Indexed OCR Text

Pages 601-620

- النساء -
يَصْنعان كذا)) وامتناع ((أبواكَ كلَّ واحدٍ منهما يصنعان كذا)» بل تقول:
(يَصْنع». انتھی .
والضميرُ في (لأبويه)) عائدٌ على ما عادَ عليه الضمير في ((ترك))،
وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوة الكلام. والتثنية في ((أبويه)) من التغليب،
والأصلُ: لأبيه وأمه، وإنما غَلَّب المذكرَ على المؤنث كقولهم: القَمَران(١)
والعُمَران وهي تثنيةٌ لا تنقاس.
قوله: ((فلأِمه)) قرأ(٢) الجمهور ((فلأمه)) وقولُه: ((في أمّ الكتاب)) في
سورة الزخرف(٣)، وقولُه: ((حتى نبعثَ في أمِّها)) في القصص(٤)، وقوله: ((في
بطونِ أُمَّهاتكم)) في النحل (٥) والزمر(٦)، وقوله: ((أو بيوتِ أمهاتكم)) في
النور(٧)، و((في بطون أمهاتكم)) في النجم(٨)، بضم الهمزة من ((أُمّ))
وهو الأصلُ. وقرأ حمزة والكسائي جميعَ ذلك بكسر الهمزة، وانفرد حمزة
بزيادةِ كسرِ الميم من ((أُمَّهات)) في الأماكنِ المذكورةِ، هذا كله في الدَّرْجِ. أمَّا
في الابتداءِ بهمزةٍ ((الأم)) و((الأمهات)) فإنه لا خِلافَ في ضَمِّها.
وأمَّا وجهُ قراءةِ الجمهور فظاهرٌ لأنه الأصلُ كما تقدَّم. وأمَّا قراءةُ حمزة
والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبةِ الكسرةِ أو الياء التي قبل الهمزة،
فكُسِرت الهمزةُ إتباعاً لِما قبلَها، ولاستثقالهم الخروجَ من كَسْرٍ أو شبهه إلى
(١) القمران: الشمس والقمر، والعمران: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
(٢) السبعة ٢٢٧؛ الكشف ٣٧٩/١.
(٣) الآية ٤.
(٤) الآية ٥٩ .
(٥) الآية ٧٨ .
(٦) الآية ٦ .
(٧) الآية ٦١.
(٨) الآية ٣٢.
٦٠١

- النساء:
ضم، ولذلك إذا ابتداً بالهمزة ضمَّاها لزوالِ الكسر أو الياء. وأمَّا كسرُ حمزةَ
الميمَ من ((أمهات)) في المواضع المذكورة فللإتباعِ، أتبعَ حركةَ الميمِ لحركةٍ
الهمزةِ، فكسرةُ الميمِ تُبَع التبعِ ، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميمَ
لما تقدم من زوالٍ موجب ذلك. وكسرُ همزة ((أم)) بعد الكسرة أو الياء حكاه
سيبويه(١) لغةً عن العرب، ونَسَبها الكسائي والفراء إلى هوازن وهذيل.
قوله: ((فإنْ كان له إخوةٌ)) ((إخوة) أعَمُّ من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً
أو بعضهم ذكوراً وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب. وزعم قوم أنَّ
الإِخوةَ خاص بالذكور، وأن الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثلث إلى السدس،
قالوا: لأن إخوة جمع أخ، والجمهورُ على أنَّ الإِخوة وإنْ كانوا بلفظِ الجمع
يَقَعُون على الاثنين، فَيَحْجَبُ الأخوان أيضاً الأمَّ من الثلث إلى السدس، خلافاً
لابن عباس فإنه لا يَحْجُب بهما والظاهر معه(٢).
قوله: ((من بعدٍ وصيةٍ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أنه متعلق بما تقدَّمه من
قسمةِ المواريث كلُّها لا بما يليه وحدَه، كأنه قيل: قسمةُ هذه الأنْصباء من بعد
وصيةٍ، قالَه الزمخشري (٣)، يعني أنه متعلَّقُ بقوله: ((يُوصِيكم اللَّهُ)) وما بعدَهِ.
والثاني: ذكره الشيخ (٤) أنه متعلَّقُ بمحذوفٍ أي: يَسْتَحِقُون ذلك كما فُصِّل
[٢٠٠/أ] من بعد وصية. والثالث: أنه حال من السدس تقديره / مستحقاً من بعد
وصية، والعاملُ الظرفُ، قاله أبو البقاء(٥). وجَوَّزَ فيه وجهاً آخر قال:
[((ويجوز أن يكون ظرفاً] أي: يستقرلهم ذلك بعد إخراجِ الوصية، ولا بد من
(١) الكتاب ٢٧٢/٢.
(٢) لأن ظاهر لفظ ((إخوة)) الجمع.
(٣) الكشاف ٥٠٨/١.
(٤) البحر ١٨٦/٣.
(٥) الإملاء ١٦٩/١ .
(٦) ما بين معقوفين محروم في الأصل.
٦٠٢

- النساء -
تقديرِ حذف المضاف؛ لأنَّ الوصيةَ هنا المالُ الموصى به، وقد تكونُ الوصيةُ
مصدراً مثلَ الفريضة)). وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وجهٌ. وقوله: ((والعامل
الظرف يعني بالظرف الجارِّ والمجرور في قوله ((فلأمه السدس» فإنه شبيه
بالظرفيةِ، وعَمِل في الحال لِما تضمَّنه من الفعلِ لوقوعِه خبراً. و ((يوصي)) فعل
مضارع المرادُ به المضمر(١) أي: وصيةٍ أوصى بها. و((بها)) متعلقٌ به،
والجملةُ في محلِّ جرِ صفةٌ لـ ((وصية)).
وقرأ(٢) ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ((يُوصَى)) مبنياً للمفعول في
الموضعين، وافقهم حفص في الأخير (٣)، والباقون مبنياً للفاعل، وقُرىء (٤)
شاذاً: ((يُوَصَّى)) بالتشديد مبنياً للمفعول، فـ ((بها)» في قراءةِ البناءِ للفاعل في
محلٌّ نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في محلّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل.
قوله: ((أو دَيْنِ)) ((أو)) هنا لأحدِ الشيئين. قال أبو البقاء(٥) ((ولا تَدُلُّ على
ترتيبٍ، إذ لا فرق بين قولك: ((جاءني زيد أو عمرو)) وبين قولك: ((جاءني
عمرو أو زيد)) لأن ((أو)) الأحد الشيئين، والواحدُ لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قول
من قال: ((من بعد دَيْن أووصية))، وإنما يقع الترتيبُ فيما إذا اجتمعا فَيُقَدَّم الدينُ
على الوصية)).
وقال الزمخشري(٦): ((فإن قلت: فما معنى ((أو))؟ قلت: معناها الإِباحةُ،
وأنه إنْ كان أحدُهما أو كلاهما قُدِّم على قِسمة الميراثِ كقولك: ((جالسٍ
[الحسنَ] أو ابنَ سيرين))، فإنْ قلت: لِمَ قُدِّمَتِ الوصية على الدَّيْن، والدَّيْن
(١) أي الضمير الذي صاحبه وهو قوله ((بها)).
(٢) السبعة ٢٢٨؛ الكشف ٣٨٠/١.
(٣) وذلك في آخر الآية ١٢ من السورة.
(٤) قراءة أبي الدرداء وأبي رجاء. الشواذ ٢٥.
(٥) الإملاء ١٦٩/١.
(٦) الكشاف ٥٠٨/١.
٦٠٣٠

