Indexed OCR Text
Pages 41-60
- النساء- حرف وجوب لوجوب، وقولَ الفارسي(١): إنها ظرفُ زمانٍ بمعنى ((حين)) وتقدَّم الردُّ عليه هناك بأنها أُجيبت بـ ((ما)) النافيةِ وإذا الفجائيةِ، وأَنَّ ما بعدها لا يعمل فيما قبلها فَأَغْنى عن إعادته، ولا يجوزُ أن يَعمل ما يليها فيها؛ لأنه في محلِّ خفض بالإِضافة على زَعْمِه والمضافُ إليه لا يعمل في المضاف. وقد أجابَ بعضُهم بأنَّ العاملَ فيها هنا معنى ((يَخْشَوْن)) كأنه قيل: جَزِعوا، قال: ((وجَزعوا هو العاملُ في ((إذا))، وهذه الآيةُ مشكلةٌ؛ لأنَّ فيها ظرفين أحدُهما لِما مضى والآخرُ لِما يُسْتقبل)). انتهى. قوله: ((كخشيةِ اللَّهِ)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها - وهو المشهور عند المُعْرِبين: أنها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: خشيةً كخشية الله. والثاني - وهو المقرر من مذهب سيبويه(٢) غيرَ مرة -: أنها في محل نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف أي: يخشونها الناس، أي: يخشون الخشيةَ الناسَ مشبهةً خشيةَ الله. والثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من الضمير في ((يَخْشَوْن)» أي: يَخْشَون الناسَ مثلَ أهل خشية الله أي: مشبهين لأهل خشية الله أو أشدَّ خشية أي: أشدَّ خشيةً من أهل خشية الله. و((أشدَّ) معطوف على الحال، قاله الزمخشري (٣). ثم قال: ((فإنْ قلت: لِمَ عَدَلْتَ عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدِّرْه: يَخْشَوْن خشيةً [مثل خشية](٤) الله بمعنى : مثلَ ما يخشى الله. قلت: أَبَى ذلك قولُه ((أو أشدَّ خشية))؛ لأنه وما عُطِفَ عليه في حكمٍ واحدٍ، ولو قلت: ((يخشون الناسَ أشدَّ خشيةٌ)) لم يكن إلا حالاً من ضميرِ الفريقِ، ولم ينتصِبْ انتصابَ المصدر لأنك لا تقول: ((خَشِي فلانٌ أشدَّ (١) الإِيضاح العضدي ٣١٩/١. (٢) الكتاب ١١٦/١. (٣) الكشاف ٥٤٣/١. (٤) زيادة من الكشاف. ٤١ - النساء - خشيةً)) فتنصِبُ ((خشية)) وأنت تريد المصدر، إنما تقول ((أشدَّ خشيةٍ)) فتجرُّها، وإذا نَصَبْتَها لم يكن ((أشدَّ خشيةً)) إلا عبارةً عن الفاعلِ حالاً منه، اللهم إلا أن تَجْعَلَ الخشيةَ خاشيةً على حدٍّ قولهم: ((جَدَّ جَدُّه)) فتزعم أنَّ معناه: يخشون الناسَ خشيةً مثل(١) خشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشية الله، ويجوز على هذا أن يكونَ محلُّ ((أشدّ)) مجروراً عطفاً على ((خشية الله)) تريد كخشية الله أو كخشيةٍ أشدَّ منها)). انتهى . ويجوز نصبُ ((خشيةً)) على وجه آخر وهو العطف على محل الكاف، وينتصب (أشدَّ) حينئذ على الحال من ((خشية)) لأنه في الأصلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل: يخشون الناسَ مثلَ خشية الله أو خشيةً أشدَّ منها. فلا ينتصب ((خشية)) تمييزاً حتى يلزم منه ما ذكره الزمخشري ويُعْتذر عنه، وقد تقدَّم نحوٌ من هذا عند قوله ((أو أشدَّ ذكراً))(٢). والمصدرُ مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف أي: كخشيتهم اللَّهَ. و((أو)) تحتمل الأوجه المذكورة في قوله: ((أو أشدَّ قسوةً)(٣)، ويجوز أن تكونَ للتنويع: يعني أن منهم مَنْ يخشاهم كخشية الله، ومنهم مَنْ يخشاهم أشدَّ خشية من خشية الله. و((لولا أَخَّرْتَنَا)) (لولا)) تحضيضيةٌ. وقرأ(٤) ابن كثير والأخوان: ((لا يُظْلَمون)) بالغيبة جرياً على الغائبين قبله، والباقون بالخطاب التفاتاً. و((فَتيلاً)) قد تقدَّم إعرابُه(٥) . آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿أينما تكونوا﴾: ((أين)) اسم شرط يجزم فعلین و ((ما)) زائدة على سبيل الجواز مؤكدةً لها، و ((أین)) ظرف مكان و ((تكونوا)» (١) في مطبوعة الكشاف: ((مثل خشية الله أو خشية أشد ... (٢) الآية ٢٠٠ من البقرة. (٣) الآية ٧٤ من البقرة. (٤) السبعة ٢٣٥؛ الكشف ٣٩٣/١. (٥) الآية ٤٩ من النساء. ٤٢ - الناء - مجزومٌ بها، و((يُذْرِكْكم)) جوابُه. والجمهورُ على جزمه؛ لأنه جواب الشرط، وطلحة بن سليمان(١): ((يدرِكُكم)) برفعه، فخرَّجه المبرد على حَذْفِ الفاء أي: فيدرككم الموت. ومثلُه قولُ الآخر(٢): ١٦١٢- يا أقرعُ بن حابسٍ يا أقرعُ إنك إنْ يُصْرَعْ أخوكَ تُصْرَعُ وهذا تخريج المبرد. وسيبويه(٣) يزعم أنه ليس بجواب، إنما هو دالٌّ على الجواب والنيةُ به التقديمُ. وفي البيت