Indexed OCR Text

Pages 101-120

- النساء -
وهو من قولك: (أعجبني زيدٌ وكرمه)) انتهى. يعني أنه من بابِ التجريد،
إذ المقصودُ الإِخبارُ بإعجاب كرمٍ زيدٍ، وإنما ذُكِر زيدٌ لْيُفيدَ هذا المعنى
الخاص لذلك المقصود أنّ الذي يُفْتيهم هو المتلو في الكتاب، وذُکِرت
الجلالةُ للمعنى المشار [إليه]، وقد تقدَّم تحقيق التجريد في أول البقرة عند
قوله ((يخادعون الله))(١).
والجر من وجهين، أحدهما: أن تكون الواو للقسم، وأقسمَ اللّهُ
بالمتلوِّ في شأن النساء تعظيماً له كأنه قيل: وأُقْسم بما يُثْلى عليكم في
الكتاب، ذكره الزمخشري(٢). والثاني: أنه عطفُ على الضمير المجرور
بـ ((في)) أي: يُفْتيكم فيهنَّ وفيما يتلى، وهذا منقولٌ عن محمد(٣) بن
أبي موسى قال: ((أفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما لم يَسْألوا))، إلا أنَّ هذا
ضعيف(٤) من حيث الصناعةُ، لأنه عطفٌ على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة
الجار وهو رأي الكوفيين، وقد قَدَّمْتُ ما في ذلك من مذاهب الناس ودلائلهم
مستوفى عند قوله: ((وكفرٌ به والمسجد الحرام))(٥) فعليك بالالتفات إليه. قال
الزمخشري(٦): ((ليس بسديدٍ أن يُعْطَفَ على المجرور في ((فيهنَّ)) لاختلاله
من حيث اللفظ والمعنى)) وهذا سبَقَه إليه أبو إسحاق(٧) قال: ((وهذا بعيدٌ
بالنسبةِ إلى اللفظِ وإلى المعنى: أمَّا اللفظُ فإنه يقتضي عطفَ المُظْهَر على
المضمرِ، وأما المعنى فلأنه ليس المرادُ أنَّ اللّهَ يفتيكم في شأنٍ ما يُتْلى
(١) الآية ٩.
(٢) الكشاف ٥٦٧/١.
(٣) لم أهتد إلى ترجمته.
(٤) أي ضعيف عند البصريين وليس على اختياره؛ لأنه اختار مذهب الكوفيين في هذه.
المسألة. انظر إعرابه للآية ٢١٧ من البقرة.
(٥) الآية ٢١٧ من البقرة.
(٦) الكشاف ٥٦٧/١.
(٧) معاني القرآن ١٢٤/٢.
١٠١

- النــاء
عليكم في الكتاب، وذلك غيرُ جائزٍ كما لم يَجُزْ في قوله ((تساءلون به
والأرحام ))(١) يعني من غيرِ إعادةِ الجار. وقد أجاب الشيخ(٢) عما ردًّ به
الزمخشري والزجاج بأن التقديرَ: يُفْتيكم في متلوُّهنَّ وفيما يُتْلى عليكم في
الكتابِ في يتامى النساء، وحُذِف لدلالة قوله ((وما يتلى عليكم))، وإضافةُ «متلّ))
إلى ضمير ((هُنَّ)) سائغةٌ، إذ الإِضافةُ تكون بأدنى ملابسةٍ لمَّا كان متلواً فيهن
صَحَّتِ الإِضافةُ إليهن، كقوله: ((مكرُ الليل والنهار)) (٣) لمَّا كان المكرُ يقع
فيهما صَحَّتْ إضافته إليهما، ومثله قول الآخر (٤):
١٦٥٩ - إذا كوكبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةٍ
سهيلٌ أذاعَتْ غَزْلَها في الغرائبِ
وفي هذا الجوابِ نظرٌ.
والنصبُ بإضمار فعل أي: وبيِّن لكم ما يُتْلِى، لأنَّ ((يُفْتيكم)) بمعنى
بيِّن لكم. واختار الشيخ(٥) وجهَ الجرِّ على العطفِ على الضمير، مختاراً
لمذهب الكوفيين وبأنُّ الأوجه كلَّها تؤدي إلى التأكيد، وأمَّا وجهُ العطف على
الضمير فيجعلُه تأسيساً قال: (وإذا دار الأمرُ بينهما فالتأسيسُ أَوْلِى))، وفي
جَعْلِه هذا الوجهَ منفرداً بالتأسيس دونَ بقية الأوجه نظرٌ لا يَخْفى.
قوله: ((في الكتاب)) يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلق
بـ (يُتْلِى))، والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌّ من الضميرِ المستكنِّ في
((يتلى)). والثالث: أنه خبر ((ما يتلى)) على الوجه الصائر إلى أنَّ «ما يتلى))
(١) الآية ١ من النساء.
(٢) البحر ٣٦١/٣.
(٣) الآية ٣٣ من سبأ.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في المحتسب ٢٢٨/٢ ابن يعيش ٨/٣؛ والمقرب: ٢١٣/١؛
واللسان: غرب؛ والخزانة ٤٨٧/١. وأذاعت: فرقت. والشاهد في قوله («كوكب
الخرقاء)) حيث أضافه إليها لجدِّها في عملها عند طلوعه.
(٥) البحر ٣٦٠/٣.
١٠٢

- النساء -
مبتدأ، فيتعلق بمحذوف أيضاً، إلَّ أنَّ محلَّه على هذا الوجهِ رفعٌ، وعلى ما قبله
نصبٌ.
قوله: ((في يتامى)) فيه خمسة أوجه، أحدُها: أنه بدل من ((الكتاب))
وهو بدلُ اشتمالٍ، ولا بد مِنْ حذفِ مضافٍ أي في حُكْم يتامى ، ولا شك أن
الكتابَ مشتملٌ على ذكرٍ أحكامهن. والثاني: أن يتعلق بـ((يتلى)). فإن قيل:
كيف يجوزُ تعلُّقُ حَرْفَيْ جر بلفظ واحد ومعنى واحد؟ فالجوابُ أنَّ معناهما
مختلف، لأنّ الأولى للظرفية على بابها، والثانية بمعنى الباء للسببية مجازاً
أو حقيقةً عند مَنْ يقولُ بالاشتراك. وقال أبو البقاء (١): كما تقولُ («جئتُك في
يوم الجمعة في أَمْرِ زيد)). والثالث: أنه بدل من ((فيهن)) بإعادة العامل،
ويكون هذا بدل بعض من كل. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: بِمَ تعلَّق قوله
(في يتامى النساء؟)) قلت: في الوجه الأول هو صلةُ ((يُتْلَى)) أي: يُتْلى عليكم
في معناهن، ويجوز أن يكونَ ((في يتامى)) بدلاً من «فيهنَّ)»، وأمّا في الوجهين
الأخيرين فبدلٌ لا غير)) انتهى. يعني بالوجه الأول أن يكونَ «ما يتلى)) مرفوعٌ
المحل. قال الشيخ (٣): ((أمَّا ما أجازه في وجَهْ الرفع من كونه صلة ((يتلى))
فلا يجوزُ إلَّ أَنْ يكونَ بدلًا مِنْ ((في الكتاب)) أو تكون ((في)) للسببية، لئلا
يتعلق حرفا جر بلفظ واحد ومعنى واحد بعاملٍ واحد، وهو ممتنعٌ إلا في
البدل والعطف، وأمَّا تجويزُه أن يكونَ بدلاً من ((فيهن)) فالظاهرُ أنه لا يجوز
للفصلِ بين البدلِ والمبدلِ منه بالمعطوفِ، ويصير هذا نظيرَ قولك: ((زيدٌ
يقيمُ في الدار وعمروٌ في كِسْرٍ منها))(٤) فَفَّصَلْتَ بين ((في الدار)) وبين ((في
كِسْر)» بـ ((عمرو))، والمعهودُ في مثل هذا / التركيب: ((زيدٌ يقيمُ في الدار في [٢٢١/أ]
(١) الاملاء ١٩٦/١.
(٢) الكشاف ١ /٥٦٧.
(٣) البحر ٣٦١/٣.
(٤) كسر الدار: جانبها.
١٠٣