۔۔
- النساء -
مُقَدَّم عليها في الشريعة؟ قلت: لَمَّا كانت الوصية مُشْبِهَةً للميراث في كونِها
مأخوذةٌ من غيرِ عوض كان إخراجُها مِمَّا يَشُقُّ على الورثةِ بخلافِ الدَّيْنِ فَإِنَّ
نفوسهم مطمئنةٌ إلى أدائه، فلذلك قُدِّمت على الدَّيْن بعثاً على وجوبِها
والمسارعةِ إلى إخراجها مع الدَّيْن؛ ولذلك جِيء بكلمةِ ((أو)) للتسوية بينهما في
الوجوب)».
قوله: (آباؤكم وأبناؤكم)) مبتدأُ، و((لا تَدْرُون)) وما في حيِّزه في محلٌ
الرفع خبراً له، و((أيُّهم)) فيه وجهان، أشهرُهما عند المُعْرِبين أن يكونَ ((أيُّهم))
مبتدأ وهو اسمُ استفهامٍ ، و((أقربُ)) خبرُه، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في
محلِّ نصب بـ((تَدْرون)) لأنها من أفعالِ القلوبِ، فعلَّقها اسمُ الاستفهامِ عن أَنْ
تعملَ في لفظِه؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يَعْمل فيه ما قبلَه في غيرِ الاستثبات.
والثاني: أنه يجوزُ أن تكونَ ((أيُّهم)) موصولةً بمعنى الذي، و(«أقربُ)) : خبرُ
مبتدأٍ مضمر هو عائدُ الموصولِ، وجازَ حذفُه لأنه يجوز ذلك مع ((أي)) مطلقاً
أي: أطالت الصلةُ أم لم تَظُلْ، والتقديرُ: أيُّهم هو أقربُ، وهذا الموصولُ
وصلتُه في محلٌّ نصب على أنه مفعول به، نصبَه ((تَدْرون))، وإنما بُنِي لوجودٍ
شرطَي البناءِ: وهما أَنْ تُضاف ((أي)) لفظاً وأَنْ يُحْذَفَ صِدرُ صلتها، وصارت
هذه الآيةُ نظيرَ الآيةِ الأخرى وهي: ((ثم لننزِعَنَّ من كل شيعةٍ أيُّهم أشدُّ)(١)
فصارَ التقديرُ: لا تدرون الذي هو أقربُ. قال الشيخ(٢): ((ولم أرَهم ذكروه))
يعني هذا الوجه. قلت: ولا مانعَ منه لا من جهةِ المعنى ولا من جهةٍ
الصناعةِ. فعلى القولِ الأولِ تكونُ الجملةُ سادَّةً مسدَّ المفعولين، ولا حاجةً
إلى تقدير حذف، وعلى الثاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مفعولاً أولَ،
(١) الآية ٦٩ من مريم.
(٢) البحر ١٨٧/٣.
٦٠٤

- النساء -
ويكون الثاني محذوفاً، وبعدمِ الاحتياجِ إلى حَذْفِ المفعول الثاني يترجَّح
الوجهُ الأول.
ثم هذه الجملةُ أعني قولَه: ((آباؤكم وأبناؤكم لا تَدْرُون» لا محلَّ لها من
الإِعراب لأنها جملة اعتراضية. قال الزمخشري(١) : - بعد أن حكى في معانيها
أقوالاً اختار منها الأولَ _(«لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضية، ومن حقِّ الاعتراضِ أَنْ
يؤكِّد ما اعتَرَض بينه وبين ما يناسِبُهُ)) يعني بالاعتراض أنها واقعةٌ بين قصة
المواريث، إلا أنَّ هذا الاعتراضَ غيرُ مرادِ النحويين، لأنهم لا يَعْنُون
بالاعتراض في اصطلاحهم إلاّ ما كان بين شيئين متلازمين كالاعتراضٍ بين
المبتدأ وخبره، والشرطٍ وجزائه، والقسمِ وجوابه، والصلة وموصولها. ثم ذكر
في معانيها أقوالاً أحدها : - وهو الذي اختاره - أَنْ جَعَلَها متعلقةً بالوصية
فقال: ((ثم أكَّد ذلك - يعني الاهتمام بالوصية - ورَغُّب فيه بقوله ((آباؤكم
وأبناؤكم)) أي: لا تَدْرُون مَنْ أَنفعُ لكم من آبائكم وأبنائِكم الذين يَمُوتون، أَمَنْ
أوصى منهم أم من لم يوصٍ ، يعني أنَّ مَنْ أوصى ببعضِ مالِه فعرَّضكم لثوابٍ
الآخرةِ بإمضاء وصيته فهو أقربُ لكم نفعاً وأحضَرُ جدوى ممَّن ترك الوصيّة فوقَر عليكم
عَرَض الدنيا، وجعل ثواب الآخرة أقربَ وأَحْضَرَ مِنْ عرض الدنيا، ذهاباً إلى
حقيقة الأمر، لأن عَرَضَ الدنيا وإنْ كان قريباً عاجلاً في الصورة إلا أنه فانٍ،
فهو في الحقيقةِ الأبعدُ الأقصى، وثوابُ الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باق،
فهو في الحقيقةِ الأقربُ الأدنى)).
وانتصبَ ((نفعا) على التمييز من ((أقرب))، وهو منقول من الفاعلية، واجبُ
النصب، لأنه متى وقع تمييزٌ بعد أَفْعلِ التفضيل: فإنْ صَحِّ أَنْ يصاغَ منها فعلٌ
مسندٌ إلى ذلك التمييز على جهة الفاعلية وجب النصب كهذه الآية، إذ يصح أن
يقال: أَيُّهِم قَرُبَ لكم نَفْعُه، وإن لم يصِحَّ ذلك وجَبَ جَرُّه نحو: ((زيد أحسنُ
(١) الكشاف ١/ ٥٠٩.
٦٠٥

