Indexed OCR Text

Pages 521-540

- آل عمران -
١٥٠٥- مثلُ القنافِذِ هَذَّاجون قد بلغَتْ
نجرانُ أو بُلِّغَتْ سوءاتِهِمْ هَجَرُ
الأصل: عَرَضْتُ الحوض على الناقة، ويَوْم تُعْرَضُ النارُ عليهم،
وأدخلت رأسي في القَلَنْسوة، وبُلَّغَتْ سوءاتُهم هجراً، فَقَلب، وسيأتي خلاف
الناس في القلب بأشبعَ من هذا عند موضعِه، وكان أبو البقاء قد قَدَّم قبل(١)
هذا أنَّ التأنيثَ في ((ذائقة)) إنما هو باعتبار معنى ((كل))، قال: ((لأنَّ كلَّ نفسٍ
نفوسٌ، ولو ذُكِر على لفظِ ((كل)) جاز)»، يعني أنه لو قيل: ((كلُّ نفس ذائقٌ كذا)»
جاز، وقد تقدَّم لك أول البقرةِ أنه يَجِبُ اعتبارُ لفظِ ما تُضاف إليه ((كل)) إذا
كان نكرةً، ولا يجوزُ أن تَعْتَبِر ((كلَ))، وتحقيقُ هذه المسألةِ هناك.
قوله: ((وإنما تُوَقَّوْنَ)) ((ما)) كافةٌ لـ ((إنَّ) عن العمل وقد تقدَّم مثلُها. وقال
مكي(٢): ((ولا يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)) بمعنى الذي لأنه يلزم رفعُ ((أجوركم))،
ولم يَقْرأ به أحدٌ؛ لأَنَّه يصير التقديرُ: ((وإنَّ الذي تُوَقَّوْنه أجورُكم، كقولك: ((إنَّ
الذي أكرمتموه عمروٌ)) وأيضاً فإنك تفرِّق بين الصلةِ والموصولِ بخبر الابتداء»
يعني لو كانت ((ما)) موصولةً لكانت اسمَ ((إِنَّ)) فيلزمُ حينئذٍ رفعُ ((أجوركم)) على
خبرها كقوله تعالى: ((إنما صنعوا كيدُ ساحر))(٣)، فـ (ما)) هنا يجوزُ أن تكونَ
بمعنى الذي أو مصدريةٌ تقديرُه: إنَّ الذي صَنَّعوه أو: إنَّ صُنْعَهم، ولذلك رُفِع
(كيد)) خبراً لها. وقولُه: ((وأيضاً فإنَّك تفرِّقُ)) يعني أن ((يوم القيامة)) متعلّقٌ
بـ («تُوَفَّوْن)) فهو من تمامِ الصلة، فلو كانت ((ما) موصولةً لفَصَلْتَ بالخبرِ الذي
هو ((أجوركم)) بين أبعاضِ الصلةِ التي هي الفعلُ ومعموله، ولا يُخْبَر عن
موصولٍ إلا بعد تمام صلتِهِ، وهذا وإنْ كانَ من الواضحاتِ إلا أنَّ فيه تنبيهاً
على أصولِ العلمِ .
(١) وذلك في حديثه عن قراءة العامَّة. الإملاء ١٦١/١.
(٢) المشكل ١٧١/١ .
(٣) الآية ٦٩ من طه.
٥٢١

- آل عمران -.
وأدغم أبو عمرو(١) الحاءَ من ((زُحْزِحَ)) في العينِ هنا خاصة قالوا: لطول
الكلمةِ وتكريرِ الحاء، دونَ قوله: ((ذُبحَ على النُّصُب))(٢) و((المسيحُ عيسى(٣))
ونُقِل عنه الإِدغامُ مطلقاً وعدمُه مطلقاً، والنحويون يمنعون ذلك، ولا يُجيزونه إلا
بعد أنْ يَقْلبوا العينَ حاءًّ، ويُدْغِمون الحاءَ فيها قالوا: ((لأنَّ الأقوى لا يُدْغَمُ فِي
الأضعفِ، وهذا عكسُ الإِدغامِ ، لأنَّ الإِدغامَ أَنْ تَقْلِبَ فيه الأولَ للثاني، إلا في
مسألتين إحداهما: هذه، والثانية الحاء في الهاء نحو: ((امدحْ هذا)) لا تُقْلَبُ
الهاء حاء أيضاً»، ولذلك طَعَنَ بعضُهم على قراءةِ أبي عمرو، ولا يُلْتَفَتْ
إليه :
والغُرور: [يجوزُ أَنْ يكون مصدراً وأَنْ يكونَ](٤) جمعاً. وقرأ عبد الله (٥)
بفتح الغين، وَفُسِّر بالشيطان، ويجوزُ أَنْ يكونَ فَعولاً بمعنى مَفْعول أي : متاع
المغرور، أي: المَخْدوعِ، وأصل الغَرَر: الخَدْعِ.
آ. (١٨٦) قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنْ﴾: هذا جوابُ قسم محذوف
تقديره: واللَّهِ لَتُبْلَوُنَّ. وهذه الواو هي واو الضمير، والواو التي هي لام الكلمة
حُذِفَت لأمر تصريفيّ، وذلك أن أصله: لَتُبْلَوُوْنَنَّ، فالنون الأولى للرفع حُذِفِت
لأجل نون التوكيد، وتَخَرَّكت الواو التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها فَقُلبت
ألفاً، فالتقى ساكنان: الألف وواو الضمير، فَحُذفت الألف لئلا يلتقيا،
وضُمَّتِ الواو دلالةً على المحذوف، وإنْ شئت قلت: استُثْقِلَتَ الضمةُ على
الواو الأولى فَحُذِفت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى، وحُرِّكت الواوُ
بحركة مجانسةٍ دلالةٌ على المحذوف. ولا يجوز قلبُ مثلِ هذه الواو همزةً
(١) انظر مذهب أبي عمرو في الإِدغام: السبعة ١١٦.
(٢) الآية ٣ من المائدة.
(٣) الآية ٤٥ من آل عمران.
(٤) ما بين معقوفين لم يظهر في المصورة عن الأصل.
(٥) وهو عبد الله بن عمر كما في البحر ١٣٤/٣.
٥٢٢

