Indexed OCR Text
Pages 381-400
- آل عمران - الإِبراهيم (١)». وتقدَّم أنَّ في هذه اللامِ قولين(٢). والظاهرُ أنها مُعَدِّية؛ لأنه قبل التضعيفِ والهمزةِ غيرُ متعدٍّ بنفسه. ويحتمل أن يكونَ قد ضَمَّنه هنا معنى (تُهَيِّىء))، و («ترتِّب)). وقرأ(٣) الأشهب: ((مقاعدَ القتالِ)) بإضافتها للقتال. واللام في ((للقتال)) في قراءة الجمهور فيها وجهان، أظهرهما: أنها متعلقة بـ ((تُبَوِّىء)) على أنها لام العلة، والثاني : أنها متعلقة بمحذوف لأنها صفة لـ مقاعد أي: مقاعد كائنة ومهيئة للقتال، ولا يجوز تعلقها بـ ((مقاعد)) وإن كانت مشتقةً، لأنها مكانٌ والأمكنة لا تعمل. آ. (١٢٢) قوله تعالى: ((إذ هَمَّتْ)) في هذا الظرف أوجه، أحدها: أنه بدلٌّ من ((إذ غَدَوْت)) فالعامل فيه العامل في المبدل منه. الثاني: أنه ظرف لـ ((غَدَوْتَ)). الثالث: أنه ظرف لـ ((تُبَوِّىءُ)) وهذه الأوجه تحتاج إلى نَقْل تاريخي في اتحاد الزمانيين. الرابع: أن الناصب له ((عليم)) وحدّه، ذكره أبو البقاء(٤). الخامس: أن العامل فيه: إمَّا ((سميع)) وإما ((عليم)) على سبيل التنازع، وتكون المسألة حينئذ من إعمال الثاني، إذ لو أَعمل الأول لأضمر في الثاني، ولم يَحذف منه شيئاً كما قد عرفته غير مرة. وقال الزمخشري(٥): ((أو عمل فيه معنى ((سميع عليم)). قال الشيخ(٦): (وهذا غيرُ مُحَرَّرٍ؛ لأن العامل لا يكون مركباً من وصفين، فتحريره أن يقال: عمل فيه معنى سميع أو عليم، وتكونُ المسألة من التنازع)». قلت: لم يُرِدٍ (١) الآية ٢٦ من الحج. (٢) في الأصل: «قولان» وهو سهو. (٣) البحر ٤٦/٣. (٤) الإملاء ١٤٨/١. (٥) الكشاف ٤٦٠/١. (٦) البحر ٤٦/٣. ٣٨١ - آل عمران الزمخشري بذلك إلَّ ما ذكرتُه من إرادة التنازع، ويَصْدُق أَنْ يقول: عمل فيه هذا وهذا بالمعنی المذکور لا أنهما عمِلا فیه معاً، على أنه لو قيل به لم يكن مبتدِعاً قولاً، إذ الفراء يرى ذلك، ويقولُ في نحو: ((ضربت وأكرمت زيداً)) إنَّ ((زيد) منصوبٌ بهما وإنهما تسلَّطا عليه معاً، ولتنقيح هذه المسألةِ موضوعٌ غيرُ هذا حَرَّرتها فيه بحمد الله تعالى . والهمُّ: العَزْمِ. وقيل: بل هو دونَه، وذلك أن أوَّل ما يمر بقلبِ الإِنسان يسمى خاطراً، فإذا قَوِيَ سُمِّ حديثَ نفس، فإذا قوي سُمِّي هَمَّأ، فإذا قوي سُمِّي عزماً، ثم بعده إما قول أو فعل، وبعضهم يُعَبِّر عن الهَمِّ بالإِرادة، تقول العرب: هَمَمْت بكذا أُهُمُّ به - بضم الهاء -، ويقال: ((هَمْتُ)) بميم واحدة، حذفوا إحدى الميمين تخفيفاً كما قالوا: مَسْتُ وَظَلْت وحَسْت فِي مَسَسْتُ وظَلَلْتُ وحَسَسْت، وهو غير مقيس. والهمُّ أيضاً: الحُزْن الذي يذيب صاحبه وهو مأخوذٌ من قولهم: (هَمَمْتُ الشحم)) أي: أذبته. والهمُّ الذي في النفس قريب منه؛ لأنه قد يؤثر في نفس الإِنسان كما يُؤَثِّر الحزن، ولذلك قال الشاعر(١): ١٤٢١ - وهَمُّك ما لم تُمْضِه لك مُنْصِبٌ أي: إنك إذا هممت بشيء ولم تفعله، وجال في نفسك فأنت في تعب منه حتى تقضيه . قوله: ((أَنْ تفشَلا)) متعلق بـ ((هَمَّتْ)) لأنه يتعدَّى