- النباء
فقيه)) بخلاف ((زيد أحسنُ فقهاً)) وهذه قاعدةٌ مفيدة(١). و((لكم)) متعلق
بـ «أقرب)).
قوله: ((فريضةٌ)) فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها مصدرٌ مؤكِّدُ لمضمون
الجملة السابقة من الوصية، لأنَّ معنى ((يوصيكم)) فرض الله عليكم، فصار
المعنى: ((يوصيكم الله وصيةً فرض)) فهو مصدر على غير الصدر. والثاني:
[٢٠٠/ب] أنها مصدر منصوب بفعل محذوف من لفظها. قال أبو البقاء(٢): و «فريضةً)) /
مصدر لفعل محذوف أي: فرض الله ذلك فريضة)). والثالث : - قاله مكي (٣)
وغيره - أنها حالٌ لأنها ليست مصدراً، وكلامُ الزمخشري(٤) محتمل للوجهين
الأوَّلَيْن فإنه قال: ((فريضة)) نُصِبت نَصْبِ المصدر المؤكد، أي: فرض ذلك
فرضاً)).
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿وإنْ كان رجلٌ يُورَثُ كَلالةً﴾: هذه الآية
مما ينبغي أن يُطَوَّل فيها القول لإِشكالها واضطراب أقوال الناس فيها. ولا بد
قبل التعرض للإعراب من ذكر معنى الكلالة واشتقاقها واختلاف الناس فيها،
ثم نعود بعد ذلك الإِعرابِها، لأنه متوقفٌ على ما ذكرنا فنقول ـ وبالله العون -:
اختُلِفَ في معنى الكلالة فقال جمهور اللغويين وغيرهم: إنه الميت الذي
لا وَلَدَ له ولا والد، وقيل: الذي لا والدَ له فقط. وقيل: الذي لا ولد له فقط،
وقيل: هو مَنْ لا يَرِثُه أب ولا أم، وعلى هذه الأقوالِ كلِّها فالكَلالةُ واقعةٌ على
الميت. وقيل: الكلالة: الوَرَثَةُ ما عدا الأبوين والولد، قاله قطرب، وسُمُّوا بذلك
لأنَّ الميت بذهاب طَرَفَيْهِ تُكَلله الورثة أي: أحاطوا به من جميع نواحيه،
(١) انظر: المقتضب ١٤٤/٢، ٣٣/٣؛ ابن عقيل ٦٥/١.
(٢) الإملاء ١٦٩/١.
(٣) لم يزد في كتابه( الشكل)على قوله ((مصدر)).
(٤) الكشاف ٥٠٩/١.
٦٠٦

- النساء-
ويؤيد هذا القولَ بأنّ الآيةَ نزلت في جابر، ولم يكن له يومَ أُنْزِلَتْ أَبُ
ولا ابن. وقيل: الكلالة: المال الموروث. وقيل: الكلالة: القرابة، وقيل:
هي الوراثة. فقد تلخص مِمَّا تقدم أنها: إمَّا الميتُ الموروثُ أو الوارثُ
أو المال الموروث أو الإِرث أو القرابة.
وأمّا اشتقاقُها فقيل: هي مشتقة مِنْ تَكَلَّله الشيء أي: أحاط به، وذلك
أنَّه إذا لم يَتْرك ولداً ولا والداً فقد انقطع طرفاه وهما عمودا نسبه وبقي مالُه
الموروثُ لِمَنْ يتكلَّله نسبه أي: يحيط به كالإِكليل، ومنه ((الروضة المُكَلَّلة))
أي: بالزهر، وعليه قول الفرزدق(١):
١٥٥٤ - وَرِثْتُمْ قناةَ المجدِ لا عن كَلالةٍ
عن ابنّْ منافٍ عبدِشمس وهاشمِ
وقيل: اشتقاقها من الكَلال وهو الإِعياء، فكأنه يصير الميراث للوارث من
بعد إعياء. وقال الزمخشري (٢): ((والكلالة في الأصل: مصدرٌ بمعنى الكَلال
وهو ذهابُ القوة من الإِعياء. قال الأعشى (٣):
١٥٥٥- فآلْيْتُ لا أَرْئي لها مِنْ كَلالةٍ
ولا مِنْ وَحَىِّ حتى تُلاقِي مُحَمَّدا
فاستُعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإِضافة إلى قرابتهما
كأنها كالَّةٌ ضعيفة)). وأجاز فيها أيضاً أن تكونَ صفةٌ على وزن فَعالة قال:
(كالهَجَاجَة والفَقاقَة للأحمق)) .
(١) ليس في ديوانه، وهو في القرطبي ٧٦/٥.
(٢) الكشاف ٥١٠/١.
(٣) ديوانه ١٣٥؛ وابن يعيش ١٠٠/١٠؛ وأمالي الشجري ١١٢/١؛ وشواهد الكشاف
٣٦٨/٤. والوحي: العجلة.
٦٠٧

