Indexed OCR Text

Pages 581-600

- النساء -
وقرأ(١) نافع وابن عامر: ((قِيَماً) وباقي السبعة: ((قِيامً) وابن عمر:
((قواماً) بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر: ((قَواما)» بفتحها، ويروى عن
أبي عمرو. وقرىء ((قِوَماً» بزنة عِنَب.
فأما قراءة نافع وابنٍ عامر ففيها ثلاثة أوجه، أحدهما: أنَّ ((قِيَماً) مصدرٌ
كالقيام وليس مقصوراً منه، قاله الكسائي والأخفش والفراء(٢)، فهو مصدر
بمعنى القيام الذي يُراد به الثباتُ والدوامُ. وقد رُدِّ هذا القول بأنه كان ينبغي
أن تَصِحَّ الواو لتحصُّنِها بتوسُّطِها، كما صَحَّت واو ((عِوَض)) و((حِوّل))(٣).
وأُجيب عنه بأنه تبع فعلَه في الإِعلال، فكما أُعِلَّ فعلُه أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى
القِيام فَحُمِل عليه في الإِعلال. وحَكَى الأخفَثُ: قِيَماً وقِوَماً قال: ((والقياسُ
تصحيحُ الواو، وإنما اعتلَّت على وجهِ الشذوذِ كقولهم: ((ثِيرة)»(٤)، وقولٍ بني
ضبة: ((طِيال)) في جمع طويل، وقولِ الجميع ((جِياد)) جمع جَواد، وإذا أعلُّوا
((دِيَماً)) لاعتلالِ ((دِيْمة)) فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أَوْلى، ألا ترى إلى
صحة الجوع مع اعتلالِ مفردِه في معيشة ومعايش، ومقامة ومقاوم،
ولم يصححوا مصدراً أعلُّوا فِعْلَه(٥).
الثاني: أنه مقصورٌ من «قيام)»، فحذفوا الألف تخفيفاً كما قالوا: خيّم
في ((خِيام)) و ((مِخْيَط)) و((مِقْول)) في: ((مِخْيَاطِ)) و ((مِقْوال)).
والثالث: أنه جمع ((قيمة)) كـ ((دِيَم)) في جمع دِيْمَة، والمعنى: أنَّ
الأموالَ كالقيم للنفوس لأنَّ بقاءها بها. وقد رَدَّ الفارسي (٦) هذا الوجه، وإنْ كان
(١) السبعة ٢٦٦؛ الكشف ٣٧٦/١؛ البحر ١٧٠/٣؛ الشواذ ٢٤.
(٢) معاني القرآن ٢٥٦/١.
(٣) الحول: التحول والتحذق.
(٤) ثيرة: جمع ثور.
(٥) انظر المسألة في: الممتع في التصريف ٤٧١ .
(٦) الحجة (خ) ٢٤٦/٢.
٥٨١

- النساء-
هو قولَ البصريين غيرَ الأخفش(١) بأنه قد قُرِىء قوله تعالى: ((دِيناً قِيَماً مِلَّة
إبراهيم» (٢) وقوله: ((البيتَ الحرامَ قِيَماً للناس))(٣) ولا يَصِحُ معنى القِيَمة
فيهما. وقد ردَّ عليه الناس بأنه لا يلزَمُ من عدم صحةِ معناه في الآيتين
المذكورتين ألَّ يصِحَّ هنا، إذ معناه هنا لائقٌ، وهناك معنىَّ آخرُ يليق بالآيتين
المذکورتین کما سيأتي.
وأمَّا قراءةُ باقي السبعة فهو مصدرُ ((قام)) والأصلُ قِوام، فَأَبْدلت الواوُ ياءً
للقاعدةِ المعروفة، والمعنى: التي جَعَلَها الله سبب قيامِ أبدانكم أي: بقائِها.
وقال الزمخشري(٤): ((أي تقومون بها وتنتعشون)).
وأما قراءة عبد الله بن عمر(٥) ففيها وجهان، أحدهما: أنه مصدر قَاوَمَ
[١٩٨/أ] كـ لاوَذَّ لِواذاً، صحَّت الواو في المصدر / كما صحت في الفعل. والثاني:
أنه اسم لما يقوم به الشيء، وليس بمصدرٍ كقولهم: ((هذا مِلاك الأمر» أي
ما يُمْلك به.
وأما قراءة الحسن(٦) ففيها وجهان، أحدهما: أنه اسم مصدر كالكَلام
والدوام والسلام. والثاني: أنه لغة في القوام المراد به القامة، والمعنى: التي
جعلها الله سببَ بقاءِ قاماتكم، يقال: جارية حسنةُ القِوام والقَوام والقَامة، كلّه
بمعنىِّ واحد. وقال أبو حاتم: ((قَوام بالفتح خطأٌ)) قال: ((لأنَّ القوام امتداد
القامة))، وقد تقدَّم تأويل ذلك على أن الكسائي قال: ((هو بمعنى القوام)) أي
بالكسر، يعني أنه مصدر.
(١) ليس في كتابه ((معاني القرآن)) إشارة إلى ذلك.
(٢) الآية ١٦١ من الأنعام وهي قراءة الكوفيين وابن عامر. السبعة ٢٧٤.
(٣) الآية ٩٧ من المائدة وهي قراءة ابن عامر. السبعة ٢٤٨.
(٤) الكشاف ١/ ٥٠٠.
(٥) قواماً بكسر القاف.
(٦) قَواماً بفتح القاف.
٥٨٢

- النساء -
وأمَّا ((قِوَمً)) فهو مصدرٌ جاء على الأصلِ، أعني تصحيحَ العين كالحِوَل
والعِوض.
قوله: ((فيها)) فيه وجهان، أحدُهما أنَّ ((في)) على بابها مِن الظرفية أي:
اجْعَلوا رزقَهم فيها. والثاني: أنه بمعنى ((مِنْ)) أي: بعضها، والمراد: من
أرباحِها بالتجارة .
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغوا﴾: في ((حتى)» هذه وما أشبهها
- أعني الداخلةَ على ((إذا)) - قولان، أشهرُهما: أنها حرف غاية دَخَلَتْ على
الجملة الشرطية وجوابِها، والمعنى: وأبْتَلوا اليتامى إلى وقت بلوغِهم
واستحقاقِهم دَفْعَ أموالِهم بشرطِ إيناس الرُّشْد، فهي حرف ابتداء كالداخلة
على سائر الجمل كقوله(١):
١٥٤٥- وما زالَتِ القَتْلِى تَمُجُّ دماءها
بِدَجْلَةً حتى ماءُ دَجْلَةً أَشْكَلُ
وقول امرىء القيس (٢):
١٥٤٦ - سَرَيْتُ بهم حتى تَكِلَّ مَطِيُّهم
وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بِأَرْسانِ
والثاني : - وهو قول جماعة منهم الزجاج وابن دُرُسْتويه- أنَّها حرف
جر، وما بعدَها مجرور بها، وعلى هذا فـ ((إذا)) تتمخَّض للظرفيةِ، ولا يكون
فيها معنى الشرط، وعلى القولِ الأولِ يكونُ العاملُ في ((إذا)) ما تخلَّص من
معنى جوابِها تقديرُه: إذا بلغوا النكاح راشِدين فادْفَعوا.
(١) تقدم برقم ٦٥٦.
(٢) ديوانه ٩٣؛ ومعاني القرآن للفراء ١٣٣/١؛ واللسان: مطا؛ وابن يعيش ٧٩/٥؛
ورصف المباني ٥٠؛ والمغني ١٣٦؛ وشواهد المغني ٣٧٤.
٥٨٣

