Indexed OCR Text

Pages 561-580

- النساء -
فقال لهم الحجاج: ((ويلكم. لم تفهموا. عنه، إنه جعلني جائراً كافراً، ألم
تسمعوا قوله تعالى: ((وأمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطباً) وقوله تعالى: ((ثم
الذين كفروا بربهم يَعْدِلون))(١) وقد تقدم استيفاءُ الكلام في هذه المادة في
قوله: ((قائِماً بالقسط)»(٢).
قوله: ((ما طابَ)) في ((ما)) هذه أوجه أحدُها: أنها بمعنى الذي، وذلك
عند مَنْ يرى أنَّ ((ما)) تكون للعاقل، وهي مسألةٌ مشهورة، قال بعضُهم:
(«وحَسَّن وقوعَها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصاتُ العقول. وبعضهم
يقول: هي لصفاتِ مَنْ يعقِل. وبعضُهم يقول: لنوعٍ مَنْ يعقل، كأنه قيل:
النوع الطيب من النساء، وهي عباراتٌ متقاربة، ولذلك لم نَعُدَّها أوجهاً.
الثاني: أنها نكرةٌ موصوفة أي: انكِحوا جنساً طيباً، أو عدداً طيباً.
الثالث: أنها مصدريةٌ، وذلك المصدرُ واقعٌ موقع اسم فاعل تقديره:
فانكحوا الطيب. وقال الشيخ (٣) هنا: ((والمصدرُ مقدرٌ هنا باسم الفاعل،
والمعنى: فانكحوا النكاح الذي طاب لكم))، والأول أظهر.
الرابع: أنها ظرفيةٌ، والظرفيةُ تستلزم المصدريةَ، والتقدير: فانكحوا مدةً
يطيب فيها النكاح لكم. إذا تقرر هذا فإن قلنا: إنها موصولةٌ اسمية أو نكرة
موصوفة أو مصدرية والمصدرُ واقعٌ موقعَ اسم الفاعل كانت (٤) ((ما)) مفعولاً
بـ (انكحوا)). ويكون ((من النساء» فيه وجهان، أحدهما: أنها لبيانِ الجنس
المبهم في ((ما)) عند مَنْ يثبت لها ذلك. والثاني: أنها تبعيضية، أي: بعض
النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من ((ما طاب)). وإن قلنا: إنها
(١) الآية ١ من الأنعام.
(٢) الآية ١٨ من المائدة.
(٣) البحر ١٦٢/٣.
(٤) قوله ((كانت)» جواب الشرط.
٥٦١

- النساء -
مصدريةٌ ظرفية أو مصدرية محضة، ولم يُوقَعِ المصدرُ موقعَ اسم فاعل كما
تقدمت حكايتُه عن الشيخ كان مفعول ((فانكحوا)) قوله ((من النساء)»، نجو
قولك: ((أكلت من الرغيف، وشربت من العسل)) أي: شيئاً من الرغيف وشيئاً
من العسل. فإن قيل: لِمَ لا تَجْعل على هذا (مَثْنَى)) وما بعدها هو مفعولَ
((فانكحوا)) أي: فانكحوا هذا العدد؟ فالجوابُ: أن هذه الألفاظ المعدولةَ
لا تلي العوامل.
وقرأ ابن أبي عيلة (١): ((مَنْ طاب)) وهو مرجِّحُ كُونَ ((ما)) بمعنى الذي
للعاقل. وفي مصحف أبي بن كعب: ((طِيب)) بالياء، وهذا ليس بمبني
للمفعول، لأنه قاصر، وإنما كتب كذلك دلالة على الإِمالةِ وهي قراءة حمزة.
قوله: ((مَثْنِى)) منصوب على الحال من ((ما طاب)). وجعله أبو البقاء(٢)
حالاً من ((النساء)). وأجاز هو وابن عطية(٣) أن يكونَ بدلًا من ((ما)). وهذان
الوجهان ضعيفان: أمَّا الأول فلأنَّ المُحَدَّث عنه إنما هو الموصول، وأتى بقوله :
(من النساءِ)) كالتبيين. وأما الثاني فلأنَّ البدلَ على نيةِ تكرار العامل، وقد تقدَّم
أنَّ هذه الألفاظَ لا تباشر العواملَ.
واعلم أن هذه الألفاظ المعدولةَ فيها خلافٌ، وهل يجوز فيها القياسُ أم
يُقتصر فيها على السماع؟ قولان: قول البصريين عدمُ القياس، وقول الكوفيين
وأبي إسحاق جوازُّه، والمسموعُ من ذلك أحدَ عشر لفظاً: أُحاد ومَوْحَد، وثُنَاء
ومَثْنى، وثُلاث وَمَثْلَثِ، ورُباعٍ ومَرْبع، ومَخْمس، ولم يُسمع خُماس، وعُشَار
ومَعْشر. واختلفوا أيضاً في صرفها وعدمِه: فجمهورُ النحاةِ على منعه، وأجاز
الفراء (٤) صرفها، وإن كان المنعُ عنده أَوْلِى.
(١) البحر ١٦٢/٣.
(٢) الإِملاء ١٦٦/١.
(٣) المحرر ١٥/٤.
(٤) معاني القرآن ٢٥٤/١
٥٦٢