- النساء -
إذا تقرر هذا فَلْنَعُدْ إلى الإِعراب فنقول والعون بالله: يجوز في ((كان))
وجهان أحدهما: أن تكون ناقصة، و((رجلٌ)) أسمها، وفي الخبر احتمالان،.
أحدهما: أنه ((كلالة)) إن قيل: إنها الميت، وإن قيل: إنها الوارث أو غيرُ ذلك.
فَتُقَدِّر حذفَ مضاف أي: ذا كلالة، و((يُورثُ)) حينئذٍ في محلٌّ رفعٍ صِفَةً
لـ ((رجل)) وهو فعلٌ مبني للمفعول، ويتعدّى في الأصل لاثنين أُقيم الأول مقامً.
الفاعل وهو ضمير الرجل، والثاني محذوف تقديره: يُورَثُ هو مالَه.
وهل هذا الفعلُ مِنَّ وَرِث الثلاثي أو أورث الرباعي؟ فيه خلافٌ، إلا أنَّ
الزمخشري(١) لَّمَّا جعله من الثلاثي جعله يتعدَّى إلى الأول من المفعولين
بـ ((مِنْ)) فإنه قال: ((ويُوْرَثُ مِنْ ورث، أي: يورث منه)) يعني أنه في الأصل
يتعدَّى بـ ((مِنْ))، وقد تُحْذَفُ، تقول: ((وَرِثْتُ زيداً مالَه)) أي: مِنْ زيد، ولَمَّا
جَعَلَهِ مَنْ ((أورث) جَعَل الرجل وارثاً لا موروثاً فإنه قال: ((فإنْ قلت: فإِنْ جَعَلْتِ
((يورَث)) على البناء للمفعول من ((أورث)) فما وجهُه؟ قلت: الرجلُ حينئذٍ
الوارثُ لا الموروثُ)) وقال الشيخ(٢): (إنه من ((أورث)) الرباعي المبني
للمفعول)» ولم يقيِّدْه بالمعنى الذي قيَّده الزمخشري.
الاحتمال الثاني: أن يكونَ الخبرُ الجملةَ من ((يُورَث))، وفي نصب
((كلالة)) حينئذ أربعةُ أوجه، أحدها: أنها حال من الضمير في (يُورَث)) إِنْ أريد
بها المیتُ أو الوارثُ، إلا أنه يحتاج في جعلها بمعنی الوارث إلی تقدیر
مضاف أي: يُورَث ذا كلالة؛ لأن الكلالة حينئذ ليست نفسَ الضمير المستكنِّ
في ((يُورث)). قال أبو البقاء(٣) على جَعْلِها بمعنى الميت: ((ولو قُرِىء ((كلالةٌ))
بالرفع على أنها صفة أو بدل من الضمير في ((يُورث)) لجاز، غير أني لم أعرف
(١) الكشاف ١/ ٥٠٩.
(٢) البحر ١٨٩/٣.
(٣) الإِملاء ١٦٩/١.
٦٠٨

- النساء -
أحداً قرأ به فلا يُقْرَأْنَ إلا بما نُقل)) يعني بكونها صفة أنها صفةٌ لـ ((رجل)).
الثاني: أنها مفعولٌ من أجله إنْ قيل: إنها بمعنى القرابة أي: يورَثُ
لأجل الكلالة. الثالث: أنه مفعول ثان لـ ((يورث)) إنْ قيل إنها بمعنى المال
الموروث. الرابعُ: أنها نعتُ لمصدر محذوف إن قيل: إنها بمعنى الوراثة أي
يورث وراثةَ كلالة، وقدَّر مكي (١) في هذا الوجهِ حَذْفَ مضافٍ قال: ((تقديرُه
ذات(٢) كلالة)). وأجازَ بعضُهم على كونها بمعنى الوراثة أن تكونَ حالاً.
والوجه الثاني من وجهي كان: أن تكونَ تامةً فَيُكْتَفَى بالمرفوع أي: وإنْ
وجد رجل، و ((يُورَثُ)) في محلِّ رفع صفةٌ لـ ((رجل)) و((كلالة)) منصوبةٌ على
ما تقدَّم من الحال أو المفعولِ من أجله أو المفعول به أو النعت لمصدرٍ
محذوفٍ على حَسَب ما قُرِّر من معانيها. وَيَخُصُّ هذا وجهٌ آخرُ ذكره مكي :
وهو أن تكون ((كلالة)) منصوبة على التفسير، قال مكي(٣): ((كان أي: وقع،
و((يورث)) نعتٌ للرجل، و((رجل)) رفع بـ((كان))، و((كلالة)) نَصْبٌ على
التفسير، وقيل: هو نصبٌ على الحال، على أن الكلالة هو الميت على هذين
الوجهين)) وفي جَعْلِها تفسيراً - أي تمييزاً - نظرٌ لا يَخْفى.
وقرأ(٤) الجمهور: ((يُورَثُ)) مبنياً للمفعول وقد تقدَّم توجيهُه. وقرأ
الحسن: ((يُورِثُ)) مبنياً للفاعل، ونُقِل عنه أيضاً وعن أبي رجاء كذلك، إلَّ
أنَّهما شَدَّدا الراء، وتوجيهُ القراءتين واضحٌ مِمَّا تقدَّم: وذلك أنه إنْ أُريد
بالكلالةِ الميتُ فيكون المفعولان محذوفين، و((كلالةً)) نصب على الحال أي:
وإنْ كان رجلٌ يورِث وارثَه - أو أهلَه - مالَه في حال كونِه كلالةً، وإنْ أريد بها
(١) المشكل ١٨٣/١.
(٢) المشكل: ذا .
(٣) المشكل ١٨٣/١.
(٤) انظر في قراءاتها: الشواذ ٢٥؛ البحر ١٨٩/٣؛ القرطبي ٧٧/٥.
٦٠٩

.- النساء
القرابة فتكونُ منصوبة على المفعول من أجله، والمفعولان أيضاً محذوفان على
ما تقدَّم تقريره، وإنْ أرِيدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً، والأول محذوف أي:
يورِث أهله ماله، وأنْ أريد بها الوارثُ فبالعكسِ أي يورِث مالَه أهلَهِ.
وقوله: ((أو امرأةٌ) عطفٌ على ((رجلٌ))، وحُذف منها ما أُثبت في المعطوفُ
عليه للدلالة على ذلك، التقديرُ: أو(١) امرأةٌ تورَثُ كلالةً، وإنْ كان لا يلزمُ من
تقييدِ المعطوفِ عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس، إلا أنه هو الظاهر.
وقوله: ((وله أخٌ)) جملةٌ من مبتدٍ وخبر في محلٌّ نصب على الحال،
والواوُ الداخلةُ عليها واوُ الحال، وصاحبُ الحالِ: إمَّا (رجل)) إنْ كان ((يورَثُ))
صفةً له، وإمَّا الضميرُ المستتر في ((يورَث)). ووحِّدَ الضمير في قوله: ((وله))؛
لأنَّ العطفَ بـ ((أو) وما وَرَدَ على خلاف ذلك أُوِّلَ عند الجمهور، كقوله: (إِنْ
يكنْ غنياً أو فقيراً فاللَّهُ أَوْلِى بهما))(٢) وإنما أَتَى به مذكراً لأنه يجوزُ إذا تقدَّم
متعاطفان بـ ((أو) مذكرٌ ومؤنثٌ كنت بالخيار: بين أن تراعيَّ المتقدِّمَ أو المتأخِرَ
[٢٠١/أ] فتقول: ((زيدٌ أو هند قام))، وإن شئت: ((قامت)) /، وأجاب أبو البقاء(٣) عن
تذكيره بثلاثة أوجه، أحدها: أنه يعودُ على الرجل وهو مذكر مبدوءٌ به. الثاني:
أنه يعود على أحدهما، ولفظ ((أحد)) مفرد مذكر. والثالث(٤): أنه يعود على
الميت أو الموروثِ لتقدُّم ما يدل عليه)).
والضميرُ في قوله: ((فلكلُّ واحدٍ منهما)) فيه وجهان، أحدهما: أنه يعودُ
على الأخِ والأخت. والثاني: أنه يعودُ على الرجل وعلى أخيه أو أختِه، إذا
أريد بالرجل في قوله ((وإن كان رجلٌ يُورَث)) أنه وارثُ لاموروث، كما تقدَّمْت
(١) قوله ((أو)) تكرر في الأصل.
(٢) الآية ١٣٥ من النساء :
(٣) الإملاء ١٧٠/١.
(٤) الأصل: ((والثاني)) وهو سهو ..
٦١٠

