Indexed OCR Text

Pages 621-640

- النساء-
فقولُه: ((مَنْ أجازّ النصبَ)) يَحْتمل مَنْ أجاز النصب المتقدم في ((اللاتي))
بإضمارِ فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو ((اقصِدوا))، ويَحْتمل مَنْ
أجازَ النصبَ على الاشتغال من حيث الجملةُ، إلا أنَّ هذا بعيدٌ لأنَّ الآيتين من
وادٍ واحدٍ فلا يُظَنُّ به أنه يمنع في إحداهما ويجيز في الأخرى، ولا ينفع كونُ
الآيةِ الأولى فيها الفعلُ الذي يفسِّر متعدٍ بحرفٍ جر، والفعلُ الذي في هذه الآية
مُتَعَذٍّ بنفسه فيكون أقوى، إذ لا أثرً لذلك في باب الاشتغال. والضميرُ المنصوب
في ((يأتيانها)) للفاحشة.
وقرأ(١) عبدالله: ((يأتينَ بالفاحشة)) أي يَجِئْنَ بها، ومعنى قراءةِ الجمهور
(يَغْشَيْنَها ويخالطنها)).
وقرأ الجمهور: ((واللذانِ)) بتخفيف النون، وقرأ(٢) ابن كثير: ((واللذان))
هنا، و((اللذين)) في حم السجدة(٣) بتشديد النون. ووجهُها جَعَلَ إحدى
النونين عوضاً من الياء المحذوفة التي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن ((الذي)»
مثل ((القاضي))، و((القاضي)) تثبت ياؤه في التثنية، فكان حقُّ ياء الذي والتي
أن تثبت في التثنية ولكنهم حَذّفُوها: إمَّا لأنَّ هذه تثنيةً على غيرِ القياسِ، لأنّ
المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى إلا ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا
الحذفَ مَنْبَهَةً على هذا، وإمَّا لطولِ الكلامِ بالصلة. وزعم ابن عصفور أنَّ
تشديدَ النونِ لا يجوزُ إلا مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجر
والنصب، وقراءةٌ ابن كثير في حم السجدة(٤): ((أرنا اللذيْنِّ أضلَّانا)) حجةٌ
عليه .
(١) البحر ١٩٥/٣.
(٢) السبعة ٢٢٩؛ الكشف ٣٨١/١؛ الشواذ ٢٥.
(٣) الآية ٢٩، وتسمى فصّلت أيضاً.
الآية ٢٩.
(٤)
٦٢١

- النساءب
وقُرىء: ((اللَّذَأَنِّ) بهمزةٍ وتشديدِ النون، ووجهُها أنه لَمَّا شَدَّد النونَ
التقى ساكنان فَفَرَّ من ذلك بإبدالِ الألفِ همزةً، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في
الفاتحة(١).
وقرأ عبدالله: ((والذين يَفْعَلُونِهِ منكم))، وهذه قراءةٌ مشكلةٌ لأنها بصيغة
[٢٠٢/ب] الجمع، / وبعدَها ضميرُ تثنية(٢)، وقد يُتْكَلَّفُ لها تخريجٌ: وهو أنَّ ((الذين)) لِمَّا
كان شاملاً لصنفي الذكور والإناث عاد الضمير عليه مثنى اعتباراً بما اندرج
تحته، وهذا كما عاد ضمير الجمع على المثنى الشامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ
تحتّه كقوله تعالى: ((وإنْ طائفتان من المؤمنين اقْتَتَلُوا))(٣)، ((هذان خَصْمَانٍ
اختصموا))(٤)، كذا قال الشيخ(٥) وفيه نظر، فإنَّ الفرقَ ثابتٌ؛ وذلك لأنَّ
((الطائفة)) اسمٌ لجماعة وكذلك ((خصم))؛ لأنه في الأصلِ مصدرٌ فَأَطْلِقَ على
الجمعِ .
وأصلُ فَاذُوهما: فَاذِيُوهما، فاستثقِلَتِ الضمةُ على الياءِ فَحُذِفَتْ الياءِ
التي هي لام، وضُمَّ ما قبل الواوِ لتصِحَّ.
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿إنما التوبةُ على الله﴾: قد تقدَّم الكلام على
(إنما)) في أول البقرة(٦). وما قيل فيها. و((التوبة)) مبتدأ، وفي خبرها وجهان،
أظهرهما: أنه ((على الله)) أي: إنما التوبة مستقرة على فضل الله، ويكون
(للذين)) متعلقاً(٧) بما تعلَّق به الخبر. وأجاز أبو البقاء(٨) عند ذِكْرِه هذا الوجهَ
(١) انظر: إعرابه للآية ٧ من الفاتحة.
(٢) وهو الضمير في ((فاذوهما)).
(٣) الآية ٩ من الحجرات.
(٤) الآية ١٩ من الحج.
(٥) البحر ١٩٧/٣.
(٦) انظر: الآية ١١ .
(٧) الأصل: ((متعلق)) وهو سهو.
(٨) الإملاء ١/ ١٧١.
٦٢٢

- النساء-
أن يكونَ ((للذين)) متعلقاً بمحذوف على أنه حال قال: ((فعلى هذا يكون
(للذين يعملون السوء)) حالاً من الضمير في الظرف وهو ((على الله))، والعاملُ
فيها الظرفُ أو الاستقرار أي: كائنةً للذين، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في
الحالِ التوبة لأنه قد فُصِل بينهما بالخبر))(١)، وهذا الذي قاله فيه تكلُّفٌ
لا حاجةً إليه.
الثاني: أن يكونَ الخبرُ ((للذين)) و((على الله)) متعلَّقٌ بمحذوف على أنه
حال من شيء محذوف، والتقدير: ((إنما التوبةُ إذا كانت - أو إذ كانت - على
اللّه للذين يعملون))، فـ((إذا)) و((إذ)) معمولان لـ((الذين))؛ لأنَّ الظرفَ يتقدم على
عامله المعنوي. و((كان)) هذه هي التامَّةٌ وفاعلُها هو صاحب الحال. ولا يجوز
أن تكون ((على الله)) حالاً من الضمير المستتر في ((للذين)»، والعامل فيها
((للذين)) لأنه عامل معنوي، والحال لا تتقدم على عامِلها المعنوي. هذا ما قاله
أبو البقاء (٢)، ونَظَّر هذه المسألةَ بقولهم: ((هذا بُسْراً أطيبُ منه رُطَبًا)) يعني أنَّ
التقديرَ هنا: إذ كان بُسْراً أطيبُ منه إذْ كان رُطَباً، ففي هذه المسألة أقوال(٣)
كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب. وقدَّر الشيخ(٤) مضافين حُذِفا من
المبتدأ والخبر فقال: ((التقديرُ: إنما قبولُ التوبةِ مترتبٌ على فضلِ الله،
فـ ((على)) باقيةٌ على بابها)) يعني من الاستعلاء.
قوله ((بجهالةٍ)) فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ
من فاعل ((يعملون))، ومعناها المصاحبة أي: يعملون السوءَ ملتبسين بجهالةٍ
أي: مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعولِ أي: ملتبساً بجهالة،
وفيه بُعْدٌ وتَجُّزُ.
(١) أبو البقاء: ((بالجار)) والمعنى واحد.
(٢) الإملاء ١٧١/١.
(٣) انظر: المقتضب ٢٥١/٣، ٢٠٧/٤؛ ابن عقيل ٥٤٨/١.
(٤) البحر ١٩٧/٣.
٦٢٣