البناء-
وظاهرُ عبارةٍ بعضهم أنَّ ((إذا)) ليست بشرطية، قال: ((وإذا ليست بشرطيةٍ
لحصول ما بعدَها، وأجاز سيبويه(١) أن يُجازى بها في الشعرِ، وقال: ((فَعَلُوا
ذلك مضطرين))، وإنما جُوزي بها لأنها تحتاج إلى جواب، وبأنه يَلْيِها الفعلُ
ظاهراً أو مضمراً، واحتجَّ الخليل على عدمِ شرطيّتِها بحصولٍ ما بعدها، ألا
ترى أنك تقول: ((أجيئك إذا احمرَّ البُسْر))، ولا تقولُ: ((إنْ احمرَّ)). قال
الشيخ(٢): ((وكلامُه يدل على أنها تكونُ ظرفاً مجرداً ليس فيها معنى الشرطِ،
وهو مخالفٌ للنحويين، فإنهم كالمجمِعين على أنها ظرفٌ فيها معنى الشرط
غالباً، وإن وجد في عبارةِ بعضِهم ما يَنْفي كونَها أداةَ شرطٍ فإنما يعني أنها
لا يُجْزم بها لا أنها لا تكون شرطاً». وقَدَّر بعضُهم مضافاً قال: ((تقديره: بلغوا
حَدَّ النكاح أو وقتَه، والظاهرُ أنه لا يُحتاج إليه، إذ المعنى: صَلَّحوا للنكاح.
والفاء في قوله: ((فإنْ آنستم)) جوابُ ((إذا))، وفي قولِه ((فادْفَعُوا)) جوابُ ((إِنْ)).
وقرأ ابن(٣) مسعود: (فإِن أَحَسْتُمْ)) والأصل: أَحْسَسْتُمْ فَحَذَفَ إِحدى
السينين، ويُحتمل أن تكونَ العينَ أو اللام، ومثلُه قول أبي زبيد (٤):
١٥٤٧ - سِوى أنَّ العِتاقَ من المُطايا
حَسِيْنَ به فهنَّ إليه شوسِ
وهذا حذفٌ لا ينقاس، ونَقَلَ بعضُهم أنها لغة سُلَيْم، وأنها مُطَّدة في عين
كل فعلٍ مضاعفة اتصل به تاءُ الضمير أو نونُه.
ونكّر (رُشْدَ) دلالةً على التنويعِ، والمعنى: أيُّ نوعٍ حَصَل من الرشدِ
(١) الكتاب ٤٣٣/١، وانظر: إعراب القرآن للنحاس ٣٩٧/١.
(٢) البحر ١٧٢/٣.
(٣). البحر ١٧٢/٣.
(٤) تقدم برقم ١٣٠٧.
٥٨٤

- الناء -
كان كافياً. وقرأ الجمهور: (رُشْداً)) بضمة وسكون، وابن(١) مسعود والسلمي
بفتحتين، وبعضُهم(٢) بضمتين. وسيأتي الكلامُ على ذلك في الأعراف مشبعاً
إن شاء الله تعالى.
وآنَسَ كذا: أحسُّ به وشَعَر، قال(٣):
١٥٤٨ - آنَسَتْ نَبْأَةً وأَفزعها القُنـ
سناصُ عَصْراً وقد دَنا الإِمساءُ
وقيل: ((وجد)) عن الفراء(٤)، وقيل: ((أبصر)).
قوله: ((وإسرافاً وبِداراً) فيه وجهان، أحدُهما: أنهما منصوبان على
المفعول من أجله أي: لأجلِ الإِسرافِ والبدار. ونقل عن ابن عباس أنه
قال: ((كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم، لئلا يكبرَ، فينتزعَ المالَ
منهم)». والثاني: أنَّهما مصدران في موضعِ الحال أي: مسرفين ومُبادرين.
و ((بِداراً) مصدرُ بادَرَ، والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابِها،
بمعنى أنَّ الوليَّ يبادر اليتيم إلى أخذِ مالِه، واليتيم يبادِرُ إلى الكبر، ويجوزُ أن
يكونَ من واحد بمعنى: أن فاعّلَ بمعنى فعل نحو: سافر وطاَرَقَ(٥).
قوله: ((أَنْ يَكْبَروا)) فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول بالمصدر أي:
وبِداراً كِبْرُهم، كقوله: ((أو إطعامٌ في يومٍ ذي مَسْغبةٍ يتيماً)(٦)، وفي إعمال
(١) الشواذ ٢٤؛ القرطبي ٣٧/٥؛ البحر ١٧٢/٣.
(٢) وهو الحسن. الشواذ ٢٤ .
(٣) البيت من معلقة الحارث بن حلزة، وهو في شرح التبريزي على المعلقات ٤٣٥؛ والبحر
١٥٢/٣؛ والنبأة: الصوت الخفي.
(٤) معاني القرآن ٢٥٧/١.
(٥) طارقت النعل: صيّرتها طاقاً فوق طاق.
(٦) الآية ١٤ من البلد.
٥٨٥