- النساء -
كِسْرٍ منها وعمروٌ)). الرابعُ: أَنْ يتعلَّق بنفس الكتاب أي: فيما كَتَّب في حكم
اليتامى. الخامس: أنه حال فيتعلَّق بمحذوفٍ، وصاحبُ الحالِ هو المرفوعُ
بـ (يُتْلِى)) أي: كائناً في حكم يتامى النساء، وإضافةُ ((يتامى)» إلى النساء من
بانٍ إضافة الخاص إلى العام لأنهن ينقسمن إلى يتامى وغيرهن. وقال
الكوفيون: هو من إضافةِ الصفة إلى الموصوف، إذا الأصلُ: في النساءِ
اليتامى، وهذا عند البصريين لا يجوز، ويؤولون ما وَرَدَ من ذلك. وقال
الزمخشري(١): ((فإن قلت: إضافة اليتامى إلى النساء ما هي؟ قلت: هي
إضافةٌ بمعنى ((مِنْ)) نحو: سُحْقِ عمامةٍ. قال الشيخ(٢): «والذي ذكره النحویون
من ذلك إضافة الشيء إلى جنسه نحو: ((خاتمُ حديدٍ)) ويجوزُ الفصل(٣)
إمَّا بإتباع نحو: ((خاتمٌ جديدٌ)) أو تنصبَه تمييزاً نحو: ((خاتمٌ حديداً)) أو تجرُّه
بـ ((مِنْ)) نحو: خاتم من حديد)). قال: ((والظاهر أن إضافة ((سُحْق عمامةٍ))
و ((يتامى النساء)) بمعنى اللامِ، ومعنى اللام الاختصاص)). وهذا الردُّ ليس
بشيء فإنهم ذكروا ضابط الإضافة التي بمعنى ((مِنْ)) أن تكونَ إضافةً جزءٍ إلى
كل بشرطِ صدقِ اسم الكل على البعض، ولا شك أن ((يتأمى)) بعض من
النساء، والنساء يَصْدُقَ عليهنَّ، وتحرَّزْنا بقولنا ((بشرطِ صدقِ الكل على
البعض)) من نحو ((يد زيد)) فإنَّ زيداً لا يَصْدُقُ على اليد وحدَها. وقال
أبو البقاء(٤): ((في يتامى النساء)) أي: في اليتامى منهن)) وهذا تفسيرُ معنى
لا إعراب.
والجمهور على ((يتامى)) جمع يتيمة. وقرأ أبو عبدالله المدني(٥):
(١) الكشاف ٥٦٧/١.
(٢) البحر ٣٦٢/٣.
(٣) أي الفصل عن الإِضافة .
(٤) الإملاء ١٩٦/١.
(٥) البحر ٣٦٢/٣؛ الشواذ ٢٩؛ وأبو عبدالله المدني لعله أبان بن عثمان روى عنه ابنه
عبدالرحمن والزهري، توفي سنة ١٠٥. انظر: البلغة ٢، البغية ٤٠٥/١.
١٠٤

- النساء -
((يامى)) بياءين مِنْ تحتُ، وخَرَّجه ابن جني(١) على أن الأصل ((أَيامى)) فَأَبْدَلَ
من الهمزة ياءً، كما قالوا: ((فلانٌ ابنُ أعصر ويَعْصر)»، والهمزةُ أصلٌ، سُمِّي
بذلك لقوله(٢):
١٦٦٠ - أبُنَيَّ إنَّ أباكَ غَيِّر لونَه
كَرُّ الليالي واختلافُ الأَعْصُرِ
وهم يُبْدلون الهمزةَ من الياء كقولهم: ((قطع الله أَدَهُ)) يريدون: يَده،
فلذلك يُبْدِلون منها الياءَ، و((أيامى)) جمع ((أَيِّم)) بوزن فَيْعِل، ثم كِّر على أيایم
كسيِّد وسيايد، ثم قُلِيَتِ اللامِ إلى موضعِ العين، والعين إلى موضع اللام
فصار اللفظ ((أَيامي)) ثم قُلِبت الكسرةُ فتحةً لخفتِها، فتحركت الياءُ وانفتح
ما قبلها فقلبت ألفاً فصار: ((أيامى)) فوزنه فيالع. وقال أبو الفتح(٣) أيضاً:
(ولو قيل إنه كُِّرِ أَيِّم على فَعْلى كسَكْرى ثم ◌ُكُسِّر ثانياً على (أيامى)) لكان
وجهاً حسناً. وسيأتي تحقيق هذه اللفظة عند قوله: ((وأنْكِحوا الأيامى منكم)) (٤)
إنْ شاء الله تعالى. وقرىء(٥): ((ما كَتَبَ اللَّهُ لهنَّ)) بتسمية الفاعل.
قوله: ((وتَرْغبون)) فيه أوجه، أحدُها : - وهو الظاهر - أنه معطوفٌ على
الصلةِ عطفَ جملةٍ مثبتةٍ على جملةٍ منفية أي: اللاتي لا تؤتونهن واللاتي
ترغبون أن تنكحوهُن، كقولك: ((جاء الذي لا يَبْخَلُ ويكرم الضيفان)).
والثاني: أنه معطوفٌ على الفعلِ المنفيُّ بـ ((لا)» أي: لا تؤتونهن ولا ترغبون.
والثالث: أنه حالٌ من فاعل ((تؤتونهن)) أي: لا تؤتونهن وأنتم راغبون في
(١) المحتسب ٢٠٠/١.
(٢) البيت لأعصر بن سعد وهو في الخصائص ٨٦/٢؛ والمحتسب ٢٠٠/١؛ واللسان:
(عصر).
(٣) المحتسب ٢٠٠/١.
(٤) الآية ٣٢ من النور.
(٥) الشواذ ٢٩؛ البحر ٣٦٢/٣ من دون نسبة.
١٠٥