- النساء -
واختلفوا أيضاً في سببٍ مَنْعِ الصرف فيها على أربعة مذاهب، أحدُها:
مذهب سيبويه(١)، وهو أنها مُنِعَتِ الصرفَ للعدل والوصف: أمَّ الوصفُ
فظاهر، وأمَّا العدلُ فلكونها معدولةً من صيغة إلى صيغة، وذلك أنها معدولةٌ
عن عددٍ مكرر، فإذا قلت: جاء القوم أحادَ أو مَوْحَدَ، أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ كان
بمنزلة قولك: ((جاؤوا واحداً واحداً / وثلاثةً ثلاثة)). ولا يُراد بالمعدول عنه [١/١٩٦]
التوكيدُ، إنما يراد به تكريرُ العدد كقولهم: ((عَلَّمْتُه الحسابَ باباً باباً)).
والثاني: مذهب(٢) الفراء، وهو العدلُ والتعريف بِنِيَّةِ الألف واللام،
ولذلك يَمْتنع إضافتُها عنده لتقديرِ الألف واللام، وامتنع ظهورُ الألف واللام
عنده لأنها في نية الإِضافة .
الثالث: مذهب أبي إسحاق(٣): وهو عَدْلُها عن عددٍ مكرر، وعَدْلُها
عن التأنيث.
والرابع: نقله الأخفش (٤) عن بعضهم أنه تكرارُ العدل، وذلك أنه عُدل
عن لفظ اثنين اثنين، وعن معناه لأنه قد لا يستعمل في موضع تُستعمل فيه
الأعدادُ غيرُ المعدولةِ تقول: جاءني اثنان وثلاثة، ولا تقول: («جاءني مَثْنی
وثلاث)) حتى يتقدَّم قبله جمعٌ، لأن هذا الباب جُعِل بياناً لترتيبِ الفعلِ . فإِذا
قلت: ((جاء القوم مَثْنَى)» أفادَ أنَّ مجيئَهم وقع من اثنينِ اثنين، بخلافٍ غيرِ
المعدولة، فإنها تفيدُ الإخبار عن مقدارِ المعدودِ دونَ غيرِهِ، فقد بانَ بما ذكرنا
اختلافُهما في المعنى، فلذلك جاز أن تقومَ العلةُ مَقام علتين لإيجابها حكمين
مختلفين. انتهى. ولهذه المذاهبِ أدلةٌ واعتراضاتٌ وأجوبةٌ ليس هذا
موضعها .
(١) الكتاب ١٥/٢.
(٢) معاني القرآن ٢٥٤/١.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٥/٢.
(٤) مذهبه في معاني القرآن ٢٢٥/١ العدل عن اثنتين وثلاث وأربع.
٥٦٣

- النساء -
وقال الزمخشري(١): ((إنما مُنِعت الصرفَ لما فيها من العدل: عدلِها.
عن صيغتِها، وعدلِها عن تكررها، وهن نكراتٌ يُعَرَّفْنَ بلام التعريف، يقال:
((فلان ينكح المَثْنى والثلاث)). قال الشيخ(٢): ((وما ذهب إليه من امتناعها
لذلك لا أعلم أحداً قاله، بل المذاهب فيه أربعة))، وذكرها كما تقدم، وقد
يقال: إن هذا هو المذهب الرابع، وعَبَّر عن العدل في المعنى بعدلها عن
تكررها. وناقشه الشيخ أيضاً في مثاله بقوله: ((ينكح المثنى)) من وجهين،
أحدهما: دخول ((أل)) عليها، قال: ((وهذا لم يَذْهب إليه أحد، بل لم تستعمل
في لسان العرب إلا نكراتٍ)). الثاني: أنه أولاها العوامل، ولا تلي العوامل،
بل يتقدمهما شيء يلي العواملَ، ولا تقع إلا أخباراً كقوله عليه السلام: ((صلاةُ
الليلِ مَثْنى مثنى))(٣)، أو أحوالاً كهذه الآية الكريمة، أو صفاتٍ نحو قوله
تعالى: ((أُولِي أجنحةٍ مَثْنِى وَثُلاثَ وَرُباع)) (٤)، وقوله(٥):
١٥٣١_
ذئابٌ تَبَغَّى الناسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ
وقد وقعت إضافتها قليلاً كقوله(٦):
(١) الكشاف ٤٩٦/١.
(٢) البحر ١٥١/٣.
(٣) أبو داود الصلاة ٨٠/٢؛ ابن ماجة: الإقامة ٣٧١/١؛ المسند ٢١١/١.
(٤) الآية ١ من فاطر.
(٥) البيت لساعدة بن جؤية، وصدره:
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسُه
. وهو في ديوان الهذليين ٢٣٧/١؛ والكتاب ١٥/٢؛ وابن يعيش ٦٢/١؛ والعيني
٤ /٣٥٠. وتبغى : تطلب:
(٦). البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ١١٣ وصدره:
يفاكِهُنا سعدٌ ويغدو لجمعنا
٥٦٤

- النساء-
بِمَثْنى الزُّقَاقِ المُتْرَعات وبالجُزُرْ
١٥٣٢-
وقد استدلَّ بعضُهم على إيلائها العواملَ على قلة بقوله(١):
١٥٣٣ - ضربْتُ خُماسَ ضربةً عبشمِيٍّ
أدارُ سداسَ أن لا يستقيما
ويمكنُ تأويله على حذف المفعول لفهمِ المعنى تقديرُه: ضربتهم
خماس.
ومن أحكام هذه الألفاظ ألّ تؤنَّثَ بالتاء، لا تقول: ((مَثْنَاة)) ولا ((ثُلاثَة))،
بل تَجْري على المذكر والمؤنث جَرَياناً واحداً.
وقرأ(٢) النخعي وابن وثاب: ((ورُبَعَ)) من غير ألف. وزاد الزمخشري(٣)
عن النخعي: ((وَثُلَثَ)) أيضاً، وغيرُه عنه: ((ثُنَى)) مقصوراً من ((ثُناء)). حَذَفوا
الألف من ذلك كله تخفيفاً، كما حذفها الآخر في قوله (٤) :
١٥٣٤- وصِلِّیانا بَرِدا
وهو في البحر ١٥٢/٣؛ والهمع ٢٧/١؛ والدرر ٩/١. يفاكهنا: يمازحنا. أي يمازحنا
=
بمثنى زقاق الخمر وذبح البعير.
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الهمع ٢٦/١؛ والدرر ٨/١، وعبشمي: نسبه إلى عبدشمس.
(٢) البحر ١٦٣/٣.
(٣) الكشاف ٤٩٧/١.
(٤) من كلام العرب، يضعونه على ألسنة البهائم، قالت السمكة للضب: ورداً، فقال:
لا يَشْتهي أَنْ يَرِدا
إلا عَراراً عَرِداً.
أصبحَ قلبي صَرِدا
وهو في الحيوان ١٢٥/٦؛ والمحتسب ٣٧٧/١؛ والمخصص ٢٥٨/١٣؛ وشواهد
الكشاف ٣٨٣/٤؛ وصَرِدا: بارداً، والعرار: رياحين البر، والعارد من النبت:
ما غلظ، والصليان: نوع من النبات .
٥٦٥