- النساء :-
المصدرِ المنون خلافٌ مشهور. والثاني: أنه مفعول من أجله على حَذْفٍ،
أي: مخافةَ أن يَكْبَروا، وعلى هذا فمفعولُ ((بِداراً)) محذوفٌ. وهذه
الجملةُ النَّهِيَّةِ فيها وجهان، أصحُهما: أنها استئنافية، وليستْ معطوفةً على
ما قبلها. والثاني: أنها عطفُ على ما قبلها وهو جوابُ الشرط بـ ((إنْ)) أي:
فادْفَعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسِدٌ، لأنَّ الشرطَ وجوابَه مترتِّبان على بلوغٍ
النكاح، وهو معارضُ لقوله ((وبِداراً أَنْ يَكْبَروا)) فيلزَمُ منه سَبْقُه على ما ترتّبَ
عليه(١) وذلك ممتنع.
قوله: ((وكفى بالله حسيباً)) في ((كفى)) قولان، أحدهما: أنها اسم فعل.
والثاني : - وهو الصحيح - أنها فِعْلٌ، وفي فاعِلها قولان: أحدُهما
- وهو الصحيح - أنه المجرورُ بالباءِ، والباءُ زائدةٌ فيه وفي فاعل مضارعه نحو:
((أو لم يَكْفِ بربك))(٢) باطِّراد. قال أبو البقاء(٣): ((زيدت لتدلَّ على معنى
الأمرِ إذ التقدير: اكتفٍ بالله)). والثاني: أنه مضمر، والتقدير: كَفَى الاكتفاءُ،
و ((بالله)) على هذا في موضعِ نصب لأنه مفعول به في المعنى، وهذا رأيُ ابْنِ
السراج. ورُدَّ هذا بأنَّ إعمال المصدر المحذوف(٤) لا يجوزُ عند البصريين إلا
ضرورةً كقوله(٥) .
١٥٤٩ - هل تَذْكُرُون إلى الدَّيْرَيْنِ مِجْرَتَكم
ومَسْحَكم صُلْبَكُمْ رُحْمانَ قُرْبانا
أي: قولَكم يا رُحمان. وقال الشيخ(٦): ((وقيل: الفاعل مضمر،
(١) قوله ((على ما ترتب)) مكرر في الأصل.
(٢) الآية ٥٣ من فصلت.
(٣) الإملاء ١٦٨/١.
(٤) المصدر هو ((الاكتفاء)) وعمله في الجار والمجرور ((بالله)).
(٥) تقدم برقم ٣٣.
(٦) البحر ١٧٤/٣.
٥٨٦

- النساء -
وهو ضمير الاكتفاء، أي: كفى هو، أي: الاكتفاء، والباءُ ليست زائدةً،
فيكون في موضع نصب، ويتعلَّق إذ ذاك بالفاعل، وهذا الوجه لا يَسُوغ على
مذهب البصريين؛ لأنه لا يجوزُ عندهم إعمالُ المصدرِ مضمراً، وإنْ عَنَى
بالإِضمارِ الحذفَ امتنع عندهم أيضاً لوجهين: حَذْفِ الفاعل، وإعمالٍ
المصدر محذوفاً وإبقاءٍ معمولِه)). وفيه نظر، إذ لقائل أن يقول: إذا قلنا بأن
فاعل ((كفى) مضمرٌ لا نعلق ((بالله)) بالفاعلِ حتى يَلْزم ما ذَكَر، بل نعلِّقُه بنفس
الفعل كما تقدَّم، وهذا القول سبقه إليه مكي(١) والزجاج(٢) فإنه قال: ((دَخَلَتِ
الباءُ في الفاعل، لأنَّ معنى الكلام الأمرُ، أي: اكتفوا باللّه))، وهذا الكلامُ يُشْعِرُ
أنَّ الباءَ ليست بزائدة، وهو كلامٌ غيرُ صحيح، لأنه من حيث المعنى الذي
قَدَّره يكون الفاعل هم المخاطبين، و((بالله)) متعلقٌ به، ومِنْ حيث كونُ الباءِ
دخلت في الفاعلِ يكونُ الفاعلُ هو اللّه تعالى فتناقض.
وفي كلامِ ابنِ عطية (٣) نحوٌ من قولِه أيضاً، فإنه قال: ((بالله)) في
موضعِ رفعٍ بتقديرِ زيادةِ الخافض، وفائدةُ زيادتِه تبيينُ معنى الأمر في صورةٍ
الخبر أي: اكتفوا بالله، فالباءُ تَدُلُّ على المرادِ من ذلك))، وفي هذا ما رُدَّ به
على الزجاج وزيادَةُ جعلِ الحرفِ زائداً وغيرَ زائدٍ. وقال ابن عيسى: ((إنما
دخلَتِ الباءُ في ((كفى بالله)) لأنه كان يتصل اتصالَ الفاعل، وبدخولِ الباءِ اتصل
اتصالَ المضافِ واتصالَ الفاعل؛ لأن الكفايةَ منه تعالى ليست كالكفايةِ من
غيرِه، فضوعف لفظُها لمضاعفةِ معناها)» ويحتاج إلى فكر.
قوله: ((حسيباً) فيه وجهان، أصحُهما: أنه تمييزٌ يَدُلُّ على ذلك صلاحيةُ
دخولِ ((مِنْ)) عليه، وهي علامةُ التمييز. والثاني: أنه حال.
(١) لم يرد هذا في المشكل.
(٢) لم يرد هذا في ((معاني القرآن)).
(٣) المحرر ١٣٧/٤، وقد جاء قوله لدى تفسيره الآية ٤٥ من النساء.
٥٨٧

- النساء-
و ((كفى)) هنا متعديةٌ لواحدٍ، وهو محذوفٌ تقديرُه: وكفاكم اللَّهُ)). وقال
أبو البقاء (١): ((وكفى)) تتعدَّى إلى مفعولين حُذِفا هنا تقديرُه: كفاكِ اللَّهُ شرَّهم
بدليل قوله: ((فسيكفيكهم الله))(٢). والظاهر أنَّ معناها غيرُ معنى هذه. قال
الشيخ (٣) بعد أَنْ ذكر أنها متعدية لواحدٍ: ((وتأتي بغيرِ هذا المعنى متعدية إلى
اثنين كقوله: ((فسيكفيكهم الله)). وهو محلُّ نظر.
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿مَّا تَرَكَ الوالدان﴾: هذا الجارُّ في محل رفع
لأنه صفةٌ للمرفوعِ قبلَه أي: نصيبٌ كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في
محل نصبٍ متعلقً بلفظ ((نصيب)) لأنَّه من تمامه.
وقوله: ((مِمَّا قَلَّ)) في هذا الجارِّ أيضاً وجهان أحدُهما: أنه بدلٌ من ((ما))
الأخيرةِ في ((مِمَّا ترك)) بإعادةِ حرفِ الجر في البدل، والضميرُ في ((منه)) عائدٌ
على ((ما) الأخيرةِ، وهذا البدلُ مرادٌ أيضاً في الجملةِ الأولى حُذِفَ للدلالةِ
[١٩٨/ب] عليه، ولأنَّ المقصودَ به التأكيدُ لأنه تفصيلٌ / للعموم المفهوم من قوله:
((مِمَّا تَرَك)) فجاءَ هذا البدلُ مفصِّلاً لحالتَيْه من الكثرةِ والقلة. والثاني: أنه حالٌ
من الضمير المحذوف من ((ترك)) أي: مِمَّا تركه قليلاً أو كثيراً أو مستقراً مِمَّا قل.
و ((نصيباً)) فيه أوجه أحدها: أن ينتصِبَ على أنه واقعٌ موقعَ المصدرِ،
والعاملُ فيه معنى ما تقدَّم، إذ التقديرُ: عطاءً أو استحقاقاً، وهذا معنى قولٍ.
مَنْ يقولُ: منصوبٌ على المصدرِ المؤكد. قال الزمخشري(٤): ((كقوله:
((فريضةً من الله))(٥) كأنه قيل: قسمةً مفروضةً)). وقد سَبَقه الفراء (٦) إلى هذا
(١) الإملاء ١ /١٦٨.
(٢) الآية ١٣٧ من البقرة.
(٣) البحر ١٧٤/٣.
(٤) الكشاف ٥٠٣/١.
(٥) الآية ١١ من النساء.
(٦) معاني القرآن ٢٥٧/١.
٥٨٨