- النساءيت
والثاني: أن يتعلق بـ ((يعملون)) على أنها باء السببية. قال الشيخ(١):
((أي: الحاملُ لهم على عملِ السوءِ هو الجهالة، إذ لو كانوا عالمين بما يترتّب
على المعصية متذكرين له حالَ عملها لم يَقْدُموا عليها كقوله: ((لا يَزْني الزاني
حين يزني وهو مؤمن)) (٢) لأن العقل حينئذ يكون مغلوباً أو مسلوباً.
قوله: ((من قريب)) فيه وجهان، أحدهما: أن تكون ((من)) لابتداءِ الغاية
أي: تبتدىء التوبة من زمانٍ قريب من زمان المعصية لئلا يقعَ في الإصرار،
وهذا إنما يتأتّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون
((مِنْ)) لابتداء الغاية في الزمان، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهومُ الآية أنه
لو تاب من زمانٍ بعيد لم يدخُلْ في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبولِ التوبة على الله
المذكورة في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن قال فيهم ((فأولئك عسى الله أن
يتوب عليهم))(٣).
والثاني : أنها للتعبيض أي: بعضَ زمانٍ قريب، يعني: أي جزء من
أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فيه فهو تائب من قريب. وعلى الوجهين فـ ((مِنْ))
متعلقة بـ ((يتوبون))، و((قريب)) صفة لزمان محذوف كما تقدَّم تقريره، إلا أنَّ
خَذْفَ هذا الموصوف وإقامةَ هذه الصفةِ مُقامه ليس بقياسٍ ، إذ لا ينقاس
الحَذْفُ إلا في صور (٤)، منها أن تكونَ الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد
كالأبطح(٥) والأبرق، أو كانت خاصةً بجنس الموصوف نحو مررت بكاتب،
(١) البحر ١٩٨/٣.
(٢) رواه ابن ماجه في الفتن باب ٣ (١٢٩٩/٢).
(٣) ليس ثمة آية بهذا اللفظ فآية النساء ٩٩: ((فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم))، وآية التوبة
١٠٢: ((خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم)).
(٤) انظر: الكتاب ١١٦/١.
(٥) الأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. والأبرق: غلظ فيه حجارة ورمل وطين
مختلطة .
٦٢٤

- النساء -
أو تقدَّم ذِكْرُ موصوفها نحو: ((اسقِني ماءً ولو بارداً، وما نحن فيه ليس شيئاً من
ذلك.
وفي قوله: ((ثم يتوبون)) إعلامُ بسَعَةٍ عفوه، حيث أتى بحرف التراخي.
والفاء في قوله ((فأولئك)) مؤذنةً بتسبُّبِ قَبول اللّه توبتهم إذا تابوا من قريب.
وضَمَّن ((يتوب)) معنى يَعْطِفُ فلذلك عَذَّى بـ ((على))(١).، وأمَّا قولُه: ((إنما
التوبة على الله)) فراعَى المضافَ المحذوف إذ التقدير: إنما قبولُ التوبةِ على
الله، كذا قال الشيخ(٢) وفيه نظر.
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿حتى إذا﴾: حتى حرفُ ابتداء، والجملةُ
الشرطية بعدها غايةٌ لِما قبلها أي: ليست التوبةُ لقومٍ يعملون السيئات، وغاية
عَمِلهم إذا حضرهم الموتُ قالوا: كيت وكيت، وهذا وجه حسن، ولا يجوز في
((حتى)) أن تكونَ جارةً لـ((إذا)) أي: يعملون السيئات إلى وقت حضورِ الموت من
حيث إنها شرطيةٌ، والشرطُ لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا ((حتى)) جارةً
تعلَّقت بـ ((يعملون))، وأدواتُ الشرط لا يعمل فيها ما قبلها(٣)، ألا ترى أنه
يجوزُ: ((بمَنْ تمرر أمرر)»، ولا يجوز: مَرَرْتُ بمن يَقُمْ أكرمْه، لأنَّ له صدرَ
الكلام، ولأن ((إذا)) لا تتصرف على المشهور كما تقدم تقريره في أول البقرة.
واستدلَّ ابن مالك(٤) على تصرُّفها بوجوه، منها: جَرُّها بـ ((حتى)) نحو: ((حتى
(١) وتاب تتعدى بـ ((على)) أيضاً من غير تضمين.
(٢) قاله الشيخ ضمن سياقه، وذلك في حديثه عن اختلاف متعلقي التوبة فالأول: ((على
الله)) والثاني((عليهم))، فقد راعى المضاف المحذوف في الأول، والتقدير: قبول التوبة على
اللّه، وكأنه قال في الثاني: هو يعطف عليهم. انظر: البحر ١٩٩/١.
(٣) أي: إن ((حتى)) جَرَّت على هذا الإِعراب الظرف الشرطي ((إذا)) فتعلق الجار والمجرور
بـ (يعملون)) الذي هو سابق للمجرور، وبذلك عمل الشرط فيما قبله بالتعلُّق وهذا
ممنوع .
(٤) مذهبه في شرح الكافية الشافية ٦٨٠/٢ عدم تصرف إذا، وأضاف ((بأن الخروج عن
الظرفية إن لم يكن إلا بدخول حرف الجر فإنه لا يعتد به».
٦٢٥