- النساء ف
نكاحهن. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء(١)، وفيهما نظر: أمّا الأولُ فَلخلافٍ
الظاهر، وأما الثاني فلأنه مضارع مثبت، فلا تدخل عليه الواو إلا بتأويلٍ لا حاجة
لنا به ههنا.
و ((أن تُنْكحوهن)) على حَذْفِ حرفِ الجر ففيه الخلاف المشهور: أهي
في محل نصب أم جر؟ واختُلِفَ في تقدير حرف الجر فقيل: هو ((في)) أي:
ترغبون في نكاحهن لجمالِهِنَّ ومالِهنَّ، وقيل: هو ((عن)) أي: ترغبون عن
نكاحهن لقُبْحِهن وفقرهنَّ، وكان الأولياء كذلك: إن رَأَوها جميلة موسِرَةٌ
تزوجها وليُّها، وإلّ رغبَ عنها. والقول الأول مرويٍّ عن عائشة وطائفة كبيرة.
وهنا سؤال: وهو أنَّ أهْلَ العربية ذكروا أن حرف الجر يجوز حذفُه باطراد مع
((أَنْ)) و((أنّ)) بشرط أَمْنَّ اللبس، يعني أن يكون الحرفُ متعيناً نحو: ((عجبت
أن تقوم)) أي: من أن تقوم، بخلاف ((مِلْتُ إلى أن تقوم)) أو ((عن أن تقوم))
والآيةُ من هذا القبيل. والجواب: أن المعنيين صالحان يدل عليه ما ذكرت
لك من سببِ النزولِ فصار كلٍّ من الحرفين مراداً على سبيلِ البدل.
قوله: ((والمستضعفين)) فيه ثلاثة أوجه الأول - وهو الظاهر - أنه معطوفٌ على
(يتامى النساء)) أي: ما يتلى عليكم في يتامى النساء وفي المستضعفين،
والذي تُلي عليهم فيهم قوله: ((يُوصيكم الله في أولادكم))(٢)، وذلك أنهم
كانوا يقولون: لا نُوَرِّثُ إِلا مَنْ يحمي الحَوْزة ويَذُبُّ عن الحَرَمِ فَيَحرمون
المرأةَ والصغيرَ فنزلت. والثاني: أنَّه في محلِّ جر عطفاً على الضمير في
(فيهن))، وهذا رأيٌ كوفي. والثالث: أنه منصوبٌ عطفاً على موضع ((فيهن)
أي: وبيِّن حالَ المستضعفين. قال أبو البقاء(٣): ((وهذا التقديرُ يَدْخُلُ في
(١) الإملاء ١٩٦/١.
(٢) الآية ١١ من النساء.
(٣) الإملاء ١٩٦/١.
١٠٦

- النساء -
مذهبِ البصريين مِنْ غيرِ كَلَّفَةٍ)) يعني أنه خير من مذهب الكوفيين، حيث
يُعْطَفُ على الضمير المجرور مِنْ غيرِ إعادَةِ الجار.
قوله : ((وأَنْ تقوموا)) فيه خمسةُ أوجه: الثلاثة المذكورة فيما قبله فيكون
هو كذلك لعطفِه على ما قبلَه، والمتلُّ عليهم في هذا المعنى قولُه: ((ولا تأكلوا
أموالهم إلى أموالكم))(١) ونحوه. والرابع: النصبُ بإضمار فعل. قال
الزمخشري (٢): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بإضمار ((يأمركم))، بمعنى: ويأمركم أن
تقوموا، وهو خطابٌ للأئمة بأَنْ ينظروا إليهم ويستوفوا لهم حقوقهم ولا يَدَعوا
أحداً يهتضم جانبهم)»، فهذا الوجه من النصبِ غيرُ الوجهِ الذي ذكرته فيما قبلُ.
والخامس: أنه مبتدأ وخبره محذوفٌ أي: وقيامُكم لليتامى بالقسطِ خيرٌ لكم.
وأولُ الأوجُهِ أوجُهُ.
أ. (١٢٨) قوله تعالى: ﴿وإن امرأةٌ﴾: ((امرأةٌ» فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ
واجبِ الإِضمار، وهذه من باب الاشتغال، ولا يجوز رفعُها بالابتداء لأنَّ
أداة الشرطِ لا يليها إلا الفعلُ عند جمهور البصريين خلافاً للأخفش (٣)
والكوفيين، والتقديرُ: ((وإنْ خافت امرأة خافت))، ونحوهُ: ((وإنْ أحدٌ من
المشركين استجارك):(٤). واستدلَّ البصريون على مذهبهم بأن الفعل قد جاء
مجزوماً بعد الاسم الواقع بعد أداة الشرط في قول عدي(٥):
١٦٦١ - ومتى واغِلٌ يَنْبُهُمْ يُحَيُّوهُ وَتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقي
(١) الآية ٢ من النساء.
(٢) الكشاف ٥٦٧/١.
(٣) معاني القرآن ٢٤٦، ٣٢٧.
(٤) الآية ٦ من التوبة .
(٥) ملحق ديوانه ١٥٦؛ والكتاب ٤٥٨/١؛ والمقتضب ٧٦/٢؛ وأمالي الشجري ٣٣٢/٢؛
والإنصاف ٦١٧؛ وابن يعيش ١٠/٩؛ والخزانة ٤٥٦/١؛ والهمع ٥٩/٢؛ والدرر
٧٥/٢. والواغل: الداخل على الشَّرْب من غير أن يدعوه، وينبهم: ينزل بهم.
١٠٧

- النساءت
و((مِنْ بعلها)) يجوزُ أن يتعلَّق بـ ((خافت)) وهو الظاهر، وأن يتعلق
بمحذوف على أنه حال من ((نُشوزا)) إذ هو في الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم
عليها تعذّر جَعْلُه صفةً فنُصِب حالاً. و((فلا)) جوابُ الشرط.
. [٢٢١/ب]
قوله ((أَنْ يُصْلِحَا)) قرأ(١) الكوفيون: / ((يُصْلِحا)) من أصلح، وباقي
السبعة: ((يَصَّالحا)) بتشديد الصاد بعدها ألف، وقرأ عثمان(٢) البتي
والجحدري: ((يَصَّلِحا)) بتشديد الصاد من غير ألف، وعبيدة السلماني:
((يُصالِحا)) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الصادِ وبعدها ألفٌ من المفاعلة، وابن مسعود
والأعمش: ((أن اصَّالحا)). فأمّا قراءةُ الكوفيين فواضحةٌ، وقراءةُ باقي السبعة
أصلُهَا ((يتصالحا))، فأُرِيد الإِدغام تخفيفاً فَأَبْدِلت التاءُ صاداً وأُدْغِمتِ، وأمَّا
قراءةُ عثمان فأصلُها: ((يَصْطَلِحا)) فَخُفَّفَ بإبدالِ الطاء المبدلةِ من تاءِ الافتعال
صاداً وإدغامها فيما بعدها. وقال أبو البقاء (٣): ((وأصلُه: ((يَصْتَلِحا))(٤) فأُبْدِلت
التاء صاداً وأُدْغِمت فيها الأولى)» وهذا ليس بجيدٍ، لأنَّ تاء الافتعال يجبُ قَلْبُها
طاءً بعد الأحرف الأربعة كما تقدَّم تحقيقُه في البقرة، فلا حاجة إلى تقديرِها
تاءً، لأنه لو لُفِظ بالفعلِ مظهراً لم يُلْفظ فيه بالتاء إلا بياناً لأصلِهِ. وأمّا قراءةُ
عبيدة فواضحةٌ لأنها من المصالحة. وأما قراءة ((يصطلحا))(٥) فأوضحُ.
ولم يُخْتلف في ((صُلْحا)) مع اختلافِهم في فعلِه.
وفي نصبِه أوجه: فإِنه على قراءةِ الكوفيين يَحْتمل أن يكون مصدراً،
(١) السبعة ٢٣٨؛ والكشف ٣٩٨/١؛ الشواذ ٢٩؛ البحر ٣٦٣/٣؛ القرطبي ٤٠٥/٥.
(٢) عثمان بن مسلم البصري، روى عن أنس والشعبي، وعنه حماد والثوري، ثقة. توفي
سنة ١٤٣. انظر: تهذيب التهذيب ١٥٤/٧.
(٣) الإملاء ١٩٧/١.
(٤) في المطبوعة: ((يصطلحا)) وهو سهو.
(٥) لم يسبق له أن أشار إليها، وذكرها في الإملاء ١٩٧/١.
١٠٨

