Indexed OCR Text

Pages 401-420

- المائدة -
ما ينبغي له أن يطمعَ في صحبة الصالحين)).
الخامس: أنها جملة استئنافية. قال الشيخ(١): ((الأحسنُ والأسهلُ أن
يكونَ استئنافَ إخبارٍ منهم بأنهم طامعون في إنعامِ الله عليهم بإدخالهم مع
الصالحين، فالواوُ عاطفةً هذه الجملةَ على جملة ((وما لنا لا نؤمن)). قلت:
وهذا المعنى هو ومعنى كونها معطوفةً على المَحْكِيِّ بالقول قبلها شيءٌ واحدٌ،
فإن فيه الإِخبارَ عنهم بقولهم كيت وكيتَ. السادس: أن يكون ((ونطمعُ))
معطوفاً على ((نؤمن)) أي: وما لنا لا نطمع. قال الشيخ(٢) هنا: ((ويظهرُ لي
وجهٌ غيرُ ما ذكروه وهو أن يكونَ معطوفاً على ((نؤمن))، التقدير: وما لنا لا نؤمنُ
ولا نطمعُ، فيكونُ في ذلك إنكارٌ لانتفاء إيمانهم وانتفاءِ طمعهم مع قدرتهم
على تحصيلِ الشيئين: الإِيمانِ والطمعِ في الدخول مع الصالحين)». قلت:
قوله: ((غيرُ ما ذكروه)) ليس كما ذكره، بل ذكر أبو البقاء (٣) فقال: ((ونطمعُ يجوز
أن يكونَ معطوفاً على ((نؤمن)) أي: وما لنا لا نطمع))، فقد صَرَّح بعطفه على
الفعل المنفي بـ((لا))، غايةُ ما في الباب أن الشيخَ زاده بسطاً.
والطمع قال الراغب(٤): ((هو نزوعُ النفسِ إلى الشيء شهوة له)) ثم
قال: ((وَلَمَّا كان أكثرُ الطمعِ من جهة الهوى قيل: الطَّمَعُ طَبَعْ والطَمَعُ يدِنِّس
الإِهابَ)). وقال الشيخ(٥): ((الطمعُ قريبٌ من الرجاء / يقال منه: طَمِع يطمَعُ [٢٧٣/أ]
طَمَعاً، قال تعالى: ((خَوْفاً وطَمَعاً)(٦) وطَماعَة وطماعِيَة كالكراهية، قال(٧):
(١) البحر ٧/٤.
(٢) البحر ٧/٤.
(٣) الإِملاء ٢٢٤/١.
(٤) المفردات ٣١٦.
(٥) البحر ٣/٤.
(٦) الآية ١٦ من السجدة.
(٧) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان وبل، وصدره:
أَمَا والذي مَسَّحْتُ أركانَ بيتِه
٤٠١

- المائدة -
١٨٠٥-
طَماعيةً أَنْ يغفرَ الذنبَ غافرُهْ
فالتشديدُ فيها خطأ، واسمُ الفاعل منه طَمِع كـ ((فَرِح)) و((أَشِر)،
ولم يَحْكِ الشيخُ غيرَهِ، وحكى الراغب(١): طَمِعٌ وطامعٌ، وينبغي أن يكون ذلك
باعتبارین کقولهم (فرح) لمن شأنه ذلك، و ((فارح» لمن تجدّد له فرحٌ.
قوله: ((أن يُدْخِلَنا) أي: في أن، فمحلُّها نصب أو جر على ما تقدَّم غيرَ
مرة. و((مع)) على بابها من المصاحبة، وقيل: هي بمعنى ((في)) ولا حاجةً إليه
الاستقلالِ المعنى مع بقاءِ الكلمةِ على موضوعها.
آ. (٨٥) وقرأ الحسن (٢): ﴿فآتاهم﴾: مِنْ آتاه كذا أي: أعطاه،
والقراءةُ الشهيرةُ أَوْلِى؛ لأنَّ الإِثابةَ فيها مَنْبَهَةٌ على أنَّ ذلك لأجلِ عملٍ ، بخلافِ
الإِيتاء، فإنه يكونُ على عملٍ وعلى غيره. وقوله: (جناتٍ)) مفعول ثان
لـ ((أثابهم))، أو لـ ((آتاهم)) على حَسَبِ القراءتين. و((تجري من تحتها الأنهار)
في محلِّ نصبٍ صفةً لـ ((جنات)). و((خالدين)) حالٌ مقدرةٌ، وقوله: ((وذلك
جزاءُ)) مبتدأ وخبرٌ، وأُشير بـ ((ذلك)) إلى الثواب أو الإِيتاء. و((المحسنين))
يُحتمل أن يكونَ من بابِ إقامةِ الظاهرِ مُقَامَ المضمر، والأصل: ((وذلك
جزاؤهم))، وإنما ذُكِر وصفُهم الشريف مَنْبَهَةً على أن هذه الخَصْلَة محصِّلة
جزائهم بالخير، ويُحتمل أن يرادَ كلَّ محسنٍ، فيندرجون اندراجاً أولياً.
آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿حلالا﴾: فيه ثلاثة أوجه، أظهرُها: أنه
مفعولٌ به أي: كُلوا شيئاً حلالاً، وعلى هذا الوجهِ ففي الجارِّ وهو قوله:
(مِمَّا رزقكم)) وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من ((حلالا)) لأنه في الأصل صفةٌ
النكرةٍ، فلمَّا قُدَّم عليها انتصبَ حالاً. والثاني: أنَّ ((مِنْ)) لابتداء الغاية في
الأكل أي: ابتدئوا أكلكم الحلالَ من الذي رزقه الله لكم. الوجه الثاني من
(١) المفردات ٣٠٧.
(٢) الشواذ ٣٤؛ والبحر ٨/٤
٤٠٢

- المائدة -
الأوجه المتقدمة أنه حالٌ من الموصول أو من عائده المحذوف أي: «رَزَقكموه»
فالعاملُ فيه («رزقكم)). الثالث: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف أي: أَكْلاً حلالاً
وفيه تجُّزٌ.
آ. (٨٩) وقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذُكم﴾: إلى آخره، تقدم إعرابُ
ذلك في سورة البقرة(١) واشتقاقُ المفردات. وقرأ(٢) حمزة والكسائي وأبو بكر
عن عاصم: ((عَقَدْتُمْ)) بتخفيف القاف دون ألف بعد العين، وابن ذكوان عن
ابن عامر: ((عاقدتم)) بزنة فاعلتم، والباقون: (عَقَّدتم)) بتشديد القاف.
فأمَّا التخفيفُ فهو الأصل، وأمَّا التشديدُ فيحتمل أوجهاً، أحدها: أنه للتكثير
لأنَّ المخاطبَ به جماعةٌ. والثاني: أنه بمعنى المجردِ فيوافِقُ القراءةَ الأولى،
ونحوه: قَدَّر وقَدَر. والثالث: أنه يَدُلُّ على توكيد اليمين نحو: ((واللهِ الذي
لا إله إلا هو)). والرابع: أنه يدل على تأكيد العزم بالالتزام. الخامس: أنه
عوضٌ من الألف في القراءة الأخرى، ولا أدري ما معناه، ولا يجوز أن يكونَ
لتكرير اليمين فإنَّ الكفارةَ تَجِبُ ولو بمرةٍ واحدةٍ.
وقد تَجَرَّأ أبو عبيد على هذه القراءةِ وزيَّفَها فقال: ((التشديد للتكرير
[مرةٌ] من بعد مرة، ولست آمنُ أن توجِبَ هذه القراءةُ سقوطَ الكفارةِ في
اليمين الواحدة لأنها لم تكرِّرْ». وقد وَهِّموه(٣) الناسُ في ذلك، وذكروا تلك
المعاني المتقدمة، فَسَلِمْتِ القراءةُ تلاوةً ومعنى ولله الحمدُ.
وأمَّا ((عاقدت)) فُيُحتملُ أن تكونَ بمعنى المجردِ نحو: ((جاوزت الشيء
وجُزْتُه)). وقال الفارسي (٤): ((عاقَدْتم)) يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكونَ بمعنى
(١) الآية ٢٢٥ .
(٢) السبعة ٢٤٧؛ الكشف ٤١٧/١.
(٣) كذا على لغة ((أكلوني البراغيث)).
(٤) الحجة (خ) ٣٤٢/٢.
٤٠٣