- النساء بـ
إذا جاؤوها))(١) ((حتى إذا كنتم))(٢)، وفيه من الإشكال ما ذكرته لك، وقد تقدم
تقرير ذلك عند قوله: ((حتى إذا بلغوا))(٣).
قوله: ((ولا الذين يموتون)) ((الذين)) مجرورُ المحل عطفاً على قوله
((للذين يعملون)) أي: ليست التوبةُ لهؤلاء ولا لهؤلاء، فَسَوَّى بين مَنْ مَات
كافراً وبين مَنْ لم يتب إلا عند معاينةِ الموتِ في عدم قبول توبته، والمرادُ
بالعاملين السيئاتِ المنافقون.
وأجاز أبو البقاء(٤) في ((الذين)) أن يكونَ مرفوعَ المحل على الابتداء،
وخبرُه ((أولئك)) وما بعدَه، معتقداً أن اللام لام الابتداء، وليست بـ ((لا)) النافية.
وهذا الذي قاله من كونِ اللامِ لاَمَ الابتداء لا يَصِحُّ إلا أن يكون قد رُسِمَتْ
في المصحف لامٌ داخلة على ((الذين)) فيصير ((وللذين))، وليس المرسوم
كذلك، إنما هولام وألف، وألف لام التعريف الداخلة على الموصول،
وصورته: ولا الذین.
قوله: ((أولئك)) مبتدأ، و((أَعْتَدْنا)) خبرُه، و((أولئك)) يجوز أن يكونَ إشارةً
[٢٠٣/أ] إلى ((الذين يموتون وهم كفار /، لأنَّ اسم الإِشارة يَجْري مَجْرى الضميرِ
فيعودُ لأقربِ مذكور، ويجوزُ أَنْ يُشارَ به إلى الصِّفتين: الذين يعملون السيئات
والذين يَمُوتون وهم كفار. وأعتدنا أي: أَحْضَرْنا.
آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾: في محلٌّ رفعٍ على الفاعلية
بـ «يَحِلُّ)) أي: لا يَحِلُّ لكم إرتُ النساءِ. وقرىء(٥) ((لا تَحِلُّ)) بالتاء من فوق
(١) الآية ٧١ من الزمر.
(٢) الآية ٢٢ من يونس.
(٣) الآية ٦ من النساء.
(٤): الإِملاء ١/ ١٧٢.
(٥) نسبها في الشواذ ٢٥ إلى نعيم بن ميسرة؛ والبحر ٢٠٢/٣.
٦٢٦

- النساء -
على تأويل أن ترثوا: بالوراثة، وهي مؤنثةٌ، وهذا كقراءة: ((ثم لم تكن فتنتهم
إلا أن قالوا))(١) بتأنيث (تكن)) ونصبٍ ((فتنتهم)) بتأويل ((ثم لم تكن فتنتهم إلا
مقالتُهم))، إلا أن في آية الأنعامِ مسوغاً وهو الإِخبار عنه بمؤنث كما سيأتي.
و ((النساء)) مفعول به: إمَّا على حَذْف مضاف أي: أن ترثوا أموال النساء
إنْ كان الخطاب للأزواج؛ لأنه رُوي أن الرجل منهم إذا لم يكن له غرض في
المرأة أمسكها حتى تموتَ فيرثَها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالِها إنْ لم تمت. وإما (٢)
من غير حذفٍ، على معنى أن يَكُنَّ بمعنى الشيء الموروث إنْ كان الخطابُ
للأولياء أو لأقرباء الميت، فقد نُقل أنه إذا مات أحدُهم وتَرَكَ امرأة وابناً من
غيرها كان أحقّ بها مِنْ نفسها(٣). وقيل: كان الوليُّ إنْ سبق وأَلْقى عليها ثوبَه
كان أحق بها، وإنْ سَبَقَتْ إلى أهلها كانت أحقَّ بنفسِها، فنُهوا أن يجعلوهُنَّ
كالأشياء المواريث، وعلى ما ذكرْتُ فلا يُحتاج إلى حَذْفِ أحدِ المفعولين: إمَّا
الأول أو الثاني على جَعْلِ ((أن ترثوا)) متعدياً لاثنين كما فعل أبو البقاء (٤) قال:
((والنساءَ فيه وجهان، أحدُهما: هُنَّ المفعول الأول، والنساء على هذا هن
الموروثاتُ، وكانت الجاهليةُ تَرِثُ نساء آبائهم وتقول: نحن أحقُّ بنكاحِهِنَّ.
والثاني: أنه المفعول الثاني والتقدير: أن ترثوا من النساء المالَ)) انتهى. قوله:
(هُنَّ المفعول الأول)» يعني والثاني محذوف تقديره: أَنْ تَرِثوا من آبائكم النساء.
و (كُرْهً)) مصدر في موضع نصب على الحال من النساء أي: أن
ترثوهن كارهات أو مكرهات. وقرأ(٥) الأخوان ((كرهاً)) هنا وفي براءة(٦)
(١) الآية ٢٣ من الأنعام، وهي قراءة نافع وأبي عمرو وأبي بكر. انظر: السبعة ٢٥٥.
(٢) قوله ((وإما)) معطوف على ((إما)) قبله بسطور.
(٣) أي بأن يتزوجها هذا الابن، فقد كان أولياء الميت يَعُدون أنفسهم أنهم أحق بالمرأة
المتوفى زوجها من أهلها. وانظر: البحر ٢٠٢/٣.
(٤) الإملاء ١٧٢/١.
(٥) السبعة ٢٢٩؛ الكشف ٣٨٢/١؛ والأخوان حمزة والكسائي.
(٦) الآية ٥٣ .
٦٢٧

- النساء
والأحقاف(١) بضم الكاف، وافقهما عاصم وابن عامر من رواية ابن ذكوان عنه.
على ما في الأحقاف، والباقون بالفتح. وقد تقدَّم الكلام في الكُره والكَرِه:
هل هما بمعنى واحد أم لا؟ في البقرة(٢) فأغنى عن إعادته. ولا مفهومَ لقوله
((كرهاً) يعني فيجوز أن يرثوهن إذا لم يَكْرَهْنِ ذلك لخروجهِ مَخْرِج الغالبِ(٣).
قوله: ((ولا تَعْضُلُوهُنَّ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مجزوم بـ((لا))
الناهية، عَطَفَ جِملةَ نهي على جملةٍ خبرية، فإنْ لم تُشْترط المناسبةُ بِين
الجمل - كما هو مذهبُ سيبويه ـــ فواضحٌ، وإنْ اشترطنا ذلك - كما هو رأيٌ
بعضِهم - فلأنَّ الجملةَ قبلَها في معنى النهي، إذ التقديرُ: لا ترثوا النساء
كرهاً فإنه غيرُ حلالٍ لكم. وجعله أبو البقاء (٤) على هذا الوجهِ مستأنفاً، يعني
أنه ليس بمعطوفٍ على الفعل قبله.
والثاني : - أجازَه ابن عطية(٥) وأبو البقاء (٦) - أن يكون منصوباً عطفاً
على الفعل قبله. قال أبن عطية: ((ويُحتمل أن يكونَ (تَعْضُلوهن)) نصباً عطفاً
على ((تَرِثوا))، فتكون الواوُ مُشَرِّكَةً عاطفة فِعْلًا على فعل)).
وقرأ ابن (٧) مسعود: ((ولا أَنْ تَعْضُلوهن)) فهذه القراءة تُقَوِّي احتمال
النصب(٨) وأنَّ العَضْلِ مِمَّا لا يَحِلُّ بالنص. ورَدَّ الشيخ(٩) هذا الوجه بأنك إذا
(١) الآية ١٥.
(٢) الآية ٢١٦.
(٣) أي إن المراد نفي الوراثة في حال الطوع والكراهة، لا جوازها في حالة الطوع استدلالاً
بالآية، فخرج هذا الكره مخرج الغالب؛ لأن غالب أحوالهن أن يكنُّ مجبورات على ذلك.
. انظر: البحر ٢٠٢/٣
(٤) الإملاء ١٧٢/١.
(٥) المحرر ٤ / ٦١.
(٦) الإملاء ١٧٢/١.
(٧) البحر ٢٠٤/٣؛ القرطبي ٢٠٤/٣.
(٨) أي: على العطف على ما قبله وليس على النهي.
(٩) البحر ٢٠٤/٣.
٦٢٨