- النساء -
وناصبُه: إمَّا الفعلُ المتقدمُ وهو مصدرٌ على حذف الزوائد، وبعضُهم يعبِّر عنه
بأنه اسمُ مصدرٍ كالعطاءِ والنبات، وإمَّا فعلٌ مقدرً أي: فُيُصْلِحُ حالهما صلحاً.
وفي المفعولِ على هذين التقديرين وجهان، أحدُهما: أنه ((بينهما) اتُسِّع في
الظرف فجُعِل مفعولاً به. والثاني: أنه محذوف و ((بينهما)) ظرفٌ أو حالٌ مِنْ
((صلحا)) فإنه صفةٌ له في الأصل. ويُحْتمل أن يكونَ نصبُ ((صلحاً) على
المفعول به إن جعلته اسماً للشيء المصطلح عليه كالعَطاء بمعنى المُعْطَى،
والنبات بمعنى المُنْبَت. وأمَّا على بقيةِ القراءاتٍ فيجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً على
أحدِ التقديرين المتقدمين: أعني كونَّه اسمَ المصدرِ، أو كونَه على حَذْفٍ
الزوائد، فيكون واقعاً موقعَ ((تصالحا أو اصطلاحاً أو مصالحةً)) حَسْبَ القراءات
المتقدمة، ويجوزُ أَنْ يكون منصوباً على إسقاطِ حرفِ الجرِ أي: بصلح أي
بشيء يقعُ بسببِ المصالحة، إذا جَعَلْناه اسماً للشيء المصطلح عليه.
والحاصلُ أنه في بقية القراءات ينتفي عنه وجهُ المفعولِ به المذكور في قراءة
الكوفيين، وتبقى الأوجهُ الباقيةُ جائزةً في سائر القراءات.
قوله: ((والصلحُ خيرٌ)) مبتدأ وخبر، وهذه الجملة قال الزمخشري(١) فيها
وفي التي بعدها: ((إنهما اعتراضٌ)) ولم يبيِّنْ ذلك، وكأنه يريد أن قولَه: ((وإنْ
يَتَفَرَّقا)» معطوفٌ على قوله: ((فلا جناح)) فجاءت الجملتان بينهما اعتراضاً،
هكذا قال الشيخ(٢) وفيه نظر، فإن بعدهما جملاً أُخَرَ فكان ينبغي أن يقول
الزمخشري في الجميع: إنها اعتراض، ولا يخص: ((والصلح خير»
((وأُحْضِرَت الأنفسُ)) بذلك، وإنما يريد الزمخشري بذلك الاعتراضَ بين قوله:
((وإن امرأة)) وقوله: ((وإنْ تحسنوا)) فإنهما شرطان متعاطفان، ويَدُلُّ عليه تفسيرُه
(١) الكشاف ٥٦٨/١.
(٢) البحر ٣٦٤/٣.
١٠٩

- النبساء -
له بما يفيد هذا المعنى فإنه قال: ((وإن تحسنوا بالإِقامة على نسائكم وإن
كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوزَ والإِعراضَ)) انتهى. والألفُ واللام
في ((الصلح)) يجوزُ أنْ تكونَ للجنس وأن تكونَ للعهد لتقدُّمِ ذكره نحو:
((فعصى فرعونُ الرسول))(١). و((خير)) يُحتمل أن تكون للتفضيل على بابها
والمفضَّلُ عليه محذوفٌ فقيل: تقديرُه: من النشوز والإِعراض، وقيل: خيرٌ
من الفرقة، والتقدير الأولُ أَوْلى للدلالة اللفظية، ويُحْتمل أن تكون صفةً
مجردةٌ أي: والصلحُ خيرٌ من الخيور، كما أنَّ الخصومةَ شرِّ من الشرور.
قوله: ((وأُحْضِرَتِ الأنفسُ الشحَّ)) ((حَضَر)) يتعدى إلى مفعول، واكتسب
بالهمزة مفعولاً ثانياً، فلمًّا بُني للمفعول قامَ أحدُهما مقامَ الفاعل فانتصبّ
الآخرُ. والقائمُ مقامَ الفاعلِ هنا يَحْتمل وجهين أظهرهما - وهو المشهورُ مِنْ
مذاهب النحاة -: أنه الأول وهو ((الأنفس)) فإنه الفاعل في الأصل،
إذ الأصل: ((حضرت الأنفسُ الشحَّ». والثاني: أنه المفعول الثاني، والأصل:
وحضر الشحُّ الأنفسَ، ثم أحضر اللَّهُ الشحَّ الأنفسَ، فلما بُني الفعل
للمفعول أُقيم الثاني - وهو الأنفسُ ــ مقامَ الفاعل، فأُخْر الأول وبقي
منصوباً، وعلى هذا يجوز أن يقال: ((أُعْطِي درهمٌ زيداً) و((كُسِي جبةً عمراً))،
والعكس هو المشهورُ كما تقدَّم، وكلامُ الزمخشري(٢) يَحْتمل كونَ الثاني
هو القائمَ مقامَ الفاعلِ فإنه قال: ((ومعنى إحضارِ الأنفسِ الشحِّ أنَّ الشِحَّ جُعِل
حاضراً لها لا يَغِيب عنها أبداً ولا ينفك)) يعني أنها مطبوعةُ عليه، فَأُسْنِدَ
الحضورُ إلى الشح كما ترى، ويحتمل أنه جَعّله من باب القلب فنسَبب
الحضورَ إلى الشحِّ وهو في الحقيقة منسوب إلى الأنفس. وقرأ العدوي(٣):
(١) الآية ١٦ من المزمل ((كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى ... )).
(٢) الكشاف ٥٦٨/١.
(٣) وهو أبو السمَّال وتقدمت ترجمته، وانظر: البحر ٣٦٤/٣.
١١٠