- المائدة -
فَعَل، كطارقت(١) النَّعْل وعاقبتُ اللص، والآخر: أن يُراد به فاعَلْتُ التي
تقتضي فاعلين، كأن المعنى: بما عاقدتم عليه الأيمانَ، عَدَّاه بـ ((على))
لَمَّا كان بمعنى عاهد، قال: ((بما عاهد عليه الله))(٢) كما عَدَّى: ((ناديتم إلى
الصلاة)(٣) بـ ((إلى))، وبابُها أن تقول: ناديت زيداً [نحو:] ((ونادَيْناه من جانب
الطور) (٤) لَمَّا كانت بمعنى دَعَوْتُ إلى كذا، قال: ((مِمَّنْ دعا إلى الله))(٥) ثم
اتُّسِع فحُذِف الجارُّ ونُقِل الفعل إلى المفعول، ثم حُذِف الضمير العائد من:
الصلة إلى الموصول إذا صار: ((بما عاقدتموه الأيمان)) كما حُذِف من قوله:
(فاصدَعْ بما تُؤْمّر))(٦). قلت: يريد - رحمه الله - أن يبيِّن معنى المفاعلة فأتى
بهذه النظائر للتضمين ولحذفِ العائدِ على التدريج، والمعنى: بما عاقَدْتُم
عليه الأيمان وعاقَدَتْكُم الأيمان عليه، فَنَسَب المعاقدةَ إلى الأيمان مجازاً.
ولقائل أن يقول: قد لا نحتاجُ إلى عائد حتى نحتاج إلى هذا التكلُّفِ الْكَثير،
وذلك بأن نجعلَ ((ما) مصدريةٌ والمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: بما عاقدتم غيرَكم
الأيمانَ، أي: بمعاقدتكم غيرَكم الأيمانَ، ونخلص من مجازٍ آخر وهو نسبةٌ
المعاقدةِ إلى الأيمان، فإنَّ في هذا الوجه نسبةَ المعاقدة للغير وهي نسبةٌ
حقيقية، وقد نَصَّ على ذلك - أعني هذا الوجه - جماعةٌ.
وقد تعقّب الشيخُ على أبي علي كلامَه / فقال(٧): ((قوله: إنه مثل
((طارَقْتُ النعل)) و((عاقبت اللص)) ليس مثلَه، لأنك لا تقول: طَرَقْتُ
[٢٧٣/ب]
(١) طارقت النعل: صيرتها طاقاً فوق طاق.
(٢) الآية ١٠ من الفتح
(٣) الآية ٥٨ من المائدة.
(٤) الآية ٥٢ من مريم.
(٥) الآية ٣٣ من فصلت.
(٦) الآية ٩٤ من الحجر.
(٧) البحر ٩/٤.
٤٠٤

- المائدة -
ولا عَقَبْتُ، وتقول: عاقَدْت اليمين وعَقَدْتُها)). وهذا غيرُ لازم لأبي علي لأنَّ
مرادَه أنه مثلُه من حيث إنَّ المفاعلةَ بمعنى أن المشاركة من اثنين منتفيةٌ عنه
كانتفائها من عاقَبْتُ وطارَقْتُ، أمَّا كونُه يقال فيه أيضاً كذا فلا يَضُرُّه ذلك في
التشبيه. وقال أيضاً: ((تقديرُه حَذْفَ حرفِ الجر ثم الضميرِ على التدرج بعيدٌ،
وليس بنظير: ((فاصدَعْ بما تؤمر)) لأن ((أمر)) يتعدَّى بنفسِه تارةً وبحرف الجر
أخرى، وإن كان الأصلُ الحرفَ، وأيضاً فـ ((ما)) في ((فاصدَعْ بما)) لا يتعيّن أن
تكونَ بمعنى الذي، بل الظاهر أنها مصدريةٌ، وكذلك ههنا الأحسنُ أن تكونَ
مصدريةً لمقابلتِها بالمصدرِ وهو اللَّغْوُ)).
وقد تقدَّم في سورة النساء قولُه تعالى: ((والذين عَقَدَتْ أَيْمانكم))(١)
و ((عَاقَدْت))، وذكرت لك ما فيهما فصارَ في هذه ثلاثُ قراءاتٍ في المشهور،
وفي تِيْكَ قراءاتان، وكنت قد ذَكَرْتُ أنه رُوي عن حمزة في سورة النساء:
(عَقَّدت) بالتشديد، فيكون فيها أيضاً ثلاث قراءات، إلا أنه اتفاقٌ غريبٌ فإنَّ
حمزة من أصحاب التخفيف في هذه السورة، وقد رُوي عنه التثقيلُ في
النساء .
قوله تعالى: ((فكفَّرتُه إطعامُ)) مبتدأ وخبر، والضميرُ في ((فكفارته)) فيه
أربعةُ أوجه، أحدها: أنه يعودُ على الحِنْثِ الدالِّ عليه سياقُ الكلام، وإنْ
لم يَجْرِ له ذكرٌ، أي: فكفَّارُ الحِنْثِ. الثاني: أنه يعود على ((ما)» إنْ جَعَلْناها
موصولةً اسميةً، وهو على حذفِ مضافٍ أي: فكفارة نُكْثه، كذا قدَّره
الزمخشري(٢). والثالث: أنه يعودُ على العَقْدِ لتقدُّمِ الفعلِ الدالِ عليه.
الرابع: أن يعودَ على اليمين، وإن كانت مؤنثة لأنها بمعنى الحَلْف، قالهما
أبو البقاء (٣)، وليسا بظاهرين. و((إطعامُ)) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله وهو مقدّرٌ
(١) الآية ٣٣.
(٢) الكشاف ١ /٦٤٠.
(٣) الإملاء ٢٢٥/١.
٤٠٥