- النساء -
عطفت فعلًا منفياً بـ ((لا)) على مثبت وكانا منصوبين فإنَّ الناصب لا يُقَدَّر إلا
بعد حرف العطف لا بعد ((لا))، فإذا قلت: ((أريدُ أن أتوبَ ولا أدخلَ النار)) فإنَّ
التقدير: أريد أن أتوبَ وأَنْ لا أدخلَ النار، لأنَّ الفعلَ يطلبُ الأولَ على سبيل
الثبوت والثاني على سبيل النفي، فالمعنى: أُريد التوبةً وانتفاء دخولي النارَ،
فلو كان الفعلُ المتسلطُ على المتعاطِفَيْنِ منفياً فكذلك، ولو قَدَّرْتَ هذا التقديرَ
في الآية لم يَصِحَّ لو قلت: ((لا يَجِلُّ أن لا تَعْضُلوهُنَّ)) لم يَصِحَّ إلا أن تجعل
((لا)) زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أَنْ تقدَّر ((أَنْ)) بعد ((لا)) النافية
فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرْتَ ((أن)) بعد ((لا)) كان من عطف المصدر المقدر على
المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابن (١)
عطية العطفان، وَظنَّ أنه بصلاحية تقدير ((أَنْ)) بعد ((لا)) يكونُ من عطفِ الفعل
على الفعلِ ، وفَرْقٌ بين قولك: (([لا] أريد(٢) أن تقومَ وأن لا تخرج)» وقولك:
((لا أريدُ أن تقومَ ولا أن تخرج)» ففي الأول نَفَى إرادةً وجودِ قيامِه، وأراد انتقاءً
خروجِه فقد أرادَ خروجَه، وفي الثانية نَّفَى إرادةَ وجودٍ قيامِه ووجودِ خروجِه،
فلا يريدُ لا القيامَ ولا الخروج. وهذا في فهمه بعضُ غموضٍ على منْ
لم يتمرَّنْ في علم العربية)) انتهى ما رَدَّ به.
وفيه نظرً: من حيث إنَّ المثال الذي ذكره في قوله: ((أريد أن أتوب
ولا أدخل النار)) فإنَّ تقديرَ الناصب فيه قبل ((لا)) واجب من حيث إنه لو قُدِّر
بعدها لفسد التركيب، وأمَّا في الآية فتقدير ((أن)) بعد ((لا)) صحيحٌ، فإنَّ التقدير
يصير: لا يَحِلُّ لكم إرث النساء كَرْهاً ولا عَضْلُهن. [ويؤيد ما قلته وما ذهب
إليه ابن عطية قولُ الزمخشري(٣) فإنه قال: فإن قلت: ](٤) تعضُلوهن ما وجهُ
(١) المحرر ٤ /٦١.
(٢) سقطت ((لا)) سهواً من الأصل وأثبتناها من البحر.
(٣) الكشاف ٥١٥/١.
(٤) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
٦٢٩

- النساء-
إعرابه؟ قلت: النصبُ عطفاً على ((أن ترثوا)) و((لا)) لتأكيدِ النفي أي: لا يَحِلّ
لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضُلوهن))، فقد صَرَّح الزمخشري بهذا المعنى
وصَّرَّح بزيادة ((لا)) التي جَعَلَها الشيخ خلاف الظاهر.
وفي الكلام حذفٌ تقديرُه: ((ولا تَعْضُلوهن من النكاح)» إنْ كان الخطابُ
للأولياء، أو: ((ولا تعضُلوهن من الطلاق)» إنْ كان الخطاب للأزواج. وتقدَّم.
معنى العَضْلَ في البقرةِ(١).
قوله: (لِتَذْهَبوا)) اللام متعلقةٌ بـ ((تَعْضُلوهن))، والباء في (ببعض)) فيها
وجهان، أحدُها: أنها باءُ التعديةِ المرادفةُ لهمزتها أي: لِتَذْهَبُوا [بعضَ]
ما آتيتموهن (٢). والثاني: أنها للمصاحبةِ، فيكون الجارُّ في محلّ نصبٍ على
الحال، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض، و((ما)»: موصولةٌ
بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائدُ محذوفٌ، وفي تقديرُه
إشكالٌ تقدَّمَ الكلامُ عليه في البقرة عند قوله: ((ومِمَّا رزقناهم ينفقون))(٣)
فليلتفت إليه .
قوله: ((إلا أَنْ يَأْتِين)) في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ،
فيكونُ ((أن يأتينَ)) في محلِّ نصب. والثاني: أنه متصلٌ، وفيه حينئذ ثلاثة
أوجه، أحدُها: أنه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره: ((ولا تعضُلوهنَّ في
وقتٍ من الأوقات إلا وقتَ إتيانهنَّ بفاحشة. الثاني: أنه مستثنى من الأحوال
العامة تقديره: لَا تَعْضُلوهن في حال من الأحوال إلا في حالٍ إتيانهن
بفاحشة. الثالث: أنه مستثنى من العلة العامة تقديره: لا تعضُلوهن لعلةٍ مِن
[٢٠٣/ب] العلل إلا لإِتيانهن بفاحشة. / وقال أبو البقاء (٤) بعد أن حكى فيه وجه
(١) الآية ٣.
(٢) أي إن الفعل لا يتعدى أصلاً، وحين دخلت ((صار)) يتعدى ومعناها معنى همزة التعدية.
(٣) الآية ٣.
(٤) الإِملاء ١٧٢/١.
٦٣٠