- آل عمران -
لأنها حركةٌ عارضةٌ ولذلك لم تُقْلَبْ ألفاً وإنْ تحركت وانفتح ما قبلها.
وأصلُ لَتَسْمَعُنَّ: تسمعونَنَّ، فَفُعِل فيه ما تقدَّم، إلا أن (١) هنا حُذِفَتْ
واوُ الضمير لأنَّ قبلَها حرفاً صحيحاً.
آ. (١٨٧) قوله تعالى: ﴿لَتَبِّتْنَهُ للناس﴾: هذا جوابٌ لِما تضمَّنه الميثاق
من القسم. وقرأ(٢) أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر بالياءِ جرياً على الاسم الظاهر
وهو كالغائبِ وحَسَّن ذلك قولُه بعدَه: «فنبذوه)». والباقون بالتاء خطاباً على
الحكاية تقديرُه: ((وقلنا لهم))، وهذا كقوله: ((وإذا أخذنا ميثاقَ بني إسرائيل
لا تعبدون)»(٣) بالتاء والياء، وتقدَّم تحريره.
وقوله: ((ولا تَكْتُمونه)) يُحتمل وجهين، أحدهما: واو الحال، والجملةُ
بعدَها نصبٌ على الحال أي: لتُبَيِّنْنْه غيرَ كاتمين. والثاني: أنها للعطف، وأنَّ
الفعلَ بعدها مقسمٌ عليه أيضاً، وإنما لم يُؤكَّد بالنون لأنه منفيٍّ، تقول: «واللّهِ
لا يقومُ زيد)» من غيرِ نونٍ. وقال أبو البقاء(٤): ((ولم يأتِ بها في ((تكتمونه)»
اكتفاءً بالتوكيدِ في الأول لأنَّ ((تكتمونَه)) توكيدٌ))، وظاهرُ عبارتِه أنه لو لم يكن
بعدَ مؤكّدٍ بالنونِ لزم توكيدُه، وليس كذلك لِما تقدَّم. وقوله: ((لأنه توكيدُ))
يعني أنَّ نَفْيَ الكتمان عنهم من قوله: ((لتُبَيِّنْنَّه للناس))، فجاءَ قولُه:
((ولا تكتمونه)» توكيداً في المعنى.
واستحسن الشيخ(٥) هذا الوجه - أعني جَعْلَ الواوِ عاطفةً لا حاليةً -
قال: ((لأن هذا الوجه الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ بعد الواو حتى تصيرَ
(١) على تقدير: أن الحال والشأن.
(٢) السبعة ٢٣١؛ والكشف ٣٧١/١.
(٣) الآية ٨٣ من البقرة.
(٤) الإملاء ١/ ١٦١.
(٥) البحر ١٣٦/٣.
٥٢٣

_ آل عمران:
الجملةُ اسميةً، لأنَّ المضارع المنفيّ بـ((لا)) لا يَصِحُّ دخولُ الواو عليه. وغيره
يقول: إنها تمتنع إذا كان مضارعاً مثبتاً فيفهم من هذا أن المضارع المنفيَّ
بكلِّ نافٍ لا يمتنع دخولُها عليه.
وقرأ(١) عبدالله: (َتُبَيِّنُونه)) من غير توكيد. قال ابن عطية (٢): ((وقد
لا تلزم هذه النونُ لامَ التوكيد، قاله سيبويه)» انتهى. والمعروف من مذهب
البصريين لزومُهما معاً، والكوفيون يجيزون تعاقبهما في سَعة الكلام،
وأنشدوا(٣):
١٥٠٦ - وعَيْشِك ينا سلمى لأُوقِنُ أنني
لِمَا شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولو أنَّه القتِلُ
وقال آخر(٤):
١٥٠٧- يميناً لأَبْغَضُ كلَّ امرىء
يُزَخْرِفُ قولاً ولا يفعل
فأتى باللامِ وحدها، وقد تقدَّم هذا مرةً أخرى بأشبع من هذا الكلام.
وقرأ(٥) ابن عباس: ((ميثاقَ النبيين)). والضميرِ في قوله: ((فنبذوه)) يعود
على الناس المبَيَّن لهم، لاستحالةِ عْدِه على النبين، وكان قد تقدَّم لك في
قوله تعالى: ((وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتَيْتُكم))(٦) أنه في أحد الأوجه على
(١) البحر ١٣٦/٣.
(٢) المحرر ٣١٤/٣.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٣٦/٣؛ وشواهد التوضيح والتصحيح ١٦٦
و ((مستحل)» من الحلاوة وليس من الحلال، ولذلك فهو اسم منقوص.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٣٦/٣؛ والأشموني ٢١٥/٣؛ والتصريح ٣٠٢/٢؛
والعيني ٣٣٨/٤؛ وشواهد التوضيح ١٦٦.
(٥) القرطبي ٣٠٥/٤؛ البحر ١٣٦/٣.
(٦) الآية ٨١ من آل عمران .
٥٢٤

- آل عمران -
حذف مضاف، أي: أولاد النبيين، فلا بُعْدَ في تقديرِه هنا، أعني قراءة ابن
عباس .
أ. (١٨٨) قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرحون﴾: قرأ(١) ابن
كثير وأبو عمرو: ((لا تَحْسَبَنَّ - فلا يَحْسَبُّنْهم)» بالياءِ فيهما ورفع باء
((يَحْسَبُنْهم)). وقرأ الكوفيون بتاء الخطاب وفتحِ الباء فيهما معاً، ونافع وابن
عامر بياءِ الغَيْبة في الأولِ ، وبالخطاب في الثاني، وفتح الباءِ فيهما. وقرىء(٢)
شاذاً بتاءِ الخطابِ وضَمِّ الباء فيهما معاً. [وقُرىء فيه أيضاً بياء الغيبة فيهما
وفتح الباء فيهما أيضاً، فهذه خمس قراءات](٣).
فأمَّا قراءةُ ابن كثير وأبي عمرو ففيها خمسة أوجه، وذلك أنه لا يخلو:
إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ الأولُ مسنداً إلى ضميرٍ غائبٍ أو إلى الموصولِ، فإنْ
جَعَلْناه مسنداً إلى ضميرٍ غائب: إمَّا الرسولِ عليه السلام أو غيرِهِ ففي المسألة
وجهان، أحدُهما: أنَّ / ((الذين)) مفعولٌ أولُ، والثاني محذوفٌ لدلالةِ المفعولِ [١٩٢/ب]
الثاني للفعلِ الذي بعده عليه وهو ((بمفازة))، والتقدير: لا يَحْسَبَنَّ الرسول
أو حاسبٌ الذين يفرحون بمفازة، فلا يَحْسَبُنَّهم بمفازة، فأسند الفعلَ الثاني
الضميرِ ((الذين))، ومفعولاه: الضميرُ المنصوبُ و «بمفازةٍ».
الوجه الثاني: أنَّ ((الذين)) مفعولٌ أولُ أيضاً، ومفعولهُ الثاني هو («بمفازة)»
الملفوظِ به بعد الفعل الثاني، ومفعول الفعل الثاني محذوفٌ لدلالةِ مفعولٍ
الأولِ عليه، والتقديرُ: لا يَحْسَبَنَّ الرسول الذين يفرحون بمفازةٍ فلا يَحْسَبُنْهم
كذلك، والعمل كما تقدم. وهذا بعيدٌ جداً للفصل بين المفعول الثاني للفعل
(١) الكشف ٣٧١/١؛ الشواذ ٢٣؛ البحر ١٣٧/٣؛ القرطبي ٣٠٧/٤.
(٢) نسبها القرطبي ٣٠٧/٤ إلى الضحاك وعيسى بن عمر.
(٣) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل.
٥٢٥