- النساء-
((الشِحَّ)) بكسر الشين وهي لغة. والشَّحُّ: البخل مع حرص فهو أخص من
البخل .
آ. (١٢٩) قوله تعالى: ﴿كلِّ الميلِ﴾: نصبٌ على المصدرية، وقد
تقرر أن ((كل)) بحسَبِ ما تُضاف إليه، إنْ أضيفت إلى مصدر كانت [مصدراً]،
أو ظرفٍ أو غيره فكذلك. قوله: ((فَتَذَروها)) فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب
بإضمارِ ((أَنْ)) في جواب النهي، والثاني: أنه مجزوم عطفاً على الفعل قبله
أي: فلا تذروها، ففي الأول نَهْيٌ عن الجمع بينهما، وفي الثاني نهيّ عن كلٌّ
على حِدَتِه وهو أبلغُ، والضميرُ في ((تَذَروها)) يعود على المميلِ عنها لدلالة
السياق عليها. قوله: ((كالمعلّقة)) حال من ((ها)) في ((تَذَروها)) فيتعلق بمحذوف
أي: فتذروها مشبهةُ المعلقة، ويجوز عندي أن يكون مفعولاً ثانياً لأن
قولك: / ((تذر) بمعنى ((تترك)) و((تَرَك)) يتعدَّى لاثنين إذا كان بمعنى صِيَّر. [١/٢٢٢]
آ. (١٣١) قوله تعالى: ﴿وإياكم): عطف على ((الذين أُوتوا))
وهو واجبُ الفصلِ هنا لتعذّرِ الاتصال. واستدلَّ بعضُهم على أنه إذا قُدِر على
الضمير المتصل يجوز أن يُعْدَلَ إلى المنفصل بهذه الآية، لأنه كان يمكن أن
يقال: ((ولقد وَصُيْناكم والذين أوتوا))، وكذلك استُدِلَّ بقوله تعالى: ((يُخْرِجُون
الرسولَ وإياكم»(١)، إذ يمكن أن يقالَ: يخرجونكم والرسولَ. وهذا ليس يَدُلّ
له، أمّا الآيةُ الأولى فلأنَّ الكلامَ فيها جاء على الترتيب الوجودي، فإنَّ وصية
مَنْ قبلَنا قبلَ وصيتِنا، فلمَّا قَصَدَ هذا المعنى استحال - والحالةُ هذه - أَنْ
يُقْدَر عليه متصلاً. وأما الآية الثانية فلأنه قصد فيها تقدُّمَ ذِكْرِ الرسول تشريفاً له
وتشنيعاً على مَنْ تجاسر على مثل ذلك الفعل الفظيع، فاستحال - والحالة
هذه - أن يُجاء به متصلاً. و((مِنْ قبلكم)) يجوزُ أَنْ يتعلق بـ((أوتوا))، ويجوز أَنْ
يتعلَّق بـ ((وَصَّيْنا)) والأولُ أظهرُ.
(١) الآية ١ من الممتحنة.
١١١

- النساء-
قوله: ((أَنِ اتَّقوا)) يجوزُ في ((أن)) وجهان، أحدهما: أن تكونَ مصدريةٌ
على حَذْفِ حرفِ الخفض تقديرُه: بأن اتَّقوا، فلما حُذِف الحرفُ جَرَى فيها
الخلافُ المشهور. والثاني: أن تكون المفسرةَ لأنها بعد ما هو بمعنى القول
لا حروفِه وهو الوصية. والظاهر أن قوله: ((وإنْ تكفروا)) جملة مستأنفة للإخبار
بهذه الحال ليست داخلة في معمول الوصية. وقال الزمخشري(١): ((وإنْ
تكفروا فإن الله)) عطفٌ على ((اتقوا)) لأنَّ المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى،
وقُلْنا لهم ولكم إنْ تكفروا)) وفي كلامِه نظرٌ، لأنَّ تقديرَه القولَ ينفي كونَ
الجملةِ الشرطيةِ مندرجةٌ في حَيِّزِ الوصيةِ بالنسبة إلى الصناعة النحوية،
وهو لم يقصد تفسيرَ المعنى فقط، بل قَصَدَه هو وتفسيرَ الإِعرابِ بدليل قوله:
((عطف على (اتقوا))، و((اتقوا)) داخلٌ في حَيِّز الوصيةِ، سواءً أَجْعَلْتَ ((أن))
مصدريةٌ أم مفسرة.
آ. (١٣٣) قوله تعالى: ﴿بآخرين﴾: آخرين صفةٌ لموصوفٍ
محذوف مِنْ جنسٍ ما تقدَّمه تقديرُه: بناسٍ آخرين يعبدون الله، ويجوز أن
يكونَ المحذوفُ من غير جنس ما تقدَّمه. قال ابن عطية(٢): ((يحتمل أن يكون
وعيداً لجميع بني آدم، ويكونُ الآخَرون من غير نوعهم، كما رُوي أنه كان
ملائكةٌ في الأرض يعبدون الله. وقال الزمخشري(١): ((أو خلقاً آخرين غيرٌ
الإِنس)) وكذلك قال غيرهما .. وقد رَدَّ الشيخ(٣) هذا الوجه بأنَّ مدلولَ آخر
وأخرى وتثنيتَهما وجمعَهما نحو مدلول ((غير)) إلا أنه خاصٌّ بجنسٍ ما تقدَّمِهِ،
فإذا قلت: ((اشتريت فرساً وآخرَ، أو: ثوباً وآخر، أو: جارية وأخرى،
أو: جاريتين وأُخْريين، أو جواري وأُخَرَ) لم يكن ذلك كله إلا من جنسٍ
(١) الكشاف ١/ ٥٦٩.
(٢) المحرر ٢٧٧/٤ .
(٣) البحر ٣٦٧/٣.
١١٢

- النساء -
ما تقدم، حتى لوعنيت ((وحماراً آخر)) في الأمثلة السابقةِ لم يَجُزْ، وهذا
بخلافٍ ((غير)» فإنَّها تكون من جنسٍ ما تقدَّم ومِنْ غيرِهِ، تقول ((اشتريت ثوباً
وغيره) لو عنيت: ((وفرساً غيره)) جاز. قال: ((وقَلَّ مَنْ يعرِف هذا الفرق)). وهذا
الفرقُ الذي ذكره وَردَّ به على هؤلاء الأكابرِ غيرُ موافَقٍ عليه، لم يستند فيه
إلى نَقْل، ولكن قد يُرَدُّ عليهم ذلك من طريق أخرى، وهو أن ((آخرين)) صفةٌ
الموصوف محذوف، والصفةُ لا تقوم مقامَ موصوفِها إلا إذا كانت خاصةً
بالموصوف نحو: ((مررت بكاتبٍ)) أو يدل عليه دليل، وهنا ليست بخاصةٍ،
فلا بد وأن(١) تكونَ من جنسِ الأولِ لتحصُلَ بذلك الدلالةُ على الموصوفِ
المحذوفٍ .
آ. (١٣٤) قوله تعالى: ﴿مَنْ كان يريد﴾: ((مَنْ)) يجوز فيها وجهان،
أظهرهما: أنها شرطية، وجوابُها قولُه: ((فعندَ الله))، ولا بد من ضمير مقدر في
هذا الجواب يعودُ على اسم الشرط لِما تقرر قبل ذلك، والتقدير: فعند الله
ثوابُ الدنيا والآخرةِ له إنْ أراده، وهذا تقدير الزمخشري(٢). قال: ((حتى
يتعلَّق الجزاءُ بالشرط)». وجَوَّز الشيخ(٣) - وجعله الظاهرَ - أنَّ الجواب محذوف
تقديره: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يَقْتصر عليه، وليطلبِ الثوابين، فعند الله
ثوابُ الدارين. والثاني: أنها موصولةً ودخلت الفاءُ في الخبر تشبيهاً له باسم
الشرط، ويُبْعِده مُضِيُّ الفعلِ بعدَه [والعائدُ محذوفٌ كما تقرَّر تمثيلُه](٤).
آ. (١٣٥) قوله تعالى: ﴿شهداءَ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه خبر
ثان لـ ((كان)) وهذا فيه خلافٌ قد مَرَّ ذكره. والثاني: أنه حال من الضمير
(١) الواو هنا مقحمة.
(٢) الكشاف ١/ ٥٧٠.
(٣) البحر ٣٦٨/٣.
(٤) لم يظهر في مصورة الأصل، وقوله ((كما تقرر تمثيله)) سقط من: ي.
- ١١٣

