مبني للفاعل ولم يقل ((فقد رُحِمَ)). واختارها أبو حاتم وأبو عبيد، ورجّح بعضهم قراءة المبني للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله: ((ليس مصروفاً عنهم))(٢) يعني في كونه أتى بصيغة اسم المفعول المسند إلى ضمير العذاب المذكور أولاً. ورجَّحها محمد بن جرير بأنها أقلُّ إضماراً(٣). ومكي - رحمه الله - تلعثم في كلامه في ترجيحه القراءة الأخوين وأتى بأمثلةٍ فاسدةٍ في كتاب ((الهداية)) له، قاله ابن عطية (٤). وقد قدَّمْتُ أول الكتاب عن العلماء(٥) ثعلب وغيره أن ذلك - أعني ترجيحَ إحدى القراءات المتواترة على الأخرى بحيث تُضَعَّفُ الأخرىُ - لا يجوز. والجملة من قوله: ((فقد رحمه)) في محل جزم على جواب الشرط، والفاء واجبة . قوله: ((وذلك الفوزُ)) مبتدأ وخبر جيء بهذه الجملة مقرِّرة لما تقدَّم من مضمون الجملةِ قبلها، والإِشارة بـ ((ذلك)) إلى المصدر المفهوم من قوله (يُصْرف)) أي ذلك الصرف. و((المبين)) يحتمل أن يكون متعدِّياً فيكون المفعول محذوفاً أي: المبين غيرَه، وأن يكون قاصراً بمعنى يَبين، وقد تقدَّم أن ((أبان)) يكون قاصراً بمعنى ظهر، ومتعدياً بمعنى أظهر. آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿بضُر﴾: الباء هنا للتعدية وكذا في ((بخير)» والمعنى: وإن يمسسك الله الضرَّ أي: يجعلك ماسًّاً له، وإذا مسست الضر (١) الحجة (خ) ٣٧٠/٢. (٢) الآية ٨ من هود. (٣) رجّح في تفسيره ٢٨٦/١١ قراءة المبني للفاعل لدلالة ((فقد رحمه))، وقد يكون ترجيحه الذي ذكره المؤلف له في غير تفسيره. (٤) المحرر ١٧/٦. (٥) انظر إعرابه لقوله تعالى في الفاتحة («مالك يوم الدين)). ٥٦٣ - الأنعام - فقد مَسَّك، إلا أنَّ التعدية بالباء في الفعل المتعدي قليلة جداً، ومنه قولهم: صَكَكْتُ أحد الحجرين بالآخر. وقال الشيخ (١): ((ومنها قوله: ((ولولا دَفْعُ اللَّهِ الناس بعضهم ببعض))(٢). وقال الواحدي: ((إن قيل: إنَّ المسَّ مِن صِفة الأجسام فكيف قال: وإن يمسَسْك الله؟ فالجواب أن الباء للتعدية والباء والألف يتعاقبان في التعدية، والمعنى: إن أَمَسَّك الله ضراً أي: جعله ماسك فالفعل للضرّ وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم الله تعالى كقولك: ((ذهب زيد بعمرو)) وكان الذهاب فعلًا لعمرو، غير أنَّ زيداً هو المسبب له والحامل عليه، كذلك ههنا المسُّ للضرِّ والله تعالى جعله ماسًّاً. قوله: ((فلا كاشِفَ له)) ((له)): خبر لا، وثَمَّ محذوف تقديره: فلا كاشف له عنك، وهذا المحذوفُ ليس متعلقاً بـ ((كاشف)) إذ كان يلزم تنوينه وإعرابه(٣)، بل يتعلق بمحذوف أي: أعني عنه(٤). و((إلا هو)) فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من محل ((لا كاشف))، فإن محله الرفع على الابتداء، والثاني: أنه بدل من الضمير المستكنِّ في الخبر، [٣٠٣/أ] ولا يجوز أن / يرتفع باسم الفاعل وهو ((كاشف)) لأنه يصير مطولاً(٥) ومتى كان مطوّلاً أُعْرب نصباً، وكذلك لا يجوزُ أن يكونَ بدلاً من الضمير المستكنِّ في ((كاشف)) للعلة المتقدمة، إذ البدل يحلُّ محل المبدل منه. فإن قيل: المقابل للخير هو الشر فكيف عَدَلَ عن لفظ الشر؟ والجواب أنه أراد تغليب الرحمة على ضدها فأتى في جانب الشر بأخص منه. وهو الضرُّ، وفي جانب الرحمة بالعام الذي هو الخير تغليباً لهذا الجانب. قال (١) البحر ٨٧/٤. (٢) الآية ٢٥١ من البقرة. (٣) لأنه يصير شبيهاً بالمضاف. (٤) لعل الأنسب: ((عنك)) كما قدَّره. (٥) أي شبيهاً بالمضاف. ٥٦٤ - الأنعام - ابن عطية (١): ((ناب الضرُّ هنا مناب الشرُّ وإن كان الشر أعمَّ منه فقابل الخير، وهذا من الفصاحة عدول عن [قانون التكليف والصيغة، فإن باب التكليف وصيغ الكلام](٢) أن يكون الشيء مقترناً بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقةً أو مضاهاة، فمن ذلك: ((أن لا تجوعَ فيها ولا تَعْرى وأنك لا تَظْمَأُ فيها ولا تَضْحِى))(٣) فجاء بالجوع مع العري وبابه أن يكون مع الظمأ ومنه قول امرىء القيس(٤): ولم أَتَبَطَّنْ كاعِباً ذاتَ خَلْخالٍ ١٨٧٥- كأنّيَ لم أركبْ جواداً لِلَّذِ لخيلي