- النساء -
قال: ((نُصِبَ لأنه أُخْرِج مُخْرَج المصدرِ، ولذلكَ وَحَّده كقولك: ((له عليَّ كذا
حقاً لازماً) ونحوه: ((فريضةً من الله)) ولو كان اسماً صحيحاً لم يُنْصَبْ،
لا تقول: («لك عليَّ حق درهماً».
الثاني: أنه منصوبٌ على الحال، ويُحتمل أن يكونَ صاحبُ الحال
الفاعلَ في ((قَلَّ أو كَثُر))، ويُحتمل أن يكونَ ((نصيب)) وإن كان نكرة لتخصُّصِه:
إمَّا بالوصفِ وإمَّ بالعمل، والعاملُ في الحال الاستقرارُ الذي في قوله:
(للرجال)). وإلى نصبه حالاً ذهب الزجاج(١) ومكي (٢)، قالا: ((المعنى
لهؤلاءِ أَنْصِباء على ما ذكرناها في حالِ الفرض)».
الثالث: أنه منصوبٌ على الاختصاص، بمعنى: أعني نصيباً، قاله
الزمخشري (٣). قال الشيخ (٤): ((إنْ عنى الاختصاصَ المصطلحَ عليه فهو
مردودٌ بكونِه نكرةً، وقد نَصُّوا على اشتراطِ تعريفِهِ)).
الرابع: النصبُ بإضمار فعلٍ أي: أُوجبت - أو جُعِلت - لهم نصيباً.
الخامس: أنه مصدرٌ صريحٌ أي: نَصَبْتُه نصيباً.
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿فارْزُقُوهم منه﴾: في هذا الضميرِ ثلاثةٌ
أوجهٍ، أحدها: [أن] يعودَ على المالِ لأنَّ القسمةُ تدل عليه بطريقِ الالتزام.
الثاني: أنْ يعودَ على ((ما)) في قوله: ((مِمَّا تَرَك)). الثالث: أَنْ يَعودَ على نفسٍ
القسمةِ وإن كان مذكراً مراعاةً للمعنى، إذ المرادُ بالقسمةِ الشيءُ المقسوم،
وهذا على رأي مَنْ يرى ذلك، وأمَّا مَنْ يقولُ: القسمةُ من الاقتسام كالخِْرة من
الاختبار، أو بمعنى القَسَم فلا يتأتّى ذلك.
(١) معاني القرآن له ١٢/٢، والقول الذي سيورده له وليس لمكي.
(٢) المشكل ١٨١/١.
(٣) الكشاف ٥٠٣/١.
(٤) البحر ١٧٥/٣.
٥٨٩

- النساء =
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الذين﴾: قرأ الجمهورُ بسكون اللام
في الأفعالِ الثلاثةِ. وهي لامُ الأمر، والفعلُ بعدها مجزومُ بها. وقرأَ
الحسن (١) وعيسى بن عمر بكسرِ اللامِ في الأفعالِ الثلاثةِ، وهو الأصلُ،
والإِسكانُ تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبَّهوا ((وَلْيخش))
بـ ((كَتِفِ))(٢) وهذا كما تقدَّم الكلامُ في نحو: ((وهي)) و((لَهْي)) في أول البقرة.
و((لو)» هذه فيها احتمالان، أحدُهما: أنَّها على بابِها مِنْ كونها حرفاً لِما
كان سيقع لوقوع غيره، أو حرفَ امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين.
والثاني: أنها بمعنى ((إنْ)) الشرطية. وإلى الاحتمال الأولِ ذهب ابن عطية(٣)
والزمخشري (٤). قال الزمخشري: ((فإن قلت: ما معنى وقوع ((لوتركوا))
وجوابِه صلةً لـ ((الذين)؟ قلت: معناه: وَلْيخش الذين صفتُهم وحالُهم أَنهم
لو شارَفُوا أَنْ يَتْرُكُوا خلفهم ذريةً ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم
الضياع بعدهم لذهابٍ كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل(٥):
١٥٥٠- لقد زادَ الحياةَ إليَّ حُبَّاً.
بناتِي أَنَّهن من الضِعافِ
أُحاذِرُ أن يُرَيْنَ البؤس بعدي
وأن يَشْرَبْنَ رِنْقاً بعد صافي
(١) البحر ١٧٧/٣.
(٢) المنفصل: ((وليخش))، لأنَّ الواو منفصلة عن اللام، والمتصل: ((كتف))، وقد أجازوا
التسكين في الأول حملاً على ظاهرة التسكين في الثاني الذي يجوز فيه ذلك لتتابع الحركات
فيه :
(٣) المحرر ٢٩/٤.
(٤) الكشاف ٥٠٤/١.
(٥) البيتان لأبي خالد القناني سعيد بن مسجوح، وهو في الكامل ٨٩٥؛ وإصلاح المنطق
٥٩؛ وشواهد الزمخشري ٤٥٦/٤.
٥٩٠