-النساءك
يريد: بارداً.
قوله: ((فإن خفتم)) شرط، جوابه: ((فواحدة))، وقد تقدم أن منهم مَنْ
جعل ((فواحدة)) جواباً للأول، وكرر الثاني لما طال الفصل، وجعل قوله:
((فانكحوا)) جملةَ اعتراض، ويُعْزَى لأبي عليّ، ولعله لا يَصِحُّ عنه. قال
الشيخ(١): ((لأنه إذا أُنتج من الآيتين: هذه وقوله: ((ولن تستطيعوا))(٢) ما أنْتَج
من الدلالة اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوج غير واحدة أو يتسرَّى بما ملكَتْ
يمينُه، ويبقى الفصلُ بجملةِ الاعتراض لا فائدةً له، بل يكون لَغْواً على
زعمِه».
والجمهور على نصبِ ((فواحِدةً)) بإضمار فعل أي: فانكحوا واحدة
وطَؤُوا ما ملكت أيمانكم، وإنما قَدَّرْنا ناصباً آخر لِمِلْكِ اليمين؛ لأن النكاح
لا يقع في مِلْكِ اليمين إلا أن يريدَ به الوطءَ في هذا والتزوج في الأول، فيلزم
استعمالُ المشتركِ في معنييه أو الجمعُ بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما مقولٌ
به، وهذا قريبٌ من قوله (٣):
١٥٣٥ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً
وبابه .
وقرأ (٤) الحسن وأبو جعفر: ((فواحدةٌ)) بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه، أحدها:
الرفعُ بالابتداء، وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرة اعتمادُها على فاء الجزاء، والخبرُ
(١) البحر ١٦٤/٣.
(٢) الآية ١٢٩ من النساء: ((ولن تستطيعوا أن تَعْدِلوا بين النساء ولو حَرَصتم)).
(٣) تقدم برقم ١٥٠.
(٤) البحر ١٦٤/٣؛ الكشاف ٤٩٧/١.
٥٦٦

- النساء -
محذوف أي: فواحدةٌ كافية. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: فالمُقْنِعُ
واحدة. الثالث: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدر أي: فيكفي واحدة.
و((أو)) على بابها مِنْ كونها للإِباحةِ أو التخيير. و((ما)) في ((ما مَلَكَتْ))
كهي في قوله: ((ما طابَ)). وأضافَ المِلْك لليمين لأنها محلُّ المحاسن، وبها
تُتَلَقَّى راياتُ المجد. ورُوي عن أبي [عمرو]: ((فما ملكت أيمانكم)) (١)،
والمعنى: إنْ لم يَعْدل في عُشْرةٍ واحدةٍ فما ملكت يمينه. وقرأ(٢) ابن
أبي عبلة: ((أو مَنْ ملكت أيمانكم)).
قوله: ((ذلك أَدْنى)) مبتدأ وخبر، و((ذلك)) إشارة إلى اختيار الواحدة
أو التسرِّي. و((أَدْنى)) أفعلُ تفضيل من دنا يدنو أي: قَرُب أي: أقربُ إلى
عدمِ العَوْل.
و ((أَنْ لا تَعُولوا)» في محلِّ نصب أو جَرٍّ على الخلافِ المشهور في «أن»
بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها:
((إلى)) أي: أدنى إلى ألّ تعولوا. والثاني: ((اللام)) والتقدير: أدنى لئلا تعولوا.
والثالث: وقَدَّره الزمخشري (٣): مِنْ أن لا تميلوا، لأن أفعل التفضيل يَجْري
مجرى فِعله، فما تعدَّى به فعلُه تعدَّى هو به، وأَدْنى من دنا، و ((دنا)» يتعدَّی
بـ إلى واللام ومِنْ. تقول: دَنَّوْت إليه وله ومنه.
وقرأ الجمهور: ((تَعُولوا)) مِنْ عالَ يَعُول إذا مال وجار، والمصدر: العَوْل
(١) البحر ١٦٤/٣.
(٢) البحر ١٦٤/٣؛ الكشاف ٤٩٧/١.
(٣) الكشاف ٤٩٧/١.
٥٦٧

- النساء -
والعِيالة، وعالَ الحاكم أي: جار، قال أبو طالب في النبيّ صلى الله عليه
وسلم(١):
١٥٣٦-
له حاكمٌ من نفسِه غيرُ عَائِل
:
وعالَ الرجل عيَلَه يَعُولهم أي: مانَهم من المَؤُونة، ومنه: «ابدأ بنفسك
ثم بمن تعول»(٢)، وحكى ابن الأعرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله،
وعالَ يَعِيل افتقر وصار له عائلةٌ. والحاصل: أن ((عال)) يكونُ لازماً ومتعدياً،
فاللازمُ يكون بمعنى مالَ وجارَ، ومنه: «عال الميزانُ»، وبمعنى كَثُر عيالُه،
وبمعنى تفاقم الأمرُ، والمضارعُ من هذا كلُّه يعولُ، وعالَ الرجل: افتقر، وعَالَ
في الأرض ذهب فيها، والمضارع من هذين يَعِيل، والمتعدي يكون بمعنى
[١٩٦/ب] أثقل وبمعنى مان من المؤونة وبمعنى غَلَب، ومنه («عيل صبري)) /، ومضارع
هذا كله: يَعُول، وبمعنى أعجز، تقول: أعالني الأمر أي: أعجزني، ومضارع
هذا يَعِيل، والمصدر غَيْلِ ومَعِيل. فقد تلخص من هذا أن ((عال)) اللازم يكون
تارة من ذوات الواو وتارة من ذوات الياء باختلاف المعنى، وكذلك ((عال)).
المتعدي أيضاً.
وفَسَّر الشافعي (تَعُولوا)) بمعنى: يكثرُ عيالُكم، وردَّ هذا القولَ جماعة
كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج(٣). وصاحب «النظم)). قال الرازي (٤):
(١) السيرة ٢٩٦/١ وصدره:
بميزان صدقٍ لا يُغِلُّ شَعِيرَةً
وهو في الطبري ٥٥٠/٧؛ والقرطبي ٢١/٥.
(٢) رواه أبو داود: الزكاة ٣١٢/٢؛ المسند ٩٤/٢.
(٣) معاني القرآن ٧/٢.
(٤) الرازي هذا صاحب «أحكام القرآن))، وليس الفخر الرازي صاحب التفسير المشهور
الذي انتصر للشافعي. انظر: ١٧٧/٩ من تفسيره ..
٥٦٨