- النساء -
الانقطاعِ : ((والثاني: هو في موضع الحال تقديرُه: إلاّ في حالٍ إتيانِهِنَّ
بفاحشةٍ، وقيل: هو استثناء متصل، تقديرُه: ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في
حالٍ إتيان الفاحشة)) انتهى. وهذا الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ
القائلَ بكونِه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعلُ هذه الحالَ
مستثناةً منه.
وقرأ(١) ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم: ((مُبَيِّنَة)) بفتح الياء اسمَ مفعول في
جميع القرآن، أي: بَيَّنَها مَنْ يَدَّعيها وأوضحها. والباقون بكسرها اسمَ فاعل
وفيه وجهان، أحدهما: أنه من ((بَّن)» المتعدي، فعلى هذا يكون المفعول
محذوفاً تقديره مبيِّنَةً حالَ مرتكبها. والثاني: أنه من بَيِّن اللازم، فإنَّ((بَيِّن)) يكون
متعدياً ولازماً يقال: بانَ الشيء وأبان واستبان وبيّن وتبيَّن بمعنى واحد أي:
ظَهَر. وقرأ بعضهم(٢): مُبِينَة بكسرِ الباءِ وسكونِ الياء اسم فاعل من ((أبان))،
وفيها الوجهان المتقدمان في المشددة المكسورة، لأنَّ ((أبان)) أيضاً يكون
متعدياً ولازماً، وأمَّا ((مُبَيِّنات))(٣) فقرأهن الأخَوان وابن عامر وحفص عن عاصم
بكسر الياء اسمَ فاعل، والباقون بفتحها اسم مفعول، وقد تقدَّم وجهُ ذلك.
قوله: ((بالمعروف)» في الباء وجهان، أظهرُهما: أنها باءُ الحالِ: إِمَّا من
الفاعل أي: مصاحبين لهنَّ بالمعروف، أو من المفعول أي: مصحوباتٍ
بالمعروف. والثاني: أنها باءُ التعدية. قال أبو البقاء(٤): ((بالمعروفِ)) مفعول
أو حال».
قوله: ((فعسى)) الفاء جواب الشرط، وإنما اقترنت بها ((عَسَى)) لكونها
(١) السبعة ٢٢٩؛ الكشف ٣٨٣/١.
(٢) وهي قراءة ابن عباس كما في القرطبي ٩٦/٥.
(٣) الآية ٣٤ من النور. وانظر: السبعة ٢٢٩.
(٤) الإملاء ١٧٢/١.
٦٣١

- النساء -
جامدةً. قال الزمخشري (١): ((فإنْ قلت: مِنْ أَيِّ وجهٍ صَحَّ أن يكون ((فعسى))
جزاءً للشرط؟ قلت: من حيث إنَّ المعنى: فإنْ كرهتموهن فاصبروا عليهن مع
الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهون خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه)).
وقرىءٍ (٢) ((ويَجْعَلُ» برفع اللام. قال الزمخشري(٣): ((على أنه حال»،
يعني ويكونُ خبراً لمبتدأ محذوف؛لئلا يلزمَ دخول الواو على مضارع مثبت.
و ((عسى)) هنا تامةٌ لأنها رَفَعَتْ ((أنْ)) وما بعدها، والتقدير: فقد قُرُبَتْ
كراهتكم، فاستغنت عن تقدير خبر، والضمير في ((فيه)) يعود على ((شيء))
أي: في ذلك الشيء المكروهِ. وقيل: يعودُ على الكره المدلول عليه بالفعل.
وقيل : يعود على الصبر وإن لم يَجْرِ له ذکر.
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿مكانَ زوجٍ﴾: ظرفٌ منصوبٌ بالاستبدال،
والمرادُ بالزوج هنا الجمعُ أي: وإنْ أردتم استبدالَ أزواجٍ مكانَ أزواج، وجاز
ذلك لدلالةِ جمعِ المستبدِلين، إذ لا يُتَوَهَّم اشتراك المخاطبين في زوجٍ واحد
مكانَ زوجٍ واحد، ولإِرادة معنى الجمع عادَ الضميرُ من قوله: ((إحداهُنَّ))
على ((زوج)) جمعاً. والتي نَهَى عن الأخذ منها هي المستبدلُ مكانَها، لأنها
آخذةٌ منه بدليل قوله: ((وكيف تأخذونه وقد أَفْضى بعضكم إلى بعض)) وهذا
إنما هو في القديمةِ لا المُسْتحدثةِ.
وقال: ((إحداهُنَّ)) ليدلَّ على أن قوله: ((وآتيتم)) المراد منه: وآتى كِلِّ
واحد منكم إحداهن، أي: إحدى الأزواج، ولم يقل: ((آتيتموهن قنطارً)) لئلا
يُتَهَّم أن الجميع المخاطبين آتَوا الأزواج قنطاراً، والمراد: آتى كلُّ واحد
زوجَه قنطاراً، فدل لفظ ((إحداهن)) على أن الضمير في ((آتيتم)) المرادُ منه كلَّ
(١) الكشاف ٥١٥/١.
(٢) قراءة عيسى بن عمر كما في الشواذ ٢٥.
(٣) الكشاف ٥١٥/١.
٦٣٢

- النساء-
واحدٍ واحدٍ، كما دَلَّ لفظ ((وإنْ أردتم استبدالَ زوجٍ مكان زوج)» على أنَّ المرادَ
استبدالُ أزواجٍ مكانَ أزواج، فأُريد بالمفرد هنا الجمعُ لدلالةِ «وإنْ أردتم)».
وأُريد بقوله ((وآتيتم)) كلُّ واحد واحد، لدلالة ((إحداهن)) وهي مفردة على
ذلك. ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجزَ ولا أفصحَ من هذا التركيب.
وتقدَّم معنى القنطار واشتقاقه في آل عمران(١). والضمير في (منه؛ عائد على
«قنطاراً).
وقرأ(٢) ابن محيصن: ((آتيتم أحداهن)) بوصل ألف ((إحدى)) كما قرىء:
(إنها لاحدى الكُبر)(٣) حَذَفَ الهمزة تخفيفاً كقوله (٤):
١٥٦٠ - إنْ لم أقائِلْ فالبسوني بُرْقُعاً
وبهذا الذي ذكرته يتضح معنى الآية.
وقد طَوَّل أبو البقاء(٥) فيها ولم يأت بطائل، ولا بد من التعرُّض لما قاله
والتنبيه عليه. قال: ((وفي قوله ((وآتيتم إحداهن قنطارً) إشكالان، أحدهما:
أنه جَمَع الضميرَ والمتقدمُ زوجان. والثاني: أن التي يريد أن يُسْتبدل بها هي
التي تكون قد أعطاها مالاً فينهاه عن أخذِه، فأما التي يريد أن يستحدثها
فلم يكن أعطاها شيئاً حتى ينهى عن أَخْذِه، ويتأيَّد ذلك بقوله: ((وكيف
تأخذونه وقد أَقْضى بعضكم إلى بعض)». والجوابُ عن الأول: أنَّ المراد
بالزوجِ الجمعُ، لأنَّ الخطاب لجماعة الرجال، وكلّ منهم قد يريد
(١) الآية ٧٥ من آل عمران.
(٢) القرطبي ١٠١/٥؛ والبحر ٢٠٦/٣.
(٣) الآية ٣٥ من المدثر، وهي رواية عن ابن كثير كما في الشواذ ص ١٦٥.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في المحتسب ١٢٠/١؛ والخصائص ١٥١/٣؛ والقرطبي
١١٠١/٥ والبحر ٢٠٦/٣.
(٥) الإملاء ١٧٢/١.
٦٣٣