- آل عمران -
الأول بكلامٍ طويل من غير حاجةٍ. والفاءُ على هذين الوجهين عاطفة،
والسببية فيها ظاهرة.
وإن جعلناه(١) مسنداً إلى الموصولِ ففيه ثلاثة أوجه، أولها: أَنَّ الفعل
الأول حُذِف مفعولاه اختصاراً لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما تقديره:
لا يَحْسَبَنَّ الفارحون أنفسَهم فائزين فلا يَحْسَبُنْهم فائزين كقول الآخر (٢):
١٥٠٨- بأيَّ كتابٍ أم بأيةِ سُنَّةٍ.
ترى حُبَّهم عاراً: علي وتَحْسَبُ
أي: وتحسَبُ حُبُّهم عاراً، فَحَذَف مفعولي الفعل الثاني لدلالة مفعولي
الأول عليهما، وهو عكسُ الآية الكريمة حيث حُذِف فيها من الفعل الأول.
الوجه الثاني: أنَّ الفعلَ الأول لم يَحْتَجْ إلى مفعولين هنا. قال
أبو علي (٣): ((يَحْسَبَنَّ)) لم يقع على شيء، و((الذين)) رفع به، وقد تجيء هذه
الأفعالُ لغواً لا في حكم الجمل المفيدة كقوله(٤):
١٥٠٩- وما خِلْتُ أَبْقَى بيننا من مودةٍ
عِراضُ المَذَاكِي المُسْنِفِاتِ القلائِصَا
وقال الخليل: ((العربُ تقول: ما رأيتُه يقول ذلك إلا زيدٌ، وما ظننته.
يقول ذلك إلا عمرو)) يعني أبو علي: أنها في هذه الأماكنِ ملغاة لا مفعولٌ.
لها .
(١) أي جعلنا الفعل على قراءة ابن كثير وأبي عمرو.
(٢) تقدم برقم ٧٢٤.
(٣) الحجة (خ) ٢/ ٢٥٠
(٤) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ١٥١؛ والبحر ١٣٧/٣؛ والمذاكي: التي قد بلغت
أسنانها؛. والمسنفات: المتقدمات.
٥٢٦

- آل عمران -
الثالث: أن يكونَ المفعولُ الأول محذوفاً. والثاني هو نفس «بمفازة»
ويكون «فلا يَحْسَبُنَّهم)» تأكيداً للفعل الأول. وهذا رأي الزمخشري(١)، فإنه
قال بعد ما حكى هذه القراءة: ((على أنَّ الفعلَ للذين يفرحون، والمفعولُ
الأولُ محذوفٌ على معنى: ((لا يَحْسَبْنُهم الذين يفرحون بمفازةٍ)» بمعنى:
لا یحسبَنَّ أنفسهم الذین یفرحون فائزین، و «فلا یحْسبتهم» تأکید انتھی.
قال الشيخ (٢): ((وتقدَّم لنا الردّ على الزمخشري في تقديره:
(لا يَحْسَبَنَّهم الذين)) في قوله: ((لا يحسبن الذين كفروا أنما نُمْلي))(٣) وأن هذا
التقدير لا يَصِحُّ)). قلت: قد تقدم ذلك والجواب عنه بكلام طويل، لكن ليس
هو في قوله: ((لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي)) بل في قوله: ((ولا يَحْسَبَنَّ
الذين قتلوا في سبيل الله)) (٤) في قراءةٍ مَنْ قرأه بياء الغيبة، فهناك ردًّ عليه بما
قال، وقد أَجَبْتُ عنه والحمد لله، وإنما نَبَّهْتُ على الموضع لئلا يُطْلَبَ هذا
البحثُ من المكان الذي ذكره فلم یوجد عا.
ويجوز أن يقال في تقرير هذا الوجه الثالث: إنه حَذَف من أحد الفعلين
ما أثبتَ نظيرَه في الآخر، وذلك أن ((بمفازة)) مفعولٌ ثان للفعل الأول حُذِفَتْ
من الفعل الثاني، و((هم)» في: ((فلا يَحْسَبُنَّهم)) مفعولٌ أول للفعل الثاني،
وهو محذوفٌ من الأول. وإذا عَرَفْتَ ذلك فالفعل الثاني على هذه الأوجه
الثلاثة تأكيدٌ للأول.
وقال مكي(٥): ((إن الفعل الثاني بدلٌ من الأول))، وتسمية مثل هذا بدلاً
(١) الكشاف ٤٨٦/١.
(٢) البحر ١٣٧/٣.
(٣) الآية ١٧٨ من آل عمران.
(٤) الآية ١٦٩ من آل عمران.
(٥) المشكل ١٧١/١.
٥٢٧