- النساء
المستكن في ((قَوَّامين)) فالعاملُ فيها ((قَوّامين)). وقد رَدَّ الشيخ(١) هذا الوجه بأنه
يلزمُ منه تقييدُ كونهم قوامين بحال الشهادة، وهم مأمورون بذلك مطلقاً، وهذا
الردّ ليس بشيء، فإن هذا المعنى نحا إليه ابن عباس قال - رضي الله عنه -:
((كونوا قَوَّامين بالعدلِ في الشهادةِ على مَنْ كانَتْ))، وهذا هو معنى الوجهِ الصائِ
إلى جَعْلِ ((شهداء)» حالاً.
قوله: ((ولَوْ على أنفسكم)) (لو)) هذه تحتمل أَنْ تكونَ على بابها من
كونِها حرفاً لما كان سيقعُ لوقوعٍ غيرِهِ وجوابُها محذوفٌ أي: ولو كنتم شهداءَ
على أنفسكم لوجب عليكم أن تَشْهدوا عليها. وأجاز الشيخ(٢) أن تكونَ
بمعنى ((إن)) الشرطية، ويتعلّقُ قولُه ((على أنفسكم)) بمحذوفٍ تقديرُه: وإن
كنتم شهداء على أنفسكم فكونوا شهداء لله، هذا تقديرُ الكلام، وحَذْفُ
((كان)) بعد ((لو) كثير، تقول: ائتني بتمر ولو حَشَفاً)(٣) أي: وإن كان التّمر
حشفاً فأتني به)). انتهى. وهذا لا ضرورةَ تدعو إليه، ومجيءُ (لو)» بمعنى ((إِنْ))
شيء أثبته بعضُهم على قلة فلا ينبغي أَنْ يُحْمَلَ القرآنُ عليه. وقال ابن
عطية(٤): ((على أنفسكم)) متعلَّقُ بـ (شهداء)). قال الشيخ(٥) ((فإنْ عنى
بـ (شهداء)) الملفوظَ به فلا يَصِحُّ، وإنْ عَنَى به ما قَدَّرْناه نحن فيصِحُ)) يعني
تقديرَه ((لو)» بمعنى ((إِنْ)) وحَذْفَ ((كان)) واسِمِها وخبرِها بعد ((لو))، وقد تقدَّم أن
ذلك قليلٌ، فلم يبق إلا أن ابن عطيةً يريد ((شهداء)) محذوفةٌ كما قَدَّرْتُه لك
أولاً نحو: ((ولو كنتم شهداء)) على أنفسكم لوجَبَ عليكم أن تشهدوا.
(١) البحر ١٦٩/٣.
(٢) البحر ٣٦٩/٣.
(٣) الحشف: أردأ التمر:
(٤) المحرر ٢٧٩/٤.
(٥) البحر ٣٦٩/٣.
١١٤

- النساء-
وقال الزمخشري (١): ((ولو كانَتِ الشهادةُ على أنفسكم)) فَجَعَل ((كان))
مقدرةً، وهي تحتملُ في تقديرِهِ التمام والنقصان: فإنْ قَدَّرْتَها تامةً كان قولُه
(على أنفسكم)) / متعلقاً بنفسِ الشهادة، ويكون المعنى: ((ولو وُجِدَتِ [٢٢٢/ب]
الشهادةُ على أنفسكم، وإنْ قَدَّرْتَها ناقصةٌ فيجوزُ أَنْ يكونَ ((على أنفسكم)»
متعلقاً بمحذوفٍ على أنه خبرها، ويجوز أن يكونَ متعلقاً بنفس الشهادة،
وحينئذ يكون الخبر مقدراً، والمعنى: ((ولو كانَتِ الشهادةُ على أنفسكم
موجودةً، إلا أنه يلزمُ مِنْ جَعْلِنا ((على أنفسكم)) متعلقاً بالشهادة حَذْفُ المصدرِ
وإبقاءُ معمولِه وهو قليلٌ أو ممتنع. وقال أيضاً: ((ويجوز أن يكون المعنى:
((وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم)). ورَدَّ عليه الشيخ(٢) هذين الوجهين فقال:
((وتقديرُه: ولو كانت الشهادة على أنفسكم ليس بجيد؛ لأن المحذوف إنما
يكون مِنْ جنسِ الملفوظِ به ليدلَّ عليه، فإذا قلت: ((كن محسناً ولو لمَنْ
أساء إليك)) فالتقدير: ولو كنت محسناً لمَنْ أساء، ولو قَدَّرْته ((ولو كان
إحسانك)) لم يكن جيداً لأنك تحذف ما لا دلالةً عليه بلفظٍ مطابقٍ))(٣). وهذا
الردُّ ليس بشيء، فإن الدلالة اللفظية موجودةٌ لاشتراكِ المحذوفِ والملفوظِ به
في المادة، ولا يَضُرُّ اختلافُهما في النوع. وقال في الوجه الثاني: ((وهذا
لا يجوز لأن ما تعلق به الظرف كونّ مقيدٌ، والكونُ المقيد لا يجوز حَذْفُه بل
المطلقُ، لوقلت: (([كان] زيدٌ فيك)) تعني: محباً فيك لم يجز». وهذا الرد
أيضاً ليس بشيء لأنه قَصَد تفسير المعنى، ومبادىءُ النحو لا تَخْفى على آحاد
الطلبة فكيف بشيخِ الصناعة؟.
قوله: ((فاللَّهُ أَوْلِى بهما)) إذا عُطف بـ (أو)) كان الحكمُ فِي عَوْدِ الضمير
والإِخبارِ وغيرِهما لأحدٍ الشيئين أو الأشياء، ولا يجوز المطابقةُ تقول: ((زيد
(١) الكشاف ٥٧١/١.
(٢) البحر ٣٧٠/٢.
(٣) هذا من شدة تعلق أبي حيَّان بظاهر الصناعة.
١١٥