- النساء-
الاستبدالَ، ويجوز أن يُكونَ جُمِع لأن التي يريد أن يستحدِثَها يُفْضي حالُها
إلى أن تكون زوجاً، وأن يريد أن يستبدلَ بها كما استبدل بالأولى فجُمِع على
هذا المعنى. وأمَّا الإِشكال الثاني ففيه جوابان أحدهما: أَنه وَضَعَ الظاهِر
مَوْضِعَ المضمر، والأصل: وآتيتموهن. والثاني: أنَّ المستبدلَ بها مبهمةٌ فقال
(إحداهن)) إذا لم تتعيِّن حتى يُرْجِع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً مِنْ هذا في
قوله: ((فتذكِّرَ إحداهما الأخرى))(١) انتهى .
وفي قوله: ((وَضَعَ الظاهرَ موضعَ المضمر)» نظرٌ، لأنَّه لو كانَ الأصل
كذلك لأوهم أنَّ الجميعَ آتوا الأزواج قنطاراً كما تقدَّم، وليس كذلك.
قوله: ((أتأخذونه بُهْتانا)) الاستفهام للإِنكار أي: أتفعلونه مع قُبْحِه. وفي
نصب ((بهتاناً وإثماً)) وجهان، أحدهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجله
أي: لِبهتانكم وإثْمِكم. قال الزمخشري (٢): ((وإنْ لم يكن غَرَضاً كقولك:
قعدَ عنِ القتالِ جُبْناً). والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال، وفي
صاحبها وجهان، أظهرهما: أنه الفاعل في ((أتأخذونه)) [أي] باهتين وآثمين.
والثاني: أنه المفعول أي: أتأخذونه مُبْهِتَاً مُحَيِّراً لشَنْعَتِه وقُبح الأحدوثة عنه.
وبُهْتَان: فُعْلان من البَهْت، وقد تقدَّم معناه في البقرة(٣)، وتقدم أيضاً
الكلام في ((كيف)) ومجلُّها من الإعراب في البقرة أيضاً في قوله: ((كيف
تكفرون»(٤).
آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿وقد أَفْضى﴾: الواو للحال، والجملة بعدها.
في محل نصب، وأتى بـ ((قد)) لِيَقْرُبَ الماضي من الحال، وكذلك ((أَخَذْنَ)).
(١) الآية ٢٨٢ من البقرة.
(٢) : الكشاف ٥١٤.
(٣): انظر الآية ٢٥٨.
(٤) الآية ٢٨ .
٦٣٤

- النساء -
و ((قد)) مقدرةٌ معه لتقدُّمِ ذِكْرِها. و((منكم)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلقٌ
بـ ((أَخَذْنَ)). وأجاز فيه أبو البقاء (١) أن يكونَ حالاً من ((ميثاقاً)) قُدِّم عليه، كأنه
لَّمَّا رأى أنه يجوز أن يكونَ صفةً لو تأخّر لجاز ذلك وهو ضعيف. و((أفضى))
معناه ذهب إلى فضائِه أي: ناحيةِ سَعَتِه، يقال: فَضَا يفضو، فألف ((أَفْضى))
عن یاءٍ أصلُها واو.
آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿ما نَكَح آباؤكم﴾: في ((ما)) هذه قولان
أحدهما: أنها موصولة اسمية واقعة على أنواعٍ مَنْ يَعْقِل، كما تقدم ذلك في
قوله ((ما طاب لكم))(٢)، وهذا عند مَنْ لا يجيز وقوعَها على آحاد العقلاء. فأمَّا
مَنْ يُجيز ذلك فيقول: إنها واقعة موقعَ ((مَنْ))، فـ ((ما )) مفعول به بقوله
(ولا تَنْكحوا))، والتقدير: ولا تتزوجوا مَنْ تزوج آباؤكم. والثاني: أنها مصدرية
أي: ولا تَنْكحوا مثلَ نكاح آبائكم الذي كان في الجاهلية وهو النكاح الفاسد
كنكاح الشِّغار (٣) وغيرِه، واختار هذا القولَ جماعة منهم ابن جرير الطبري ((٤)
قال: ((ولو كان معناه: ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون
موضعُ ((ما)) ((من)). انتهى. وتبيَّن كونُه حراماً أو فاسداً [من] قوله: «إنه كان
فاحشة ومَقْتًا)). قوله ((من النساء)): تقدَّم نظيرُهُ أولَ السورة(٥).
قوله: ((إلَّ ما قَدْ سَلَفَ)) في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ،
إذ الماضي لا يُجامع الاستقبال، / والمعنى: أنه لَّمَّا حَرَّم عليهم نكاحَ ما نكح [٢٠٤/أ]
آباؤهم تطرّق الوهمُ إلى ما مضى في الجاهلية ما حكمُه؟ فقيل: إلا ما قد
سَلَفَ أي: لكن ما سلف فلا إثمَ فيه. وقال ابن زيد في معنى ذلك أيضاً: ((إن
(١) الإملاء ١٧٣/١.
(٢) الآية ٣ من النساء.
(٣) الشغار: أن تزوِّجَ الرجلَ امرأةً على أن يزوجك أخرى بغير مهر.
(٤) تفسير الطبري ١٣٨/٨.
(٥) الآية ٣.
٦٣٥