- آل عمران -
فيه نظر لا يخفى، وكأنه يريد أنَّه في حكم المكررِ، فهو يرجع إلى معنى
التأكيد، ولذلك قال بعضُهم: ((والثاني معادٌ على طريق البدل مشوباً بمعنى
التأكيد)) وعلى هذين القولينِ - أعني كونَه توكيداً أو بدلاً - فالفاءُ زائدةٌ ليسَتْ
عاطفةً ولا جواباً .
وقوله: ((فلا يَحْسَبُنَّهم)) أصله: يَحْسَبُونَنَّهم بنونين، الأولى نونِ الرفع
والثانية للتأكيد، وتصريفُه لا يَخْفى من القواعد المتقدمة. وتعدَّى هنا فعلُ
المضمرِ المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل، وهو خاصٌّ بباب الظن وب: عَدِمَ وَفَقَدِ
دونَ سائر الأفعالِ لو قلت: ((أكرمتُني)) أي: ((أكرمت أنا نفسي)) لم يَجُزْء
وموضعُ تقريرِه غير هذا.
وأما قراءة الكوفيين(١) فالفعلان فيها مسندان إلى ضمير المخاطب: إمَّا
الرسولِ عليه السلام، أو كلِّ مَنْ يصلح للخطاب، والكلام في المفعولين
للفعلين كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثير، على قولنا: إن الفعل
الأول مسندٌ لضمير غائب. والفعل(٢) الثاني تأكيدٌ للأول أو بدلُ منه، والفاءُ
زائدة كما تقدَّم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير على قولنا إن الفعلين
مسندان للموصول لأن الفاعل فيهما واحد. واستدلوا على أن الفاء زائدة
بقوله(٣):
١٥١٠- لا تَجْزَعي إِنْ مُنْفِساً أهلكتُه
وإذا هَلَكْتُ فعند ذلك فاجْزَّعي
ويقول الآخر(٤):
(١) بتاء الخطاب وفتح الباء في الفعلين.
(٢) بدأ الآن يخرِّج قراءة الكوفيين فيما يتعلق بالفعل الثاني.
(٣) البيت للنمر بن تولب وهو في الكتاب ٦٧/١؛ وابن يعيش ٢٢/١؛ وأمالي الشجري
٣٣٢/١٠؛ والخزانة ١٥٢/١. والمنفس: المال.
(٤) تقدم برقم ١٣٨٠.
٥٢٨

- آل عمران -
١٥١١- لَمَّا اتَّقى بيدٍ عظيم جِرْمُها
فتركْتُ ضاحي كَفِّه يَتَذَبْذَبُ
أي: تركت. وقولِ الآخر(١):
١٥١٢- حتى تَرَكْتُ العائداتِ يَعُدْنَه
فيقلن: لا يَبْعَدْ وقلت له: ابعَدٍ
إلا أن زيادةَ الفاء ليس رأي الجمهور، إنما قال به الأخفش(٢).
وأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر بالغيبة في الأول والخطاب في الثاني فوجْهُها
أنهما غايرا بين الفاعلين، والكلام فيها يُؤْخَذُ مِمَّا تقدم، فيؤخذ الكلامُ في
الفعل الأول من الكلام على قراءة أبي عمرو وابن كثير، وفي الثاني من
الكلام على قراءة الكوفيين بما يَليق به، إلا أنه يَمْتنع هنا أن يكونَ الفعلُ
الثاني تأكيداً للأول أو بدلاً منه لاختلافٍ فاعليهما، فتكون الفاءُ هنا عاطفةً
ليس إلا. وقال أبو علي (٣) في ((الحجة)): ((إنَّ الفاء زائدةً والثاني بدل من
الأول))، قال: ((ليس هذا موضعَ العطفِ لأنَّ الكلامَ لم يتِمَّ، ألا ترى أنَّ
المفعول الثاني لم يُذْكَر بعدُ)). وفيه نظر لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما.
وأمَّا قراءةُ الخطاب فيهما مع ضَمِّ الباء فيهما فالفعلان مسندان الضمير
المؤمنين المخاطبين، والكلامُ في المفعولين كالكلامِ فيهما في قراءة
الكوفيين .
وأمَّا قراءةُ الغيبة وفتحِ الباء فيهما فالفعلان مسندان إلى ضمير غائب
أي: لا يَحْسَبَنَّ الرسولُ أو حاسِبٌ، والكلامُ في المفعولين للفعلين کالكلامِ
(١) البيت لحاتم الطائي وهو في ديوانه ٧١؛ والأزهية ٢٥٦ .
(٢) معاني القرآن ٣٤، ١٢٤.
(٣) الحجة (خ) ٢٥٢/٢.
٥٢٩

- آل عمران -
في القراءة التي قبلها، والثاني من الفعلين تأكيدٌ أو بدلٌ، والفاءُ زائدةً على
هاتين القراءتين لاتحادِ الفاعل.
وقرأ(١) النخعي ومروان بن الحكم(٢): ((بما آتَوا)) ممدوداً أي: أعطَوا.
وقرأ أُبيّ: ((أُوتو)) مبنياً للمفعول.
قوله: ((من العذاب)) فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه
صفة لـ ((مفازة) أي: بمفازةٍ كائنةٍ من العذاب على جَعْلِنا ((مفازة)) مكاناً أي:
بموضع فوز .. قال أبو البقاء(٣): ((لأنَّ المفازة مكانٌ، والمكانُ لا يعمل))، يعني
فلا يكونُ متعلقاً بها، بل بمحذوف على أنه صفةٌ لها، إلَّ أنَّ جَعْلَه صفةً
مشكلٌ، لأنَّ المفازة لا تتصف بكونها من العذاب، اللهم إلا أن يُقْدَّر ذلك
المحذوفُ الذي يتعلق به الجار شيئاً خاصاً [حتى يصح](٤) المعنى، تقديرُه:
بمفازة منجيةٍ من العذاب، وفيه الإِشكالُ المعروفُ وهو أنه لا يُقَدَّر المحذوفُ
في مثلِه إلا كوناً مطلقاً.
[١٩٣/أ]
الوجه الثاني: أنه يتعلَّق / بنفس ((مفازة)) على أنها مصدر بمعنى الفوز
تقول: ((فزت منه)) أي: نَجَوْتُ، ولا يَضُرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء لأنها مبنيةٌ عليها،
وليست الدالّة على التوحيد فهو كقوله(٥).
١٥١٣_ فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبةٌ
عقابَك قد كانوا لنا كالمَوارِدِ
(١) الشواذ ٢٣، القرطبي ٣٠٨/٤.
(٢) مروان بن الحكم القرشي، أحد خلفاء بني أمية، توفي سنة ٦٥ انظر: البداية والنهاية
: ٢٥٧/٨.
(٣) الإملاء ١٦٢/١.
(٤) لم يظهر في مصورة الأصل وثبت في النسخ الأخرى.
(٥) تقدم برقم ٩٨٢.
٥٣٠