كُرِّي كَرَّةً بعد إجْفالِ ولم أَسْبَأٍ الزُّقَّ الرَّويَّ ولم أقُلْ ولم يوضح ابن عطية ذلك. وإيضاحه في آية طه اشتراك الجوع والعري في شيء خاص وهو الخلوُّ، فالجوع خلوٌّ وفراغ في الباطن، والعرُّ خلوّ وفراغ في الظاهر، واشتراك الظمأ والضحى في الاحتراق، فالظمأ احتراق في الباطن ولذلك تقول: ((بَرَّد الماء حرارة كبدي وأوام(٥) عطشي)»، والضحى: احتراق الظاهر. وأمَّا البيتان فالجامع بين الركوب للَّذة وهو الصيد وتبطُّن الكاعب اشتراكهما في لذة الاستعلاء والقهر والاقتناص والظفر بمثل هذا المركوب، ألا ترى إلى تسميتهم هَنَ المرأة ((رَكَباً)) بفتح الراء والكاف وهو فَعَل بمعنى مَفْعول کقوله(٦): ١٨٧٦ - إنَّ لها لَرَكَباً إِرْزَبًّا كأنه جبهةُ ذَرَّى حَبًّا (١) المحرر ١٨/٦. (٢) المحرر: ((قانون التكلف والصنعة، فإن باب التكلف وترصيع الكلام)) وهي أنسب. (٣) الآية ١١٩ من طه . (٤) ديوانه ٣٥؛ البحر ٨٨/٤. سبأ الخمر: اشتراها. (٥) الأوام: حرّ العطش. ! (٦) البيت لرجل من طهية وهو في الكتاب ٦٤/٢؛ والمقتضب ٩/٤؛ وابن يعيش ٢٨/١؛ واللسان: رزب - حبب. والإِرزب: الضخم، وذرَّى حبا: اسم رجل. ٥٦٥ - الأنعام - وأما البيت الثاني فالجامعُ بين سبأ الخمر والرجوع بعد الهزيمة اشتراكهما في البذل، فشراء الخمر بَذْل المال، والرجوع بعد الانهزام بذل الروح. وقدَّم تبارك وتعالى مَسَّ الضرِّ على مسِّ الخير لمناسبة اتصال مسٌّ الضر بما قبله من الترهيب المدلول عليه بقوله: إني أخاف. وجاء جواب الشرط الأول بالحصر إشارةً إلى استقلاله بكشف الضر دون غيره، وجاء الثاني بقوله ((فهو على كل شيء قدير)) إشارةً إلى قدرته الباهرة فيندرجُ فيها الْمَّسُّ بخير وغيره، على أنه لو قيل: إن جواب الثاني محذوف لكان وجهاً أي: وإنْ يَمْسَسْك فلا رادَّ لفضله للتصريح بمثله في موضع آخرَ (١). آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿فوق﴾: فيه أوجه أظهرها: أنه منصوب باسم الفاعل قبله. والفوقيَّةُ هنا عبارة عن الاستعلاء والغلبة. والثاني: أنه مرفوع على أنه خبر ثان، أخبر عنه بشيئين أحدهما: أنه قاهرٌ، والثاني: أنه فوق عباده بالغلبة والقهر. الثالث: أنه بدلٌ من الخبر. الرابع: أنه منصوبٌ عِلِى الحالِ من الضمير في ((القاهر)» كأنه قيل: وهو القاهرُ مُسْتعلياً أو غالباً، ذكره المهدوي وأبو البقاء(٢). الخامس: أنها زائدةٌ، والتقدير: وهو القاهر عباده، ومثلُه: ((فاضربُوا فوق الأعناق))(٣) وهذا مردودٌ، لأن الأسماء لا تُزاد. آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿أَيُّ شيءٍ أكبر﴾: مبتدأ وخبر، وقد عَرَفْتَ مما مرَّ أن ((أَيََّ)) بعضُ ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهاميةً اقتضى الظاهرُ أن تكون مسمَّى باسم ما أضيفت إليه. قال أبو البقاء (٤): ((وهذا يوجب أن يُسَمّى الله تعالى (شيئاً)، فعلى هذا تكون الجلالةُ خبرَ مبتدأ محذوف أي : ذلك الشيء (١) بعد قوله: ((في موضع آخر)): لكان جيداً، ولكن عليها شطباً خفيفاً ولا مكان لها هنا لذلك لم نثبتها وكذلك صنعت النسخ الأخرى. (٢) الإملاء ٢٣٧/١. (٣) الآية ١٢ من الأنفال: (٤) الإِملاء ٢٣٧/١. ٥٦٦ - الأنعام - / هو الله تعالى. ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: الله [٣٠٣/ب] أكبر شهادة. و((شهيد)) على هذين القولين خبرُ مبتدأ محذوف أي: هو شهيد بيني وبينكم. والجملة من قوله: ((قل الله)) على الوجهين المتقدمين جواب لـ (أيّ)) من حيث اللفظ والمعنى. ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ، و((شهيد)» خبرها، والجملة على هذا جوابُ لـ ((أيّ)) من حيث المعنى أي: إنها دالة علی الجواب وليست به. قوله: ((شهادةٌ)) نصبٌ على التمييز، وهذا هو الذي لا يَعْرِفُ النحاةُ غيرَه. وقال ابن عطية (١): ((ويَصِحُّ على المفعول بأن يُحْمَلَ ((أكثر)) على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل». وهذا ساقطٌ جداً، إذ نصَّ النحويون على أن معنى شبهها باسم الفاعل في كونها تؤنث وتشَّى وتجمع، وأفعلُ مِنْ لا يؤنَّثُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمع فلم يُشْبِه اسم الفاعل، حتى إن الشيخ(٢) نسب هذا الخِباط إلى الناسخ دون أبي محمد. قوله: ((بيني وبينكم)) متعلَّقٌ بـ ((شهيد)) وكان الأصل: قل الله شهيد بيننا فكُرِّرَتْ ((بين)) توکیداً، وهو نظير قوله(٣). ١٨٧٧- فأيِّي ما وأيُّك كان شراً فَسِيقَ إلى المقامةِ لا يراها وقوله(٤): فاصْبُبْ عليه ملِكاً لا يَرْحَمُهْ ١٨٧٨- يا ربَّ موسَى أظلمي وأَظْلَمُهْ وقوله(٥): (١) المحرر ٢٠/٦. (٢) البحر ٤ /٩١. (٣) البيت للعباس بن مرداس، وهو في الكتاب ٣٩٩/١؛ وشرح المفصل ١٣١/٢؛ واللسان: أيا؛ والخزانة ٢٣٠/٢. (٤) تقدم برقم ٦٢٠. (٥) تقدم برقم ١٢٧٥ . ٥٦٧ - الأنعام - ١٨٧٩ - فلِئْنْ لَقِيْتُكَ خَالِيْنِ لَتَعْلَمَنْ أَيِّي وأيّك فارسُ الأحزابِ والجامع بينها أنه لَمَّا أضاف إلى الياء وحدها احتاج إلى تكرير ذلك المضاف. وجَوَّز أبو البقاء (١) أن يكون ((بيني)) متعلقاً بمحذوفٍ على أنه صفة لشهيد فيكون في محل رفع، والظاهر خلافه . : قوله: ((وأُوْحِيَ)) الجمهور على بنائه للمفعول وحُذِف الفاعلُ لِلْعِلْمِ به وهو الله تعالى. و ((القرآن)) رفع به. وقرأ(٢) أبو نهيك والجحدري وعكرمة وابن السَّمَيْفَع: ((وأَوْحَى)) ببنائه للفاعل، ((القرآن)) نصباً على المفعول به. و ((لأنذركم)) متعلّقٌ بـ ((أُوجِي)) قيل: وثَمَّ معطوف حُذفٍ لدلالة الكلام عليه أي: لأنذركم به وأَبَشِّركم به، كقوله: ((تقيكم الحَرَّ)(٣) وتقدَّم منه جملةٌ صالحة. وقيل: لا حاجة إليه لأن المَقام مَقامُ تخويف. قوله: ((ومَنْ بَلَغٍ)) فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه في محل نصب عطفاً على المنصوب في (لِإِنْذِرَكم))، وتكون «مَنْ)) موصولة والعائدُ عليها مِنْ صلتها محذوف أي: ولأنذرَ الذي بلغه القرآن. والثاني: أنَّ في ((بَلَغ)) ضميراً مرفوعاً يعود على ((مَنْ)) ويكون المفعولُ محذوفاً، وهو منصوب المحل أيضاً نسقاً على مفعول ((لأنذركم))، والتقدير: ولأنذر الذي بَلَغ الحُلُمَ، فالعائد هنا مستثر في الفعل. والثالث: أن ((مَنْ)) مرفوعةُ المحلِّ نَسَقاً على الضمير المرفوع في ((لأنذرَكم))، وجاز ذلك لأنَّ الفصلَ بالمفعول والجارِّ والمجرور أغنى عن تأكيده، والتقدير: لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن. قوله: ((أ إنكم)) الجمهور على القراءة بهمزتين أولاهما للاستفهام، وهو استفهامُ تقريعٍ وتوبيخ، وقد تقدَّم الكلام في قراءاتٍ مثلِ هذا. قال (١) الإملاء ٢٣٨/١. (٢) انظر في قراءاتها: البخر ٩١/٤؛ الشواذ ٣٦. (٣) الآية ٨١ من النحل. ٥٦٨ - الأنعام - الشيخ(١): ((وبتسهيل الثانية وبإدخال ألفٍ بين الهمزة الأولى والهمزة المُسَهَّلَة، روى هذا الأخيرةَ الأصمعيُّ عن أبي عمرو ونافع)) انتهى. وهذا الكلام يُؤذن بأنها قراءة مستغربة وليس كذلك، بل المرويُّ عن أبي عمرو المُّ بين الهمزتين، ولم يُخْتَلَفْ عن قالون في ذلك. وقرىء بهمزة واحدة وهي محتملة للاستفهام وإنما حُذفت لفهم المعنى، ودلالة القراءة الشهيرة عليها، وتحتمل الخبر المحض. ثم هذه الجملة الاستفهامية يحتمل أن تكون منصوبةً المحلَّ لكونها في حيز القول وهو الظاهر، كأنه أُمِرَ أن يقول: أيُّ شيءٍ أكبرُ شهادةً، وأن يقول: أإنكم لتشهدون. ويحتمل أن لا تكونَ داخلةً في حيِّزه فلا محلَّ لها حينئذ. و((أخرى)) صفةٌ لـ ((آلهة)) لأنَّ ما لا يَعْقِلِ يُعامَلِ جمعُه معاملةَ الواحدةِ المؤنثة كقوله: ((مآرب أخرى)»(٢) و((الأسماء الحسنى))(٣). قوله: ((إنما هو إله واحد)) يجوز في ((ما)) هذه وجهان، أظهرهما: أنها كافة لـ ((إنَّ)) عن عملها، و((هو)) مبتدأ، و((إله)) خبر و ((واحد)) صفته. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي و ((هو)) مبتدأ و ((إله)) خبره، وهذه الجملةُ صلةٌ وعائد، والموصول في محل نصب اسماً لـ((إن))، و((واحد)) خبرها. والتقدير: إن الذي هو إله واحد، ذكره أبو البقاء(٤)، وهو ضعيفٌ، ويدلَّ على صحة الوجه الأولِ تعيّنُه في قوله تعالى: ((إنَّما الله إله واحد))(٥)، إذ لا يجوز فيه أن تكون موصولة لخلوِّ الجملة من ضمير الموصول. وقال أبو البقاء(٦) : - في هذا الوجه -((وهو أليقُ مما قبله)) ولا أدري ما وجه ذلك؟. (١) البحر ٤ /٩٢. (٢) الآية ١٨ من طه. (٣) الآية ١٨٠ من الأعراف. (٤) الإملاء ٢٣٨/١. (٥) الآية ١٧١ من النساء. (٦) الإِملاء ٢٣٨/١. ٥٦٩ - الأنعام - آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتابَ﴾: الموصول مبتدأ، [٣٠٤/أ] و((يَعْرِفونه)) خبره، والضميرُ المنصوبُ يجوز عَوْدُه على / الرسول أو على القرآن لتقدُّمه في قوله: ((وأُوحِي إليَّ هذا القرآن)) أو على التوحيد لدلالة قوله: ((إنما هو إله واحد)) أو على كتابهم أو على جميع ذلك. وأُفْرد الضمير باعتبار المعنى كأنه قيل: يعرِفُون ما ذَكَرْنا وقصصنا. وقد تقدَّم إعراب هذه الجملة في البقرة(١). قوله: ((الذين خَسِروا)) في محله أربعة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره الجملة من قوله: ((فهم لا يؤمنون)) ودخلت الفاء لما عَرَفْتَ من شبه الموصول بالشرط. الثاني: أنه نعت الذين آتيناهم الكتاب. قاله الزجاج(٢). الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين خسروا. الرابع: أنه منصوبٌ على الذم، وهذان الوجهان فرعان على النعت لأنهما مقطوعان عنه، وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون ((فهم لا يؤمنون)) من باب عَطْفٍ جملة اسمية على مثلها، ويجوز أن يكونَ عطفاً على ((خسروا))، وفيه نظرٌ من حيث إنَّه يؤدِّي إلى ترتّب عدم الإِيمان على خسرانهم. والظاهر أن الخُسْران هو المترتّبُ على عدم الإِيمان، وعلى الوجه الأول يكون الذين خسروا أعمَّ من أهل الجاحدين من المشركين، وعلى غيره يكون خاصاً بأهل الكتاب، والتقدير: الذين خسروا أنفسهم منهم أي: من أهل الكتاب. واسْتُشْكِل على كونه نعتاً الاستشهادُ بهم على كفار قريش وغيرهم من العرب، يعني كيف يُسْتشهد بهم ويُذَمُّون في آية واحدة؟ فقيل: إن هذا سِيق للذمِّ لا للاستشهاد. وقيل: بل سيق للاستشهاد وإن كان في بعض الكلام ذمّ (١) انظر إعرابه ١٢١ من البقرة. (٢) ذكر الزجاج في معاني القرآن ٢٥٥/٢ الابتداء ولم يذكر النعت. ٥٧٠ - الأنعام - لهم، لأن ذلك بوجيهن واعتبارين. قال ابن عطية (١): ((فصَحُ ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه وما ذُمُّوا فيه، وأنَّ الذمَّ والاستشهاد ليسا من جهة واحدة)). آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿ويومَ نحشرهم﴾: فيه خمسة أوجه، م أحدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ بعده، وهو على ظرفيَّته، أي: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، وحُذِفَ ليكونَ أبلغَ في التخويف. والثاني: أنه معطوف على ظرفٍ محذوف، ذلك الظرف معمول لقوله: ((لا يُفْلح الظالمون)» والتقدير: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم، قاله محمد بن جرير(٢). الثالث: أنه منصوب بقوله: ((انظر كيف كَذَبوا)) وفيه بُعْدٌ لبعده من عامله بكثرة الفواصل. الرابع: أنه مفعول به باذكر مقدراً. الخامس: أنه مفعول به أيضاً، وناصبه احذروا أو اتقوا يوم نحشرهم، كقوله: ((واخشوا يوماً)) (٣) وهو كالذي قبله فلا يُعَدُّ خامساً. وقرأ الجمهور (نَحْشرهم)) بنون العظمة وكذا ((ثم نقول))، وقرأ(٤) حميد ويعقوب بياء الغيبة فيهما وهو الله تعالى. والجمهور على ضم الشين من (نَحْشُرهم))، وأبو هريرة بكسرها، وهما لغتان في المضارع. والضمير المنصوب في ((نحشرهم)) يعود على المفترين الكذب، وقيل: على الناس كلهم فيندرج هؤلاء فيهم، والتوبيخ مختص بهم. وقيل: يعود على المشركين وأصنامهم، ويدل عليه قوله: ((احشرُوا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون»(٥). و((جميعاً)) حال من مفعول ((نحشُرهم)). ويجوز أن يكونَ توكيداً عند مَنْ أثبته من النحويين كأجمعين. وعطف هنا بـ ((ثُمَّ)) للتراخي الحاصل (١) المحرر ٢٢/٦. (٢) تفسير الطبري ٢٩٦/١١. (٣) الآية ٣٣ من لقمان. (٤) انظر: البحر ٩٤/٤؛ النشر ٢٤٨/٢؛ الشواذ ٣٨. (٥) الآية ٢٢ من الصافات. ٥٧١ - الأنعام - بين الحشر والقول. ومفعولا ((تَزْعُمون)) محذوفان للعِلْمِ بهما أي: تزعمونهم شركاء أو تزعمون أنهما شفعاؤكم. وقوله: ((ثم نقول للذين)) إن جَعَلْنا الضمير في ((نحشرهم)) عائداً على المفترين الكذبَ كان ذلك من باب إقامة الظاهرِ مُقام المضمر، إذ الأصل: ثم نقول لهم وإنما أُظْهِرَ تنبيهاً على قبح الشرك. آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿ثم لم تكنْ فِتْنتهم﴾: قرأ حمزة والكسائي(١): (يكن)) بالياء من تحت، ((فتنتهم)) نصباً. وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم: ((تكن)) بالتاء من فوق، ((فتنتُهم)) رفعاً. والباقون بالتاء من فوق أيضاً، ((فتنتهم)) نصباً. فأمَّا قراءة الأخوين(٢) فهي أفصحُ هذه القراءات لإجرائها على القواعد من غير تأويل، وستعرفه في القراءتين الأخريين، وإعرابها ظاهر. وذلك أن ((فتنتهم)) خبر مقدم، و((أَنْ قالوا)) بتأويل اسم مؤخر، والتقدير: ثم لم تكن فتنتَهم إلا قولُهم، وإنما كانت أفصحَ لأنه إذا اجتمع اسمان، أحدهما أعرفُ، فالأحسنُ جَعْلُه اسماً مُحَدَّثً عنه والآخر خبراً حديثاً عنه، و((أَنْ قالوا)) يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، وهذه القراءة [٣٠٤/ب] جُعِلِ الأعرفُ / فيها اسماً لـ ((كان)) وغيرُ الأعرف خبرَها، ولم يؤنَّث الفعل لإِسناده إلى مذكر. وأما قراءة ابن كثير ومَنْ تبعه فـ ((فتنتُّهم)) اسمها، ولذلك أُنَّثَ الفعلُ الإِسناده إلى مؤنث، و((إلا أَنْ قالوا)) خبرها، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسماً والأعرفَ خبراً، فليست في قوة الأولى. وأمَّا قراءةُ الباقين فـ ((فتنتّهم)) خبر مقدم، و((إلا أن قالوا)) اسمٌ مؤخّرٌ، وهذه القراءةُ - وإن كان فيها جَعْلُ الأعرفِ اسماً - كالقراءة الأولى، إلا أن (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٢٥٤؛ الكشف ٤٢٦/١؛ وحجة القراءات ٢٤٣؛ والنشر ٢٤٨/٢؛ والبحر ٩٥/٤؛ الشواذ ٣٦. (٢) وهما حمزة والكسائي. ٥٧٢ .. - الأنعام - فيها لَحاقَ علامة تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل ولكنه بتأويل. فقيل: لأن قوله: ((إلا أَنْ قالوا)) في قوة مقالتهم. وقيل: لأنه هو الفتنة في المعنى، وإذا أخبر عن الشيء بمؤنَّثٍ اكتسب تأنيئاً فعومل معاملته، وجعل أبو علي منه ((فَلَهُ عَشْرُ أمثالها))(١) لما كانت الأمثال هي الحسنات في المعنى عومل معاملةً المؤنث فسقطت التاء من عدده. ومثلُ الآيةِ قولُه(٢): وقد خاب مَنْ كانَتْ سريرتَه الغَدْرُ ١٨٨٠- ألم يكُ غَدْراً ما فَعَلْتُم بِسَمْعَلٍ فـ ((كانت)) مسند إلى الغدر وهو مذكَّر، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أَنَّث فِعْلَه، ومثله قول لبيد(٣): ١٨٨١- فمضى وقدَّمَها وكانت عادةً إذا هي عَرَّدَتْ إقدامُها قال أبو علي: ((فأنَّث الإِقدام لما كان العادة في المعنى)) قال: «وقد جاء في الكلام: ((ما جاءت حاجتك)) فأنّث ضمير ((ما)) حيث كانت الحاجة في المعنى، ولذلك نصب ((حاجتك)). وقال الزمخشري(٤): ((وإنما أنَّث ((أن قالوا)) لوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمَّك)). وقال الشيخ(٥): ((وكلام الزمخشري مُلَفَّقٌ من كلام أبي علي، وأمَّا ((من كانت أمَّك)) فإنه حَمَلَ اسمَ ((كان)) على معنى ((مَنْ)) فإن لها لفظاً مفرداً مذكراً، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، وليس الحَمْلُ (١) الآية ١٦٠ من الأنعام. (٢) البيت لأعشى تغلب، وهو في أمالي الشجري ١٢٩/١؛ ومعجم الشواهد ١٤٩. (٣) ديوانه ٣٠٦؛ وشرح التبريزي على المعلقات ٢٢٣. وعردت: تركت الطريق، والضمير في ((مضى)) للحمار، وفي ((قدمها)» للأتان. (٤) الكشاف ٢ /١١. (٥) البحر ٤ /٩٥. ٥٧٣ - الأنعام - على المعنى لمراعاة الخبر، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر، كقوله: ((ومنهم مَنْ يَسْتَمعون إليك))(١) [وقوله](٢): نكن مثلَ مَنْ يا ذئب يَصْطحبانِ ١٨٨٢- قلت: ليت شعري ولأي معنى خصَّ الزمخشريَّ بهذا الاعتراض فإنه وارد على أبي علي أيضاً؟ إذ لقائلٍ أن يقول: التأنيث في ((جاءت)) للحمل على معنى (ما)) فإن لها هي أيضاً لفظاً ومعنى مثل ((مَنْ)). على أنه يقال: للتأنيث علَّتان، فذكرا(٣) إحداهما. ورجّح أبو عبيد قراءة الأخوين بقراءة أُبَيّ وابن مسعود: ((وما كان فتنتهم إلا أن قالوا)) فلم يُلْحِقْ الفعلَ علامةَ تأنيث. ورجَّحها غيره بإجماعهم على نصب ((حُجَّتَهم)) من قوله تعالى: ((ما كان حُجَّتَهم إلا أن قالوا))(٤). وقرىء شاذاً: ((ثم لم يكنْ فتنتُهم إلا أن قالوا)) بتذكير ((يكنْ)) ورفع ((فتنتهم)). ووجهُ شذوذِها سقوطُ علامةِ التأنيثِ والفاعلُ مؤنثٌ لفظاً وإن كان غيرَ حقيقي(٥)، وجَعْلُ غيرِ الأعرف اسماً والأعرفِ خبراً، فهي عكس القراءة الأولى من الطرفين، و((أن قالوا)) مِمَّ يجب تأخيره لحَصْره سواء أجُعِلَ اسماً أم خبراً. قوله: ((ربِّنا)) قرأ الأخَوان(٦): ((ربَّنا)) نصباً والباقون جراً. ونصبه: إمَّا على النداء وإمّا على المدح، قاله ابن عطية(٧)، وإمّا على إضمار ((أعني)) قاله (١) الآية ٤٢ من يونس. (٢) تقدم برقم ١٢٣٣. (٣) أي أبو علي والزمخشري. (٤) الآية ٢٥ من الجاثية. (٥) مثل هذا لا يُعَدُّ شذوذاً؛ لأن تذكير الفعل المسند إلى فاعل مؤنث تأنيئاً مجازياً وارد كثيراً. (٦) انظر: السبعة ٢٥٥؛ الكشف ٤٢٧/١؛ النشر ٢٤٨/٢؛ حجة القراءات ٢٤٤؛ البحر ٤ /٩٥. (٧) المحرر ٢٦/٦. ٥٧٤ - الأنعام - أبو البقاء(١)، والتقدير: يا ربنا. وعلى كلِّ تقديرِ فالجملة معترضةٌ بين القسم وجوابه وهو قوله «ما كنا مشركين)». وخفضُه في ثلاثةِ أوجهٍ: النعتِ والبدلِ وعطفِ البيان. وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين(٢): ((واللَّهُ ربُّنا)) برفعهما على المبتدأ والخبر. قال ابن عطية(٣): ((وهذا على تقديمٍ وتأخير، كأنهم قالوا: واللَّهِ ما كنَّا مشركين واللَّهُ ربُّنا». قلت: يعني أن ثَمَّ قَسَماً مضمراً. آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿كيف كَذَبوا﴾: «کیف» منصوب علی حدّ نَصْبها في قوله: ((كيف تكفرون بالله)) (٤) وقد تقدَّم بيانه. و((كيف)) وما بعدها في محل نصب بـ ((انظر)) لأنها معلّقة بها عن العمل. و((كَذَبوا)) وإن كان معناه مستقبلاً لأنه في يوم القيامة، فهو لتحقَّقِه أبرزه في صورة الماضي. وقوله: (وضّلَّ)) يجوز أن يكونَ نَسَّقاً على ((كَذَبوا)) فيكون داخلاً في خَيِّز النظر، ويجوز أن يكونَ استئنافَ إخبارٍ فلا يندرجُ في حَيِّزِ المنظور إليه. وقوله: ((ما كانوا)) يجوز في ((ما)) أن تكون مصدرية أي: وضلَّ عنهم افتراؤهم، وهو قولُ ابن عطية (٥). ويجوز أن تكونَ موصولةً اسمية، أي: وضَلَّ عنهم الذي كانوا يفترونه، فعلى الأول لا يُحتاج إلى ضمير عائد على ((ما)) عند الجمهور، وعلى الثاني لا بد من ضمير عند الجميع. آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿ومنهم مَنْ يَسْتَمِعُ﴾: راعى لفظَ ((مَنْ)) فأفردَ، ولو راعى المعنى لَّجَمَع كقوله في موضع آخر: / (ومنهم مَنْ [٣٠٥/أ] (١) الإملاء ٢٣٨/١؛ الشواذ ٣٦. (٢) سلام بن مسكين النمري الأزدي، أبوروح، من المتقنين، وأهل الفضل في الدين، مات سنة ١٦٤. انظر: مشاهير علماء الأمصار ١٥٧. (٣) المحرر ٢٦/٦ . (٤) الآية ٢٨ من البقرة. (٥) المحرر ٢٦/٦ . ٥٧٥ - الأنعام - يستمعون))(١) وقوله: ((على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه)) إلى آخره، حُمِل على معناها : ۔۔ قوله: (وجَعَلْنا)) ((جَعَلَ)) هنا يحتمل أن يكونَ للتصيير فيتعدى لاثنيْنِ، أَوَّلُهما ((أكنَّةً))، والثاني الجار قبله، فيتعلَّق بمحذوف، أي: صَيِّرنا الأكِنَّةَ مستقرَّةً على قلوبهم. ويحتمل أن يكون بمعنى خلق فيتعدَّى لواحد، ويكون الجارُّ قبله حالاً فيتعلّق بمحذوف، لأنه لو تأخر لوقع صفةً لـ((أَكِنَّة)). ويُحتمل أن يكونَ بمعنى ((ألقىُ)) فتتعلق ((على)) بها كقولك: ((ألقيت على زيدٍ كذا)) وقوله: ((وألقيتُ عليكَ مَحَبَّةً مني))(٢). وهذه الجملةُ تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها مستأنفة سيقت للإِخبار بما تضمَّنَتْه من الخَتْم على قلوبهم وسمعهم. ويُخْتمل أن تكون في محلٌ نصب على الحال، والتقدير: ومنهم مَنْ يستمع في حال كونه مجعولاً على قلبه كِنانٌ وفي أذنه وَقْرٌ، فعلى الأول يكون قد عطف جملةً فعلية على اسمية، وعلى الثاني تكون الواو للحال، و((قد)» مضمرة بعدها عند مَنْ يقدِّرها قبل الماضي الواقع حالاً. والْأَكِنَّة: جمع كِنان وهو الوعاء الجامع. قال(٣): . حَسِبْتَ بروقَ الغيث تأتي غيومُها ١٨٨٣- إذا ما انْتَضَوْها في الوِغَى مِنْ أكثَّةٍ وقال بعضهم: (الكِنُّ - بالكسر - ما يُحْفَظُ فيه الشيء، وبالفتح المصدر. يقال: كنّتُه كِنّاً أي: جعلتُه في كِنَّ، وجُمِعَ على أَكْنان. قال تعالى: ((من الجبال أَكْناناً)(٤). والكِنانُ: الغِطاء الساتر، والفعل من هذه المادة (١) الآية ٤٢ من يونس. (٢) الآية ٣٩ من طه. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٩٧/٤؛ والمحرر ٢٧/٦. (٤) الآية ٨١ من النحل. ٥٧٦ - الأنعام - يُستعمل ثلاثياً ورباعياً، يقال: كَثْتُ الشيء وأكنتُه ◌ِنَّاً وأكناناً، إلا أنَّ الراغبَ فَرَّقَ بين فَعَل وَأَفْعل فقال(١): ((وخُصِّ كَنَنْتُ بما يَسْتُرُ من بيتٍ أو ثوب أو غير ذلك من الأجسام، قال تعالى: ((كأنهنَّ بَيْضٌ مَكْنون))(٢) وأكتَنْتُ بما يُسْتَرُ في النفس، قال تعالى: ((أو أَكْنْتُم في أنفسكم))(٣). قلت: ويَشْهد لما قال قوله أيضاً: ((إنه لقرآنٌ كريمٌ في كتاب مكنون))(٤) وقوله تعالى: ((ما تُكِرُّ صدورهم))(٥). وكِنان يُجْمع على أكِنَّة في القلة والكثرة لتضعيفه، وذلك أن فعالاً وفعالاً بفتح الفاء وكسرها يُجْمع في القلة على أَفْعِلة كأَحْمِرَة واقْذِلة (٦)، وفي الكثرة على فُعُل كحُمُر وقُذُل، إلا أن يكونَ مضاعفاً كـ ((بَتَات))(٧) و ((كِنان))، أو معتلَّ اللام كخِباء وقَباءِ(٨) فيُلْتَزَمَ جَمْعُه على أَفْعِلة، ولا يجوز على فُعُل إلا في قليلٍ من الكلام كقولهم عُنُن(٩) وحُجُح(١٠) في جمع عِنان وحجاج (١١). قوله: ((أَنْ يَفْقَهوه)» في محلِّ نصب على المفعول من أجله،وفيه تأويلان سَبَقا، أحدهما: كراهةَ أن يفقهوه، وهو رأيُ البصريين، والثاني: حَذْفُ ((لا)) أي: أن لا يفقهوه، وهو رأيُ الکوفیین. (١) المفردات ٤٤٢. الآية ٤٩ من الصافات. (٢) الآية ٢٣٥ من البقرة. (٣) (٤) الآية ٧٨ من الواقعة. (٥) الآية ٦٩ من القصص. القذال: جماع مؤخر الرأس. (٦) (٧) البتات: الزاد ومتاع البيت. القباء: نوع من الثياب. (٨) العنان: سير اللجام الذي تمسك به الدابة. (٩) (١٠) الحجاج: الطريق المحفّرة. (١١) انظر: أوضح المسالك ٦٤٧/٢. ٥٧٧ - الأنعام - قوله: ((وَقْراً)) عِطفُ على ((أَكِنَّة)) فينتصبُ انتصابَه، أي: وجَعَلْنا في آذانهم وقراً. و((في آذانهم)) كقوله ((على قلوبهم)). وقد تقدَّم أنَّ ((جَعَل)) يَحْتمل معانيَ ثلاثةً فيكونُ هذا الجار مبنيًّاً عليها مِنْ كونه مفعولاً ثانياً قُدِّمَ، أو متعلقاً بها نفسِها أو حالاً. والجمهور على فتح الواو من ((وَقْرًا))، وقرأ(١) طلحة بن مصرف بكسرها والفرق بين الوَقْر والوقْرِ أنَّ المفتوح هو الثِّقَل في الأذن، يُقال منه: وَقَرَتْ أذنه بفتح القاف وكُسْرِها، والمضارع تَقِر وَتَوْقَر بحسب الفعلين كـ تَعِدُ وتَوْجَّل. وحكى أبو زيد: أذنْ مَوْقورةٍ، وهو جارٍ على القياس، ويكون فيه دليلٌ على أن وَقَر الثلاثي يكون متعدِّياً، وسُمِع («أذن مُؤْقَرَة)» والفعل على هذا أَوْقَرْتُ رباعياً كأكرم. والوقْر - بالكسر - الحِمْل للحمار والبغل ونحوهما، كالوَسَقْ للبعير، قال تعالى: ((فالحامِلاتِ وِقْراً)(٢) فعلى هذا قراءةُ الجمهور واضحة أي: وجَعَلْنا في آذانهم ثِقَلًا أي: صَمَماً. وأمَّا قراءةُ طلحة فكأنه جَعَلَ آذانهم [٣٠٥/ب] وَقِرت من / الصَّمَم كما تُوْقَرُ الدابة بالحِمْل، والحاصل أن المادَّةَ تدلُّ على الثّقَل والرَّزانة، ومنه الوَقار للتُّؤدة والسَّكينة، وقولُه تعالى: ((وفي آذانهم. وَقْراً) فيه الفصلُ بينٍّ حَرْفِ العطفِ وما عَطَفه بالجار مع كونِ العاطف على حرفٍ واحد وهي مسألةُ خلافٍ تقدَّم تحقيقُها في قوله: ((أن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلها))(٣)، والظاهر