- المائدة -
بحرفٍ وفعل مبني للفاعل أي: فكفارته أن يُطْعِمَ الحانثُ عشرةً، وفاعلُ
المصدر يُحذف كثيراً، ولا ضرورة تَدْعو إلى تقديرِه بفعلٍ مبني للمفعولِ أي:
أَنْ يُطْعَمَ عشرةٌ، لأنَّ في ذلك خلافاً تقدَّم التنبيه عليه، فعلى الأول يكونُ
محلُّ ((عشرة)) نصباً، وعلى الثاني يكون محلُّها رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعله،
ولذلك فائدةٌ تَظْهر في التابع، فإذا قلت: ((يعجبني أكلُ الخبزِ) فإن قدرته مبنياً
للفاعل فتتبع ((الخبز)) بالجرِّ على اللفظِ والنصبِ على المحلِّ، وإنْ قَدَّرْتَه مبنياً
للمفعول أَنْبعته جراً ورفعاً، فتقول: يعجبني أكلُ الخبزِ والسمنِ والسمنَ
والسمنُ، وفي الحديث: (نَهَى عن قتلِ الأبتر وذو الطَّفْيَتَيْنِ)) (١) برفع ((ذو))
على معنى: أن يُقْتل الأبتر. قال أبو البقاء (٢): ((والجيد أن يُقَدَّر ـ أي
المصدر - بفعلٍ قد سُمِّي فاعلُه، لأنَّ ما قبله وما بعده خطابٌ)). قلت: فهذه
قرينةٌ تُقَوِّي ذلك، لأنَّ المعنى: فكفَّارته أَنْ تُطْعِموا أنتم أيها الحالفون، وقد
قَدَّمْتُ لك أَنَّ تقديرَه بالمبني للفاعل هو الراجحُ، ولو لم تُوجَدْ قرينةٌ لأنه
الأصلُ.
قوله: ((من أوسِطِ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ
محذوفٍ يبِيِّنْه ما قبلَه تقديرُه: طعامُهم من أوسطِ، ويكون الكلامُ قَد تَمَّ عِند
قوله: «مساكين))، وسيأتي إيضاحُ هذا بزيادةٍ قريباً إن شاء الله تعالى. والثاني:
أنه في موضعٍ نصبٍ لأنه صفةٌ للمفعول الثاني، والتقديرُ: قوتاً أو طعاماً كائناً
من أوسط، وأما المفعول الأول فهو ((عشرة)) المضافُ إليه المصدرُ، و((ما))
موصولةٌ اسميةٌ والعائد محذوفٌ أي: من أوسطِ الذي تطعمونه، وقَدَّره
(١) وجدت الحديث برواية ((اقتلوا ذا الطَّفْيَتَيْنْ والأبتر)) وهما نوعان من الحيَّات. ورواه
البخاري: بدء الخلق (الفتح) ٣٤٧/٦؛ مسلم: السلام ١٧٥٢/٤؛ وابن ماجة:
الطب ٤٢ (٢ /١١٦٩).
(٢) الإملاء ٢٢٥/١.
٤٠٦

- المائدة -
أبو البقاء(١) مجروراً بـ ((مِنْ)) فقال: ((الذي تطعمون منه)). وفيه نظرٌ لأنَّ من
شرط العائد المجرور في الحذف أَنْ يَتَّحِدَ الحرفان والمتعلَّقان، والحرفان هنا
وإن اتفقا وهما ((مِنْ)) و((مِنْ)) إلا أنَّ العاملَ اختلف، فإنَّ ((مِنْ)) الثانية متعلقةٌ
بـ ((تُطْعِمُون))، والأولى متعلقةُ بمحذوفٍ وهو الكون المطلق لأنها وقعت صفة
للمفعول المحذوف، وقد يُقال: إنَّ الفعل لَمَّا كان مُنْصَبّاً على قوله: ((من
أوسط)) فكأنه عاملٌ فيه، وإنما قدَّرْنا مفعولاً لضرورة الصناعة، فإن قلت:
الموصولُ لم ينجرَّ بـ ((مِنْ)) إنما انجرِّ بالإِضافةِ. فالجواب أنَّ المضافَ إلى
الموصول كالموصولِ في ذلك نحو: ((مُرَّ بغلام الذي مررت)).
و ((أهليكم)) مفعولٌ أول لـ «تُطْعِمُون))، والثاني محذوف كما تقدم أي :
تُطْعمونه أهليكم. و ((أهليكم)) جمعُ سلامةٍ، ونقصه من الشروط كونُه ليس علماً
ولا صفةً، والذي حَسَّن ذلك أنه كثيراً ما يُستعمل استعمال ((مستحق لكذا)) في
قولهم: ((هو أهلٌ لكذا)) أي: مستحق له فأشبه الصفاتِ فَجُمع جمعَها. وقال
تعالى: ((شَغَلَتْنا أموالُنا وأهلونا))(٢) ((قُوا أنفسكم وأهليكم نارا))(٣)، وفي
الحديث(٤): ((إنَّ الله أهلين)» قيل: يا رسولَ الله: مَنْ هم؟ قال: قُرَّاء القرآن
هم أهلو الله وخاصَّتُه)) فقوله: ((أهلُو الله)) جمعٌ حُذِفَتْ نونُه للإضافة، ويُحتمل
أن يكونَ مفرداً فيكتب: ((أهلُ الله)) فهو في اللفظِ واحدٌ.
وقرأ(٥) جعفر الصادق: ((أهاليكم)) بسكونِ الياءِ، وفيه
تخريجان / أحدُهما: أنَّ ((أهالي)) جمعُ تكسيرٍ لـ ((أَهْلَة)) فهو شاذّ في القياس [٢٧٤/أ]
(١) الإملاء ٢٢٥/١.
(٢) الآية ١١ من الفتح.
(٣) الآية ٦ من التحريم.
(٤) رواه ابن ماجة: المقدمة ١٦ (٧٨/١)؛ ابن حنبل ١٢٨/٣.
(٥) البحر ١٠/٤.
١
٤٠٧