- آل عمران -
فأعمل ((رهبةٌ)) في ((عقابَك)) وهو مفعول صريح فهذا أَوْلِى. وقالَ
أبو البقاء(١): ((ويكون التقدير: فلا تَحْسَبَنَّهم فائزين، فالمصدر في موضع اسم
الفاعل)) انتهى. فإنْ أراد تفسير المعنى فذاك، وإنْ أراد أنه بهذا التقديرِ يَصِحُ
التعلُّقُ فلا حاجةَ إليه، إذ المصدرُ مستقل بذلك لفظاً ومعنى.
آ. (١٩١) قوله تعالى: ﴿الذين يَذْكرون﴾: فيه خمسة أوجه،
أولها: أنه نعت لـ ((أُولِي))، فهو مجرورٌ. وثانيها: أنه خبرُ مبتدأ محذوف أي :
هم الذين. وثالثها: أنه منصوبٌ بإضمار ((أعني))، وهذان الوجهان يُسَمَّيان
بالقطع، وقد تقدم ذلك مراراً. الرابع: أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره:
يقولون: ربَّنا. قاله أبو البقاء(٢). وخامسها: أنه بدلٌ من ((أُولي)) ذكره مكي (٣).
وأول الوجوه هو الأحسن.
و ((قياماً وقعوداً) حالان من فاعل ((يَذْكُرون)). و((على جَنَوبِهِم)) حالٌ
أيضاً فيتعلَّقُ بمحذوف، والمعنى: يذكرونه قياماً وقعوداً ومضطجعين، فَعَطَفَ
الحالَ المؤولة على الصريحة، عكسَ الآية الأخرى وهي قوله: (دعانا لجَنْبه
أو قاعداً أو قائماً)(٤)، حيث عطف الصريحةَ على المؤولة. و((قياماً)) و ((قعوداً)»
جمعان لـ ((قائم)) و((قاعد)). وأُجيز أن يكونا مصدرين، وحينئذ يتأوَّلان على
معنى ذوي قيام وقعود، ولا حاجةً إلى هذا.
قوله: ((ويتفكرون)) فيه وجهان، أظهرُها: أنها عطف على الصلةِ
فلا محلَّ لها. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال عطفاً على ((قياماً))
أي: يذكرونه متفكرين. فإن قيل: هذا مضارعٌ مثبت فكيف دخلت عليه الواوُ؟
فالجوابُ أن هذه واو العطف، والممنوعُ إنما هو واو الحال.
(١) الإملاء ١٦٢/١.
(٢) الإملاء ١٦٢/١.
(٣) المشكل ١٧١/١.
(٤) الآية ١٢ من يونس.
٥٣١

- آل عمران -
و ((خَلْق)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ على أصله أي: يتفكرون في
صنعة هذه المخلوقات العجيبة، ويكون مصدراً مضافاً لمفعوله. والثاني : أنه
بمعنى المفعول أي: في مخلوق السموات والأرض، وتكون إضافتُه في
المعنى إلى الظرف أي: يتفكرون فيما أودع الله هذين الطرفين من الكواكب
وغيرِها. وقال أبو البقاء(١): ((وأن يكون بمعنى المخلوق؛ ويكون من إضافةٍ
الشيءِ إلى ما هو في المعنى)) وهذا كلامٌ متهافتٌ إذ لا يُضاف الشيءُ إلى
نفسِه، وما أَوْهم ذلك يُؤَوَّل.
قوله: ((ربَّنا)) هذه الجملة في محلّ نصب بقول محذوف تقديره:
يقولون. والجملةُ القولية فيها وجهان، أظهرهما: أنها حال من فاعل ((يتفكرون))
أي: يتفكرون قائلين: ربنا، وإذا أعربنا ((يتفكرون)» حالاً كما تقدم فتكونُ
الحالان متداخلتين. والوجه الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لـ ((الذين)) على
قولنا بأنه مبتدأ، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء.
و((هذا)) في قوله: ((ما خَلَقْتَ هذا)) إشارةٌ إلى الخَلْق إن أريد به
المخلوق. وأجاز أبو البقاء(٢) حالَ الإِشارة إليه بـ ((هذا)) أن يكون مصدراً على
حالِهِ لا بمعنى المخلوق. وفيه نظرٌ، أو إلى السموات والأرض، وإن كانا
شيئين كلّ منهما جَمْعٌ، لأنهما بتأويل: هذا المخلوق العجيب، أو لأنهما في
معنى الجمع فأُشير إليهما كما يشار إلى لفظ الجمع.
قوله: ((باطلاً)) في نصبه خمسةُ أوجه، أحدها: نعت لمصدر محذوف
أي: خلقاً باطلاً، وقد تقدم أن سيبويه(٣) يجعل مثلَ هذا حالاً من ضميرٍ ذلك
المصدر. الثاني: أنه حالٌ من المفعول به وهو ((هذا)). الثالث: أنه على
(١) الإملاء ١٦٣/١.
(٢) الإِملاء ١٦٣/١.
(٣) الكتاب ١١٦/١.
٥٣٢