- النساء -
حكايتُه عن الزمخشري. قال الزمخشري(١) - بعد ما حكيناه عنه -: فإنْ
قلت: فالضميرُ في قوله ((فلكلِّ واحدٍ منهما)) إلى مَنْ يرجِعُ حينئذ؟ قلت:
على الرجل وعلى أخيه أو أخته، وعلى الأول: إليهما، فإن قلت: إذا رجع
الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر
للأنثى، فهل تبقى هذه الفائدة قائمةً في هذا الوجه؟ قلت: نعم لأنَّك إذا
قلت: السدس له، أولواحدٍ من الأخ أو الأخت على التخييرِ فقد سَوَّيْتَ بين
الذكر والأنثى)) انتهى .
وقرأ أُبي (٢): ((أخ أو أخت من الأم)). وقرأ سعد بن أبي وقاص: ((من
أم)) بغيرِ أداة تعريف. وأجمع الناس على أن المراد بالأخ والأخت من الأم
كقراءتهما، ولأنَّ ما في آخر السورة يدل على ذلك وهوكون: للأختِ
النصفُ، وللأختين الثلثان، وللأخوة الذكور والإناث للذَّكَر مثلُ حظ الانثيين.
قوله: ((فإنْ كانوا)» الواوُ ضميرُ الإخوة من الأمِّ المدلول عليهم بقوله:
(أخ أو أخت))، والمرادُ الذكورُ والإِناث، وأتى بضمير الذكور في قوله ((كانوا)»
وقوله ((فهم)) تغليباً للمذكر على المؤنث، و((ذلك)) إشارةٌ إلى الواحد، أي:
أكثر من الواحد، يعني: فإن كان مَنْ يرث زائداً على الواحد؛ لأنه لا يَصِحُ أن
يقال: ((هذا أكثرُ من واحد))(٣) إلا بهذا المعنى لتنافي معنى كثير وواحد، وإلّ
فالواحدُ لا کثرة فيه .
وقوله: ((مِنْ بعد وصيةِ يُوَصى)) قد تقدم(٤) إعراب ذلك وهذا مثلُه.
قوله: ((غيرَ مُضارِّ)) ((غيرَ)) نصبُ على الحال من الفاعل في ((يوصَى))
(١) الكشاف ٥١٠/١.
(٢) البحر ١٩٠/٣؛ الكشاف ٥١٠/١.
(٣) لأن ((أكثر)) دالة على التفضيل.
(٤) انظر: الآية ١١ من النساء.
٦١١

- النساء
وهو ضمير يعود على الرجل في قوله: (وإن كان رجل»، هذا إنْ أُرید بالرجلِ
الموروثُ، وإن أريد به الوارث كما تقدم فيعود على الميت الموروث
المدلولِ عليه بالوارثِ مِنْ طريقِ الالتزام كما دل عليه في قوله: ((فلهنَّ ثُلُثا
ما ترَكَ)) أي: تَرَكَه الموروث، فصار التقدير: يوصى بها الموروث، هكذا
أعربه الناس فجعلوه حالاً: الزمخشري(١) وغيره.
إلا أن الشيخ (٢) رَدَّ ذلك بأنه يؤدِّي إلى الفصل بين هذه الحال وعامِلها
بأجنبي منهما، وذلك أنَّ العاملَ فيها ((يوصَى)) كما تقرر، وقوله: ((أودِّيْنِ))
أجنبي لأنه معطوف على ((وصية)) الموصوفة بالعامل في الحال، قال:
((ولو كان على ما قالوه مِن الإِعراب لكانَ التركيب: ((مِنْ بعد وصيةٍ يُوصَی بها
غيرَ مُضارٌ أو دينٍ)). وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين: أعني بناءَ الفِعْلِ
للفاعل أو المفعول، وتزيد عليه قراءةُ البناء للمفعول وجهاً آخرَ، وهو أَن
صاحب الحال غيرُ مذكور، لأنه فاعلٌ في الأصل حُذِفَ وأقيم المفعول مُقَامَهِ،
ألا ترى أنك لو قلت: ((تُرْسَلُ الرياح مبشِّراً بها)) بكسر الشين، يعني: ((يرسلُ
اللَّهُ الرياحَ مبشِّراً بها)) فحذفت الفاعل وأقمت المفعول مُقَامَه، وجئت بالحال
من الفاعل لم يَجُزْ فكذلك هذا)). ثم خَرَّجه على أحد وجهين: إمَّا بفعل(٣)
يدل عليه ما قبله من المعنى؛ ويكون عامًّاً لمعنى ما يتسلَّط على المال بالوصية
أو الدين وتقديره: يلزم ذلك مالَه، أو يُوجبه فيه غيرَ مُضارِّ بورثته بذلك الإلزامِ
أو الإِيجاب. وإمَّا بفعلٍ مبني للفاعل لدلالةِ المبني للمفعولِ عليه أي:
يوصي غير مُضارِّ، فيصير نظير قوله: ((يُسبِّح له فيها بالغدوِّ والاصال رجالٌ))(٤)
على قراءةِ منْ فتح الباءِ.
(١) الكشاف ١/ ٥١٠.
(٢) البحر ١٩١/٣.
(٣) أي: منصوب بفعل ..
(٤) الآية ٣٦ من النور، وهي قراءة أبي بكر وابن عامر. السبعة ٤٥٦.
٦١٢