-
_ النساء
المرَادَ بالنكاح العقدُ الصحيح)) وحَمّل ((إلا ما قد سلف)» على ما كان يتعاطاه
بعضُهم من الزنا فقال ((إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا
بالنساء فذلك جائزٌ لكم زواجُهم في الإِسلام، وكأنه قيل: ولا تَعْقِدوا على مَنْ
عَقَد عليه آباؤكم إلا ما قد سلف مِنْ زِناهم، فإنه يجوزُ لكم أن تتزوَّجُوهم
فهو استثناءً منقطع أيضاً.
والثاني: أنه استثناءٌ متصل وفيه معنيان، أحدهما: أن يُحْملِ النِّكاحُ
على الوطء، والمعنى: أنه نهى أن يَطَأ الرجلُ امرأةً وَطِئها أبوه إلا ما قد سلف
من الأب في الجاهلية من الزنا بالمرأة فإنه يجوز للابن تزويجها. نُقِل هذا
المعنى عن ابن زيد أيضاً، إلا أنه لا بد من التخصيص في شيئين: أحدُهما
قولُه: ((ولا تَنْكحوا)) أي ولا تَطَؤوا وَطْئاً مباحاً بالتزويج. والثاني: التخصيص
في قوله: ((إلا ما قد سلف)) بوطء الزنا، وإلا فالوطء فيما قد سلف قد يكون
وَطْئاً غيرَ زنا، وقد يكون زنا، فيصير التقدير: ولا تَطَؤوا ما وطِىء آباؤكم وطَئاً
مباحاً بالتزويج إلا مَنْ كان وَطْؤُها فيما مضى وطة زنا. ويجوز على هذا
المعنى الذي ذهب إليه ابن زيد أن يُراد بالنكاحِ الأولِ العقدُ، وبالثاني
الوطءُ، أي: ولا تتزوجوا مَنْ وَطِئها آباؤكم إلا من كان وطؤها وطءَ زنا.
والمعنى الثاني: ((ولا تَنْكِحوا مثلَ نكاحِ آبائكم في الجاهلية إلا ما تقدّم
منكم مِنْ تلك العقودِ الفاسدةِ فمباحٌ لكم الإقامةُ عليها في الإِسلام إذا كان
مما يقرِّرُ الإِسلامُ عليه)) وهذا على رأي مَنْ يَجْعَلُ ((ما)) مصدريةً وقد تقدَّم:
وقال الزمخشري(١): ((فإنْ قلت: كيف استثنى ((ما قد سلف)) من
((ما نكح آباؤكم))؟ قلت: كما استثنى ((غيرَ أنَّ سيوفهم)) من قوله: ((ولا عيب
فيهم)) يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يَحِلَّ لكم غيرُه،
(١) الكشاف ٥١٥/١.
٦٣٦

- النساء -
وذلك غير ممكن، والغَرضُ المبالغةُ في تحريمه وسَدُّ الطريق إلى إباحته، كما
تعلق بالمُحالِ في التأبيد في نحو قولهم: ((حتى يَبْيَضَّ القارُّ) و((حتى يَلِجَ
الجَمَلُ فِي سَمِّ الخياط)). انتهى. أشار - رحمه الله - إلى بيت النابغة في
قوله(١):
١٥٦١- ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم
بِهِنَّ قُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ
يعني إنْ وُجِد فيهم عَيْبٌ فهو هذا، وهذا لا يَعُدُّه أحدٌ عيباً فانتفى العيب
عنهم بدليله. ولكن هل الاستثناءُ على هذا المعنى الذي أبداه الزمخشري من
قبيلِ المنقطعِ أو المتصل؟ والحقُّ أنه متصلٌ لأنَّ المعنى: ولا تَنْكِحوا ما نكح
آباؤكم إلا اللائي مَضَيْنَ وفَنِين، وهذا مُحالٌ، وكونُه مُحالًا لا يُخْرِجُه عن
الاتصال. وأمَّا البيتُ ففيه نظرً، والظاهر أن الاستثناءَ فيه متصلُ أيضاً، لأنه
جَعَلَ العيبَ شامِلاً لقولِه ((غيرَ أنَّ سيوفَهم)) بالمعنى الذي أراده. وللبحثٍ فيه
مجالٌ.
وتَلَخَّص مِمَّا تقدَّم أنَّ المرادَ بالنكاحِ في هذه الآية العقدُ الصحيحُ
أو الفاسدُ أو الوطء، أو : يُرادُ بالأول العقدُ وبالثاني الوَطْءُ، وقد تقدَّم القولُ
في البقرةِ: هل هو حقيقةٌ فيهما أو في أحدِهما؟ واختلافُ الناسِ في ذلك.
وزعم بعضُهم أنَّ في الآيةِ تقديماً وتأخيراً والأصلُ: ولا تُنْكِحوا ما نكح
آباؤكم من النساء، إنه كان فاحشة ومَقْتاً وساء سبيلاً إلا ما قد سلف. وهذا فاسدٌ
من حيث الإِعراب ومن حيث المعنى: أمَّا الأولُ فلأنَّ ما في حَيِّز ((إنَّ))
لا يتقدَّم عليها، وأيضاً فالمستثنى لا يتقدَّمُ على الجملة التي هو من متعلَّقاتها
سواءً كان متصلاً أم منقطعاً، وإنْ كان في هذا خلافٌ ضعيفٌ. وأما الثاني فلأنه
(١) ديوانه ٦٠؛ والهمع ٢٣٢/١؛ والخزانة ٩/٢؛ والدرر ١٩٥/١. القراع: المقارعة
والمجالدة .
٦٣٧

_ النساء:
أَخْبرِ أنه فاحشةٌ ومَقْت في الزمان الماضي بقوله ((كان)) فلا يَصِحُ أن يُسْتَثنی مِنْهِ
الماضي، إذ يصير المعنى: هو فاحشةٌ في الزمانِ الماضي إلا ما وقع منه في
الزمانِ الماضي فليس بفاحشة.
والمَقْتُ: بُغْضُ مقرونٌ باستحقارٍ فهو أخصُّ منه. والضمير في قولهِ
(إنه)) عائدٌ على النكاح المفهوم من قوله: ((ولا تَنْكِحوا))، ويجوز أن يعودَ على
الزنى إذا أريد بقوله ((إلا ما قد سَلَفَ)) الزنى. و((كان)) هنا لا تدل على الماضي
فقط لأن معناها هنا معنى لم يَزَلْ(١)، وهذا المعنى هو الذي حَمّل المبردَ على
قوله ((إنها زائدة))(٢). ورُدُّ عليه بوجودِ الخبر والزائدةُ لا خبرَ لها، وكأنه يعني
بزيادتها ما ذكرته من كونها لا تَدُلُّ على الماضي فقط، فَعَبَّر عن ذلك بالزيادة ..
قوله: ((وساءَ سبيلاً) في ((ساء)» قولان، أحدهما: أنّها جارية مَجْرى
(بئس)) في الذم والعمل، ففيها ضميرٌ مبهمٌ يُفَسِّره ما بعده وهو (سبيلاً))
والمخصوصُ بالدم محذوف تقديره: ((وساء سبيلاً سبيلُ هذا النكاحِ)) كقوله:
(بِشْسَ الشراب)) أي: ذلك الماء. والثاني: أنها لا تَجْرِي مَجْرى ((بِئْسِ)» في
العمل بل هي كسائر الأفعالِ، فيكونُ فيها ضميرٌ يَعُود على ما عاد عليه
الضميرُ في ((إنه))، و((سبيلا)) على كلا التقديرين تمييزٌ.
وفي هذه الجملة وجهان أحدهما: أنه لا محل لها بل هي مستأنفة،
ويكون الوقفُ على قوله: ((ومقتاً) ثم يستأنف ((وساء سبيلاً)) أي: وساءً هذا
(١) قوله: ((لم يزل)) غير واضح في الأصل.
(٢) نسبة القول بزيادتها إلى المبرد قال به الزجاج في ((معاني القرآن))٣٢/٢، ونقل قول الزجاج
هذا صاحب الخزانة ٣٨/٤. والحقيقة أن هذا النقل فيه نظر لأنه يرفض في ((المقتضب))
١١٧/٤ زيادة ((كان)) في بيت اشتهرت فيه الزيادة وهو قوله:
١ . وجيرانٍ لنا كانوا كرام
ومضى يؤوله مع أنه يقول: عدَّ النحاة جميعاً أن ((كان)) في البيت ساقطة.
٦٣٨