- النساء -
أو عمرو أكرمته)) ولو قلت: أكرمتهما لم يَجُزْ، وعلى هذا يقال: كيف ثَنَّى
الضميرَ في الآية الكريمة والعطفُ بـ أو؟ لا جرم أن النحويين اختلفوا في
الجوابِ عن ذلك على خمسةِ أوجه. أحدها: أنَّ الضميرَ في ((بهما)) ليس
عائداً على الغني والفقير المذكورين أولاً، بل على جنسَيْ الغني والفقير المدلولِ
عليهما بالمذكورَيْن، تقديرُه: وإنْ يكنِ المشهودُ عليه غنياً أو فقيراً فليشهد
عليه، فاللَّهُ أَوْلِى بجنسَي الغني والفقير، ويَدُلُّ على هذا قراءة أُبَيّ (١): ((فالله
أَوْلَى بهم)) أي بالأغنياء والفقراءِ مراعاةً للجنس على ما قَرَّرته لك، ويكون
قوله: ((فالله أولى بهما)» ليس جواباً للشرط، بل جوابُه محذوفٌ كما قد عرفته،
وهذا دالٌّ عليه. الثاني: أنَّ ((أو)) بمعنى الواو، ويُعْزى هذا للأخفش (٢)،
وكنت قدَّمْتُ أولَ البقرةِ أنه قولُ الكوفيين وأنه ضعيفٌ. الثالث: أن ((أو)) للتفصيل
أي: لتفصيلِ ما أَبْهم. وقد أوضح ذلك أبو البقاء(٣) فقال: ((وذلك أنَّ كلَّ واحد
من المشهود عليه والمشهود له قد يكون غنياً وقد يكون فقيراً، وقد يكونان
غنيين وقد يكونان فقيرين، وقد يكون أحدهما غنياً والآخر فقيراً. فلما كانتٍ
الأقسام عند التفصيل على ذلك أتِي بـ ((أو)) لتدل على التفصيل، فعلى هذا
يكون الضمير في ((بهما)» عائداً على المشهود له والمشهودِ عليه على أيِّ
وصفٍ كانا عليه)) انتهى. إلَّ أنَّ قولَه: ((وقد يكون أحدهما غنياً والآخر فقيراً»
مكررٌ لأنه يُغْني عنه قولُه ((وذلك أنَّ كلَّ واحد)) إلى آخره. الرابع: أنَّ الضمير
يعود على الخصمين تقديره: إن يكنِ الخضمان غنياً أو فقيراً فالله أَوْلِى بذينك
الخصمين. الخامس: أنَّ الضميرَ يعودُ على الغِنى والفقرِ المدلول عليهما
بلفظِ الغني والفقير، والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغِنى الغَنِي وفَقْر الفقير. وقد أساء
ابنُ عصفور العبارةَ هنا بما يُوقَفُ عليهِ في كلامه. وعلى أربعةِ الأوجهِ الأخيرة
(١) البحر ٣٧٠/٣.
(٢) معاني القرآن ٢٤٧/١.
(٣) الإملاء ١٩٧/١.
١١٦

- النساء-
يكونُ جوابُ الشرطِ ملفوظاً به وهو قولُه: ((فالله أَوْلِى بهما)» بخلافِ الأول فإِنه
محذوفٌ. وقرأ عبد الله: ((إن يكنْ غنيٌ أو فقيرٌ)) برفعِهما، والظاهرُ أنَّ ((كان))
في قراءته تامةٌ، أي: وإنْ وُجِد غني أو فقير، نحو: ((وإنْ كان ذو عسرةٍ)(١).
قوله: ((أَنْ تَعْدِلُوا)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مفعولٌ مِنْ أجلِه على
حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: فلا تَتَبِعوا الهوى محبةً أَنْ تَعْدِلوا، أو إرادةَ أَنْ تَعْدِلوا
أي: تَعْدِلوا عن الحق وَتَجُوروا. وقال أبو البقاء(٢) في المضافِ المحذوف:
((تقديرُه: مخافةً أَنْ تَعْدِلوا عن الحق)). وقال ابن عطية(٣): ((يُحْتمل أن يكونَ
معناه: مخافةَ أن تَعْدِلوا، ويكون العدلُ هنا بمعنى (٤) / العُدول عن الحق، [١/٢٢٣]
ويُحْتمل أن يكونَ معناه: محبةً أَنْ تَعْدِلوا، ويكونُ العدلُ بمعنى القسط، كأنه
يقول: انتهوا خوفَ أَنْ تجوروا، أو محبةَ أَنْ تُفْسِطوا، فإنْ جَعَلْتَ العامل
(تتبعوا)) فيحتمل أَنْ يكونَ المعنى محبةَ أَنْ تَجُورا)) انتهى. فتحصَّل لنا في
العاملِ وجهان: الظاهرُ منهما أنه نفسُ ((تتَّعوا)). والثاني: أنه مضمر وهو فعلٌ
مِنْ معنى النهي كما قَدَّره ابنُ عطية، كأنه يزعم أنَّ الكلامَ قد تُمَّ عند قوله:
((فلا تَتَبعوا الهوى)) ثم أضْمَرَ عاملاً، وهذا ما لا حاجةً إليه.
الثاني: أنه على إسقاطِ حرفِ الجر وحَذْفِ ((لا)) النافية، والأصل: فلا تَتَّبعوا
الهوى في ألَّ تَعْدِلوا أي: في تَرْكِ العدل، فَحَذف ((لا)) لدلالة المعنى عليها،
ولَمَّ حَذَفَ حرف الجر من ((أن)) جرى القولان الشهيران(٥). الثالث: أنه على
(١) الآية ٢٨٠ من البقرة.
(٢) الإملاء ١٩٨/١.
(٣) المحرر ٤ /٢٨٠.
(٤) الورقة التالية لا تضم سوى صفحة واحدة لأن المؤلف كرَّر كتابة الإِعراب من
قوله: ((فالله أولى بهما)) ربما كان ينوي أن يبدأ بمجلد جديد، لذلك بدأ هذه الورقة
بقوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن)).
(٥) أي: هل هو في محل نصب وهو قول سيبويه، أو في محل جر وهو قول الخليل؟ انظر
الكتاب ١٧/١.
١١٧