- آل عمران -
إسقاطِ حرفٍ خافضٍ وهو الباء، والمعنى: ما خلقتهما بباطلٍ بل بحقِّ
وقُدرةٍ. الرابع: أنه مفعول من أجله، و((فاعِل) قد يجيء مصدراً كالعاقبةِ
والعافية. الخامس: أنه مفعول ثان بـ ((خَلَق)) قالوا: و((خلق)) إذا كانت بمعنى
جعل التي تتعدى لاثنين تعدَّت لاثنين، وهذا غير معروف عند أهل العربية،
بل المعروف أنَّ ((جَعَلَ)) إذا كانت بمعنى ((خَلَقَ)) تعدَّتْ لواحد فقط. وأحسنُ
هذه الأعاريبِ أن يكون حالاً من ((هذا))، وهي حالٌ لا يُسْتغنى عنها، لأنها
لو حُذِفَتْ لاختلَّ الكلامُ، وهي كقوله: ((وما خَلَقْنا السمواتِ والأرضِ
وما بينهما لاعبين))(١).
و ((سبحانَك)) تقدم إعرابه(٢) وهو معترضُ بين قوله: ((ربنا)) وبين قوله:
((فَقِنا))، وقال أبو البقاء (٣): ((دخلت الفاء لمعنى الجزاء، والتقدير: إذا نَزَّهناك
أو وحَّدْناك فَقِنا)». وهذا لا حاجةَ إليه، بل التسبُّبُ فيها ظاهر، تسبَّب عن
قولهم: ((ربَّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك)) طَلَبُهُمْ وقايةَ النار. وقيل: هي
لترتيبِ السؤال على ما تضمَّنه ((سبحان)) من معنى الفعل أي: سبحانك فقِنا،
وأبعدَ مَنْ ذَهَب إلى أنها للترتيبِ على ما تضمَّنه النداء.
أ. (١٩٢) قوله تعالى: ﴿مَنْ تُدْخِلٍ﴾: ((مَنْ)) شرطيةٌ مفعولٌ مقدَّم
واجبُ التقديمِ لأنَّ له صدرَ الكلام، و((تُدْخِل)) مجزوم بها. و((فقد أَخْزَيْتَه))
جوابُها. وحكى أبو البقاء (٤) عن بعضهم قولين غريبين. أحدهما: أن تكونَ
((مَنْ)) منصوبةً بفعلٍ مقدرٍ يُفُسِّره قوله: ((فقد أَخْزَيْتَه، وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ مِنْ شرطِ
الاشتغالِ صحةً تسلُّط ما يُفَسِّر على ما هو منصوب، والجواب لا يعمل فيما قبل
فعل الشرط؛ لأنه لا يتقدَّم على الشرط. الثاني: أن ((مَنْ)) مبتدأ، والشرطُ
(١) الآية ١٦ من الأنبياء.
(٢) انظر الآية ٣٢ من البقرة.
(٣) الإملاء ١٦٣/١.
(٤) الإملاء ١٦٣/١.
٥٣٣

- آل عمران : -
وجوابُه خبر هذا المبتدأ(١)، وهذان الوجهان غَلَطُ. والله أعلم. وعلى الأقوالِ
كلِّها فهذه الجملةُ الشرطيةُ في مجلِّ رفعٍ خبراً لـ ((إنَّ)).
ويُقال: خَزَيْتُه وَأَخْزَيْتُه ثلاثياً ورباعياً، والأكثرُ الرباعي، وخَزِيَ الرجلُ
يَخْزَى خِزْياً إذا افتضح، وخَزاية إذا استحيا فالفعلُ واحد، وإنما يتميز بالمصدر
كما تقدم .
قوله: ((وما للظالمين مِنْ أنصارٍ)) ((مِنْ)) زائدة لوجود الشرطين، وفي
مجرورها وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ وخبرُه في الجارِّ قبله، وتقدیمُه هنا جائزٌ
لا واجبٌ لأنَّ النّفْيَ(٢) مُسَوِّغ، وحَسِّنَ تقديمَه كونُ مبتدئِه فاصلةً والثاني:
أنه فاعلٌ بالجارِّ قبله لاعتمادِه على النفي، وهذا جائزٌ عند الجميع.
:: آ. (١٩٣) قوله تعالى: ﴿سَمِعْنا منادياً يُنادي﴾: ((سمع)) إِنْ دَخَلَتْ
على ما يَصِحُّ أن يُسْمع نحو: ((سمعت كلامك وقراءتك)) تعدَّت لواحد، وإنْ
دخلت على ما لا يَصِحُّ سماعُه بأنْ كان ذاتاً فلا يَصِحُّ الاقتصارُ عليه وحدَهُ، بل
لا بد من الدلالةِ على شيء يُسْمع نحو: «سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت
زيداً يتكلم)».
والنحويين في هذه المسألة قولان، أحدُهما: أنها تتعدى فيه أيضاً إلى
مفعولٍ واحد، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفةٌ إنْ كان قبلَها نكرةٌ، وجالاً
إنْ كان معرفة . والثاني : - قول الفارسي وجماعة - تتعدّى لاثنين الجملةُ في
محلٌّ الثاني منهما. فعلى قولِ الجمهور يكون ((يُنادي)) في محلِّ نصب لأنه
صفةٌ لمنصوبٍ قبلَه، وعلى قول الفارسي يكونُ في محلّ نصبٍ على أنه
مفعول ثان .
(١) يبدو أن وجه الغلط هنا أن الفعل بعده متعدٍ ولم يستوفِ مفعوله ..
(٢) أي يُسَوِّغ الابتداء بالنكر
٥٣٤

- آل عمران -
وقال الزمخشري(١): ((تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً
يتكلم، فَتُوْقِعُ الفعلَ على الرجل، وتَحْذِف المسموع لأنك وَصَفْتَه بما يسمع
أو جعلته حالاً منه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصفُ أو الحالُ لم يكن منه بَدَّ،
وأن تقولَ: سَمِعْتُ كلامَ فلانٍ أو قولَه)). وهذا هو قولُ الجمهور الذي قَدَّمْتُ
لك ذكره. إلَّ أنَّ الشيخ(٢) اعترض عليه فقال: ((قوله: ولولا الوصفُ أو الحال
إلى آخره ليس كذلك، بل لا يكونُ وصفٌ ولا حالٌ ومع ذلك تَدْخُل ((سمع))
على ذاتٍ لا على مسموع)) كقوله تعالى: ((هل يَسْمعونكم إذ تدعون))(٣) فأغنى
ذكرُ ظرفِ الدعاءِ عن المسموعِ».
وأجاز أبو البقاء (٤) في ((يُنادي)) أن يكونَ في محلِّ نصب على الحالِ
من الضميرِ المستكن في ((مناديا)).
فإن قيل: فما الفائدة في الجَمْعِ بين ((منادٍ)) و ((ينادي))؟ فأجاب
الزمخشري (٥) بأنه ذَكَر النداء مطلقاً ثم مقيداً بالإِيمان تفخيماً لشأن المنادي
لأنه لا مناديَ أعظمُ من منادٍ للإِيمان، وذلك أنَّ المنادِيَ إذا أطلق ذَهَب الوهمُ
إلى منادٍ للحرب أو لإطفاء الثائرة أو لإغاثة المكروب أو لكفاية بعض النوازل
أو لبعضِ المنافعِ ، فإذا قلت: ((ينادِي للإِيمان)» فقد رَفَعْتَ من شأن المنادي
وفَخّمته.
وأجاب أبو البقاء(٦) عنه بثلاثة أجوبة / أحدها: التوكيد نحو: قم قائماً. [١٩٣/ب]
الثاني: أنه وُصِل به ما حَسَّن التكريرَ وهو ((للإيمان)). الثالث: أنه لو اقْتُصِر
(١) الكشاف ٤٨٩/١.
(٢) البحر ١٤١/٣ .
(٣) الآية ٧٢ من الشعراء.
(٤) الإملاء ١٦٣/١.
(٥) الكشاف ٤٨٩/١.
(٦) الإملاء ١٦٣/١.
٥٣٥