٠٠
- المائدة ـ
كـ ((لَيْلة وليال)). قال ابن جني(١): ((أَهال)) بمنزلةٍ ((لَيَال)) واحدها أَهْلَاةُ ولَيْلاة،
والعربُ تقول: أهلٌ وأَهْلَة، قال الشاعر (٢):
١٨٠٦ - وأَهْلَةُ وُدِّ قد سُرِرْتُ بُدُّهم
وقياسُ قولِ أبي زيد أن تجعلَه جمعاً لواحدٍ مقدرٍ نحو: أحاديث (٣)
وأعاريض وإليه يشير قولُ ابن جني: ((أهال بمنزلة ليال)) واحدُها أَهْلاة ولَيْلاة،
فهذا يحتمل أن يكونَ بطريقِ السماع، ويحتملُ أن يكونَ بطريقِ القياس
كما يقول أبو زيد. والثاني: أنَّ هذا اسمُ جمعٍ لأَهْل. قال الزمخشري (٤):
(كالليالي في جمع ليلة والأراضي في جمع أرض)). قوله ((في جمع ليلة وجمع
أرض)) أرادَ بالجمعِ اللغويَّ لأَنَّ اسمَ الجمع جمعٌ في المعنى، ولا يريد أنه
جمعُ ((ليلة)) و ((أرض)) صناعةٌ؛ لأنه قد فَرَضَه أنه اسمُ جمعٍ فكيف يجعلُه جمعاً
اصطلاحاً؟ .
وكان قياسُ قراءةِ جعفر تحريكَ الياءِ بالفتحة لخفتها، ولكنه شَبَّه الياء
بالألف، فقدَّر فيها الحركةَ، وهو كثيرٌ في النظم كقول النابغة (٥).
١٨٠٧ - رَدَّتْ عليهِ أقاصِيه وَلَبَّده.
ضَرْبُ الوليدةِ بالمِسْحاةِ فِي النَّأَدِّ
(١) المحتسب ٢١٨/١.
(٢) البيت لأبي الطمحان، وهو في اللسان ((أهل)) وعجزه:
وَأَبْلَيْتُهم في الحَمْد جُهْدي ونائلي
(٣) الحديث يجمع على أحاديث على غير قياس. قال الفراء: واحد الأحاديث أحدوثة ثم
جعلوه جمعاً للحديث والعروض: ميزان الشعر ولا تجمع لأنها اسم جنس، والعروض
أيضاً: اسم الجزء الذي فيه آخر النصف الأول من البيت، ويجمع على أعاريض على غير
قياس كأنهم جمعوا إعريضاً. انظر: الصحاح ((حدث - عرض)) ..
(٤) الكشاف ٦٤٠/١.
(٥) ديوانه ٣؛ وشرح القصائد للنحاس ٧٣٨؛ وأقاصيه: ماشذَّ منه. ولّده: سكّنه.
والتأد: الثرى.
٤٠٨

- المائدة -
وقول الآخر(١):
١٨٠٨- كأنَّ أيدِيهنَّ بالقاعِ القَرِقْ
أيدي جوارٍ يتعاطَيْنَ الوَرِقْ
وقد مضى ذلك بأشبعَ من هذا.
قوله تعالى: ((أو كِسْوَتُهم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه نسقٌ على ((إطعام))
أي: فكفارتُه إطعامُ عشرةٍ أوكسوة تلك العشرة. والثاني: أنه عطفٌ على
محل ((من أوسط)) كذا قاله الزمخشري(٢)، وهذا الذي قاله إنما يتمثَّى على
وجهٍ سَبَقَ لك في قوله ((من أوسط)) وهو أن يكونَ (من أوسط)) خبراً لمبتدأ
محذوفٍ يَدُلُّ عليه ما قبلَه، تقديرُه: طعامُهم من أوسط، فالكلامُ عنده تامّ
على قوله ((عشرة مساكين))، ثم ابتدأَ إخباراً آخرَ بأن الطعامَ يكونُ من أوسطِ
كذا، وأمَّا إذا قلنا: إنَّ ((مِنْ أوسط)) هو المفعولُ الثاني فيستحيل عطف
((كسوتهم)) عليه لتخالفهما إعراباً.
وقرأ الجمهور: ((كسوتهم)) بكسر الكاف. وقرأ(٣) إبراهيم النخعي
وأبو عبدالرحمن السلمي وسعيد بن المسيب بضمها، وقد تقدم في البقرة (٤)
أنهما لغتان في المصدر وفي الشيء المكسوِّ، قال الزمخشري(٥): ((كالقدوة
في القُدوة، والإِسوة في الأسوة، إلا أن الذي قرأ في البقرة بضمِّها هو طلحة
فلم يذكروه هنا، ولا ذكروا هؤلاء هناك.
(١) البيت لرؤبة وهو في ملحق ديوانه ١٧٩؛ والخصائص ٣٠٦/١؛ والمحتسب ١٢٦/١؛
وأمالي الشجري ١٠٥/١؛ والدرر ٢٩/١؛ والفرق: الأملس من الحصى. والورق:
الدراهم. والشاهد في ((أیدیهن)) حيث إنه سكن ما هو واجب التحريك لخفته.
(٢) الكشاف ١ / ٦٤٠.
(٣) الشواذ ٣٤؛ البحر ١١/٤.
(٤) الآية ٢٣٣.
(٥) الكشاف ٦٤١/١.
٤٠٩

- المائدة -
وقرأ سعيد بن جبير وابن السَّمَيْفَع: ((أو كأُسْوَتِهم)) بكاف الجر الداخلة
على ((أُسْوة)) قال الزمخشري: ((بمعنى: أو مثلُ ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان
أو تقتيراً، لا تُنْقصونهم عن مقدارٍ نفقتِهم، ولكن تواسُون بينهم. فإن قلت:
ما محلُّ الكاف؟ قلت: الرفعُ، تقديرُه: أو طعامُهم كأسوتهم، بمعنى: كمثل
طعامِهِم إن لم يُطْعموهم الأوسطَ)) انتهى. وكان قد تقدم أنه يَجْعل ((من أوسط))
مرفوعَ المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوف، فتكونُ الكاف عنده مرفوعةً عطفاً على ((مِنْ
أوسطِ)). وقال أبو البقاء(١) قريباً من هذا فإنه قال: ((فالكافُ في موضعِ رفعٍ
أي: أو مثلُ أسوةِ أهليكم)). وقال الشيخ(٢): ((إنه في موضعِ نصبٍ عطفاً
على محلٌ (مِنْ أوسط))، لأنه عنده مفعولٌ ثان. إلاَّ أنَّ هذه القراءةَ تنفي
الكسوةَ من الكَفَّارة، وقد أجمع الناس على أنها إحدى الخصالِ الثلاث،
لكن لصاحبِ هذه القراءةِ أن يقولَ: ((استُفيدت الكسوةُ من السنَّة)) أمَّا لوقام
الإجماع على أن مستندَ الكسوة في الكفارة من الآية فإنه يَصِحُّ الردّ على هذا
القارىء.
قوله: ((أو تحرير رقبة)) عطف على ((إطعامُ)) وهو مصدر مضاف لمفعوله،
والكلامُ عليه كالكلامِ على ((إطعامُ عشرة)) من جوازٍ تقديره بفعلٍ مبني للفاعل
أو للمفعول وما قيل في ذلك. وقوله: ((فَمَنْ لم يَجِدْ فصيامُ)) كقوله في النساء:
((فَمَنْ لم يَجِدْ فصيامُ شِهرين))(٣) وقد تقدَّم ذلك مُحَرَّراً.
قوله: ((إذا حَلَقْتُم)) قال أبو البقاء(٤): ((منصوبٌ على الظرف وناصبُه
[٢٧٤/ب] ((كفارة)) أي: ذلك الإطعامُ، / أو ما عُطِف عليه يُكَفِّر عنكم حِنْثَ اليمينِ وقتَّ
(١) الإملاء ٢٢٥/١.
(٢) البحر ٤/ ١١.
(٣) الآية ٩٢.
(٤) الإملاء ٢٢٥/١ .
٤١٠

- المائدة -
حَلْفِكم)). وقال الزمخشري(١): ((ذلك المذكورُ كفارة، ولو قيل: ((تلك كفارةُ))
لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء، أو التأنيث للكفارة، والمعنى: ((إذا حلفتم
حَيْتُم فترك ذِكْرَ الحِنْثِ لوقوع العلم بأن الكفارة إنما تَجِبُ بالحِنْثِ بالحَلِفِ
لا بنفس الحَلِف)). ولا بد من هذا الذي ذكره الزمخشري وهو تقديرُ الحِنْث،
ولذلك عيب على أبي البقاء قوله: ((العامل في ((إذا)) كفارةُ أَيْمانكم، لأن
المعنى: ذلك يُكَفِّر أَيْمانكم وقتَ حَلْفكم)) فقيل له: الكفارةُ ليست واقعةً في
وقت الحَلْف فكيف يَعْمل في الظرف ما لا يقع فيه؟ وظاهرُ الآية أنَّ ((إذا))
متمحِّضَةُ الظرفية، وليس فيها معنى الشرط، وهو غيرُ الغالبِ فيها، وقد يجوزُ
أن تكونَ شرطاً، ويكونُ جوابُها محذوفاً على قاعدةِ البصريين يَدُلُّ عليه
ما تقدَّم، أو هو نفسُ المتقدم عند أبي زيد والكوفيين، والتقدير: إذا حَلَقْتُم
وحَيْتُم فذلك كفارةُ إثمِ أيمانكم، كقولهم: ((أَنتَ ظالمٌ إِنْ فَعَلْتَ)). والكافُ
في قوله: ((كذلك يبيّن)) نعت لمصدر محذوفٍ عند جماهيرِ المُعْربين، أي:
يبيّن الله آياتِه تبييناً مثلَ ذلك التبيين، وعند سيبويه(٢) أنه حالٌ من ضميرٍ ذلك
المصدرِ على ما عُرِفَ غيرَ مرةٍ.
آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾: خبرٌ عن هذه الأشياء المتقدمة
فيقال: ((كيف أخبر عن جمع بمفرد؟ فأجاب الزمخشري(٣) بأنه على حَذْف
مضاف أي: إنما شأنُ الخمرِ. وكذا وكذا، ذكر ذلك عند تعرُّضِه للضميرِ في
((فاجتنبوه)) كما سيأتي، وكذا قَدَّره أبو البقاء فقال(٤): ((لأنَّ التقديرَ: إنما عَمَلُ
هذه الأشياء)). قال الشيخ(٥) بعد حكايته كلامَ الزمخشري: ((ولا حاجة إلى
(١) الكشاف ٦٤١/١.
(٢) الكتاب ١١٦/١.
(٣) الكشاف ٦٤٢/١.
(٤) الإملاء ٢٢٥/١.
(٥) البحر ١٤/٤.
٤١١

- المائدة -
هذا، بل الحكمُ على هذه الأربعةِ أنفسِها أنَّها رِجْسٌ أبلغُ من تقدير هذا
المضاف كقوله: ((إنما المشركون نَجَسٌ))(١). وهو كلامٌ حسن، وأجاب
أبو البقاء (٢) أيضاً بأنه يجوزُ أَنْ يكونَ ((رجس)) خبراً عن ((الخمر))، وحُذِفَ خِبرُ
المعطوفاتِ لدلالةِ خبرِ الأولِ عليها)). قلت: وعلى هذا فيجوزُ أن يكونَ خبراً
عن الآخِرِ وحُذِفَ خبرُ ما قبلَه لدلالةِ خبرٍ ما بعده عليه؛ لأنَّ لنا في نحو قولِه
تعالى: «واللَّهُ ورسولُه أحقُّ أَنْ يُرْضُوه))(٣) هذين التقديرين، وقد تقدَّم
تحقيقُهما غيرَ مرةٍ.
والأنصابُ جمع (نَصَب))، وقد تقدم ذلك أول السورة(٤). والأزلام
تقدمت أيضاً، والرِّجْسُ قال الراغب(٥): ((هو الشيء القَذِرُ، رجل رِجْس،.
ورجالٌ أَرْجاس)) ثم قال: ((وقيل: رِجْس ورِجْز للصوت الشديد، يقال: بعير
رَجَّاس: شديد الهدير، وغمام راجِس ورجَّاس: شديد الرعد)). وقال
الزجاج (٦): ((هو اسمٌ لكل ما استُقْذر من عمل قبيح، يقال: رَجِس وَرَجْسَ
بكسر الجيم وفتحها يَرْجُسُ رِجْساً إذا عمل عملاً قبيحاً، وأصله من الرَّجْس.
بفتح الراء وهو شدة صوت الرعد، قال(٧):
١٨٠٩ - وكلُّ رَجَّاسٍ يسوقُ الرَّجْسا
(١) الآية ٢٨ من التوبة.
(٢) الإِملاء ٢٢٥/١.
(٣) الآية ٦٢ من التوبة.
(٤) الآية ٣.
(٥) المفردات ١٩٣.
(٦) معاني القرآن ٢٢٤/٢.
(٧) البيت للعجاج، وهو في معاني القرآن للزجاج ٢٢٤/٢ واللسان ((رجس))، وضبطها
((يسوق الرُّجَّسا)) ولكننا التزمنا ضبط المؤلف لها، وكتب اللغة تجيز الوجهين. انظر:
اللسان ((رجس)).
٤١٢

- المائدة -
وفَرَّق ابن دريد(١) بين الرِّجْس والرِّجْزِ والرِّكْس، فجعل الرِّجْسَ: الشر،
والرِّجْز: العذاب، والرِّكْس: العَذِرة والنّتْن، ثم قال: ((والرِّجْسُ يقال
للاثنين))، فتحصَّل من هذا أنه اسمٌ للشيءِ القَذِرِ المنتن أو أنه في الأصل
مصدرٌ.
وقوله: ((مِنْ عملِ الشيطانِ)) في محلٌّ رفعٍ لأنه صفةٌ لـ ((رجس)).
والهاء في ((فاجتَنِبُوه)) تعودُ على الرجس أي: فاجتنبوا الرجسَ الذي أخبر به
عَمَّا تقدَّم من الخمر وما بعدها. وقال أبو البقاء(٢): ((إنها تعود على الفعل))
يعني الذي قَدَّره مضافاً إلى الخمر وما بعدها، وإلى ذلك نحا الزمخشري
أيضاً، قال(٣): ((فإنْ قلت: إلامَ يَرْجِعُ الضمير في قوله: ((فاجتنبوه؟ قلت:
إلى المضافِ المحذوف(٤)، أو تعاطِيهما أو ما أشبه ذلك، ولذلك قال: ((رِجْسٌ
من عمل الشيطان))، وقد تقدَّم أن الأحسن أن هذه الأشياء جُعِلَتْ نفسَ
الرجس مبالغة .
آ. (٩١) قوله تعالى: ﴿في الخمر﴾: فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه
متعلق بـ ((يوقع)) أي: يُوقع بينكم هذين الشيئين في الخَمْر أي: بسبب
شربها، و((في)) تفيد السببية كقوله عليه السلام: ((إنَّ امرأةٌ دخلت النار في
هِرَّةٍ))(٥). الثاني: أنها متعلقة بالبغضاء لأنه مصدر معرف بأل /. الثالث: أنه [٢٧٥/أ]
متعلقٌ بـ ((العَداوة)). وقال أبو البقاء(٦): ((ويجوز أن تتعلَّق ((في)) بالعداوة
(١) انظر: الجمهرة ٧٤/٢.
(٢) الإملاء ٢٢٥/١.
(٣) الكشاف ٦٤٢/١.
(٤) لأن الأصل: إنما شأن الخمر.
(٥) رواه البخاري: (الفتح) بدء الخلق ٣٥٦/٦؛ مسلم التوبة ٢١١٠/٤؛ ابن ماجة:
الزهد ٣٠ (١٤٢١/٢)؛ المسند ٢٦١/٢.
(٦) الإملاء ٢٢٥/١.
٤١٣