- النساء -
((هذا غلطٌ من جهة المعنى واللفظ: أما الأول فلإِباحة السراري مع أنه مَظَنّة
کثرة العیال کالتزوج، وأما اللفظ فلأن مادة «عال) بمعنی کثُر عیاله من ذوات
الياء لأنه من العَيْلَة، وأما ((عال)) بمعنى جار فمِنْ ذواتٍ الواو فاختلفت
المادتان، وأيضاً فقد خالَفَ المفسرين)). وقال صاحب النظم: ((قال أولاً ((ألاّ
تعدلوا)) فوجَبَ أن يكونَ ضدُّه الجورَ)).
وقد ردَّ الناسُ على هؤلاء، أمّا قولهم: ((التسرِّي أيضاً يكثُر معه العيال
مع أنه مباح)) فممنوعٌ، وذلك لأنَّ الأمةَ ليست كالمنكوحةِ، ولهذا يَعْزِلُ عنها
بغيرِ إذنها ويُؤْجِرُها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعليها وعلى أولادها. وقال
الزمخشري(١): ((وجهُه أَنْ يُجعل من قولك: ((عالَ الرجل ◌ِياله يعولهم))
كقولك: مانَهم يَمُونهم أي: أنفق عليهم، لأنَّ مَنْ كثر عياله لزمه أن يَعُولهم،
وفي ذلك ما يَصْعُب عليه المحافظة من كسبِ الحلال والأخذِ من طيب الرزق)
ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً، وقال: ((ولكنْ للعلماء طرقٌ وأساليبُ،
فسلك في تفسير هذه الكلمة مَسْلَكَ الكنايات)). انتهى.
وأمَّا قولُهم: ((خالفَ المفسرين)) فليس بصحيح، بل قاله زيد ابن أسلم
وابن زيد. وأمَّ قولُهم ((اختلفت المادتان)) فليس بصحيح أيضاً؛ لأنه قد تقدَّم
حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب: ((عال الرجل يَعُول: كثر عياله))، وحكاها
الكسائي أيضاً، قال: ((يقال: عال الرجل يَعُول، وأعال يُعيل: كَثُر عياله)) ونقلها
أيضاً الدوري المقرىء لغةً عن حِمْير وأنشد(٢):
١٥٣٧- وإنَّ الموتَ يأخذُ كلَّ خَيٍّ
بلا شك وإنْ أَمْشى وعَالا
(١) الكشاف ٤٩٧/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٦٥/٣.
٥٦٩

- النساء-
أمشى: كثرت ماشيته، وعال: كَثُر عياله، ولا حجةً في هذا؛ لاحتمال أن
يكونَ ((عال)» من ذوات الياء، وهم لا يُنْكرون أنَّ ((عال)) يكون بمعنى كَثُر
عياله، ورُوي عنه أيضاً أنه فسَّر (تَعُولوا)) بمعنى تفتقروا، ولا يُريد به أنَّ تَعولوا
وتَعيلوا بمعنى، بل قصدَ الكناية أيضاً، لأن كثرة العيال سببُ الفقر.
وقرأ طلحة(١): ((تَعيلوا)) بفتح تاء المضارعة من عالَ يعيل: افتقر،
قال(٢):
١٥٣٨- وما يَدْري الفقيرُ متى غِناه
وما يَذْري الغنيُّ متى يَعِيل
وقرأ طاوس: ((تُعيلوا)) بضمها من أعال: كَثُر عياله، وهي تعضُد تفسيرَ
الشافعي المتقدم من حيث المعنى. وقال الراغب(٣): ((عاله وغاله يتقاربان،
لكن الغَوْل فيما يُهْلِك، والعَوْل فيما يُثْقِل، وعالت الفريضة: إذا زادت في
القِسمة المسماة لأصحابُها بالنصِّ».
آ. (٤) قوله تعالى: ﴿صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةٍ﴾: مفعولٌ ثانٍ، وهي جمع
((صَدُقة)) بفتحِ الصاد وضم الدال بزنة ((سَمُرة))(٤)، والمرادُ بها المَهْر، وهذه
هي القراءةُ المشهورة، وهي لغةُ الحجاز. وقرأ (٥) قتادة: ((صُدْقاتهن)) بضم
الصاد وإسكان الدال، جمعُ صُدْقة بزنة غُرْفة. وقرأ مجاهد وابن أبي عبلة
بضمِّهما، وهي جمعُ صُدُقة بضم الصاد والدال، وهي تثقيلُ الساكنةِ الدالِ
للإِتباع. وقرأ ابن وثاب والنخعي: ((صُدُقَتَهُنَّ)) بضمهما مع الإِفراد. قال
(١) البحر ١٦٥/٣، ونسبها في الشواذ ٢٤ إلى طاوس.
(٢) البيت لأحيحة بن الجلاح، وهو في القرطبي ٢١/٥.
(٣) المفردات ٣٦٦.
(٤) السمرة: نوع من الشجر.
(٥) انظر في قراءاتها: الشواذ ٢٤؛ البحر ١٦٦/٣؛ القرطبي ٢٤/٥ ..
٥٧٠

- النساء -
الزمخشري(١): (وهي تثقيل ((صُدْقة)) كقولهم في (ظُلْمة)): ((ظُلُمة)). وقد تقدم
لنا خلاف: هل يجوزُ تثقيل الساكنِ المضمومِ الفاءِ؟ وقرىء: ((صَدْقاتِهن))
يفتح الصاد وإسكان الدال، وهي تخفيف القراءة المشهورة كقولهم في عَضُد:
عَضْد.
وفي نصب ((نِحْلة)) أربعة أوجه، أحدُها: أنها منصوبة على المصدر،
والعامل فيها الفعل قبلها؛ لأن ((آتُوهُنَّ)) بمعنى انحِلوهُنَّ، فهي مصدرٌ على غير
الصدرِ نحو: ((قَعَدْت جلوساً)).
الثاني: أنها مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحال، وفي صاحب الحال ثلاثةُ
احتمالات، أحدها: أنه الفاعل في ((فَآتُوهُنَّ)) أي: فآتوهن ناحِلين. الثاني:
أنه المفعولُ الأولُ وهو ((النساء)». الثالث: أنه المفعولُ الثاني وهو ((صدقاتهن))
أي: منحولات.
الوجه الثالث: أنها مفعول من أجله؛ إذا فُسِّرت بمعنى ((شِرْعة)).
الوجه الرابع: انتصابُها بإضمارٍ فعلٍ بمعنى شَرَّع، أي: نحل الله ذلك
نِحْلة أي: شَرَعه شِرْعة وديناً.
والنِّحْلة: العَطيّةُ عن طيب نفس، والنِّحْلة: الشِّرْعة، ومنه ((نِحْلة الإِسلام
خير النِحَل))، وفلان ينتحل بكذا أي: يَدِين به، والنِّحْلة: الفريضة.
قال الراغب(٢): ((والنِّحْلة والنَّحْلة: العَطِيَّةُ على سبيلِ التبرع، وهي
أخصُّ من الهِبة، إذ كل هبةٍ نِحْلة (٣) من غيرِ عكس، واشتقاقُه فيما أرى من
(١) الكشاف ٤٩٨/١.
(٢) المفردات ٥٠٦.
(٣) الأصل: ((إذ كل نحلة هبة من غير عكس)) وهو سهو واضح والتصحيح من ((المفردات))،
وزاد الراغب: ((وليس كل نحلة هبة).
٥٧١