- آل عمران -
على الاسمِ لجاز أن نسمع معروفاً بالنداء يَذْكُّر ما ليس بنداء فلمَّا قال ((يُنادِي))
ثبتَ أنهم سمعوا نداءَه في هذه الحال.
ومفعولُ ((ينادي)) محذوف أي: ينادي الناس. ويجوزُ ألَّ يرادَ مفعول
نحو: ((أمات وأحيا))(١). و((نادى)) و((دعا» يتعذّيان باللام تارة وبـ((إلى))
أخرى، وكذلك ((ندب)). قال الزمخشري(٢): ((وذلك أن معنى انتهاء الغاية
ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً)) فاللامُ في موضِعها، ولا حاجةً إلى أَنْ
يقال: إنها بمعنى ((إلى)) ولا إنها بمعنى الباء، ولا إنها لام العلة أي: لأجل
الإِيمان كما ذهب إلى ذلك بعضهم.
قوله: ((أَنْ آمِنوا)) في ((أَنْ)) قولان، أحدهما: أنها تفسيرية لأنها وَقَعتْ
بعد فعلٍ بمعنى القول لا حروفِه، وعلى هذا فلا موضعَ لها من الإعراب.
والثاني: أنها المصدريةُ وُصِلَتْ بفعل الأمر، وفي وصلها به نظرٌ من حيث إنها
إذا انسبك منها ومِمَّا بعدَها مصدرٌ تفوتُ الدلالة على الأمرية، واستدلُّوا على
وَصْلِها بالأمر بقولهم: ((كَتَبْتُ إليه بأنْ قم)) فهي هنا مصدرية ليس إلا،
وإلّ يلزمْ تعليقُ حرف الجر. ولهذا موضعٌ هو أليقُ به، وإذا قيل بأنها مصدرية
فالأصل التعدِّي إليها بالباء أي: بأن آمنوا، فيكون فيها المذهبان المشهوران:
الجر والنصب.
وقوله: ((فَآمَنًا)) عطف على ((سمعنا))، والعطفُ بالفاءِ مؤذنٌ بتعجيل القبول
وتسبُّبِ الإِيمان عن السماع من غير مُهْلة، والمعنى: فَآمَنَّا بربنا.
قوله: ((مع الأبرار)) ظرفٌ متعلِّق بما قبله أي: تَوَفَّنا معدودين في
صحبتهم. وقيل: تُجُوِّز به هنا عن الزمان. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول
(١) الآية ٤٤ من النجم: ((وأنه هو أمات وأحيا)».
(٢) الكشاف ٤٨٩/١.
٥٣٦

- آل عمران -
فيتعلَّق بمحذوف، وأجاز مكي(١) وأبو البقاء(٢) أن تكونَ صفةً لمحذوف أي:
أبراراً مع الأبرار كقوله (٣):
١٥١٤- كأنَّك مِنْ جِمالٍ بني أُقَيْشِ
يُقَعْقَعُ خلفَ رِجْلَيْه بشَنَّ
أي: كأنك جَمَل من جمال. قال أبو البقاء: ((ويكون)) أبراراً)) حالاً،
ولا حاجة إلى دعوى ذلك. والأبرارُ يجوز أن يكون جمع (بارّ)) كصاحِب
وَأَصْحاب، أو بَرّ بزنة («كَتِف)» نحو: كَتِف وأكتاف.
آ. (١٩٤) قوله تعالى: ﴿على رُسُلك): فيه ثلاثة أوجه، أحدها:
أنه متعلق بـ ((وَعَدْتَنَا)) قال الزمخشري (٤): ((على)) هذه صلةٌ للوعد في قولك:
((وعد الله الجنة على الطاعة)) والمعنى: ما وَعَدْتنا في تصديقِ رسلك.
والثاني : أن تتعلَّقَ بمحذوف على أنها حال من المفعول وقَدَّره الزمخشري (٥)
بقوله: ((مُنَزَّلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك؛ لأنَّ الرسل مُحَمَّلون
ذلك: ((فإنما عليه ما حُمِّل))(٦). ورَدَّ الشيخ (٧) عليه بأن الذي قدَّره محذوفاً
كون(٨) مقيد، وقد عُلِم من القواعد أن الظرف والجار إذا وقعا حالين
أو وصفين أو خبرين أو صلتين تعلَّقا بكون مطلق، والجارُّ هنا وقع حالاً فكيف
يُقَدِّر متعلَّقُه كوناً مقيداً وهو ((مُنَزَّل)) أو ((محمول))؟ الثالث: ذكره أبو البقاء(٩)
(١) المشكل ١٧٣/١.
(٢) الإِملاء ١٦٣/١.
(٣) تقدم برقم ١٠٧١ .
(٤) الكشاف ٤٨٩/١.
(٥) الكشاف ٤٨٩/١.
(٦) الآية ٥٤ من النور: ((فإنَّ تَوَلَّوا فإنما عليه ما حُمِّل.
(٧) البحر ١٤٢/٣.
(٨) الأصل: ((كونا)) وهو سهو، لأنه خبر أن.
(٩) الإملاء ١٦٣/١.
٥٣٧