- النساء-
قوله: ((وصيةً)) في نصبها أربعة أوجه؛ أحدُها: أنها مصدر مؤكّد، أي:
يوصيكم الله بذلك وصيةً. الثاني: أنها مصدر في موضع الحالِ ، والعامل فيها
يُوصيكم. قاله ابن عطية(١)، والثالث: أنها منصوبةٌ على الخروج: إمَّا من
قوله: ((فلكل واحد منهما السدس) أو من قوله: ((فهم شركاء في الثلث)) وهذه
عبارةٌ تشبه عبارة الكوفيين. والرابع: أنها منصوبةٌ باسمِ الفاعل وهو ((مُضارّ))،
والمُضارَّةُ لا تقع بالوصية بل بالورثة، لكنه لمَّا وصّى الله تعالى بالوَرَثة جَعَل
المُضارَّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصية مبالغةً في ذلك، ويؤيد هذا
التخريج قراءةُ الحسن(٢): ((غيرَ مُضارِّ وصيةٍ)) بإضافة اسم الفاعل إليها على
ما ذكرناه من المجاز، وصارَ نظيرَ قولهم: ((يا سارقَ الليلةِ)) التقدير: يا سارقاً
في الليلة، ولكنه أضافَ اسم الفاعل إلى ظرفه مجازاً واتِّساعاً (٣)، فكذلك
هذا، أصله: غيرَ مضارِّ في وصيةٍ من الله، فأتُّسع في هذا إلى أن عُدِّي بنفسه
من غيرِ واسطةٍ، لِما ذكرت لك من قصد المبالغة.
وهذا أحسنُ تخريجاً من تخريج أبي البقاء فإنه ذكر (٤) في تخريج قراءة
الحسن وجهين، أحدُهما: أنه على حذف ((أهل)) أو ذي أي: غيرَ مضارٍّ أهلٍ
وصيةٍ أوذي وصية. والثاني: على حذف وقت أي: وقتَ وصية قال:
((وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب من ذلك قولُهم: ((هو فارسُ حربٍ))
أي: فارس في الحرب، وتقول: ((هو فارسُ زمانه)) أي: في زمانه، كذلك
تقديرُ القراءة: غيرَ مضار في وقت الوصية.
ومفعول ((مُضارّ)) محذوفٌ إذا لم تُجْعَلْ ((وصيةً)) مفعولٌ أي: غيرَ مضارٍّ
ورثتِه بوصية .
(١) المحرر ٤٤/٤.
(٢) الشواذ ٢٥؛ البحر ١٩١/٣.
(٣) أي: إنه اتسع في الفعل فعداه إلى الظرف تعديته للمفعول به.
(٤) الإملاء ١٧٠/١.
٦١٣

- النساء:
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهِ﴾: حَمَلَ على لفظ ((مَنْ)) فَأَفْرَدَ
الضميرَ في قوله: ((يُطِعْ)) و (يُدْخِلْه))، وعلى معناها فجمع في قوله ((خالدين)).
وهذا أحسنُ الحَمْلين، أعني الحملَ على اللفظ ثم المعنى، ويجوزُ العكس.
وإن كان ابن عطية (١) قد منعه، وليس بشيء لثبوتِه عن العرب، وقد تقدَّم ذلك
غيرَ مرةٍ وفيه تفصيلٌ ، وله شروط مذكورةٌ في كتب النحو.
وفي نصبٍ ((خالدين)» وجهان، أظهرهما: أنه حال من الضمير
المنصوب في (يُدْخِلْه)، ولا يَضُرُّ تغايرُ الحالِ وصاحبها من حيث كانت جمعاً
وصاحبُها مفرداً لِما تقدَّم من اعتبار اللفظ والمعنى، وهي مُقَدَّرة(٢) لأنَّ الخلود
بعد الدخول .
والثاني: أن يكونَ نعتاً لـ ((جنات)) من باب ما جَرَى على موصوفِه لفظاً
وهو لغيرِه معنىَّ نحو مررت برجلٍ قائمةٍ أمه، وبامرأة حسنٍ غَلامُهَا،
فـ (قائمةٍ)) و((حسنٍ)) وإن كانا جارِيَيْنِ على ما قبلهما لفظاً فهما لِما بعدَهما
معنىًّ، أجاز ذلك في الآية الكريمة الزجاج(٣) وتبعه التبريزي، إلَّ أنّ الصفة
[٢٠١/ ب] إذا جَرَتْ على غير مُّنْ هي له وجب / إبرازُ الضمير مطلقاً على مذهبٍ
البصريين(٤): أَلْبس أو لم يُلْبِس. وأما الكوفيون فيفصِّلون فيقولون: إذا جرت
الصفة على غير مَنْ هي له: فإن ألْبس وجب إبراز الضمير كما هو مذهب
البصريين نحو: ((زيدٌ عمروٌ ضاربُه هو)) إذا كان الضرب واقعاً من زيد على
(١) المحرر ٤٥/٤.
(٢) وهذا نحو قولهم: ((مررت برجل معه صقر صائداً به غداً) فهي عكس الحال المقترنة في
قولنا: مررت بسعيد جالساً.
(٢) لم يذكر ذلك في كتابه ((معاني القرآن)) في إعرابه لـ ((خالدين))، وإنما في إعرابه
لـ «خالداً)) ٢٦/٢.
(٤) انظر المسألة في: الإنصاف ٥٧ .
٦١٤

- النساء -
عمرو، وإن لم يُلْبِس لم يَجِبِ الإِبرازُ نحو: ((زيدٌ هندٌ ضاربُها))، إذا تقرَّر هذا
فمذهب الزجاج في الآية إنما يتمشّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حسن.
واستدلَّ مَنْ نَصَر مذهبَ الكوفيين بالسماع، فمنه قراءةٌ مَنْ قرأ: ((إلى
طعامٍ غيرِ ناظرين إناه))(١) بجر ((غير)) مع عدمٍ بروزِ الضمير، ولو أَبْرزه لقال:
((غيرِ ناظرين إناه أنتم)) ومنه قولُ الآخَر(٢):
١٥٥٦- قَوْمِي ذُرا المجدِ بأنُوها وقد عَلِمَتْ
بكُنْهِ ذلك عدنانٌ وَقَحْطانُ
ولم يقل: بانُوها هم، وقد خَرَّج بعضُهم البيت على حذف مبتدأ
تقديره: هم بانوها، فـ((قومي)) مبتدأ أول)) و((ذرا)) مبتدأ ثان، و((هم)) مبتدأ
ثالث، و((بانوها)) خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر
الأول.
وقد منع الزمخشري كونَ ((خالدين)) و((خالداً)) صفةً لـ ((جنات)) و ((ناراً))
بعدم بروز الضمير فقال(٣): ((فإنْ قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين لـ ((جنات))
و ((ناراً))؟ قلت: لا، لأنهما جريا على غير مَنْ هما له، فلا بد من الضمير في
قولك: ((خالدين هم فيها، وخالداً هو فيها)).
ومَنَع أبو البقاء(٤) ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع ((خالداً)،
(١) الآية ٥٣ من الأحزاب وهي قراءة ابن أبي عبلة. فتح القدير ٢٩٧/٤.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في التصريح ١٦٢/١؛ والعيني ١٥٧/١؛ والهمع ٩٦/١؛
والدرر ٧٢/١.
(٣) الكشاف ٥١١/١.
(٤) عبارة المطبوعة ((ويجوز)) بسقوط ((لا)) وهي محرفة كما يبدو من التعليل. انظر: الإملاء
٠١٧٠/١
٦١٥