- النساء -
وقال ابن عطية(١): ((تقديرُه: لو تَرَكُوا لخافُوا، ويجوزُ حذفُ اللامِ من
جواب لو))، ووجهُ التمسُّكِ بهذه العبارةِ أنه جَعَلَ اللامَ مقدرةٌ في جوابِها، ولو
كانت ((لو)) بمعنى ((إنْ)) الشرطية لَما جاز ذلك، وقد صَرَّح غَيرُهما بذلك،
فقال: ((لو تركوا)) ((لو)) يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، و((خافوا)) جوابُ ((لو)).
وإلى الاحتمال الثاني (٢) ذهب أبو البقاء(٣) وابن مالك، قال ابن مالك:
(لو) هنا شرطيةٌ بمعنى ((إِنْ))، فتقلِبُ الماضي إلى معنى الاستقبال، والتقدير:
وَلْيخش الذين إنْ تركوا، ولو وقع بعد ((لو) هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ
بعد ((إِنْ)) وأنشد (٤):
١٥٥١ - لا يُلْفِكُ السرَّاجوك إلا مُظْهِراً
خُلُقَ الكرامِ ولو تكونُ عَدِيما
أي: وإنْ تكن عديماً. ومثلُ هذا البيتِ الذي أنشده قولُ الآخر(٥):
١٥٥٢ - قومٌ إذا حارَبُوا شدُّوا مآزِرَهُمْ
دونَ النساءِ ولو باتَتْ بِأَطْهارِ
والذي ينبغي: أن تكونَ على بابِها من كونها تعليقاً في الماضي .
وإنما حَمَل ابنَ مالك وأبا البقاء على جَعْلِها بمعنى ((إِنْ)) توهُّمُ أنه لَمَّا
أمر بالخشية - والأمرُ مستقبل ومتعلَّقُ الأمر موصولٌ - لم يَصِحَّ أن تكون الصلةٌ
ماضيةً على تقدير دلالتِه على العَدَمِ الذي يُنَافي امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ
سـ
(١) المحرر ٢٩/٤.
(٢) أي: كونها بمعنى «إنْ)).
(٣) الإِملاء ١٦٨/١.
(٤) تقدم برقم ٢٥٥.
(٥) البيت للأخطل، وهو في ديوانه ١٧٢/١؛ ونوادر أبي زيد ١٥٠؛ والحماسة الشجرية
٣٨١/١؛ والمقرب ٩٠/١؛ والمغني ٢٩٢؛ وشواهد المغني ٦٤٦.
٥٩١

- النساء ؟
(لو) لفظُ ((إنْ))، ولأجل هذا التَوَهُّمِ لم يُدْخِل الزمخشري ((لو)) على فعل
مستقبل، بل أتى بفعلٍ ماضٍ مسندٍ للموصولِ حالةً الأمر فقال: ((وَلْيخش
الذين صفتُهم وحالُهم أنهم لو شارَفُوا أن يتركوا)). قال الشيخ(١): ((وهذا الذي
توهّموه لا يلزم، إلا إنْ كانت الصلةُ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذ معنى
((لو تركوا من خلفهم)) أي: ماتوا فتركوا مِنْ خلفهم، فلو كان كذلك لَلزم
التأويلُ في (لو)) أَنْ تكونَ بمعنى ((إِنْ)) إذ لا يجامِعُ الأمرُ بإيقاعٍ فعلٍ مَنْ(٢)
مات بالفعل، أمَّا إذا كان ماضيً على تقديرٍ فيصِحُّ أن يقع صلةً، وأنْ يكونَ
العاملُ في الموصولِ الفعلَ المستقبل، نحو قولك: ((ليزُرْنا الذي لومات أمس
لېکیناه» انتھی.
وأمَّا البيتان المتقدِّمان فلا يلزمُ مِنْ صحةِ جَعْلِها فيهما بمعنى ((إنْ)) أنَّ
تكونَ في الآيةِ كذلك، لأنّا في البيتين نضطرُ إلى ذلك: أمَّا البيتُ الأولُ فلأنَّ
جوابَ (لو)) محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ((لا يُلْفِك)) وهو نَهْيُ، والنهيُ مستقبلٌ
فلذلك كانت ((لو)) تعليقاً في المستقبل. وأما البيتُ الثاني فلدخولِ ما بعدَها
في حَيِّزٍ ((إذا))، و ((إذا)) للمستقبل.
ومفعول ((وَلْيَخْشَ)) محذوفٌ أي: وَلْيخش الله. ويجوزُ أَنْ تكون المسألةُ
من بابِ التنازع، فإنَّ ((وَلْيخش)) يطلبُ الجلالةَ، وكذلك ((فليتقوا))، ويكونُ مِنِ
إعمالِ الثاني للحذفِ من الأولِ .
قوله: ((مِنْ خَلْفِهِمْ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلُّقٌ بـ ((تركوا)) ظرفاً
له. والثاني: أنه متعلُّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من ((ذرية))، لأنَّه في الأصلِ صفةً
نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً .
(١). البحر ١٧٨/٣.
(٢) قوله ((من)) مفعول ((يجامع)).
٥٩٢

- النساء -
وأمال(١) حمزةُ ألفَ ((ضِعافً)) ولم يُبالِ بحرفِ الاستعلاءِ لانكسارِه،
ففيه انحدارٌ فلم ينافِرِ الإِمالةَ .
وقرأ(٢) ابن محيصن: ((ضُعُفاً) بضمّ الضاد والعين، وتنوين الفاء.
والسلمي وعائشة: ((ضعفاء» بضمُّ الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مقيس
في فعيل صفةً نحو: ظَريف وظُرَفاء وكريم وكُرَماء. وقرىء ((ضَعافَى)) بالفتحِ
والإِمالة نحو: سكارى. وظاهر عبارةِ الزمخشري (٤) أنه قُرِىءَ: ((ضُعافى))
بضم الضاد مثل سُكارى، فإنه قال: ((وَقُرِىء ضُعَفَاء وضَعافى وضُعافى نحو
سَكارى وسُكارى)» فيُحتملِ أَنْ يريد أنه قُرِىء بضم الضاد وفتحِها، ويُحتمل
أن يريدَ أنه قُرىء: ((ضَعافى)) بفتح الضاد دونَ إِمالة، و ((ضَعافَى)) بفتحِها مع
الإِمالة كسَكارى بفتحِ السين دونَ إمالة، وسَكارى بفتحها مع الإِمالة، والظاهرُ
الأولُ، والغالبُ على الظن أنها لم تُنْقل قراءة(٥).
وأمال حمزة (٦) ألفَ ((خاف)) للكسرةِ المقدرةِ في الألفِ، إذ الأصل
(خَوِف)) بكسر العين بدليلٍ فتحِها في المضارع نحو: ((يخاف))، وعَلَّل
أبو البقاء (٧) ذلك بأنَّ الكسر قد يَعْرِض في حال من الأحوال، وذلك إذا أُسْنِدَ
الفعل إلى ضمير المتكلم / أو إحدى أخواته نحو: خِفْت وخِفْنا، والجملةُ من [١٩٩/أ]
(لو)) وجوابها صلةُ ((الذين)).
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿ظُلْماً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ
(١) الكشف ٣٧٧/١؛ البحر ١٧٨/٣.
(٢) الشواذ ٢٤؛ البحر ١٧٨/٣.
(٣) قراءة عيسى بن عمر كما في الشواذ ٢٤ .
(٤) الكشاف ١/ ٥٠٤.
(٥) بل نقلها صاحب الشواذ ٢٤ ونسبها إلى عيسى أيضاً ومَثَّل بالمثال نفسه.
(٦) البحر ١٧٨/٣.
(٧) الإملاء ١٦٨/١.
٥٩٣