- آل عمران -
أن تتعلق ((على)) بـ ((آتِنا))، وقَدَّر مضافاً محذوفاً فقال: ((على ألسنة رسلك))
وهو حسن.
والميعاد: اسمُ مصدرٍ بمعنى الوعد. و((يوم القيامة)) فيه وجهان،
أحدهما: أنه منصوبٌ بـ ((لا تُخْزِن))، والثاني: أجازه الشيخ(١) أن يكون من
باب الإعمال؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً بـ ((لا تُخْزِن)) وبـ ((آتِنا ما وعدتنا)) إذا
كان الموعودُ به الجنةَ. وقرأ الأعمش(٢): «رُسْلِك)) بسكون السين.
آ. (١٩٥) قوله تعالى: ﴿أني لا أُضيع﴾: الجمهورُ على فتح ((أَنَّ)
والأصل: بأني، فيجيء فيها المذهبان. وقرأ (٣) أُبَيّ: ((بأني)) على هذا
الأصل. وقرأ عيسى بن عمر بالكسرِ وفيه وجهان، أحدهما: أنه على إضمارِ
القول أي: وقال إني. والثاني: أنه على الحكاية بـ ((استجاب)) لأن فيه معنى
القول، وهو رأي الكوفيين.
و ((استجاب)» بمعنى أجاب، ويتعدَّى بنفسه وباللام، وتقدَّم تحقيق ذلك في
قوله: ((فَلْيَسْتَجيبوا لي))(٤). ونقل تاج القُرَّاء(٥) أن ((أجاب)) عام، و((استجاب))
خاص في حصول المطلوب.
والجمهورُ: ((أُضيع)) من أضاع. وقرىء (٦) بالتشديد والتضعيف،
والهمزةُ فيه للنقل كقوله(٧):
(١) البحر ١٤٣/٣.
(٢) البحر ١٤٣/٣؛ القرطبي ٣١٧/٤.
(٣) البحر ١٤٣/٣؛ الشواذ ١٤.
(٤) الآية ١٨٦ من البقرة.
(٥) وهو الكرماني. وتقدمت ترجمته .
(٦) قراءة جناح بن حبيش؛ انظر: الشواذ ٢٤؛ البحر ١٤٣/٣
(٧) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٤٣/٣.
٥٣٨

- آل عمران -
١٥١٥- كمُرْضِعَة أولادَ أُخرى وضَيَّعَتْ
بني بَطْنِها، هذا الضلالُ عن القصدِ
قوله: ((منكم)) في موضعٍ جر صفةً لـ («عامل)) أي كائنٍ منكم.
وأمَّا (مِنْ ذَكَرٍ)) ففيه خمسة أوجه، أحدُها: أنها لبيان الجنس، بيَّنَ جنس
العامل، والتقدير: الذي هو ذكر أو أنثى، وإن كان بعضُهم قد اشترط في
البيانية أن تدخل على مُعَرَّف بلام الجنس، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك. الثاني :
أنها زائدة لتقدُّم النفي في الكلام، وعلى هذا فيكون ((مِنْ ذَكّر)) بدلاً من نفسٍ
(عامل)) كأنه قيل: عاملٍ ذَكَرٍ أو أنثى، ولكنْ فيه نظرٌ من حيث إنَّ البدلَ
لا يُزاد فيه («مِنْ)). الثالث: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها حالٌ من الضمير
المستكنَّ في ((منكم))، لأنه لَمَّا وقع صفة تَحَمَّل ضميراً، والعاملُ في الحالِ
العاملُ في ((منكم)) أي: عاملٍ كائن منكم كائناً من ذكر. الرابع: أَنْ يكونَ
(مِنْ ذكرٍ)) بدلاً مِنْ ((منكم))، قال أبو البقاء (١) ((وهو بدلُ الشيء من الشيء وهما
لعينٍ واحدةٍ» يعني فيكونُ بدلًا تفصيلياً بإعادةِ العاملِ كقوله: (للذين
استُضْعِفُوا لِمَنْ آمن))(٢) ((لَجَعَلْنَا لِمَنْ يكفُر بالرحمن لبيوتهم))(٣). وفيه إشكالٌ
من وجهين، أحدهما: أنه بدلُ ظاهرٍ من حاضر في بدلِ كلٍّ من كل وهو
لا يجوزُ إلا عند الأخفش (٤). وقَيِّد بعضُهم جوازَه بأَنْ يفيدَ إحاطةً كقوله(٥):
١٥١٦ - فما بَرِحَتْ أقدامُنا في مَقامِنا
ثلاثتنا حتى أُزيروا المنائيا
(١) الإملاء ١ /١٦٣.
(٢) الآية ٧٥ من الأعراف.
(٣) الآية ٣٣ من الزخرف.
(٤) انظر المسألة في: الكتاب ٣٩٣/١؛ المقتضب ٢٩٦/٤؛ شرح الرضي على الكافية
٣١٥/١؛ ابن عقيل ١٩٧/٢.
(٥) البيت لعبيدة بن الحارث، وهو في السيرة ٢٤/٢؛ والعيني ١٨٨/٤؛ والتصريح
٢٧٢/٢؛ والأشموني ١٢٩/٣.
٥٣٩

- آل عمران :-
وقوله تعالى: ((تكونُ لنا عيداً لأولنا وآخرنا))(١) فلمَّا أفادَ الإِحاطةَ والتأكيدَ
جاز. واستدلَّ الأخفشُ بقوله(٢).
١٥١٧- بكمْ قريشٍ كُفِينَا كَلَّ مُعْضِلَةٍ
وأمَّ نهجَ الهدى مَنْ كان ضِلُّلا
وقول الآخر: (٣)
١٥١٨ _ وشَوْهاءَ تَعْدُو بي إلى صارخِ الوَغَى
بِمُسْتَلْئِمٍ مثلِ الفَنيقِ المُدَجَّل
فـ ((قريش)) بدلٌ من ((كم))، و((بمُسْتلئم)) بدل من ((بي)) بإعادة حرفٍ
الجرِّ، وليس ثَمَّ لا إحاطةٌ ولا تأكيدٌ، فمذهبه يمشي على رأيِ الأخفشِ دونَ
الجمهور.
الثاني (٤): أنَّ البدل التفصيلي لا يكون بـ ((أو))، وإنما يكون بالواو لأنها
للجمع كقوله(٥).
١٥١٩٠- وكنت كذي رِجْلَيْن رِجْلٍ صحيحةٍ
ورِجْلٍ رَمَى منها الزمانُ فَشَلَّتِ
:
وقد يُمكن أن يجاب عنه بأن ((أو)) قد تأتي بمعنى الواو كقوله(٦).
(١) الآية ١١٤ من المائدة.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٤٤/٣؛ وشذور الذهب ٤٤٣؛ والتصريح ١٦١/٢.
وأمّ: قصد.
(٣) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٤٩٩؛ والبحر ١٤٤/٣؛ والشوهاء: الطويلة
أو حديدة الفؤاد، والمستلئم: عليه لأمة وهي الدرع؛ والمدجل: المطلي.
(٤) أي: الإِشكال الثاني على إعراب أبي البقاء السابق.
(٥) تقدم برقم ١١٩١.
(٦) تقدم برقم ٦٣٥ .
٥٤٠