- النساء ؟
النَّحْل نظراً إلى فِعله، فكأن ((نَحَلْتُه)) أعطيته عطيةَ النحل)) ثم قال: ((ويجوز أنّ
تكونَ النَّحْلة أصلاً فسُمِّي النحلُ بذلك اعتباراً بفعله)) وقال الزمخشري(١):
((مِنْ نَحَله كذا: أعطاه إياه، ووهبَه له عن طيبٍ نفسِه، نِحْلة ونَحْلاً، ومنه
حديثُ أبي بكر رضي الله عنه: ((إني كنت نَحَلْتُكِ جَدادَ عشرِينَ وَسْقَاً))(٢)
قوله: ((منه)) في محل جر، لأنه صفة لـ ((شيء)) فيتعلق بمحذوف أي:
عن شيء كائنٍ منه. و((مِنْ)) فيها وجهان، أحدهما: أنها للتبعيض، ولذلك
لا يجوز لها أنْ تَهَبَهُ كلِّ الصَّداق. وإليه ذهب الليث. والثاني: أنها للبيان،
ولذلك يجوزُ أَن تَهَبَه كل الصَّداق. قال ابن عطية(٣): ((و ((مِنْ)) لبيان الجنس
ههنا، ولذلك يجوز أن تُهَبَ المهر كله، ولو وقعت على التبعيض لما جاز
ذلك)). انتهى. وقد تقدَّم أن الليث يمنع ذلك فلا يُشْكِل كونها للتبعيض.
وفي هذا الضمير أقوال، أحدها: أنه يعود على الصَّداق المدلول عليه
بـ (صَدُقاتِهِنَّ). الثاني: أنه يعود على (الصَّدُقات)) لسدِّ الواحدِ مَسَدَّها،
لو قيل: ((صَداقَهُنَّ)) لم يختلَّ المعنى، وهو شبيهٌ بقولِهم: ((هو أحسنُ الفتيانِ
وأجملُه)) لأنه لو قيل: ((هو أحسن فتىَّ)) لصحَّ المعنى، ومثلُه(٤):
١٥٣٩ - وطابَ ألبانُ اللَّقاحِ وبَرَدْ
في ((برد)) ضميرٌ يعود على ((ألبان)) لسدِّ ((لَن)) مسدَّها. الثالث: أنه يعودُ
[١٩٧/أ] على ((الصَّدُقات)) أيضاً، لكن ذهاباً / بالضمير مذهبَ الإِشارة، فإن اسم
الإشارة قد يُشار به مفرداً مذكراً إلى أشياء تقدَّمته كقوله: ((قل أونبئكم بخيرٍ
(١) الكشاف ١ /٤٩٨.
(٢) رواه مالك في الموطأ: الأقضية ٧٥٢/٢، ولكنه برواية ((جادًّ)) والجداد: قطع ثمر
النخل. وانظر: اللسان: جدد، والوسق: كيل معروف ..
(٣) المحرر ١٩/٤.
(٤) رجز لم أقف عليه، واللقاح: صفة للناقة .
٥٧٢

- النساء -
من ذلكم))(١) بعد ذِكْرِه أشياءَ قبله، وقد تقدَّم لك في البقرة ما حُكِي عن رؤية
لَمَّا قيل له في قوله(٢):
١٥٤٠ - فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَقْ
كأنَّه في الجلدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
((أردْتُ ذلك))، فَأَجْرى الضميرُ مجرى اسم الإِشارة. الرابع: أنه يعودُ
على المال، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لأنَّ الصَّدُقاتِ تَدُلُّ عليه. الخامس: أنه يعودُ
على الإِيتاء المدلول عليه بـ (آتُوا)) قاله الراغب وابن عطية(٣). السادس: قال
الزمخشري (٤): ((ويجوزُ أن يُذَكَّر الضمير لينصرف إلى الصُّداق الواحد،
فيكون متناولاً بعضه، ولو أُنْث لتناول ظاهرُه هبةَ الصَّداق كلِّه، لأنَّ بعض
الصَّدُقات واحد منها فصاعداً. وقال الشيخ(٥): ((وأقولُ حَسِّن تذكيرَ الضميرِ
أنَّ معنى ((فإنْ طِبْنَ)»: فإنْ طابَتْ كلُّ واحدةٍ، فلذلك قال ((منه)) أي: مِنْ
صَداقِها، وهو نظير: ((وأَعْتَدَتْ لهنَّ مُتَّكا))(٦) أي: لكلِّ واحدةٍ، ولذلك أفردَ
«مُتَّكاً)».
قوله: (نَفْساً)) منصوب على التمييز، وهوهنا منقولٌ من الفاعل،
إذ الأصل: فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ، ومثله: ((واشتعل الرأس شيباً))(٧)، وهذا
منصوب عن تمام الكلام. وجِيء بالتمييز هنا مفرداً، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدمٍ
اللَّبْسِ، إذ من المعلوم أنَّ الكلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ في نفس واحدة، ومثله: ((قَرَّ
(١) الآية ١٥ من آل عمران، وقد ذكر قبله الشهوات.
(٢) تقدم برقم ٥٣٨.
(٣) المحرر ١٩/٤.
(٤) الكشاف ٤٩٩/١.
(٥) البحر ١٦٦/٣.
(٦) الآية ٣١ من يوسف.
(٧) الآية ٤ من مريم.
٥٧٣