تخريجٌ آخر وهو أن يكون ((يصرعُ)) المرفوعُ خبراً لـ ((إِنك)) والشرطُ معترضٌ بينهما، وجوابُه ما دَلَّ عليه قوله ((إنك تُصْرَعُ)) كقوله: ((وإِنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ لمهتدون))(٤) وخَرَّجه الزمخشري(٥) على التوهّم فإنه قال: ((ويجوز أن يقال: حُمِل على ما يقع موقعَ ((أينما تكونوا)) وهو ((أينما كنتم)) كما حُمِل ((ولا ناعبٍ))(٦) على ما يقع موقع ((ليسوا مصلحين)) وهو ((ليسوا بمصلحين)) فرَفَع(٧) كما رفع زهير (٨): ١٦١٣- يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (١) طلحة بن سليمان، أخذ عن الفياض بن غزوان، وله شواذ يروى عنه، وروى عنه إسحاق بن سليمان ولم تذكر وفاته. انظر: الطبقات ٣٤١/١. وانظر في هذه القراءة: الشواذ ٢٧؛ والبحر ٢٩٩/٣؛ والقرطبي ٢٨٢/٥. (٢) تقدم برقم ١٢٣٩، وانظر: المقتضب ٧٢/٢. (٣) الكتاب ٤٣٦/١. (٤) الآية ٧٠ من البقرة. (٥) الكشاف ١/ ٥٤٤. (٦) الشاهد بتمامه : مشائيمُ ليسوا مصلحينَ عشيرةٌ ولا ناعبٍ إِلا بِبَيْنْ غرابُها وقد تقدم برقم ١٣٥٣ . (٧) الضمير في ((فرفع)) لا يعود على الشاهد وإنما يعود على الآية. (٨) تقدم برقم ١٢٣١. ٤٣ - النساء :- وهو قولُ نحويّ سِيبيّ، يعني منسوب لسيبويه، فكأنه قال: ((أينما كنتم»، وفعلُ الشرط إذا كان ماضياً لفظاً جازّ في جوابه المضارعِ الرفعُ والجزمُ كقول زهير: وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ يقولُ . وفي رفعه الوجهان المذكوران عن سيبويه والمبرد. ورَدَّ عليه الشيخ(١) بأن العطفَ على التوهم لا ينقاس، ولأنَّ قوله يؤدِّي إلى حذف جواب الشرط، ولا يُحْذَفُ إلا إذا كان فعل الشرط ماضياً، لوقلت: ((أنت ظالمٌ إِنْ تفعل)» لم يجز. وهذا - كما رأيتَ - مضارعٌ. وفي هذا الردِّ نظرٌ لا يَخْفَى. ((ولو كنتم)) قالوا: هي بمعنى ((إنْ)) وجوابُها محذوف أي: لأدرككم . وذكر الزمخشري(٢) فيه قولاً غريباً من عند نفسِه فقال: ((ويجوزُ أن يتصل بقوله (ولا تُظْلمون فتيلاً)) أي: لا تُنْقَصون شيئاً مِمَّا كُتِب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحمِ حروب أو غيرها، ثم ابتدأ بقوله: ((يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة))، والوقف على هذا الوجه [على] ((أينما تكونوا)). انتهى. وردًّ عليه الشيخ(٣) فقال: ((هذا تخريجٌ ليس بمستقيمٍ لا من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة النحوية: أمَّا من حيث المعنى فإنه لا يناسِبُ أن يكون متصلاً بقوله: ((ولا تظلمون فتيلاً)) لأنَّ انتفاءَ الظلم ظاهراً إنما هو في الآخرة لقوله: ((قُلْ متاعُ الدنيا قليل والآخرة خيرٌ لِمَنِ اتَّقَى)). وأما من حيث الصناعةُ النحوية فإنَّ ظاهرَ كلامِه يَدُلُّ على أن ((أينما تكونوا)) متعلقٌ بقولِه: ((ولا تُظْلمون)) بمعنى ما فَسَّره(٤)، وهذا لا يجوز لأن أسماءَ الشرط لها صدرُ الكلام، فلا يتقدَّم عامُلها (١) البحر ٢٩٩/٣. (٢) الكشاف ٥٤٥/١. (٣) البحر ٣٠٠/٣. (٤) وذلك من قول الزمخشري: ((أي لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم)) إلى آخره. ٤٤ - النساء- عليها، فإنْ وَرَدَ مثلُ: ((اضربْ زيداً متى جاء)) قُدِّر له عاملٌ يدلُّ عليه ((اضرب)) لا نفسُ ((اضرب)» المتقدم. فإن قيل: فكذلك يُقَدِّر الزمخشري عاملاً يدلُّ عليه ((ولا تُظْلمون)) تقديره: ((أينما تكونوا فلا تظلمون)) فحذف ((فلا تظلمون)» لدلالةِ ما قبله عليه، فيخلُصُ من الإشكال المذكور. قيل: لا يمكن ذلك لأنه حينئذ يُحذف جواب الشرط وفعلُ الشرط مضارع، وقد تقدم أنه لا يكون إلا ماضياً)) وفي هذا الردِّ نظرٌ، لأنه أراد تفسير المعنى. قوله: ((ولا يناسب أن يكون متصلاً بقوله: ((ولا تظلمون)) ممنوعٌ، بل هو مناسب، وقد أوضحه الزمخشري بما تقدَّم أحسنَ إيضاح. والجملة الامتناعية في محلّ نصب على الحال أي: أينما تكونوا من الأمكنة يدرككم الموت، ولو كانت حالكم أنكم في هذه البروج فُيُفْهَمُ أن إدراكَه لهم في غيرها بطريق الْأُوْلى والأُحْرى، وقريبٌ منه: ((أعطُوا السائل ولو على فرسٍ)). والجملةُ الشرطية تحتمل وجهين، أحدهما: أنها لا محلّ لها من الإِعراب لأنها استئنافُ إخبارٍ، أخبر تعالى أنه لا يفوتُ الموتَ أحدٌ ومنه قولُ زهير(١): ١٦١٤- ومَنْ هابَ أسبابَ المنايا يَنَلْنَه ولو رامَ أسبابَ السماء