.- النساء
من أجله، وشروطُ النصبِ موجودةٌ. والثاني: أنه مصدرٌ في محل نصب على
الحال أي: يأكلونه ظالمين، والجملةُ مِنْ قوله: ((إنما يأكلون)) في محلّ رفْعٍ
خبراً لـ ((إنَّ))، وفي ذلك دلالةٌ على وقوّعٍ خبرِ ((إنَّ)) جملةً مصدرةً بـ ((إنَ)) وفي
ذلك خلافٌ. قال الشيخ (١): ((وحَسَّنه هنا وقوعُ اسمِ ((إِنَّ) موصولاً فِطال
الكلامُ بصلةِ الموصولِ، فلمَّا تباعَدَ لم يُبالَ بذلك، وهذا أحسنُ مِنْ قولك:
(إنَّ زيداً إنَّ أباه منطلقٌ)). ولقائل أن يقول: ((ليس فيها دلالةٌ على ذلك؛ لأنَّها
مكفوفةٌ بـ «ما))، ومعناها الحصرُ فصارت مثلَ قولِك في المعنى: «إنَّ زِيداً
ما انطلق إلا أبوه)» وهو مَحَلُّ نظر.
قوله: ((في بطونهم)» فيه وجهان أحدُهما: أنه متعلِّقَ بـ((يأكلون)) أي:
بطونُهم أوعيةٌ للنار: إِمَّا حقيقةً بأن يَخلق اللَّهُ لهم ناراً يأكلونها في بطونهم،
أو مجازاً بأَنْ أطلق المُسَبَّبَ وأراد السببَ. والثاني: أنه متعلقُ بمحذوفٍ؛ لأنه
حالٌ مِنْ ((ناراً))، وكان في الأصلِ صفةً للنكرة فلمَّا قُدِّمَتْ انتصبَتْ حالاً.
وذَكَر أبو البقاء(٢) هذا الوجهَ عن أبي علي في ((تذكرته))، وحَكَى عنه
أنه منع أن يكونَ ظرفاً لـ ((يأكلون)»، فإنَّه قال: ((في بطونهم ناراً)) قد تقدَّم في
البقرة(٣) منه شيءٌ، ويخصُّ هذا الموضع أن ((في بطونهم)) حالٌ من «ناراً»
أي: ناراً كائنةً في بطونِهم، وليس بظرفٍ لـ ((يأكلون)»، ذكره في («التذكرة)».
وفي قوله: ((والذي يَخُصُّ هذا الموضع)) فيه نظر، فإنه كما يجوز أن يكونَ
(في بطونهم)) حالاً من: ((نار)) هنا يجوز أن يكونَ حالاً من ((النار)) في البقرة، وفي
إبداء الفرقِ عُسْرٌ، ولم يظهر في منعِ أبي علي كونَ ((في بطونهم)) ظرفاً للأكل
وجه ظاهر.
(١) البحر ١٧٨/٣.
(٢) الإملاء ١٦٨/١.
(٣) الآية ١٧٤: ((أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار)).
٥٩٤

- النساء -
قوله: ((وسَيَصْلَون)) قرأ الجمهور بفتحِ الياءِ واللام، وابن عامر(١)
وأبو بكر بضمِّ الياء مبنياً للمفعول من الثلاثي. ويَحْتمل أن يكونَ من أَصْلى،
فلمّا بُني للمفعولِ قام الأولُ مقامَ الفاعلِ. وابن أبي عبلة بضمِّهما مبنياً
للفاعلِ من الرباعي، والأصلُ على هذه القراءة: سيُصْلُيُون من أصْلى مثل
يُكْرِمون من أكرم، فاستثقِلَت الضمةُ على الياءِ فَحُذِفت فالتقى ساكنان،
فَحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ، وضُمَّ ما قبل الواو لتصِحِّ(٢).
و ((أَصْلَى)»: يُحتمل أَنْ تكونَ الهمزةُ فيه للدخول في الشيء، فيتعدّى
الواحد وهو ((سعيراً)) وأن تكونَ للتعديةِ، فالمفعولُ محذوفٌ، أي: يُصْلُون
أنفسَهم سعيراً.
وأبو حيوة بضمُّ الياءِ وفتحِ الصاد، واللام مشددة، مبنياً للمفعول من
((صَلَّى)) مضعفاً. قال أبو البقاء (٣): ((والتضعيفُ للتكثير)).
والصَّلْيُ: الإِيقادُ بالنارِ، يقال: صَلِي بكذا - بكسر العين -،وقوله:
((لا يَصْلاه))(٤) أي يَصْلَى بها. وقال الخليل: ((صَلِي الكافرُ النارَ)) قاسَى
حَرَّها. وصلاه النارَ وأَصْلاه غيرُه، هكذا قال الراغب(٥)، وظاهرُ هذه العبارةِ
أنَّ فَعِل وأَفْعَل بمعنىٍّ، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجر، وقد يُحْذَف.
وقال غيرُه: ((صَلِيَ بالنارِ أي: تَسَخّن بقربها))، فـ (سعيراً)) على هذا منصوبٌ
على إسقاط الخافض. ويَدُلُّ على أنَّ أصلَ ((يَصْلاها)) يَصْلَى بها قولُ
الشاعر(٦):
(١) السبعة ٢٢٧؛ الكشف ٣٧٨/١؛ البحر ١٧٩/٣؛ الشواذ ٢٤.
(٢) أي إنها تصبح بعد الحذف: سيُصْلِوْن فكان من حق الواو أن تقلب ياء لسكونها وقبلها
کسر.
(٣) الإملاء ١٦٩/١.
(٤) الآية ١٥ من الليل.
(٥) المفردات ٢٩٣.
(٦) تقدم برقم ٩٣٥.
٥٩٥