- النساء-
الزيدون عيناً) ويجوز ((أنفساً) و((أعينًا)). ولا بد من التعرُّضِ لقاعدةٍ يَعُمُّ النفعُ
بها: وهي أنه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمامِ الكلام فلا يخلو: إمَّا
أَنْ يكونَ موافقاً لِها قبله في المعنى أو مخالفاً له، فإن كان الأولَ وَجَبَتْ
مطابقةُ التمييز لِما قبله نحو: ((كُرُمَ الزيدون رجالاً» كما يطابقُه خبراً وصفةً
وحالاً.
وإن كان الثانيَ: فإمَّا أن يكونَ مفردَ المدلول أو مختلفَه، فإن كان مفردً
المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد: ((كُرُم بنوزيد أَباً
أو أصلاً))، أي: إنَّ لهم جميعاً أباً واحداً متصفاً بالكرم، ومثله: ((كُرُم الأتقياءُ
سَعْياً) إذا لم تقصدٍ بالمصدرِ اختلافَ الأنواع لاختلاف مَحالِّه. وإنْ كان
مختلفَ المدلول: فإما أَنْ يُلْبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أو لا ، فإن أَلْبَسَ وَجَبَتَ
المطابقة نحو: كَرُم الزِيدون آباء، أي: أن لكل واحدٍ أباً غيرَ أب الآخر
يتصفُ بالكرم، ولو أُفردت هنا لتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنوأب واحدٍ، والغرضُ
خلافه. وإنْ لم يُلْبِس جاز الأمران: المطابقةُ والإِفراد، وهو الْأُوْلى، ولذلك
جاءت عليه الآيةُ الكريمةُ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمعِ .
وحَسَّنَ الإِفرادَ أيضاً هنا ما تقدَّم مِنْ مُحَسِّنِ تذكيرِ الضمير وإفرادِه في
((منه)) وهو أن المعنى: فإنْ طابت كلُّ واحدة نفساً. وقال بعض البصريين:
(إنما أفردَ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى مصدرٌ، والمصادرُ لا تُثَنَّى
ولا تُجْمع)) وقال الزمخشري(١): ((ونفساً تمييزٌ، وتوحيدُها لأنَّ الغرضَ بيانُ
الجنسِ، والواحدُ يدل عليه)). ونحا أبو البقاء(٢) نحوه، وشَبَّهه بـ ((درهماً)) في
قولك: ((عشرون درهماً)).
(١) الكشاف ٤٩٨/١.
(٢) الإملاء ١٦٦/١.
٥٧٤

- النساء -
واختلفَ النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عاملِه إذا كان متصرفاً،
فمنعَه سيبويه(١)، وأجازه المبرد (٢) وجماعةٌ مستدلين بقولهم(٣):
١٥٤١ - أَتَهْجُرُ ليلى بالفراقِ حبيبها
وما كان نفساً بالفراقِ تَطِيب
وقوله (٤):
١٥٤٢-
... إذا عِطْفاه ماءً تَحَلَّبا
الأصل: تطيبُ نفساً، وتحلَّبا ماء. وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا
محلَّه. وحجةُ سيبويه في منع ذلك أنَّ التمييزَ فاعل في الأصل، والفاعل
لا يتقدم فكذلك ما في قوته. واعتُرِض على هذا بنحو: ((زيداً) من قولك:
((أخرجْتُ زيداً) فإنَّ ((زيد)) في الأصل فاعل قبل النقل، إذ الأصل: ((خرج
زيد)». والفرق لائح. وللتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم.
والجارَّان في قوله: ((فإنْ طِبْنَ لكم عن شيءٍ متعلِّقان بالفعلِ قبلَهما
مضمناً معنى الإِعراض، ولذلك عُدِّي بـ (عَنْ)) كأنه قيل: فإنْ أَعْرَضْنَ لكم
عن شيءٍ طيباتِ النفوس. والفاء في ((فَكُلوه)) جوابُ الشرطِ وهي واجبةٌ،
والهاءُ في ((فَكُلوه)) عائدةُ على ((شيء).
(١) الكتاب ١٠٥/١.
(٢) المقتضب ٣٦/٣ - ٣٧.
(٣) البيت للمخيل السعدي، وهو في الكتاب ١٠٨/١؛ واللسان: حبب؛ والهمع
٢٥٢/١؛ والدرر ٢٠٨/١.
(٤) البيت لربيعة بن مقروم وتمامه:
رَدَدْتُ بمثلِ السَيِّدِ نَهْدٍ مُقَلَّص كميشٍ
وهو في المغني ٥١٥؛ والأشموني ٢٠٢/٢. والسيد: الذئب. والنهد: العالي، ويعني به
الفرس. والمقلص: طويل القوائم. والكميش: السريع. وعطفاه: جانباه.
٥٧٥

- النساء
قوله: ((هنيئاً مريئاً) في نصبٍ ((هنيئاً) أربعةُ أقوال: أحدُها: أنه منصوبٌ
على أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوف، تقديره: أكلاً هنيئاً. الثاني: أنه منصوبٌ على
الحالِ من الهاء في ((فكلوه)» أي: مُهَنًَّ أي: سهلاً. الثالث: أنه منصوب على
الحال بفعل لا يجوز إظهارُه البتة، لأنه قَصَدَ بهذه الحال النيابةً عن فعلها
نحو: ((أقائماً وقد قعد الناس))، كما ينوب المصدرُ عن فعلِه نحو: ((سُقْياً له
ورَعْياً)». الرابع: أنهما صفتان قامتا مقامَ المصدرِ المقصودِ به الدعاءُ النائب
عن فعله. قال الزمخشري(١): ((وقد يُوقف على ((فكلوه)) ويُبْتدأ ((هنيئاً مريثاً»
على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هَنْئاً مَرْءاً)).
قال الشيخ(٢): ((وهذا تحريفٌ لكلام النحاة، وتحريفُه هو جَعْلُهما أُقِيمَا مُقَامٍ
المصدر، فانتصابُهما انتصابَ المصدر، ولذلك قال: ((كأنه قيل: مَنْتاً مَرْءاً، فصار
كقولك ((سُقْياً لِك)) و((رَغْياً لك))، ويَدُلُّ على تحريفِه وصحةِ قولِ النحاة أنَّ
المصادر المقصود بها الدعاء لا ترفع الظاهر، لا تقول: ((سقياً الله لك)) ولا
((رعياً الله لك)) وإن كان ذلك جائزاً في أفعالها، و((هنيئاً مرئيا)) يرفعان الظاهر
بدليل قوله(٣):
١٥٤٣- هنيئاً مريثاً غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ
لعَزَّةَ مِنْ أَعْراضِنا ما استحَلَّتِ
فـ «ما)) مرفوعٌ بـ ((هنيئًا)) أو بـ((مريئاً)) على الإِعمال، وجاز ذلك وإنْ
لم يكن بين العاملين ريطٌ بعطفٍ ولا غيرِهِ، لأنَّ ((مريئاً)) لا يُسْتعمل إلا تابعاً.
لـ ((هنيئاً» فكأنهما عاملٌ واحد، ولو قلت: ((قام قعد زيد)) لم يكن من الإعمال
إلا على ◌ِيَّة حرف العطف)). انتهى.
(١) الكشاف ١ / ٤٩٩.
(٢) البحر ١٦٨/٣.
(٣) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ٤٩/١؛ وأمالي الشجري ١٦٥/١.
٥٧٦