بسُلَّمِ والثاني: أنها في محل نصب بالقول قبلها / أي: قُلْ متاعُ الدنيا قليل، [٢١٥/أ] وقل أيضاً: أينما تكونوا. والجمهور على ((مُشَيِّدة)) بفتح الياء اسم مفعول. ونعيم(٢) بن ميسرة بكسرها، نسَبَ الفعلَ إليها مجازاً كقولهم: ((قصيدةٌ شاعرة)»، والموصوفُ بذلك أهلُها، وإنما عَدَلَ إلى ذلك مبالغةً في الوصف. (١) ديوانه ٣٠. (٢) الشواذ ٢٧؛ البحر ٣٠٠/٣. ٤٥ - النساء والبُروج: الحصونُ مأخوذةً من ((التبرُّج)) وهو الإِظهارُ، ومنه: ((غيرَ متبرِّجات بزينة))(١)، والبَّرَجُ في العين سَعَتُها، ومنه قولُ ذي الرمة(٢): ١٦١٥- بيضاءُ في بَرَجٍ صفراءُ فِي غَنجٍ كأنّها فِضةٌ قد مَسَّها ذَهَبُ وقولهم: ((ثوبٌ مُبَرَّجٌ)) أي: عليه صورُ البروج كقولهم: ((مِرْطٌ مُرَجَّل)) أي: عليه صورُ الرجال، يروى بالجيم والحاء. والمشيّدة: المصنوعة بالشِيد وهو الجِصُّ، ويقال: (شاد البناء وشَيَّده) كَرَّر العين للتكثير. ومن مجيء (شاد)) قولُ الأسود(٣): ١٦١٦- شادَه مزمراً وجَلَّله يجِلْـ ـسَأَ فالطيرِ في ذُراه وكُورُ ويقال: ((أشاد)) أيضاً فيكون فَعَل وأَفْعل بمعنى. ووقف (٤) أبو عمرو والكسائي - بخلاف عنه - على (ما)) في قوله ((فما لهؤلاء)) وفي قوله: ((ما لهذا الرسول))(٥) وفي قوله: ((ما لهذا الكتاب))(٦)؛ وفي قوله: ((فما للذين كفروا))(٧). والباقون على اللام التي للجرِّ دون مجرورها إتباعاً للرسم، وهذا ينبغي أن لا يجوز - أعني الوقفين - لأنَّ الأول (١) الآية ٦٠ من النور. (٢) ديوانه ٣٣؛ والخصائص ٣٢٥/١. (٣) البيت لعدي بن زيد وليس كما قال، وهو في ديوانه ٨٨؛ والكامل ٩٠/١؛ واللسان: شید . (٤) البحر ٣٠١/٣. (٥) الآية ٧ من الفرقان. (٦) الآية ٤٩ من الكهف. (٧) الآية ٣٦ من المعارج. ٤٦ - النساء- يُوقف فيه على المبتدأ دونَ خبرِهِ، والثاني يُوقف فيه على حرفِ الجَرِّ دونَ مجرورِهِ، وإنما يجوزُ ذلك لضرورةٍ قطعِ النفَس أو ابتلاءٍ(١). آ. (٧٩) قوله تعالى: ﴿ما أصابَك﴾: في ((ما)) هذه قولان، أحدهما: أنها شرطيةً وهو قول أبي البقاء(٢)، وضَعَّف أن تكونَ موصولةً قال: ((ولا يَحْسُن أن تكونَ بمعنى الذي؛ لأنَّ ذلك يقتضي أن يكون المصيبُ لهم ماضياً مخصَّصاً، والمعنى على العمومِ والشرطيةُ أشبهُ، والمرادُ بالآيةِ الخِصْب والجَدْب ولذلك لم يَقُلْ: ما أصبت))، انتهى. يعني أنَّ بعضَهم يقول: إنَّ المرادَ بالحسنة الطاعةُ وبالسيئةِ المعصيةُ، ولو كان هذا مراداً لقال: (ما أصَبْتَ)) لأنه الفاعلُ للحسنةِ والسيئة جميعاً، فلا تضاف إليه إلا بفعلِه لهما. والثاني: أنها موصولةً بمعنى الذي وإليه ذهب مكي(٣)، ومَنَع أن تكونَ شرطية قال: ((وليسَتْ للشرطِ لأنها نزلت في شيءٍ بعينه وهو الجَدْب والخِصْب والشرطُ لا يكون إلا مبهماً، يجوزُ أَنْ يقع وألّ يقعَ، وإنما دخلت الفاءُ للإِبهام الذي في (الذي)) مع أن صلتَه فعلٌ، فدلَّ ذلك على أنَّ الآيةَ ليست في المعاصي والطاعات كما قال أهلُ الزَّيْغ، وأيضاً فإنَّ اللفظَ ((ما أصابَكَ)) ولم يقل ((ما أَصَبْتَ))، انتهى. والأولُ أظهرُ؛ لأنَّ الشرطيةَ أصلٌ في الإِبهام - كما ذكر أبو البقاء - والموصولةُ فبالحمل عليها. وقولُ مكيّ: ((لأنها نَزَلَتْ في شيء بعينه)) هذا يقتضي ألَّ يُشَبَّه الموصولُ بالشرطِ؛ لأنه لا يُشَبَّه به حتى يرادَ به الإِبهامُ لا شيءَ بعينه، وإلّ فمتى أُريد به شيءٌ بعينه لم يُشَبَّه بالشرط فلم تَدْخُلِ الفاءُ في خبره، نَصَّ النحويون على ذلك، وفي المسألةِ خلافٌ منتشر، ليس هذا موضعَه. فعلى الأول (أصابَك)) في محلّ جزم بالشرط، وعلى الثاني لا مَحَلَّ له لأنه صلة. (١) لعله يعني عند الامتحان مثلاً، أو لتقرير القاعدة وتثبيتها. (٢) الإملاء ١٨٨/١. (٣) المشكل ١٩٩/١. ٤٧ - النساء= و((من حسنةٍ)) الكلامُ فيه كالكلامِ في قوله: ((ما نَنْسَخْ من آية))(١) وقد تقدَّم، والفاءُ في ((فَمِنَ الله)) جوابُ الشرط على الأولِ وزائدةٌ على الثاني،! والجارُّ بعدها خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره: فهو من الله، والجملةُ: إِمَّا في. محلِّ جزمٍ أورفعٍ على حَسَبِ القولين. واخْتِلِفَ في كافِ الخطاب: فقيل: المرادُ كلُّ أحدٍ، وقيل: الرسول والمرادُ أمتُه. وقيل: الفريقُ في قولِه ((إذا فريقٌ))، وذلك لأن ((فريقاً) اسمُ جمعٍ فله لفظً ومعنىٍّ، فراعَى لفظَه فَأَفْرَدّ، کقوله(٢): ١٦١٧ - تفرَّق أهلانا بِبَيْنِ فمنهمُ فريقٌ أقامَ واستقلَّ فريقُ: وقيل في قوله ((فَمِنْ نفسِك)): إنَّ همزةَ الاستفهام محذوفةٌ تقديرُه: أفمِنْ نفسِك، وهو كثير كقوله تعالى: ((وتلك نعمةٌ تَمُنَّها))(٣) وقوله تعالى: ((بازغاً قال: هذا ربي)»(٤) ومنه (٥): ١٦١٨- رَفَوْني وقالوا: يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ فقلتُ وأنكرْتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ وقوله(٦): (١) الآية ١٠٦ من البقرة. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٠١/٣. (٣) الآية ٢٢ من الشعراء. (٤) الآية ٧٧ من الأنعام: ((فلما رأى القمر ... )). (٥) البيت لأبي خراش الهذلي وهو في ديوان الهذليين ١٤٤/٢؛ وإصلاح المنطق ١٥٣؛. وأدب الكاتب ٥٤١؛ والخصائص ٢٤٧/١؛ واللسان: رفا؛ والخزانة ٢١١/١ .. ورفوني: من رفوت أي سَكُنْتُ. (٦) تقدم برقم ٣٤٠. ٤٨ - النساء - ١٦١٩ - أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأنْ أُوَرَثَ ذَوْدَاْ شَصائِصاً نَبْلاً تقديره: وأتلك، وأهذا ربي، وأهمُ هُم، وأأفرحُ)) وهذا لم يُجِزْه من النحاة إلا الأخفشُ(١)، وأمَّا غيره فلم يُجِزْه إلا قبل ((أم)) كقوله(٢): ١٦٢٠ - لَعَمْرُكَ ما أدري وإنْ كنتُ دارِياً بسبعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بثمانٍ وقيل: ثَمَّ قولٌ مقدر أي: لا يكادونَ يَفْقهون حديثاً يقولون: ما أصابك. وقرأت(٣) عائشة: ((فَمَنْ نفسُك)) بفتح ميم (من)) ورفع السين، على الابتداء والخبر، أي: أيُّ شيءٍ نفسُك حتى يُنْسَبْ إليها فِعْلٌ؟. قوله: ((رسولاً)) فيه وجهان، أحدهما: أنه حال مؤكدة، والثاني: أنه مصدر مؤكِّدٌ بمعنى إرسال، ومن مجيء ((رسول)) مصدراً قوله (٤): ١٦٢١- لقد كَذَبَ الواشون ما بُحْتُ عندهم بِسِرِّ ولا أَرْسَلْتُهِمْ برسولٍ أي بإرسال، بمعنى رسالة. و((للناس)) يتعلق بـ((أرسلناك))، واللام للعلة. وأجاز أبو البقاء(٥) أن يكونَ حالاً من ((رسولاً)) كأنه جَعَله في الأصل صفةً للنكرةَ فَقُدِّم عليها،وفيه نظر. (١) معاني القرآن ٤٢٦. (٢) تقدم برقم ٣٤١. (٣) الشواذ ٢٧؛ البحر ٣٠٢/٣. (٤) تقدم برقم ٦٠٥. (٥) الإملاء ١٨٨/١. ٤٩ : - البساء آ. (٨٠) و﴿حفيظاً﴾: حال من كاف ((أرسلناك)» و «عليهم)) متعلق بـ «حفيظاً))، وأجاز فيه أبو البقاء(١) ما تقدم في ((للناس)). آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿طاعةٌ﴾: في رفعِه وجهان، أحدُهما: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: ((أمرٌ طاعةً))، ولا يجوز إظهارُ هذا المبتدأ لأن الخبر مصدر بدلٌ من اللفظ بفعلِه. والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي: مِنَّا طاعة، أو: عندنا طاعةٌ .. قال مكي(٢): ((ويجوز في الكلامِ النصبُ على المصدر). وأدغم أبو عمرو وحمزة تاء ((بَيَّت)) في طاء ((طائفة)) لتقارُبِهما، ولم يَلْحَقِ الفعلَ علامةُ تأنيث لكونه مجازياً. و((منهم)) صفةٌ لـ ((طائفة))، والضمير في ((تقول)) يحتمل أن يكون ضمير خطاب للرسول عليه السلام أي : غيرَ الذي تقول وترسم به يا محمد. ويؤيِّده قراءة عبدالله(٣): (بَيِّتَ مُبَيِّتْ منهم))(٤)، وأن يكونَ ضميرَ غَيْبة للطائفة أي: تقول هي. وقرأ يحيى ابن يعمر(٥): ((يقول)) بياء الغيبة، فيحتمل أن يعود الضميرُ على الرسول بالمعنى المتقدم، وأن يعود على الطائفة. ولم يؤنث الضميرَ لأن الطائفة في معنى الفريق والقوم. و((ما)) في (ما يبِيِّتون)) يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفة. أو مصدرية . آ. (٨٢) وقرأ(٦) ابن محيصن: ﴿يَدَّبَّرون﴾: بإدغام التاء في الدال، والأصل: يَتَدِبرون [وهي مخالفةً للسواد](٧). والضميرُ من ((فيه)) (١) الإملاء ١٨٨/١. (٢) المشكل ١٩٩/١. (٣) السبعة ٢٣٥؛ الكشف ٣٩٣/١. (٤) البحر ٣٠٤/٣. (٥) البحر ٣٠٤/٣. (٦) البحر ٣٠٥/٣. (٧) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل. ٥٠ - النساء - يُحتمل أن يعودَ على القرآن وهو الظاهر، وأن يعود على ما يخبره الله تعالى به ممَّا يُبَيِّون ويُسِرُّون، يعني أنه يخبرهم به على حَدٍّ ما يقع. آ. (٨٣) قوله تعالى: ﴿أذاعوا به﴾: جواب إذا، وعَيْنُ أذاع ياء لقولهم: ذاع الشيءَ يذِيع، ويُقال: أذاع الشيء أيضاً بمعنى المجرد، ويكونُ متعدياً بنفسه