- النساء -
ولم يتعرض لذلك مع ((خالدين))، ولا فرق بينهما، ثم حكى جواز ذلك عن
الكوفيين، وهذا المنعُ على مذهبِ البصريين كما تقدم.
وقرأ(١) نافع وابن عامر هنا ((نُدْخِلْه)) في الموضعين، وفي سورة
التغابن(٢) والطلاق(٣) والفتح (٤) بنونِ العظمة، والباقون بالياء، والضمير لله
تعالى، وإنما جمع ((خالدين)) في الطائعين، وأَفْرَد ((خالداً) في العاصين، قالوا :.
لأنّ أهلَ الطاعة أهلُ الشفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هم والمشِفُوعُ لهم ناسَبْ
ذلك الجمعَ، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرُه النارَ فناسَبَ ذلك الإِفرادُ.
والجملةُ من قولِهِ («تجري من تحتها الأنهار)) في محلّ نصبٍ صفةً
لـ ((جنات))، وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ المنصوبَ بعد ((دخل)) من الظروف هل
نصبُه نصبُ الظروف أو نصبُ المفعولِ به؟ الأول قول الجمهور، والثاني قول
الأخفش، فكذلك ((جنات)) و ((ناراً)).
آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿واللاتي﴾: اللاتي: جمع ((التي)) في المعنى
لا في اللفظ؛ لأنَّ هذه صيغٌ موضوعةٌ للتثنية والجمع، وليست بتثنية ولا جمع
حقيقةً. وقال أبو البقاء(٥): ((اللاتي جمع ((التي)) على غير قياس، وقيل: هي
صيغة موضوعة للجمع)) ومثل هذا لا ينبغي أَنْ يَعُدَّه خلافاً. ولها جموعٌ كثيرةٍ:
ثلاثَ عشرةَ لفظةٍ، وهي: اللاتي واللواتي واللائي، وبلا ياءات فهذه ست،
واللاي بالياء من غيرِ همٍ، واللا من غير ياءٍ ولا همزٍ، واللَّواء بالمد، واللّوا
بالقصر، و ((الألى)» كقوله(٦):
(١) السبعة ٢٢٨؛ الكشف ٣٨٠/١.
(٢) الآية ٩.
(٣) الآية ١١.
(٤) الآية ١٧ .
(٥) الإملاء ١٧٠/١ .
(٦) البيت لعمارة بن راشد، وهو في اللسان: فصم، والعيني ٤٥٣/١ والحجل: الخلخال.
٦١٦

- الناء -
١٥٥٧- فأمَّا الْأُلى يَسْكُنَّ غَوْرَ تهامةٍ
فكلُّ فتاةٍ تترُكُ الحِجْلَ أَقْصَمَا
إلا أنَّ الكثيرَ أن تكونُ جمْعَ ((الذي)). و ((اللاءاتٍ)) مكسوراً مطلقاً
أو معرباً إعراب جمع المؤنث السالم كقوله(١):
١٥٥٨ - أولئك إخواني الذين عَرَفْتُهُمْ
وأَخْدَانُك اللاءاتُ زُيَِّّ بالكَتّمْ
برفعِ ((اللاءات))(٢).
وفي محلُّ ((اللاتي)) قولان، أحدُهما: أنه رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر
حينئذٍ وجهان، أحدُها: الجملةُ مِنْ قوله: ((فاسْتَشْهدوا))، وجازَ دخولُ الفاءِ
زائدةً في الخبرِ وإن لم يَجُزْ زيادتُها في نحو: ((زيدٌ فاضرِبْ)) على رأي
الجمهور، لأنَّ المبتدأ أَشْبَهَ الشرطَ في كونِهِ موصولاً عاماً صلتُه فعلٌ مستقبل،
والخبرُ مستحقٌ بالصلةِ.
الوجه الثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ، والتقدير: ((فيما يُتْلَى عليكم حكمُ
اللاتي)»، فِحُذفَ الخبرُ والمضافُ إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأُقيم المضافُ
إليه مُقَامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَله سيبويه(٣) في نحو: ((الزانيةُ والزاني فاجْلِدوا))(٤)
و «السارقُ والسارقةُ فاقطعوا))(٥) أي: فيما يُتْلى عليكم حكمُ الزانية، ويكونُ
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: لنا، والهمع ٨٣/١؛ والدرر ٥٨/١. والكتم: نبت
يصبغ به الشعر.
(٢) لم يشر إلى لغة أخرى وهي : اللوائي.
(٣) الكتاب ٧١/١ - ٧٢.
(٤) الآية ٢ من النور.
(٥) الآية ٣٨ من المائدة.
٦١٧