- النساء -
إلَّ أن في عبارة سيبويه ما يُرْشِدُ لِما قاله الزمخشري، فإنه قال(١):
((هنيئاً مريئاً: صفتان نصبُهما نصبُ المصادرِ المدعُوِّ بها بالفعلِ غيرِ
المستعملِ إظهارُه المختَزَّلِ لدلالةِ الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثَبَت ذلك هنيئاً
مريئاً))، فأولُ العبارةِ يساعدُ الزمخشري، وآخرُها - وهو تقديرُه بقوله: ((كأنهم
قالوا: ثَبَتَ ذلك هنيئاً)) يُعَكِّر عليه. فعلى القولين الأوَّلَيْن يكونُ ((هنيئاً مريئً»
متعلقَيْنِ بالجملةِ قبلَهما لفظاً ومعنى، وعلى الآخِرَيْن مقتطعين لفظاً، لأنَّ
عاملَهما مقدرٌ من جملةٍ أخرى كما تقدَّم تقريره.
واختلف النحويون في قولِك لِمَنْ قال: ((أصاب فلان خيراً هنيئاً له
ذلك)) هل («ذلك)) مرفوعٌ بالفعلِ / المقدَّرِ تقديرُه: ثبت له ذلك هنيئاً، فحذف [١٩٧ /ب]
(ثبت)) وقام ((هنيئًا)) الذي هو حالٌ مَقامه، أو مرفوعٌ بـ ((هنيئاً)) نفسِه، لأنه لمّا
قام مقامَ الفعلِ رَفَع ما كان الفعلُ يرفعه، كما أنَّ قولك: ((زيدٌ في الدار)) (( في
الدار)) ضميرٌ كان مستتراً في الاستقرار، فلمَّا حُذِف الاستقرار وقامَ الجار
مَقامَه رفعَ الضمير الذي كان فيه. ذهب إلى الأول السيرافي، وجعل في
(هنيئاً) ضميراً عائداً على ((ذلك))، وذهب إلى الثاني أبو علي، وجعل ((هنيئاً»
فارغاً من الضمير لرفعه الاسمَ الظاهرَ. وإذا قلت: ((هنيئاً)) ولم تقل ((ذلك))،
فعلى مذهب السيرافي يكون في ((هنيئاً، ضميرٌ عائد على ذي الحال،
وهو ضميرُ الفاعلِ الذي استتر في ((ثَبَتَ)) المحذوفِ، وعلى مذهب الفارسي
يكون في ((هنيئاً) ضميرٌ فاعل بها، وهو الضميرُ الذي كان فاعلًا لـ ((ثَبَتَ))،
ويكونُ ((هنيئاً» قد قام مقام الفعلِ المحذوفِ فارغاً من الضمير.
وأمَّا نصبُ ((مريئاً)) ففيه خمسةُ أوجهٍ، أحدها: أنه صفة لـ((هنيئًا))، وإليه
ذهب الحوفي. والثاني: أنه انتصب انتصاب ((هنيئاً)، وقد تقدَّم ما فيه من
(١) عدَّها في ١٣٧/١ بمنزلة ما صار بدلاً من اللفظ بالفعل ولم يقدّر ثبت. وأجاز في
١٥٩/١ - ١٦٠ تقدير ثبت وهَنَّه ذلك هنيئاً.
٥٧٧

- النساء -
الوجوه (١). ومنع الفارسي كونَه صفةً لـ ((هنيئاً)) قال: ((لأنَّ هنيئاً قام مقام الفعل
والفعلُ لا يوصف، فكذا ما قامَ مقامَه))، ويؤيِّد ما قاله الفارسي أنَّ اسم الفاعل
واسم المفعول وأمثلةَ المبالغة والمصادر إذا وُصِفت لم تَعْمَلْ عملَ الفعلِ(٢).
ولم يُستعمل ((مريئاً، إلا تابعاً لـ ((هنيئًا)). ونَقَلَ بعضُهم أنه قد يَجيء غيرٌ
تابع، وهو مردودٌ، لأنَّ العرب لم تستعمِلْه إلا تابعاً. وهل ((هنيئاً مريئاً) في
الأصلِ اسما فاعلٍ على زنةِ المبالغةِ أم هما مصدران جاءا على وزن فعيل
كالصهيل والهدير؟ خلاف. نقل الشيخ(٣) القول الثاني عن أبي البقاء قال:
((وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على وزن فَعيل كالصهيل والهدير،
وليسا من باب ما يَطَّرد فيه فعيل في المصدر)». انتهى. وأبو البقاء في عبارته
إشكالٌ فلا بد من التعرض إليها لُيُعرف ما فيها، قال (٤): ((هنيئاً جاء على وزن
فَعِيل، وهو نعت لمصدرٍ محذوفٍ أي: أَكْلاً هنيئاً، وقيل: هو مصدر في
موضع الحال من الهاء، والتقديرُ: مُهَنَّأَ و ((مريئً) مثلُه، والمَرِيءٍ فَعيل بمعنى
مُفْعِل، لأنك تقول: ((أمرأني الشيء)). ووجهُ الإِشكال: أنه بعد الحكم عليهما
بالمصدرية كيف يجعلهما وصفين لمصدر محذوف، وكيف يفسِّر ((مريئاً))
المصدر بمعنى اسم الفاعل؟
وذهب الزمخشري (٥) إلى أنهما وصفان، قال: ((الهَنِيءُ والمَرِيءُ صفتان
من هَنُؤْ الطعامُ ومَرُؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه)). انتهى.
(١) تقدم فيه أربعة أوجه، وذكر الآن وجهاً، فتصير الأوجه المحتملة في ((مريئاً)) خمسة كما
قال .
(٢) على حين أنه قد عمل في قول الشاعر: ((هنيئاً مريئاً ما استحلت)) كما من في الشاهد
السابق فلو كان ((مريئاً)) صفة لـ ((هنيئاً)) ما جاز له أن يعمل.
(٣) البحر ١٦٨/٣.
(٤) الإملاء ١٦٧/١.
(٥) الكشاف ١ / ٤٩٩.
٥٧٨