وبالباء، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل: ضَمِّن ((أذاع)) معنى ((تَحَدَّثَ)) فَعِدَّاه تعديته أي: تحدَّثوا به مذيعين له. والإِذاعة: الإِشاعةُ، قال أبو الأسود(١): ١٦٢٢ - أذاعُوا به في الناسِ حتى كأنه بِعَلْياءِ نار أُوقِدَتْ بِثَقُوب والضميرُ في ((به)) يجوزُ أن يعودَ على الأمر، وأن يعودَ على الأمن أو الخوفِ؛لأنَّ العطفَ بـ ((أو)، والضميرُ في ((رَدُّوه)) للأمر فقط. والاستنباط: الاستخراج، وكذا الإِنباط قال(٢): ١٦٢٣- نَعَمْ صادقاً والفاعلُ القائلُ الذي إذا قال قَوْلاً أنبطَ الماءَ في الثَّرى / ويقال: نّبَطَ الماءُ يَنْبطُ بفتحِ الباءِ وضَمِّها، والنَّبَط: الماءُ الذي [٢١٥/ب] يَخْرج من البئرِ أُولَ حَفْرِها. والنِّبَط أيضاً: جيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرجل الذي يكون بعيد العِزِّ والمنعة: ((ما يَجِدُ عدُّه له نَبَط). قال كعب(٣): (١) ديوانه ٩٨؛ وشواهد الكشاف ٣٣١/٤. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٠٣/٣. (٣) كعب بن سعد الغنوي، والبيت في الأصمعيات ١٠٣؛ والطبري ٥٧١/٨؛ والبحر ٣٠٣/٣؛ وقريب الثرى: الكريم. ٥١ - النساء- ١٦٢٤ - قريبٌ ثَراه ما ينال عدوُّه له نَبَطأ، آبيْ الهوانِ قَطُوبُ و ((منهم)) حال: إمَّا من الذين، أو من الضمير في ((يستنبطونه)) فيتعلق بمحذوف. وقرأ أبو السمَّال(١): (لَعَلْمه)) بسكون اللام، قال ابن(٢) عطية: ((هو كتسكين ((فيما شَجْر بينهم))(٣). وليس مثله؛ لأن تسكين فَعِل بكسر العين مقيسٌ، وتسكينَ مفتوحِها شاذٌّ، ومثلُ تسكين ((لَعَلْمه)) قوله(٤): ١٦٢٥ - فإنْ تَبْلُه يَضْجَرْ كما ضَجْرَ بَازِلٌ من الْأُدْمِ دَبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُه أي : دبرت، فسگن. قوله: ((إلا قليلاً)) فيه عشرةُ أوجه، أحدها: أنه مستثنى من فاعل (أَتَّعتم)) أي: لاَتَّبعتم الشيطانَ إلا قليلاً منكم، فإنه لم يَتَّبع الشيطان، على تقديرِ كونِ فَضْلِ اللّه لم يأتِهِ، ويكونُ أراد بالفضل إرسالَ محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك القليلُ كِقِسٍّ بن ساعدة الأيادي وزيد بن عمروبن نفيل وورقة بن نوفل، مِمَّن كان على دين المسيح قبل بعثة الرسول. وقيل: المرادُ مَنْ لم يبلغ التكليفَ، وعلى هذا التأويل قيل: فالاستثناء منقطع؛ لأن المستثنى لم يدخل تحت الخطاب، وفيه نظر يظهر في الوجه العاشر. الثاني: أنه مستثنى (١) البحر ٣٠٧/٣. (٢) المحرر ١٩٠/٤. (٣) الآية ٦٥ من النساء وه قراءة أبي السَّمال. البحر ٢٨٤/٣. (٤) البيت لأبي الغمر الكلابي أو عبدالرحمن بن حسان أو أبي الجراح أو الأخطل وهو في ابن يعيش ١٢٩/٧؛ والإنصاف ١٢٣؛ واللسان: ضجر؛ والأشموني ٢٤٣/٢؛ والخزانة ٢٧٧/٢. والبازل: الفتيّ من الإِبل، والأدم: ج آدم وهو الأسمر اللون، ودبرت: جربت، وصفحتاه: جانباه، وغاربه: أعلاه. ٥٢ - النساء- من فاعل ((أذاعوا)) أي: أظهروا أمرَ الأمن أو الخوف إلا قليلاً. الثالث: أنه مستثنى من فاعل ((عَلِمه)) أي: لعلمه المستنبطون منهم إلا قليلاً. الرابع: أنه مستثنى من فاعل ((لوجدوا)) أي: لوجدوا فيما هو من عند غير الله التناقضَ إلا قليلاً منهم، وهو مَنْ لم يُمْعِنِ النظرَ، فيظنُّ الباطلَ حقاً والمتناقضَ موافقاً. الخامس: أنه مستثنى من الضمير المجرور في ((عليكم))، وتأويلُه كتأويل الوجه الأول. السادس: أنه مستثنى من فاعل ((يستنبطونه)) وتأويله كتأويل الوجه الثالث. السابع: أنه مستثنى من المصدر الدالَّ عليه الفعلُ، والتقدير: لاتَّبَعْتُمْ الشيطانَ إلا اتباعاً قليلاً، ذكر ذلك الزمخشري(١). الثامن: أنه مستثنى من المتّبع فيه، والتقدير: لاتبعتم الشيطان كلَّكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعون الشيطان فيها، فالمعنى: لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا في قليلٍ من الأمور، فإنكم كنتم لا تتبعونه فيها، وعلى هذا فهو استثناء مفرغ، ذكر ذلك ابن عطية(٢)، إلا أنَّ في كلامِه مناقشةً وهو أنه قال ((أي: لاتبعتم الشيطان كلَّكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها» فجعله هنا مستثنى من المتّبعِ فيه المحذوف على ما تقدم تقريره، وكان قد تقدَّم أنه مستثنى من الاتِّباع، فتقديرُه يؤدِّي إلى استثنائِه من المتّبع فيه، وادعاؤه أنه استثناء من الاتباع، وهما