- المائدة ــ
أو بـ ((البغضاء)) أي: أَنْ تتعادَوْا وأَنْ تتباغضوا بسبب شربِ الخمرِ))، وعلى هذا
الذي ذكره تكونُ المسألةُ من باب التنازع وهو الوجهُ الرابع، إلَّ أنَّ في ذلك
إشكالاً وهو أَنَّ من حق المتنازعين أن يصلُحَ كلَّ منهما للعمل، وهذا العامِلُ
الأولُ وهو العداوة لوسُلِّط على المتنازع فيه لزم الفصلُ بين المصدر ومعموله
بأجنبي وهو المعطوف، وقد يقال: إنه في بعضِ صورِ التنازع يُلْتَزَمُ إعمالُ
الثاني، وذلك في فِعْلَي التعجب إذا تنازعا معمولاً فيه، وقد تقدَّم هذا مشبعاً
في البقرة.
قوله: ((فهل أنتم مُنْتَهُون)) هذا الاستفهامُ فيه معنى الأمر أي: ۔ انتهوا،
ولذلك لَمَّا فهم عمر بن الخطاب الأمرية، قال: ((انتهَيْنا يا رب انتهينا يا رب))
ويدلُّ على ذلك أيضاً عطفُ الأمرِ الصريح عليه في قوله ((وأطيعوا))، كأنه قيل:
انتهوا عن شرب الخمر وعن كذا وأطيعوا، فمجيءُ هذه الجملةِ الاستفهامية
المصدَّرةِ باسمٍ مُخْبَرِ عنه باسمِ فاعل دالٌّ على ثبوتِ النهي واستقراره أبلغُ
من صريحِ الأمر. قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: لِمَّ جُمع الخمرُ والميسرُ
مع الأنصاب والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً؟ قلت: لأنَّ الخطابَ مع
المؤمنين، وإنما نهاهم عَمَّا كانوا يتعاطَوْنه من شرب الخمرِ واللعبِ بِالميسرِ
وذِكْرِ الأنصابِ والأزلام لتأكيدِ تحريمِ الخمر والميسر وإظهارِ أنَّ ذلك جميعاً
من أعمال أهل الجاهلية وأهل الشرك)) انتهى. ويظهرُ شيءٌ آخرُ وهو أنه
لم يُفْرِدِ الخمر والميسرَ بالذكر آخراً، بل ذَكَر معهما شيئاً يلزم منه عدمُ الأنصاب
والأزلام فكأنه ذكر الجميع آخراً، بيانه أنه قال: ((في الخمر والميسر ويَصُدُّكم
عن ذكر الله)) بعبادة الأنصاب أو بالذبح عليها للأصنام على حَسَبٍ ما تقدم
تفسيره أول السورة، و((عن الصلاة)) باشتغالِكم بالأزلام، وقد تقدَّم تفسيرها
أيضاً، فَذِكْرُ الله والصلاةُ مُنّبِّهان على الأنصاب والأزلام، وهذا وجه حسن.
(١) الكشاف ٦٤٢/١.
٤١٤

- المائدة -
آ. (٩٣) قوله تعالى: ﴿إِذا ما اتّقُوا﴾: ظرفٌ منصوبٌ بما يُفْهَم من
الجملة السابقة وهي: ((ليس)) وما في حَيِّزها، والتقدير: لا يَأْثمون
ولا يُؤْاخَذُون وقت اتَّقائهم، ويجوزُ أن يكونَ ظرفاً محضاً، وأن يكون فيه معنى
الشرط، وجوابه محذوف أو متقدِّمُ على ما مَرْ.
آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿ليبلونكم﴾: جوابُ قسم محذوف أي:
واللَّهِ ليبلونكم، وقد تقدَّم أنه تَجِبُ اللامُ وإحدى النونين في مثلِ هذا
الجواب. قوله: ((بشيءٍ)) متعلّقٌ بـ ((ليبلونكم)) أي: ليختبرنكم بشيءٍ. وقوله:
((من الصيدِ)): في محلِّ جرِّ صفةً لـ ((شيء)) فيتعلَّقُ بمحذوف، و((من)) الظاهرُ
أنها تبعيضيةٌ لأنه لم يُحَرِّم صيدَ الحلال ولا صيد الحِلّ ولا صيد البحر. وقيل:
إنها لبيان الجنس. وقال مكي(١): ((وقيل ((من)) لبيان الجنس، فلما قال
(بشيء)) لم يُعْلَم من أيِّ جنسٍ هوفبِيِّن فقال: (من الصيدِ)) كما تقولُ:
(لأعطينَك شيئاً من الذهبٍ))، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء ثم قال(٢): ((وقيل: إنها
للتبعيضِ)). وكونُها للبيان فيه نظرً، لأنَّ الصحيحَ أنها لا تكونُ للبيان، والقائلُ
بأنها للبيانِ يُشْترط أن يكونَ المُبَيِّنُ بها معرفاً بأل الجنسية كقوله: ((فاجتِبُوا
الرجسَ من الْأُوْثان))(٣)، وبه قال ابنُ عطية (٤) أيضاً، والزجاج هو الأصل في
ذلك فإنه قال(٥): ((وهذا كما تقولُ: ((لامتحِنّتُّك بشيءٍ من الرِّزْقِ))، وكما قال
تعالى: ((فاجتنبوا الرجسَ من الأوثان)).
قوله: ((تنالُه)) في محلِّ جر لأنه صفةٌ ثانيةٌ لـ ((شيء))، وأجاز أبو البقاء(٦)
(١) المشكل ٢٤٣/١.
(٢) الإملاء ٢٢٥/١.
(٣) الآية ٣٠ من الحج.
(٤) المحرر ١٨٨/٥.
(٥) معاني القرآن ٢٢٧/٢.
(٦) الإملاء ٢٢٦/١.
٤١٥