بالننساء -
١٥٥٣- إذا أَوْقَدُوا ناراً لحربِ عَدُوَّهم
فقد خابَ مَنْ يَصْلَى بها وسِعِيرِها
وقيل: يُقال صَلَيْتُه النارَ: أَدْنَيْتُه منها، فيجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً مِنْ غِيرِ
إسقاطٍ خافضٍ . والسُعيرُ في الأصلِ: الجَمْرُ المشتعل، سَعَرْتُ النارَ:
أَوْقَدْتُها، ومنه: ((مُسْعِرُ حربٍ)) على التشبيهِ. والمِسْعَرُ: الآلة التي تُحَرَّك بِهَا
النار:
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿اللذَّكَرِ مِثْلُ حَظُّ الْأُنْثَين﴾: هذه جملةٌ من
مبتدأ وخبر، يُحْتَمَل أَنْ تكونَ في محلِّ نصبٍ بـ (يُوصي)) لإِنَّ المعنى: يَفْرِضَ
لكم، أو يُشَرِّع في أولادِكم، كذا قاله أبو البقاء (١)، وهذا يَقْرُبُ من مذهبٍ
الفراء فإنه يُجْري ما كان بمعنى القولِ مُجْراه في حكايةِ الجملِ بعده. قال
الفراء (٢): ((ولم يَعْمل (يُوصيكم)) في ((مِثْل))(٣)، إجراءً له مُجْرى القول في
حكاية الجمل، فالجملةُ في موضع نصبٍ بـ ((يُوصيكم)). وقال مكي (٤):
(لذَّكَرِ مثلُ حظ)) ابتداءٌ وخبر في موضع نصب، تبيينُ للوصية وتضِيرٌ لها.
وقال الكسائي: ((ارتفع (مثل)) على حَذْفِ ((أنَّ)) تقديره: ((أنَّ للذكرِ مثلَ حظ))،
وبه قرأ ابن أبي عبلة (٥).
ويُحْتمل ألَّ يكون لها محلّ من الإِعراب، بل جِيءَ بها للبيانِ والتفسير،
فهي جملةٌ مفسِّرة للوصية، وهذا أحسنُ وجارٍ على مذهب البصريينِ؛
وهو ظاهرُ عبارةِ الزمخشري(٦) فإنَّه قال: ((وهذا إجمالٌ تفصيلُه ((للذَّكَرِ مثلُ
(١) الإِملاء ١٦٩/١.
(٢) لم يرد هذا الرأي كتابه («معاني القرآن)).
(٣) أي: لم ينصبه مفعولاً.
(٤) المشكل ١٨١/١.
(٥) البحر ١٨١/٣.
(٦) الكشاف ٥٠٥/١.
٥٩٦

- النساء -
حَظِّ الأنثيين)). وقوله: ((للذِّكر)) لا بدَّ من ضمير [فيه] يعود على ((أولادكم)) من
هذه الجملة، فيُحتمل أن يكون محذوفاً، أي: للذكر منهم نحو: ((السَّمْنُ
مَنَوانِ بدرهم)) قاله الزمخشري(١). ويُحْتمل أن يكونَ قامَ مقامَه الألفُ واللامُ
عند مَنْ يَرَى ذلك، والأصلُ: لِذَكَرِهم.
و ((مثلُ)) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: للذَّكرِ منهم حَظُّ مثلُ حَظّ
الأنثيين. و(في أولادِكم)) قيل: ثَمَّ مضافٌ محذوف أى: في أولادٍ موتاكم.
قالوا: لأنه لا يَجُوزُ أَنْ يُخاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولادِه ويُفْرَضَ عليه
ذلك. وقال بعضُهم: ((إنْ قلنا: إنَّ معنى ((يُوصيكم)) ((يبيِّن لكم)) لم يحتج إلى
هذا التقدير)). وقَدَّر بعضُهم قبل ((أولادكم)) مضافاً أي: في شأنِ أولادِكم،
أو في أمرٍ أولادكم.
وقرأ(٢) الحسن وابن أبي عبلة: ((يُوَصِّيكم)) بالتشديد، وقد تقدَّم أنَّ
أوصى ووصَّى لغتان.
قوله: ((فإنْ كُنَّ نساءً)) الضميرُ في ((كُنَّ)) يعودُ على الإِناث اللاتي
شَمَلَهُنَّ قولُه ((في أولادكم)). فإِنَّ التقدير: في أولادكم الذكورِ والإِناثِ، فعادَ
الضميرُ على أحدٍ قِسْمَي الأولادِ، وإذا عاد الضمير على جمعِ التكسيرِ العاقلِ
المرادِ به مَحْضُ الذكور في قوله عليه السلام: ((وربَّ الشياطين ومَنْ
أَضْلَلْن))(٣) كعَوْدِه على جماعةِ الإِناث، فَلَأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسيرِ
الشاملِ للإِناثِ بطريقِ الْأُوْلَى والأحرى، هذا معنى قولِ الشيخ(٤). وفيه نظرٌ
لأنَّ عودَه هناك كضميرِ الإِناث إنما كان لمعنىَّ مفقودٍ هنا، وهو طلبُ المشاكلة
(١) الكشاف ٥٠٦/١.
(٢) البحر ١٨١/٣.
(٣) رواه الترمذي في الدعوات (التحفة) ٥٠٦/٩.
(٤) البحر ١٨١/٣.
٥٩٧

- الناء=
لأنَّ قبلَه: ((اللهم ربّ السموات ومَنْ أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضين وما أَقْلَلْنَ)) ذَكَر
ذلك النحويون. وقيل: الضمير يَعُود على المتروكات أي: فإنْ كانت
المتروكات، ودَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبو البقاء (١) ومكي(٢). وقَدَّرَه
الزمخشري(٣): ((فإنْ كان البنات أو المولودات)).
فإذا تقرَّر هذا فـ((كُنَّ)) كان واسمُها، و(نساءً)) خبرُها، و((فوق اثنتين))
ظرف في محل نصب صفةً لـ ((نساء)» وبهذه الصفةِ تحصُل فائدةُ الخبرِ،
ولو اقتُصِر عليه لم تَحْصُلْ فائدةٌ، ألا ترى أنه لو قيل: ((إن كان الزيدون رجالاً
کان کذا)) لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.
وأجاز الزمخشري (٤) في هذه الآية وَجْهين غريبين، أحدهما: أن يكونَ
الضميرُ في ((كنَّ)) ضميراً مبهماً، و((نساءً)) منصوبٌ على أنه تفسيرٌ له يعني
تمييزاً، وكذلك قال في الضمير الذي في ((كانت)) من قوله ((وإنْ كانت واحدةً)
على أنَّ ((كان)) تامة. والوجهُ الآخر: أن يكونَ ((فوق اثنتين)) خبراً ثانياً
لـ «كُنَّ))، وَرَدَّهما عليهِ الشيخ (٥): أمَّا الأولُ فلأنَّ ((كان)» ليسَتْ من الأفعالِ
التي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بعدَه، بل هذا مختصّ من الأفعالِ
بـ (نعم)) و ((بئس)) وما جَرى مَجْراهما، وبابِ التنازع عند إعمالِ الثاني. وأما
الثاني فلِما تقدَّم من الاحتياجِ إلى هذه الصفةِ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أَنْ تستقلَّ بُه
[١٩٩/ب] / فائدةُ الإِسنادِ، وقد تقدَّم أنه لو اقتَصَر على قوله: ((فإنْ كُنَّ نساءً)) لم يُفِدْ
شيئاً، لأنه معلوم .
(١) الإملاء ١٦٩/١.
(٢) المشكل ١٨١/١.
(٣) الكشاف ١ /٥٠٦.
(٤) الكشاف ٥٠٦/١.
(٥) البحر ١٨٢/٣.
٥٩٨