- النساء -
وهَنا يَهْنَا - بغير همز - لغة ثانيةً أيضاً. ويقال: هَنَانِي(١) الطعامُ
ومَرَأني، فإن أفردت ((مَرَأْني)) لم يُسْتعمل إلا رباعياً فتقول: ((أَمْرَأَني)) وإنما
استُعمل ثلاثياً للتشاكلِ مع ((هَنأَني))، وهذا كما قالوا: ((أَخَذَه ما قَدُم
وما حَدُث)) بضم دال ((حدث)) مشاكلة لـ ((قَدُم))، ولو أُفرد لم يستعمل إلا
مفتوح الدال، وله(٢) نظائر أخر. ويقال: هَنَأْتُ الرجل أَهْنِتُه بكسرِ العين في
المضارع أي: أعطيته. واشتقاقُ الهنِيْء من الهِناءِ وهو ما يُطلى به البعيرِ من
الجرب، قال(٣):
١٥٤٤- مُتَبَذِّلاً تَبْدُو محاسِنُه
يَضَعِ الهِناءَ مواضِعَ النُّقْبِ
والمَرِيءُ: ما ساغ وسَهُل في الحلق، ومنه قِيل لمجرى الطعام من
الخُلْقوم إلى فم المعدة: مَرِيءٍ (٤).
آ. (٥) قوله تعالى: ﴿ولا تُؤْتوا السفهاءَ أموالكم﴾: أصل تُؤْتوا:
تُؤْثِيُوا مثل: تُكْرِموا، فاستثقلت الضمةُ على الياءِ، فَحُذِفت الضمة فالتقى
ساكنان: الياء وواو الضمير، فَحُذِفت الياءُ لئلا يلتقيّ ساكنان.
والسُّفهاء جمعُ سفيه، وعن مجاهد: ((المراد بالسفهاء النساء))، وضَعَّفه
بعضُهم بأن فَعِيلة إنما تجمع على فَعائل أو فَعِيلات، قاله ابن عطية(٥). وقد
نقل بعضُهم أنَّ سفيهة تُجْمع على سُفَهاء كالمذكر، وعلى هذا لا يَضْعُف قول
مجاهد، وجمعُ فَعِيلة الصفةِ على فُعَلاء وإن كان نادراً إلا أنه قد نُقِل في هذا
(١) وثمة لغة ثانية ((هَنّاً لي)) كما في القاموس ((هنا).
(٢) انظر: المغني ٧٦٣ .
(٣) البيت لدريد بن الصمة، وهو في الأغاني ٢٢/١٠؛ والطبري ٥٥٩/٧؛ واللسان:
نقب. والنقب: أول الجرب.
(٤) بوزن أمير كما في القاموس: مرا.
(٥) المحرر ٢١/٤.
٥٧٩

- النباء :-
اللفظِ خصوصاً، وتخصيصُ ابن عطية جمعَ فَعِيلة بفعائل أو فَعِيلات ليس
بظاهرٍ، لأنها يَطّرد فيها أيضاً ((فِعال)) نحو: كريمة وكِرام وظَرِيفة وظِراف،
وكذلك إطلاقُه فَعِيلة وكان من حقه أَنْ يقيِّدها بألّ تكون بمعنى مَفْعولة تَحَوُّزاً
من قتيلة فإنها لا تُجمع على فَعائِل.
والجمهورُ على (التي جعل الله لكم)) بلفظِ الإِفراد صفةً للأموال، وإنْ
كانت جمعاً؛ لأنَّه تقدَّم غيرَ مرة أنَّ جمع ما لا يعقل في الكثرة، أو لم یکن له إلا
جمعٌ واحدٌ: الأحسنُ فِيه أن يُعامَل معاملةَ الواحدة المؤنثة، والأموال من هذا
القبيل لأنها جمعُ ما لا يعقل ، ولم تُجْمع إلا على أَفْعال، وإن كانت بلفظِ القلة
لأنَّ المرادَ بها الكثرة.
وقرأ الحسن(١) والنخعي: ((اللاتي)) مطابقةً للفظِ الجمع، وكان القياسُ
ألاّ يوصفَ بـ ((اللاتي)) إلا ما يُوصَفُ مفرده بـ((التي))، والأموال لا يُوصف
مفردُها وهو ((مال)) بـ (التي)). وقال الفراء(٢): ((العرب تقولُ في النساء:
((اللاتي)) أكثرَ مِمَّا تقول ((التي))، وفي الأموال: ((التي)) أكثر مما تقول:
(اللاتي)). وكلاهما في كليهما جائز. وقرىء: ((اللواتي)) وهي جمعُ اللاتي،
فهي جمعُ الجمع، أو جمع (التي)) نفسِها.
قوله: ((قياماً) إنْ قلنا إنَّ ((جَعَلَ)) بمعنى صَيَّر فـ ((قياماً)) مفعول ثانٍ،
والأولُ محذوفٌ وهو عائد الموصول، والتقدير: ((التي جعلها)» أي: صَيِِّها لكم
قياماً. وإنْ قلنا إنَّها بمعنى ((خَلَق)) فـ ((قياماً)) حال من ذلك العائدِ المحذوف،
التقديرُ: جَعَلَها أي: خلقها وأوجدها في حالٍ كونها قياماً.
(١) البحر ١٦٩/٣.
(٢) معاني القرآن ٢٥٧/١
٥٨٠