- المائدة -
أن يكونَ حالاً: إمَّا من الصيد، وإمَّا من ((شيء)) وإن كان نكرة لأنه قد وُصِفَ
فتخصَّص، واستبعدَ الشيخُ(١) جَعْلَه حالاً من الصيد، ووجهُ الاستبعادِ أنه ليس
المقصودَ بالحديث عنه. وقرأ الجمهور: ((تناله)) بالمنقوطةِ فوقُ التأنيثِ
[٢٧٥ /ب] الجمعِ، وابن وثاب(٢) والنخعي / بالمنقوطةِ من تحتُ لأنَّ تأنيثَه غيرُ حقيقي.
وقوله(٣): (ثم اتَّقَوا وآمنوا ثم اتَّقوا)) للناس فيه قولان، أحدُهما: أنَّ هذا من
بابِ التوكيد، ولا يَضُرُّ حرفُ العطف في ذلك، وهذا كقوله تعالى: ((كلا سوف
تعلمون ثم كلا سوف تعلمون)»(٤)، حتى إنَّ الشيخَ جمال الدين بن مالك(٥)
يَجْعَلُ هذا من التوكيدِ اللفظي المبوبِ له في النحو. والثاني: أنه ليس للتأكيد
بل للتأسيس، إلا أنَّه جَعَل التغايرَ حاصلاً بتقديرِ المتعلقاتِ، فمنها أنَّ
التقدير: اتَّقَوا الشرك وآمنوا إيماناً كاملاً ثم اتقوا وآمَنوا أي: ثم ثَبْتُوا على
التقوى والإيمان المتقدمين، واستمروا على هذه الحالة ثم اتقوا ثم تناهَوْا في
التقوى وتوغلوا فيها، وأحسنوا للناسٍ وواسَوْهم(٦) بأموالهم، وإليه نحا
أبو القاسم الزمخشري (٧) بعبارةٍ قريبةٍ من هذا المعنى.
قوله تعالى: ((ليعلمَ اللَّهُ)) اللامُ متعلقةً بـ((لَيبلونَّكم))، والمعنى: ليتميّزَ
أو ليظهرَ لكم، وقد مضى تحقيقُه في البقرة، وأنَّ هذه تسمّى لام كي. وقرأ
بعضُهم: ((لِيُعْلِم)) بضم الياء وكسر اللام من أعلم، والمفعول الأول على هذه
القراءة محذوفٌ أي: لِيُعْلِم اللَّهُ عبادَه، والمفعول الثاني هو قوله: (مَنْ
يخافُه)) فـ((أَعْلَمَ)) منقولةٌ بهمزة التعدية من ((علم)) المتعدية لواحد بمعنى
(١) البحر ١٧/٤.
(٢) البحر ١٧/٤ .
(٣) عاد إلى الآية ٣٣.
(٤) الآية ٣ - ٤ من التكاثر.
(٥) انظر: شرح عمدة الحافظ له ٥٧٢.
(٦) سقطت إحدى الواوين سهواً من الأصل.
(٧) الكشاف ٦٤٣/١.
٤١٦

- المائدة -
(عَرَف)). قوله: ((بالغيب)) في محل نصب على الحال من فاعلٍ ((يَخافُه)) أي:
يخافُه ملتبساً بالغيبِ، وقد تقدم معناه في البقرة (١). وجَوَّز أبو البقاء(٢) فيه
ثلاثة أوجه، أحدها: ما ذكرته، والثاني: أنه حالٌ من ((مَنْ)) في ((من یخافه)»،
والثالث: أنَّ الباءَ بمعنى ((في))، والغيب مصدرٌ واقعٌ موقعَ غائبٍ أي: يخافه
في المكانِ الغائبِ عن الخَلْقِ، فعلى هذا يكونُ متعلقاً بنفس الفعل قبله،
وعلى الأوَّلَيْن يكونُ متعلقاً بمحذوفٍ على ما عُرِف.
آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿وأنتم حُرُمٌ﴾: في محل نصب على الحال
من فاعل ((تقتلوا))، و(حُرُمٌ)) جمع حَرام، وحَرام يكون للمُحْرِمِ وإنْ كان في
الحِلِّ ولِمَنْ فِي الحَرَم وإنْ كان حلالاً، وهما سِيَّان في النهي عن قتل الصيد،
وقد تقدم الكلامُ(٣) على هذه اللفظة. قوله: ((منكم)) في محلّ نصب على
الحال من فاعل ((قَتَله)) أي: كائناً منكم. وقيل: ((مِنْ)) للبيان وليس بشيء،
لأنَّ كلَّ مَنْ قَتَلَ صيداً حكمُه كذلك. فإن قلت: هذا واردٌ أيضاً على جَعْلِهِ
حالاً. قلتُ: لم يُقْصَدْ لذلك مفهومُ حتى إنه لوقتَله غيرُكم لم يكن عليه
جزاءٌ، لأنه قصد بالخطابِ معنىّ آخرَ وهو المبالغةُ في النهي عن قَتْلِ الصيد.
قوله: ((متعمِّداً)) حالٌ أيضاً من فاعل ((قَتَلَه)) فعلى رَأْي مَنْ يجوِّزُ تعدُّدٌ
الحال يُجيز ذلك هنا، ومَنْ مَنَعَ يقول: إنَّ ((منكم)) للبيانِ حتى لا تتعدَّد
الحالُ، و((مَنْ)) يُجَوِّزُ أَنْ تكونَ شرطيةٌ وهو الظاهرُ، وموصولةً، والفاءُ لشبهِها
بالشرطيةِ، ولا حاجةً إليه وإنْ كانوا فعلوه في مواضع. قوله: ((فجزاء)) الفاءُ
جوابُ الشرطِ أو زائدةٌ لشبه المبتدأ بالشرط، فعلى الأول الجملةُ بعدها في
محلِّ جزمٍ، وعلى الثاني في محلّ رفعٍ، وما بعد ((مَنْ)) على الأولِ في محلٌ
(١) الآية ٣.
(٢) الإِملاء ٢٢٦/١.
(٣) انظر: الآية ١ من المائدة.
٤١٧

- المائدة -
جزمٍ لكونه شرطاً، وعلى الثاني لا محلّ له لكونه صلةً. وقرأ(١) أهلُ الكوفة:
(فجزاءٌ مثلُ)) بتنوين جزاء ورفعه ورفع ((مثل))، وباقي السبعة برفعه مضافاً إلى
(مثل))، ومحمد بن مقاتل(٢) بتنوين ((جزاءً)) ونصبِه ونصب ((مثلَ))، والسُلمي
برفع ((جزاء)) منوناً ونصبٍ ((مثل))، وقرأ عبدالله: ((فجزاؤه)) برفع «جزاء)» مضافاً
لضمير ((مثل)) رفعاً.
فأمَّا قراءةُ الكوفيين فلأنَّ ((مثل)) صفةً لـ ((جزاء)) أي: فعليه جزاءً
موصوفٌ بكونه ((مثلَ ما قتله)) أي مماثِلَه. وجَوَّز مكي(٣) وأبو البقاء(٤) وغيرُهما
أَنْ يرتفعَ ((مثل)) على البدلِ، وذكر الزجاج(٥) وجهاً غريباً وهو أن يرتفعَ ((مثل)
على أنه خبرٌ لـ ((جزاء))، ويكونُ ((جزاء)) مبتدأ قال: ((والتقديرُ: فجزاءُ ذلك
[٢٧٦/أ] الفعلِ مثلُ ما قتل)). قلت: ويؤيد هذا الوجه / قراءةُ عبد الله: ((فجزاؤه مثلُ))،
إلا أن الأحسنَ أن يقدَّر ذلك المحذوفُ ضميراً يعودُ على المقتول لا أَنْ
يُقَدِّره: ((فجزاءُ ذلك الفعل)) و((مثل)) بمعنى مماثل قاله جماعةٌ: الزمخشري(٦)
وغيره، وهو معنى اللفظِ، فإِنَّها في قوةِ اسمِ فاعل، إلّ أنَّ مكّاً(٧) تَوَهَّمِ أنَّ
(مِثْلًا)) قديكون بمعنى غير مماثل فإنه قال: ((ومثل)) في هذه القراءة - يعني
قراءة الكوفيين - بمعنى مُماثِل، والتقديرُ: فجزاءٌ مماثلٌ لِما قَتَل يعني في
القيمةِ أو في الخِلْقة على اختلافِ العلماء، ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه لصار
(١) السبعة ٢٤٧؛ الكشف ٤١٨/١؛ والشواذ ٣٤؛ البحر ١٩/٤، وأهل الكوفة: عاصم.
وحمزة والكسائي .
(٢) محمد بن مقاتل العكي، رضيع هارون الرشيد، وُلِي افريقية، وتوفي بعد سنة ١٨٤ .
انظر: الأعلام ٣٢٨/٧.
(٣) المشكل ٢٤٤/١ .
(٤) الإِملاء ٢٢٦/١.
(٥) معاني القرآن ٢٢٨/٢.
i
(٦) الكشاف ٦٤٤/١.
(٧) المشكل ١/ ٢٤٤.
٤١٨