- النساء-
حَذْفِ لام العلة تقديرُه: فلا تتبعوا الهوى لأنْ تَعْدِلوا. قال صاحب هذا
القول: ((والمعنى: لا تتبعوا الهوى لتكونوا في اتّباعكموه عدولاً تنبيهاً [على]
أن اتباع الهوى وتَحَرِّي العدالةِ متنافيان لا يجتمعان، وهو ضعيفٌ في المعنى.
قوله: ((وإنْ تَلْوُوا)) قرأ ابن عامر (١) وحمزة: ((تَلُوا)) بلامٍ مضمومةٍ وواوٍ
ساكنة، والباقون بلامٍ ساكنةٍ وواوين بعدها، أولاهما مضمومة.
فأمَّا قراءةُ الواوينِ فظاهرةٌ لأنه من لَوَى يَلْوي، والمعنى: وإِنْ تُلْووا
ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، والأصل: تَلْوِيُّون كتَضْرِبونَ،
فاسْقِلَتِ الضمةُ على الياء فَحُذفت، فالتقى ساكنان: الياء وواوِ الضمير
فحُذِف أولُهما - وهو الياء - وضُمَّت الواوُ المكسورةُ التي هي عين لأجل واوٍ
الضمير فصار تَلْوُون، وتصريفُه كتصريف (تَرْمُون)).
وأما قراءة حمزة وابن عامر ففيها ثلاثة أقوال، أحدها : - وهو قول
الزجاج (٢) والفراء (٣) والفارسي (٤) في إحدى الروايتين عنه - أنه من لَوَى يَلْوي
كقراءة الجماعة، إلاّ أنَّ الواوَ المضمومةَ قُلِبَتْ همزةً كقلبها في
((أُجوه) و ((أُقْتتْ))، ثم نُقِلت حركةُ هذه الهمزةِ إلى الساكنِ قبلها وحذفت فصار
((تُلُون)) كما ترى. الثاني: أنه من لَوَى يَلْوي أيضاً، إلا أن الضمةَ استُثْقِلَتْ
على الواو الأولى فنُقِلت إلى اللام الساكنة تخفيفاً، فالتقى ساكنان وهما
[٢٢٤/أ] الواوان / فحُذِف الأول منهما، ويُعْزى هذا للنحاس(٥). وفي هذين
التخريجين نظرٌ، وهو أنَّ لامَ الكلمة قد حُذِفَت أولاً كما قررته فصار وَزْنُه:
تَفْعُوا، بحذف اللام، ثم حُذِفت العينُ ثانياً فصار وزنُه: تَفُوا، وذلك إجْحاف
(١) السبعة ٢٣٨؛ الكشف ٣٩٩/١.
(٢) معاني القرآن وإعرابه : ١٢٩/٢.
(٣) معاني القرآن ٢٩١/١.
(٤) الحجة (خ) ٣٨٢/٢.
(٥) ليس في كتابه إعراب القرآن.
١١٨

- النساء -
بالكلمة. الثالث - ويُعْزى لجماعة منهم الفارسي - أن هذه القراءة مأخوذة من
الولاية بمعنى: وإنْ وُلِّيتم إقامةَ الشهادة أو وُلَّيْتُم الأمرَ فتعدلوا عنه، والأصل:
(تَوْلِيُوا)) فحذفت الواوُ الأولى لوقوعِها بين حرفِ المضارعةِ وكسرةٍ، فصار
(تَلِيُوا)) كَتَعِدُوا وبابه، فاستثقلت الضمةُ على الياءِ ففُعِل بها ما تقدَّم في
(تَلْوُوا)). وقد طَعَنَ قومٌ على قراءة حمزة وابن عامر - منهم أبو عبيد - قالوا:
لأنَّ معنى الولاية غيرُ لائق بهذا الموضع. قال أبو عبيد: ((القراءةُ عندنا بواوين
مأخوذةٌ من ((لَوَيْتُ)) وتحقيقه في تفسيرِ ابن عباس: هو القاضي يكونُ لَيُّه
وإعراضُه عن أحد الخصمين للآخر. وهذا الطعنُ ليس بشيء لأنها قراءةٌ
متواترةُ ومعناها صحيح، لأنه إنْ أَخَذْناها من الولاية كان المعنى على ما تقدم،
وإن أخذناها من الليِّ فالأصلُ ((تَلْوُوا)) كالقراءة الأخرى، وإنما فُعِل بها ما تقدم
من قَلْبِ الواوِ همزةٌ ونَقْلِ حركتها، أو من نَقْلِ حركتِها من غير قَلْبٍ فتتفق
القراءتان في المعنى .
آ. (١٣٦) وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا﴾: أي: داواموا
على الإِيمان، أو يُراد بالذين آمنوا جميعُ الناس، وذلك يوم أخذ عليهم
الميثاقَ. وقرأ(١) نافع والكوفيون: ((والكتاب الذي نَزَّل على رسوله والكتاب
الذي أنْزل من قبل)) على بناء الفعلين للفاعل، وهو الله تعالى، والباقون على
بنائهما للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعل ضمير الكتاب. وقال الزمخشري(٢):
(فإن قلت: لِمَ قال: ((نَزَّل على رسوله، وأَنْزل من قبل؟)) قلت: لأنَّ القرآن
نَزَلَ مِنجَّماً مفرَّقاً في عشرين سنة بخلاف الكتب قبله)). وقد تقدَّم [البحثُ](٣)
معه في ذلك، وأن التضعيف في ((نَزَّل)) للتعدية مرادفٌ للهمزة لا للتكثير.
(١) السبعة ٢٣٩؛ الكشف ٤٠٠/١؛ والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي.
(٢) الكشاف ٥٧١/١.
(٣) سقط سهواً من الأصل، وثبت في: ب.
١١٩

-النساء -
وقوله: ((فقد ضَلَّ ضلالاً)) ليس جواباً للأشياء الثلاثة، بل المعنى: وَمَنْ يكفرْ
بواحدٍ منها .
آ. (١٣٧) وقوله تعالى: ﴿لم يَكُنِ اللَّهُ ليغفرَ﴾: كقوله: ((ما كانَ
اللّهُ لِيذَرَ المؤمنين))(١)، وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيه ومذاهبُ الناس وأن لام
الجحود تفيدُ التوكيدَ، والفرقُ بين قولك: ((ما كانَ زيدٌ یقوم)»، و «ما كان
لیقوم».
أ. (١٣٩) والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فإنَّ العِزَةَ﴾: لِما في الكلام من
معنى الشرط، إذ المعنى: إن تبتغوا من هؤلاء عزةً. و((جميعاً)) حال من
الضمير المستكنِّ في قوله (الله)) لوقوعه خبراً. قوله: ((الذين يتّخذون)) يجوز فيه
النصبُ والرفعُ، فالنصب من وجهين، أحدهما: كونُه نعتاً للمنافقين. والثاني:
أنه نصبُ بفعل مضمر أي: أنُّ الذين، والرفع على خبر مبتدأ محذوف أي:
هم الذين.
١. (١٤٠) قوله تعالى: ﴿وقد نُزِّل﴾ قرأ الجماعة(٢)): ((نُزِّل)) مبنياً
[٢٢٤/ب] للمفعول، وعاصم / قرأه مبنياً للفاعل، وأبو حيوة وحميد ((نَزّل)) مخففاً مبنياً
للفاعل، والنخعي ((أُنْزِل)) بالهمزة مبنياً للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعلِ في قراءةِ
الجماعة والنخعي هو ((أَنْ)) وما في خَيِّزها أي: وقد نَزَّل عليكم المنعَ من
مجالستهم عند سماعِكم الكفرَ بالآيات والاستهزاءَ بها. وأمّا في قراءة عاصم
فـ ((أَنْ)) مع ما بعدها في محل نصب مفعولاً به بـ(«نَزَّل))، والفاعل ضميرُ الله
تعالى كما تقدم. وأما في قراءة أبي حيوة وحميد فمحلّها رفع بالفاعلية
لـ («نزل)) مخففاً، فمحلها: إمّا نصب على قراءة عاصم أو رفع على قراءة غيره،
ولكن الرفع مختلف. و((أن)) هذه هي المخففةُ من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر
(١) الآية ١٧٩ من آل عمران.
(٢) السبعة ٢٣٩؛ الكشف ٤٠٠/١؛ الشواذ ٢٩؛ البحر ٣٧٤/٣.
١٢٠