أن هذه الآيةَ ونظائرها مثلُ قوله: ((آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة))(٤) ليس مما فُصِل فيه بين العاطفِ ومعطوفِه. وقد حقّقْتُ جميع ذلك في الموضعِ المُشارِ إليه. قوله: ((حتى إذا جاؤوك)) قد تقدَّم الكلام في ((حتى)) الداخلة على ((إذا)) (١) انظر: البحر ٩٧/٤؛ الشواذ ٣٦. (٢) الآية ٢ من الذاريات. (٣) الآية ٥٨ من النساء. (٤) الآية ٢٠١ من البقرة. ٥٧٨ ... . - الأنعام - في أول النساء(١). وقال أبو البقاء(٢) هنا: ((إذا)) في موضع نصب بجوابها وهو (يقول))، وليس لـ ((حتى)) هنا عملٌ وإنما أفادَتْ معنى الغاية كما لا تعمل في الجمل)). وقال الحوفي: ((حتى)) غاية، و((يُجادلونك)) حال، و((تقولُ)) جوابُ ((إذا))، وهو العامل في (إذا)). وقال الزمخشري(٣): ((هي ((حتى)) التي تقع بعدها الجمل، والجملةُ قولُه: ((إذا جاؤوك يجادلونك يقول))، و ((يجادلونك)) في موضع الحال، ويجوزُ أن تكونَ الجارَّةَ، ويكون (إذا جاؤوك)) في محل الجَرِّ بمعنى: حتى وقت مجيئهم، ويجادلونك حال، وقوله: ((يقول الذين كفروا)) تفسير له، والمعنى: أنه بلغ تكذيبُهم الآياتِ إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسَّر مجادلتهم بأنهم يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين . قال الشيخ (٤): ((وقد وُفِّق الحوفي وأبو البقاء وغيرُهما للصواب في ذلك، ثم ذكر عبارة أبي البقاء والحوفي. وقال أيضاً: ((و((حتى)) إذا وقع بعدها ((إذا)» يُحْتمل أن تكونَ بمعنى الفاء، ويُحتمل أن تكون بمعنى إلى أن، فيكون التقدير: فإذا جاؤوك يجادلونك يقول، أو يكون التقدير: وجَعَلْنا على قلوبهم أَكِنَّة، وكذا إلى أَنْ قالوا: إنْ هذا إلا أساطير الأولين، وقد تقدَّم أن (يُجادِلونك)) حالٌ من فاعل ((جاؤوك))، و((يقول)): إمَّا جواب ((إذا) وإمَّا مفسِّرةٌ للمجيء کما تقدّم تقریره. و((أساطير)) فيه أقوال، أحدها: أنه جمع لواحد مقدر، واختُلِفَ في ذلك المقدَّر فقيل: أُسْطورة، وقيل: أَسْطارة، وقيل: أُسْطور، وقيل: أَسْطار، (١) انظر إعرابه للآية ٦ من النساء. (٢) الإملاء ٢٣٨/١. (٣) الكشاف ١٢/٢. (٤) البحر ٤ /٩٩. ٥٧٩ - الأنعام - وقيل: إسْطير. وقال بعضهم: بل لُفِظَ بهذه المفردات. والثاني: أنه جمعُ جمعٍ ، فأساطير جمع أَسْطار، وأَسْطار جمع سطر بفتح الطاء، وأما سَطْر بسكونها فجمعُه في القلة على أَسْطُر، وفي الكثرة على سُطور كَفَلْس وَأَقْلُس وفُلوس. والثالث: أنه جَمْعُ جَمْعِ الجمع، فأساطير جمع أَسْطار، وأَسْطار جمع أَسْطُر، وأَسْطُر جمع سَطْر. وهذا مرويٍّ عن الزجاج(١). وهذا ليس بشيء، فإِنَّ ((أَسْطار) ليس جمعَ أَسْطُر، بل هما مثالا جمع قلة. الرابع: أنه اسم جمع، قال ابن عطية(٢): ((وقيل: هو اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه)) وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ النحويين قد نصُوا على أنه إذا كان على صيغة تَخُصُّ الجموعَ لم يُسمُّوه اسم جمع بل يقولون هو جمعٌ كعباديد(٣) وشماطيط (٤). وظاهر كلام الراغب(٥) أن أساطير جمع سَطَر بفتح الطاءِ فإنه قال: ((وجمعُ سَطَرِ - يعني بالفتح - أسطار وأساطير)) ووقال المبرد: ((هي جمع أُسْطورة نجو أُرْجوحة وأراجيح وأُحْدُوثة وأحاديث)). ومعنى الأساطير الأحاديث الباطلة والتُرَّهات ممَّا لا حقيقةً له. آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿وهم يَنْهَوْن عنه﴾: في الضميرين-أعني هم وهاء ((عنه)) - أوجه، أحدها: أن المرفوع يعود على الكفار، والمجرور يعود على القرآن، وهو أيضاً الذي عاد عليه الضميرُ المنصوب من ((يَفْقهوه))، والمشارُ إليه بقولهم: ((إنْ هذا)). والثاني: أنَّ ((هم)) يعود على مَنْ تقدَّمِ ذِكْرُهم مِن الكفار، وفي ((عنه)) يعود على الرسول، وعلى هذا ففيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، فإن قوله: ((جاؤوك يجادلونك)) خطاب للرسول، فخرج (١) لم يرد هذا في كتابه «معاني القرآن)). (٢) المحرر ٢٨/٦. (٣) العباديد: الفِرق من الناس. (٤) قوم شماطيط: متفرقون. (٥). المفردات ٢٣٣. ٥٨٠