- المائدة -
المعنى: فعليه جزاءٌ مثلُ المقتولِ من الصيد، وإنما يلزمه جزاء المقتول بعينه
لا جزاءٌ مثلُه، لأنه إذا وَدَى جزاءً مثلَ المقتول صار إنما وَدَى جزاءَ ما لم يُقْتَل؛
لأنَّ مثلَ المقتول لم يَقْتُلْه، فصَحَّ أن المعنى: فعليه جزاءٌ ممائِلٌ للمقتول،
ولذلك بَعُدَتِ القراءةُ بالإِضافة عند جماعة. قلت: ((مثل)) بمعنى مُماثل أبداً
فكيف يقول ((ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه))؟ وأيضاً فقوله: ((لصار المعنى إلى
آخره)» هذا الإِشكالُ الذي ذكره لا يُتَصَوَّرُ مجيئُه في هذه القراءةِ أصلاً، وإنما
ذَكَرِه الناسُ في قراءةِ الإِضافة كما سيأتي، وكأنه نَقَل هذا الإشكالَ من قراءةٍ
الإِضافة إلى قراءةِ التنوين.
وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فاستبعَدها جماعةٌ، قال الواحدي: ((ولا ينبغي
إضافةُ الجزاءِ إلى المِثْلِ لأنَّ عليه جزاءَ المقتولِ لا جزاءً مثلِه فإنه لا جزاءً
عليه لَمَّا لم يقتلْه)) وقال مكي (١) بعد ما قَدَّمْتُه عنه: ((ولذلك بَعُدَت القراءةُ
بالإِضافةِ عند جماعةٍ لأنها تُوجِبُ جزاءً مثلَ الصيدِ المقتول)». قلت:
ولا التفاتَ إلى هذا الاستبعادِ فإنَّ أكثرَ القراء عليها. وقد أجاب الناسُ عن
ذلك بأجوبةٍ سديدةٍ، لَّمَّا خفيت على أولئك طَعَنوا في المتواتر، منها: أنَّ
((جزاء)) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله تخفيفاً، والأصل: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتل،
أي: أن يَجزي مثلَ ما قتل، ثم أُضيف، كما تقول: ((عجبت من ضربٍ زيداً))
ثم ((من ضربٍ زيدٍ)) ذَكّر ذلك الزمخشري(٢) وغيره، وبَسْطُ ذلك أنَّ الجزاءَ هنا
بمعنى القضاء والأصل: فعليه أن يُجْزَى المقتولُ من الصيد مثلَه من النعم،
ثم حُذِف المفعولُ الأول لدلالة الكلامِ عليه وأُضيف المصدرُ إلى ثانيهما،
كقولك: ((زيدٌ فقيرٌ ويعجبني إعطاؤك الدرهمَ)) أي: إعطاؤك إياه. ومنها: أنَّ
((مثل)) مقحمةٌ كقولهم: ((مِثْلُك لا يفعل ذلك)) أي: أنت لا تفعل ذلك، ونحو
(١) المشكل ٢٤٤/١.
(٢) الكشاف ٦٤٤/١.
٤١٩

- المائدة بـ
قوله تعالى: فإن آمنَوا بمثل ما آمنتم به))(١) أي: بما آمنتم [به] وكقوله: ((ليس
كمثلِه شيءٌ))(٢) فـ ((مثل)) زائدةٌ، وهذا خلاف الأصلِ، فالجوابُ ما قَدَّمْتُهُ.
و ((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسمية أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ محذوفٌ على
كِلا التقديرين أي: مثلُ ما قتله من النعم.
فَمَنْ رفع ((جزاء)» ففيه أربعة أوجه، أحدُها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبرُ
محذوفٌ تقديرُه: فعليه جزاء. والثاني: أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف تقدیرُه:
فالواجبُ جزاءُ. والثالث: أنه فاعلٌ بفعل محذوف أي: فيلزَمُه أو يَجِبُ عليه
جزاءٌ. الرابع: أنه مبتدأ وخبره ((مثل))، وقد تقدَّم أن ذلك مذهبُ أبي إسحاق
الزجاج، وتقدم أيضاً رفع ((مثل)) في قراءة الكوفيين على أحدٍ ثلاثةِ أوجه:
النعتِ والبدلِ والخبرِ حيث قلنا: ((جزاء)) مبتدأٌ عند الزجاج.
وأمَّا قراءةُ ((فجزاؤه مثلُ)) فظاهرةٌ أيضاً. وأمّا قراءة (فجزاءُ
مثلَ)) برفع ((جزاء)) وتنوينه ونصب ((مثل)) فعلى إعمال المصدر
المنونِ في مفعولِه، وقد تقدَّم أنَّ قراءةَ الإِضافةِ منه، وهو نظيرُ قولِه
[٢٧٦/ ب] تعالى: ((أو إطعامٌ في يوم / ذِي مَسْغَبَةٍ يتيماً))(٣) وفاعلُه محذوف أي: فجزاءُ
أحدِكم أو القاتل ، أي: أن يُجْزى القاتلُ للصيدِ. وأما قراءة: ((فجزاءً مثلَ))
بنصبهما فجزاءً منصوب على المصدر أو على المفعول به، و((مثلَ)) صفتُه
بالاعتبارين، والتقدير: فليَجْزِ جزاءً مثلَ، أو: فليُخْرِجْ جزاءً، أو فليُغَرَّم جزاءً
مثلَ.
قوله: ((مِن النَّعَمْ)) فيه ثلاثةُ وجه، أحدُها: أنه صفةٌ لـ ((جزاء)) مطلقاً،
أي: سواءً رُفِع أم نُصِبَ، نُوِّن أم لم يُنَوَّنْ، أي: إنَّ ذلك الجزاء يكونُ مِن
(١) الآية ١٣٧ من البقرة.
(٢) الآية ١١ من الشورى.
(٣) الآية ١٤ من البلد.
٤٢٠