- النساء-
وقرأ(١) الحسن ونعيم بن ميسرة(٢): ((ثُلْنا)) و((الثلث)) و((النصْف))
و ((الرُّبْع)) و((الثُّمْن)) كلُّ ذلك بإسكان الوسط. والجمهور بالضم، وهي لغةً
الحجاز وبني أسد. قال النحاس(٣): ((من الثلث إلى العشر)). وقال
الزجاج(٤): ((هي لغةٌ واحدة، والسكونُ تخفيف)».
قوله: ((وإنْ كانت واحدة)) قرأ نافع(٥): ((واحدةٌ)) رفعاً على أنَّ ((كان))
تامة أي: وإنْ وُجِدَتْ واحدةً، والباقون ((واحدة)) نصباً على أنَّ((كانت)) ناقصةً،
واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة، و((واحدةً)) نصبٌ على خبرٍ
(«كان»، وقد تقدَّم أن الزمخشري أجاز أن يكونَ في ((كان)» ضميرٌ مبهمٌ مفسَّر
بالمنصوب بعدُ.
وقرأ السلمي: ((النّصف)) بضم النون، وهي قراءةُ علي وزيد بن ثابت
رضي الله عنهما، وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله: ((فنصفُ
ما فرضتم))(٦).
قوله: ((ولأبويه لكلِّ واحدٍ منهما السدسُ)) ((السدس)) مبتدأ و((لأبويه))
خبر مقدم، و((لكلِّ واحدٍ)) بدلٌ من ((لأبويه)) وهذا ما نَصِّ عليه الزمخشري فإنه
قال (٧): (لكلِّ واحد منهما)) بدل من ((لأبويه)) بتكريرِ العاملِ ، وفائدةُ هذا
البدلِ أنه لو قيل: ((ولأبويه السدسُ)) لكان ظاهرُه اشتراكهما فيه، ولو قيل:
(١) الشواذ ٢٥؛ الكشاف ٥٠٧/١.
(٢) أبو عمرو نعيم بن ميسرة الكوفي، روى عن عبدالله بن عيسى وأبو عمرو بن العلاء،
وروى عنه الكسائي، توفي سنة ١٧٤. انظر: طبقات القراء ٣٤٢/٢.
(٣) إعراب القرآن ٣٩٩/١.
(٤) معاني القرآن ١٧/٢.
(٥) السبعة ٢٢٧؛ الكشف ٣٧٨/١.
(٦) الآية ٢٣٧ .
(٧) الكشاف ٥٠٧/١.
٥٩٩

- النساء-
(أبويه السدسان)) لَأَوْهُمَ قسمةَ السدسين عليهما بالتسويةِ وعلى خلافِهما(١).
فإنْ قلت: فهلا قيل: ((ولكلِّ واحدٍ من أبويه السدس)) وأيُّ فائدةٍ في ذِكْرٍ
الأبوين أولا ثم في الإِبدال منهما؟ قلت: لأنَّ في الإِبدال والتفصيل بعد
الإجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمعِ بين المفسَّر والتفسير.
و ((السدس)) مبتدأ، وخبره ((لأبويه))، والبدلُ متوسط بينهما للبيانِ)). انتهى.
وناقَشَه الشيخ(٢) في جَعْلِه ((لأبويه)) الخبرَ دونَ قوله ((بكلِّ واحد)) قال:
(لأنه ينبغي أن يكونَ البدلُ هو الخبرَ دونَ المبدلِ منه)) يعني أنَّ البدلّ
هو المعتمدُ عليه، والمبدلُ منه صارَ في حكمِ المُطَّرح، ونَظّره بقولك: ((إِنَّ
زيداً عينُه حسنة)) فكما أنَّ ((حسنة)) خبر عن ((عينه)) دون ((زيد)) لأنّه في خَكُم
المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك: ((أبواك كلُّ واحد منهما يصنع كذا»
فـ (يَصنع)) خبرٌ عن ((كل واحد)) منهما، ولوقلت: ((أبواك كلَّ واحدٍ منهما
يَصْنعان كذا)» لم يَجُزْ»
وفي هذه المناقشةِ نظرً، لأنه إذا قِيل لك: مَا مَحَلُّ ((لأبويه)) من
الإِعرابِ؟ نضطر إلى أَنْ نقولَ: في محلِّ رفعٍ خبراً مقدماً، ولكنه نقّل نسبةً
الخبرية إلى ((لكلِّ واحدٍ منهما)) دونَ ((لأبويه)). قال(٣): ((وقال بعضُهم)) (٤):
(السدسُ) رفعٌ بالابتداء، و((لكلِّ واحدٍ)) الخبرُ، و((لكلُّ)) بدلٌ من الأبوين،
و ((منهما)) نعتُ لواحد، وهذا البدلُ هو بعضٌ من كل، ولذلك أَتَّى معه
بالضمير، ولا يُتَوَهُّمُ أنه بدلُ شيءٍ من شيء وهما لعينٍ واحدة لجوازٍ «أبواك
(١) أي: كأن يأخذ الوالد أكثر من الوالدة من هذين السدسين.
(٢) البحر ١٨٣/٣.
(٣) أي: صاحب البحر.
(٤) نسب أبو حيان هذا القول لأبي البقاء وليس في «الإملاء»، ويبدو أن السمين أدرك.
هذا، ولذلك نسبه إلى بعضهم.
٦٠٠
٠٠