غيران(٣). التاسع: أن المراد بالقلة العدمُ، يريد: لاتبعتم الشيطان كلكم وعدمَ تخلَّفِ أحدٍ منكم، نقله ابن عطية عن جماعة وعن الطبري(٤)، ورَدَّه بأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي دخولها، قال: ((وهذا كلامٌ قلق ولا يشبه ما حكى سيبويه من قولهم: ((هذه أرضٌ قَلَّ ما تنبت كذا)) أي لا تنبت شيئاً. (١) الكشاف ٥٤٨/١. (٢) المحرر ١٩٢/٤. (٣) الفرق بينهما من حيث التعبير فقوله مرة ((إلا اتباعاً قليلاً)) لا يرادف ((إلا قليلاً من الأمور كنتم لاتتبعونه فيها». (٤) التفسير ٥٧٦/٨. ٥٣ : .. - - النساءـ وهذا الذي قاله صحيح، إلا أنه كان تقدم له في البقرة في قوله تعالى ((ولكنْ لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً))(١) أن التقليل هنا بمعنى العدم، وتقدّم الردُّ عليه هناك فَتَنَبَّهَ لهذا المعنى هنا ولم يتنبه له هناك. العاشر: أن المخاطبَ بقوله ((لا تبعتم)) جميعُ الناس على العموم، والمرادُ بالقليلِ أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأيَّد صاحبُ هذا القولِ قولَه بقوله عليه السلام: ((ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالرَّقْمة البيضاء في الثور الأسود(٢). آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿فقاتِلْ﴾: في هذه الفاءِ خمسةُ أوجه، أحدها: أنها عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملةِ قوله ((فَلْيقاتل في سبيل الله))(٣). الثاني: أنها عاطفتها على جملةٍ قوله ((فقاتِلوا أولياء الشيطان))(٤). الثالث: أنها عاطفتها على جملة قوله: ((وما لكم لا تقاتلون))(٥). الرابع: أنها عاطفتها على جملة قوله ((فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)(٦). الخامس: أنها جوابُ شرط مقدر أي: إنْ أردت فقاتِل، وأولُ هذه الأقوال هو الأظهر. قوله: ((لا تُكَلَّفُ إلا نفسَك)) في هذه الجملة قولان، أحدهما: أنها في محلٌّ نصب على الحال من فاعل ((فقاتِلْ)) أي: فقاتِلْ غيرَ مُكَلَّفٍ إلا نفسَّك وحدَها. والثاني: أنها مستأنفة أخبره تعالى أنه لا يكلّف غيرَ نفسه. والجمهور على ((تُكَلَّفُ)) بتاء الخطاب ورفع الفعل مبنياً للمفعول، و((نفسَك)) هو المفعول الثاني. وقرأ(٧) عبدالله بن عمر: ((لا تُكَلَّفْ)) كالجماعة إلا أنه (١) هذه من سورة النساء ٤٦، وأما آية البقرة ٨٨: ((بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون)». (٢) رواه البخاري (الفتح) الأنبياء ٣٨٢/٦؛ ابن ماجة: الزهد ١٤٣٢/٢. (٣) الآية ٧٤ من النساء . (٤) الآية ٧٦ من النساء: (٥) الآية ٧٥ من النساء: (٦) الآية ٧٤ من النساء وكتبت سهواً: فسيؤتيه. (٧) البحر ٣٠٩/١؛ الشواذ ٢٧ . ٥٤ - النساء - جزمه، فقيل: على جواب الأمر، وفيه نظر، والذي ينبغي أن يكون نهياً. وهي جملة مستأنفة، ولا يجوز أن تكون حالاً في قراءة عبدالله؛ لأنَّ الطلب لا يكون حالاً. وقرىء ((لا نُكَلَّف)) بنون العظمة ورفعِ الفعل(١) وهو يحتمل الحال والاستئناف المتقدمين. والتحريض: الحَثُّ على الشيءٍ، قال الراغب(٢): ((كأنه في الأصل إزالةُ الحَرَضْ نحو: ((قَذَيْتُه)) أي: أزلت قذاه، وأَخْرضته: أَفْسَدْتُه كأقذيته أي: جَعَلْتُ فِيه القذى، والحَرَضُ في الأصل ما لا يُعْتَدُّ به ولا خير فيه، ولذلك يقال للمشرف على الهلاك: (حَرَض)) قال تعالى: حتى تكون حَرَضاً)(٣) وَأَحْرَضَه كذا، قال(٤): ١٦٢٦- إني امرؤُ رابني هَمَّ فَأَحْرضني حتى بُلِيتُ وحتى شَفَّنِي السَّقَمُ و ((بأساً وتنكيلاً)) تمييزٌ، والتنكيل: تفعيلٌ من النَّكْل وهو القيد، ثم استعمل في كل عذاب. آ. (٨٥): ﴿والكِفْلُ﴾: النصيب، إلاّ أنَّ استعمالَه في الشر أكثر، عكسَ النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِلِ الكِفْلُ في الخير، قال تعالى: ((يُؤْتِكم كِفْلين من رحمته)) وأصلُه قالوا: مستعارٌ مِنْ كِفْلِ البعير وهو كساء يدار حول سَنَامِهِ لِيُرْكَبَ، سُمِّي بذلك لأنه لم يَعُمَّ ظهرَه كله بل نصيباً منه، ولغلبةٍ استعماله في الشر واستعمالِ النصيب في الخير غاير بينهما في هذه الآية الكريمة، إذ أتى بالكِفّل مع السيئة، والنصيب مع الحسنة. و((منها)) الظاهر أن (١) وكسر اللام كما في البحر. (٢) المفردات ١١٢. (٣) الآية ٨٥ من يوسف. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في أمالي الشجري ٣٦٩/١؛ ومفردات الراغب ١١٢. ٥٥ - النساء (مِنْ)) هنا سببية أي: كِفْلٌ بسببها ونصيب بسببها، ويجوز أن تكونَ ابتدائيةً والمُقِيت: المقتدر قال(١): ١٦٢٧ - وذي ضِغْنَ كَفَفْتُ الودَّ عنه وكنتُ على إساءته مُقِيبا أي: مقتدراً، ومنه(٢): ١٦٢٨ - ليت شِعْري وأَشْعُرَنَّ إذا ما قَرَّبوها منشورةٌ ودُعِيتُ ألِيَ الفضلُ: أم عليَّ إذا حو سِبْتُ؟ إني على الحسابُ مُقيتُ / قال النحاس (٣): ((هو مشتقُّ من القُوت، وهو مقدارُ ما يُحْفَظ به بدنُ [١/٢١٦ ] الإِنسانِ من الهلاك)) فأصل مُقيت: مُقْوِت كمقيم. آ. (٨٦) والتحية في الأصل: المُلْك. قال (٤). ١٦٢٩- أَؤُمُّ بها: أبا قابوس حتى أُنيخَ على تَجِيَّنته بجُندي وقال آخر(٥): (١) البيت للزبير بن عبدالمطلب، وهو في شواهد الكشاف ٣٥١/٤؛ والبحر ٠:٠٣٠٣/٣ (٢) البيتان للسموءل، وهما في ديوانه ١٣؛ ومجاز القرآن ١٣٥/١؛ والأصمعيات ٨٦؛ والبحر ٣٠٣/٣؛ وشواهد الكشاف ٣٥١/٤. وقربوها: أي الصحف. (٣) إعراب القرآن ٤٤٠/١. (٤) البيت لعمرو بن معديكرب، وهو في غريب الحديث ١١١/١؛ وإصلاح المنطق ٣١٦؛ والقرطبي ٢٩٧/٥؛ والبحر ٣٠٤/٣. (٥) البيت لزهير بن جناب الكلبي، وهو في غريب الحديث ١١٢/١؛ واللسان: ((حيا))؛ والقرطبي ٢٩٧/٥؛ والتصريح ٣٢٦/١. ٠٠ ٥٦ - النساء- ١٦٣٠ - ولكل ما نال الفتى قد نلتُه إلا التجِيَّهْ ويقال: التحية: البقاء والمُلْك، ومنه: ((التحيات لله))(١)، ثم استعملت في السلام مجازاً، ووزنها تَفْعِلة، والأصل: تَحْيِيَة فأدغمت، وهذا الإِدغامُ واجبٌ خلافاً للمازني، وأصل الأصل تَحْبِيٌّ، لأنه مصدر حَيّا، وحَيّا: فَعَّل، وفَعَّل مصدرُه على التفعيل، إلا أن يكون معتلَ اللام نحو: زكَّى وغَطَّى [فإنه تحذف إحدى الياءين](٢) ويعوض منها تاء التأنيث فيقال: تزكية وتغطية، إلا ما شَذَّ من قوله(٣): ١٦٣١- باتَتْ تُنَزِّي دلوَها تَنْزِيَّاً كما تُنَزِّي شَهْلَةٌ صبيّاً إلا أن هذا الشذوذَ(٤) لا يجوزُ مثلُه في نحو ((حَيّا)) لاعتلال عينه ولامه بالياء، وألحق بعضُهم ما لامُه همزةٌ بالمعتلّها نحو: ((نَبًا تنبئة)) و((خَبّأ تخبئة)). ومثلُها(٥): أَعْبِيَة وَعِيَّة، جمع عَبِيُّ. وقال الراغب(٦): ((وأصلُ التحيّة من الحَياة، ثم جُعِل كلُّ دعاءٍ تحيةً لكون جميعِه غيرَ خارجٍ عن حصولِ الحياة أو سبب الحياة. وأصل التحية أن تقول: ((حَيَّاك الله)) ثم استُعْمِل في عُرْفٍ الشرعِ في دعاء مخصوصٍ. وقولُه تعالى: ((أو رُدُّوها)) أي :: رُدُّوا مثلَها؛ لأنَّ ردَّ عينها مُحالٌ، فَحُذِفَ (١) صدر دعاء يقرأ به في قعود الصلاة. (٢) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الخصائص ٣٠٢/٢؛ والمنصف ١٩٥/٢؛ والمقرب ١٣٤/٢؛ وشواهد الشافية ١٦٥/١؛ والمخصص ١٠٤/٣. وتنزي: تحرك. (٤) سقطت الواو من قوله ((الشذوذ) سهواً. (٥) أي: مثل تحية. (٦) المفردات ١٤٠. ٥٧ - النساء المضافُ نحو: ((واسأل القريةَ))(١) وأصلُ ((حَيُّوا)) حَبُِّوا، فاستُثْقِلتِ الضمةُ على الياءِ، فَحُذِفت الضمةُ فالتقى ساكنان: الياءُ والواوُ فحُذِفت الياءُ وضُمِّ ما قبل الواو. وقوله ((بأحسنَ)) أي: بتحيةٍ أحسنَ من تلك التحيةِ الأولى. آ. (٨٧) قوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنْكم﴾ : جوابُ قسمٍ محذوف، وفي جملةِ هذا القسم مع جوابِهِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً لقوله ((اللَّهُ))، و((لا إلهَ إلا هو)) جملةُ خبر أول. والثاني: أنها خبر لقوله: ((الله)) أيضاً، و((لا إله إلا هو)) جملة اعتراضٍ بين المبتدأ وخبره. والثالث: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. وقد تقدم إعراب ((الله لا إله إلا هو)»(٢) و «لا ریب فيه(٣) في البقرة. قوله: ((إلى يوم القيامةِ)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها على بابِها من انتهاءِ الغايةِ، قال الشيخ(٤): ((ويكونُ الجمعُ في القبور، أو تُضمَّن (ليجمعنّكم)) معنى (ليحشرنُّكم)) فَيُعَدَّى بـ ((إلى)). يعني أنه إذا ضُمِّن الجمعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مجموع فيه. وقال أبو البقاء(٥) - بعد أَنْ جَوّز فيها أن تكونَ بمعنى ((في)) - ((وقيل: هي على بابها أي: ليجمعِنَّكم في القبور، فعلى هذا يجوز أن يكون مفعولاً به، ويجوز أن يكونَ حالاً أي: ليجمعنَّكم مُفْضِين إلى حساب