- النساء-
قولُه. ((فاستشهدوا)) و((فَاجْلِدوا)) دالاً على ذلك الحكم (١) المحذوفِ.
لأنه بیانٌ له.
والقول الثاني(٢) .. أنَّ محلّه نصبٌ، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ
بفعلٍ مقدرٍ لدلالةِ السياقِ عليه لا على جهةِ الاشتغالِ لِما سنذكره، والتقدير.
اقصِدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا. ولا يجوز أن ينتصبَ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره
قولُه ((فاستشهدوا)) فتكونُ المسألة من باب الاشتغال، لأنَّ هذا الموصولَ أَشْبهَ
اسمَ الشرطِ كما تقدَّم تقريره، واسمُ الشرطِ لا يجوزُ أَنْ ينتصِبَ على الاشتغالِ
لأنه لا يعمل فيه ما قبله (٣)، فلو نصبناه بفعلٍ مقدرٍ لزم أن يعملَ فيه ما قبلَه.
هذا ما قاله بعضهم، ويَقْرُبُ منه ما قاله أبو البقاء فإنه قال (٤): (وإذا كان كذلك
- أي كونَه في حكم الشرط ــ لم يَحْسُنِ النصبُ؛ لأنَّ تقديرَ الفعل قبل أداةُ.
الشرط لا يجوز، وتقديرُه بعد الصلةِ يحتاج إلى إضمارِ فعلٍ غيرِ قولِهِ
((فاستشهدوا)) لأنَّ ((استشهدوا)) لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في ((اللاتي)) وفي
عبارتِه مناقشةٌ يطول بذكرها الكتاب.
والثاني (٥): أنه منصوبٌ على الاشتغال /، ومَنْعُهم ذلك بأنه يلزُم أَنْ
يعملَ فيه ما قبلَه جوابُه أَنَّا نقدِّرُ الفعلَ بعده لا قبله، وهذا خلافٌ مشهورٌ في
أسماءِ الشرط والاستفهام: هل يَجْري فيها الاشتغال أم لا؟ فمنعَه قومٌ لِما
تقدَّم، وأجازه آخرون مقدِّرين الفعل بعد الشرطِ والاستفهام، وكونُه منصوباً
على الاشتغال هو ظاهر كلام مكي (٦) فإنه ذكر ذلك في قوله: ((واللذانِ يأتيانِها
(١) قوله ((الحكم)) يعني به الخبر.
(٢) أي في محل ((اللاتي)).
(٣) بَيْدَ أن هذا يُفْضي إلى أن يعمل فيما يشبه الشرط ما قبله، فنكون قد وقعنا في المحذور.
السابق .
(٤) الإملاء ١٧١/١.
(٥) أي: من وجوه نصب ((اللاتي)).
(٦) المشكل ١٨٤/١.
٦١٨

- الناء -
منكم فأذُوهما))(١) والآيتان من وادٍ واحد، ولا بدَّ من إيراد نصِّه ليتَّضحَ لك
قولُه، قال - رحمه الله: ((واللذانٍ يأتيانِها)) الاختيارُ عند سيبويه(٢) في ((اللذان)»
الرفع، وإنْ كان معنى الكلامِ الأمرَ، لأنه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّن معنى الشرط
فيه إذ لا يقع على شيءٍ بعينه، فلمَّا تمكَّن معنى الشرط والإِبهام جرى مَجْرى
الشرطِ في كونه لم يَعْمل فيه ما قبله كما لا يعمل في الشرط ما قبله من مضمر
أو مظهر)». ثم قال: ((والنصبُ جائزٌ على إضمارٍ فعل لأنه إنما أشبه الشرطَ،
وليس الشبيهُ بالشيء كالشيءٍ في حكمه)). انتهى. وليس لقائل أن يقولَ:
مرادُه النصبُ بإضمار فعل النصب لا على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ عليه،
كما تقدم نَقْلُه عن بعضِهم؛ لأنه لم يكن لتعليله بقوله: ((لأنه إنما أشبه الشرط
إلى آخره)» فائدةٌ إذ النصبُ كذلك لا يَحْتاج إلى هذا الاعتذار.
وقوله: ((مِنْ نسائِكم) في محلٌّ نصبٍ على الحال من الفاعل من
(يَأْتِين))، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: يأتين كائناتٍ من نسائكم. وأما قوله «منكم»
ففيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلقَ بقوله: ((فاستشهدوا)). والثاني: أن يتعلّق
بمحذوفٍ على أنه صفة لـ ((أربعة))، فيكون في محل نصبٍ تقديرُه: فاستشهدوا
عليهنَّ أربعةً كائنة منكم.
قوله ((حتى))، ((حتى)» بمعنى إلى، فالفعل بعدها منصوب بإضمار ((أن)»
وهي متعلقة بقوله: ((فأمسكوهن)) غاية له. وقوله: ((أو يجعلَ)) فيه وجهان،
أحدهما: أن تكون ((أو)) عاطفة فيكون الجَعْلُ غاية لإِمساكهن أيضاً، فينتصبُ
((يجعلَ)) بالعطف على ((يتوفَّهن)). والثاني: أن تكون ((أو)) بمعنى ((إلا)) كالتي
في قولهم ((لألزَمَنَّك أو تقضيَني حقي)) على أحدِ المعنيين، والفعلُ بعدها
(١) الآية ١٦ من النساء.
(٢) الكتاب ٧٢/١.
٦١٩

- النساء.
منصوبٌ أيضاً بإضمار ((أن)) كقوله(١):
١٥٥٩ - فَسِرْ في بلادِ اللَّهِ والتمسِ الغِنى
تَعِشْ ذا يَسارِ أو تموتَ فَتُعْذَرا
أي: إلا أَنْ تموت. والفرقُ بين هذا الوجهِ والذي قبلهِ أنَّ الجَعْلَ ليْسٍ
غايةً لإِمساكِهِنَّ في البيوتِ .
قوله: ((لهن)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلقٌ بـ ((يَجْعَلَ)). والثاني: أنه
متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حال من ((سبيل))، إذ هو في الأصلِ صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها
فَنُصِب حالاً، هذا إنْ جُعِلِ الجَعْلُ بمعنى الشرع أو الخلق، وإنْ جُعِل بمعنى
التصيير فيكون ((لَهُنَّ)» مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأول وهو «سبيل)»، وتقديمُه هنا
واجبٌ لأنهما لو انْحَلا لمبتدأ وخبرٍ وَجَبَ تقديمُ هذا الخبرِ لكونه جارًّاً،
والمبتدأ نكرةٌ لا مسوِّغَ لها غيرُ ذلك.
آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿واللذانِ﴾: الكلامُ عليه کالكلام على
(اللاتي)»(٢) إلا أنَّ في كلامِ أبي البقاء ما يُوهِمُ جوازَ الاشتغالِ فيه، فإنه
قال(٣): ((الكلام في ((اللذان)) كالكلام في ((اللاتي))، إلا أنَّ مَنْ أجاز النصب
يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلًا من جنس المذكور تقديرُه: أذُوا اللذين، ولا يجوز أن
يعملَ ما بعد الفاء فيما قبلها ههنا ولو عَرِي من الضمير؛ لأن الفاء هنا في
حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك تقطع ما بعدها عما قبلها))(٤).
(١) البيت لعروة بن الورد، وهو في ديوانه ٨٩؛ والمقرب ٢٦٣/١؛ ورصف المباني ١٣٣؛
وشرح الجمل لابن عصفور ١٥٦/٢.
(٢) أي في الآية قبلها.
(٣) الإِملاء ١٧١/١.
(٤) هذا الكلام ينفي نفياً قاطعاً أن أبا البقاء يجيز الاشتغال هنا، وذلك لأن ما بعد الفاء:
سيكون مفسراً لما قبل الموصول، فيكون بذلك قد عمل ما بعد الموصول فیما قبله وهذا
ممنوع.
٦٢٠