- النساء-
السبيل مِنْ نكاح مَنْ نكحهن من الآباء. والثاني: أن يكونَ معطوفاً على خبر
(كان))، على أَنْ يُجْعَلَ محكّاً بقول مضمر، ذلك القولُ هو المعطوفُ على
الخبر، والتقدير: ومَقُولاً فيه: ساء سبيلاً، هكذا قَدَّره أبو البقاء (١). ولقائلٍ أن
يقولَ: يجوز أَنْ يكونَ عطفاً على خبر (كان)) مِنْ غيرِ إضمارٍ قول، لأنَّ هذه
الجملةَ في قوة المفرد، ألا ترى أنه يقعُ خبراً بنفسه تقول: ((زيدٌ ساءَ رجلاً)»
و ((كان زيد ساء رجلاً))، فغاية ما في الباب أنك أتيت بأخبار ((كان)» أحدُها
مفردَ والآخرُ جملة، اللهم إلا أَنْ يُقالَ: إن هذه جملةٌ إنشائيةٌ، والإنشائية لا تقع
خبراً لـ((كان))، فاحتاج إلى إضمار القول وفيه بحث.
آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿حُرِّمت عليكم أمهاتكم﴾: ((أمهات)) جمع
((أم)) فالهاءُ زائدةٌ في الجمع، فرقاً بين العقلاء وغيرهم. يقال في العقلاء:
((أمهات)) وفي غيرهم: (أُمَّات)) كقوله(٢):
١٥٦٢ - وأُمَّاتِ أَطْلاءٍ صغارٍ ...
هذا هو المشهور، وقد يقال: ((أُمَّات)) في العقلاء، و((أمهات)) في
غيرهم وقد جَمَع الشاعر بين الاستعمالين في العقلاء فقال(٣).
١٥٦٣ - إذا الأمّهاتُ قَبُحْنَ الوجوهَ
فَرَجْتَ الظلامَ بِأُمّاتِكا
وقد سُمع ((أُمَّهة)) في ((أُم)) بزيادةٍ هاء، بعدَها تاءُ تأنيث قال(٤).
١٥٦٤- أُمَّهتي خِنْدِفُ والياسُ أبي
(١) الإملاء ١٧٣/١.
(٢) لم أقف عليه .
(٣) البيت لمروان بن الحكم وهو في المقتضب ١٦٩/٣؛ وابن يعيش ٣/١٠؛ واللسان:
أمم؛ وشواهد الشافية ٣٠٨؛ والهمع ٢٣/١؛ والدرر ٦/١.
(٤) البيت لقصي بن كلاب، وبعده:
عندَ تنادِيهِمْ بهالٍ وهبِ
٦٣٩
=

- النساء -
فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ ((أمهات)) جمعَ ((أُمَّهة)) المزيدِ فيها الهاء،
[٢٠٤/ب] والهاءُ قد أتت زائدةً في مواضع / قالوا: هِبْلَع وهِجْرَع من البَلْعِ والجرْع.
قوله: ((وبناتكم)) عطفُ على ((أُمَّهاتكم)). وبنات جمع بنت، وبنت
تأنيث ابن، وتقدَّم الكلامُ عليه وعلى اشتقاقِه ووزنِه في البقرة في قوله:
(يا بني إسرائيل))(١)، إلا أن أبا البقاء(٢) حَكَى عن الفراء أنَّ ((بنات)) ليس
جمعاً لـ ((بنت)) يعني بكسرِ الباء بل جمع ((بَنة)) يعني بفتحِها، قال: وكُسِرَتْ.
الباء تنبيهاً على المحذوف)). قلت: هذا إنما يجيء على اعتقادِ أنَّ لامها ياء،
وقد تقدم لنا خلافٌ في ذلك وأن الصحيحَ أنها واو، وحَكَى عن غيره أن
أصلها: بَنَوَة، وعلى ذلك جاءَ جمعُها ومذكرها وهو بنون، قال: ((وهو مذهبُ:
البصريين» قلت: لا خلاف بين القولينِ في التحقيق، لأنَّ مَنْ قال: بنات جمعٌ.
(بَنة)) بفتح الباء لا بد وأَنْ يعتقد أنَّ أصلها ((بَنَوة)) حُذِفَت لامُها وعُوِّض منها تَاءُ.
التأنيث، والذي قال: بنات جمع «بَنَوة)) لَفَظّ بالأصل فلا خلاف.
واعلم أنَّ تاء ((بنت)) و((أخت)) تاءُ تعويضٍ عن اللام المحذوفة كما
تقدَّم تقريره، وليست للتأنيثِ، ويَدُلُّ على ذلك وجهان، أحدهما: أنَّ تَاءِ.
التأنيث يَلزَمُ فتحُ ما قبلها لفظاً أو تقديراً نحو: ثمرة وفتاة، وهذه ساكنٌ
ما قبلَها. والثاني: أنَّ تاءَ التأنيث تُبْدَلُ في الوقفِ هاء، وهذه لا تُبْدَلُ بل تُقَرُّ
على حالها. قال أبو البقاء(٣): ((فإن قيل: لِمَ رُدَّ المحذوف في ((أخوات).
ولم يُرَدَّ في ((بنات))؟ قيل: حُمِل كل واحد من الجمعين على مذكّرِهِ، فمذكر
= وهو في المحتسب ٢٢٤/٢؛ وأمالي القالي ٣٠١/٢؛ واللسان: سلل؛ وابن يعيش
٣/١٠؛ والخزانة ٣٠٦/٣؛ والهمع ٢٣/١؛ والدرر ٥/١.
(١) الآية ٤٠.
(٢) الإِملاء ١٧٤/١.
(٣) الإملاء ١٧٤/١ .
٦٤٠