يوم القيامة)) يريد بقوله ((مفعولاً به)) أنه فَضْلَةٌ كسائرِ الفَضَلات نحو: ((سرت إلى الكوفة)) ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأَنْ يُضَمَّنَ الجمعُ معنى الحشر كما تقدم، وأمَّا تقديرُه الحالَ بـ ((مُفْضِين)» فغيرُ جائزٍ لأنه (١) الآية ٨٢ من يوسف (٢) الآية ٢٥٥ من البقرة. (٣) الآية ٢ من البقرة. (٤) البحر ٣١٢/٣. (٥) الإملاء ١٨٩/١. ٥٨ - النساء - كونٌ مقيّدّ. والثاني: أنها بمعنى ((في)) أي: في يوم القيامة، ونظيرُه قولُ النابغة (١): ١٦٣٢- فلا تَتْرُكَّنِّي بالوعيدِ كأنني إلى الناسِ مَطْلِيُّ بِه القارُ أَجْرَبُ أي: في الناس. والثالث: أنها بمعنى ((مع))، وهذا غيرُ واضح المعنى. والقيامة بمعنى القِيام كالطّلابة والطّلاب، قالوا: ودَخَلَتْ التاءُ فيه للمبالغة كَعَلَّامة ونَسَّابة لشدةٍ ما يقع فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيامِ الناس فيه للحسابِ، قال تعالى: ((يومَ يقومُ الناس لربِّ العالمين))(٢). والجملةُ من قوله: ((لا ريبَ فيه)) فيها وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ نصب على الحال من (يوم))، فالضمير في ((فيه)) يعودُ عليه، والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ نعتاً المصدرٍ محذوف دَلَّ عليه ((ليجمعنِّكم)) أي: جمعاً لا ريبٌ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ. ((ومَنْ أصدقُ)) تقدَّم نظيرُ هذه الجملة. و((حديثاً)) نصبٌ على التمييز. وقرأ الجمهور ((أَصْدَقُ)) بصاد خالصة، وحمزة(٣) والكسائي بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ، نحو: ((تَصْدُقون)) و(«تَصْدِيَةً))، وهذا كما فعل حمزة في ((الصراط))(٤) و ((مصيطر))(٥) للمجانسةِ قَصْدَ الخِفّةِ . آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿فما لكم﴾: مبتدأ وخبر. و((في المنافقين)) فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلقً بما تعلَّق به الخبرُ وهو ((لكم)) أي: أيُّ شيءٌ كائنٌ لكم - أو مستقر لكم ــ في أمر المنافقين. والثاني: أنه متعلق (١) تقدم برقم ١٢٣. (٢) الآية ٦ من المطففين. (٣) الكشف ٣٩٣/١؛ البحر ٣١٢/٣. (٤) من الآية ٥ من سورة الفاتحة. وانظر: السبعة ١٠٦. (٥) من الآية ٢٢ من سورة الغاشية. ٥٩ - النساء :- بمعنى فئتين، فإنه في قوة ((ما لكم تفترقون في أمور المنافقين» فِحُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقَامَه. والثالث: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((فئتين)) لأنه في الأصل صفةٌ لها، تقديرُه: فئتين مفترقتين في المنافقين، وصفةُ النكرةُ إذا قُدِّمت عليها انتصبَتْ حالاً . وفي ((فئتين)) وجهان، أحدُهما: أنها حالٌ من الكاف والميم في ((لكم))، والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به ((لكم))، ومثلُه: ((فما لَهم عن التذكرة مُعْرضين))(١)، وقد تقدَّم أنَّ هذه الحالَ لازمةً؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البصريين في كل ما جاء من هذا التركيب. والثاني - وهو مذهب الكوفيين -: أنه نصبٌ على خبر ((كان)) مضمرةً، والتقدير: ما لكم في المنافقين كنتم فئتين، وأجازوا: ((مالك الشاتمَ)) أي: ما لك كنت الشاتمَ، والبصريون لا يجيزون ذلك لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كونه حالاً التزامُ مجيئه في هذا التركيب نكرةً، وهذا كما قالوا في ((ضربي زيداً قائماً)) إن ((قائماً)) لا يجوز نصبُه على خبر ((كان)) المقدرةِ، بل على الحال الالتزام. تفكيره. وقد تقدَّم اشتقاقُ ((الفئة)) في البقرة(٢). قوله: ((واللَّهُ أَرْكُسهم)) مبتدأ وخبر، وفيها وجهان أظهرهما: أنها حالٌ: إمَّا من المنافقين - وهو الظاهرُ - وإمَّا من المخاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه أنكرَ عليهم اختلافَهم في هؤلاء، والحال أن الله قد ردَّهم إلى الكفر. والثاني: أنها مستأنفةٌ أخبر تعالى عنهم بذلك. و((بما كَسَبوا)) متعلقٌ بـ ((أَرْكَسهم)) والباء سبية أي: بسبب كَسْبهم، و ((ما)» مصدريةٌ أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ على الثاني لا [على] الأول على الصحيح(٣). (١) الآية ٤٩ من المدثر .. (٢) الآية ٢٤٩ . (٣) لأن المصدرية لا عائد عليها عند الجمهور بخلاف ابن السراج. ٦٠