بالباء، والأصل: بأن تفشلا، فيجري في محل ((أَنْ)) الوجهان المشهوران. والفَشَل: الجُبْنِ والخور. وقال بعضهم: ((الفشل في الرأي: العجز، وفي البدن: الإِعياء وعدم (١) لم أقف عليه. ٣٨٢ - آل عمران - النهوض، وفي الحرب الجُبْنِ والخَوَر)) والفعل منه ((فَشِل)) بكسر العين، وتفاشل الماء إذا سال. وقوله: ((على الله)) متعلق بقوله: ((فَلْيتوكل)) قُدِّم للاختصاص ولتناسبٍ رؤوس الآي. وقد تقدَّم القولُ في نحو هذه الفاء. وقال أبو البقاء(١): ((ودخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إنْ فَشِلوا فتوكلوا أنتم، أو إن ضَعُب الأمرُ فتوكلوا. آ. (١٢٣) قوله تعالى: ﴿ببدرٍ﴾: متعلق بـ ((نَصَرَكم)) وفي الباء حينئذ قولان، أظهرهما: أنها ظرفية أي: في بدر كقولك: زيد بمكة أي: في مكة. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف على أنها باءُ المصاحبة، فمحلُّها النصب على الحال أي: مصاحبين لبدْرٍ. وبدر اسم ماء بين مكة والمدينة سُمِّي بذلك لصفائِه كالبَدْر، وقيل: لاستدارته. وقيل: باسم صاحبه وهو بدر بن كلدة. وقيل: هو اسم واد. وقيل: اسم بثر. والتوكُّل: / تفعُّل: إمَّا من الوكالة وهي تفويضُ الأمر إلى مَنْ تَثِقِ بحسن [١٧٦ /ب] تدبيره ومعرفته في التصرف، وإمَّا مِنْ وَكَلَ أمره إلى فلان إذا عَجِز عنه. قال ابن فارس: ((هو إظهارُ العَجْزِ والاعتمادُ على غيرك، يقال: فلانُ وَكَلَةٌ تُكَلَةٌ أي : عاجز يَكِل أمره إلى غيره)». والتاء في ((تُكَلة)) بدلٌ من الواو كُتُخَمة وتُجاه. قوله: ((وأنتم أَذِلَّةُ)) في محلٌّ نصب على الحال من مفعول ((نصركم)). و((أَذِلَّةُ)) جمع ذليل، وجُمِع جَمْعَ قلة إشعاراً بقلتهم مع هذه الصفة، وفعيل الوصفُ قياسُ جمعِه على فُعَلاء كظريف وظرفاء وشريف وشرفاء، إلا أنه تُرِك في المضعف تخفيفاً، أَلا ترى إلى ما يُؤدِّي إليه قولُك ذُلَلاء وخُلَلاء من الثقل من جمع ذلیل وخلیل. (١) الإملاء ١٤٨/١. ٣٨٣ ۔۔ آل عمران - آ. (١٢٤) قوله تعالى: ﴿إِذ تقول﴾: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن هذا الظرف بدلٌ من قوله: ((إذ هَمَّتْ)). الثاني: أنه منصوبٌ بـ((نصركم)). الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار ((اذكر)»، وهل هذه الجملةُ من تمام قصة بدر - وهو قول الجمهور - فلا اعتراض في هذا الكلام، أو من تمام قصة أُحُد، فيكون قولُه ((ولقد نصركم الله)) مُعْترِضاً بين الكلامين؟ خلافٌ مشهور. قوله: ((أن يُمِدَّكم)) فاعلُ ((ألن يكفيكم)) أي: ألن يكفيكم إمدادُ ربكم. والهمزةُ لَمَّا دَخَلَتْ على النفي قَرَّرَتْه على سبيل الإِنكار، وجيء بـ ((لن)) دون ((لا)) لأنها أبلغُ في النقي. وفي مصحف أُبَيّ(١): ((ألا)) بـ (لا)) دون ((لن)) كأنه قَصَدَ تفسير المعنى . : و((بثلاثة)) متعلق بـ ((يُمِدَّكم)). وقرأ الحسن (٢) البصري: (ثلاثَةُ آلاف)) بهاء في الوصل ساكنة .. وكذلك ((بخمسة آلاف)) كأنه أَجرى الوصل مُجرى الوقف، وهي ضعيفةٌ لكونها في متضايفين يقتضيان الاتصال. قال ابن عطية (٣): ((ووجهُ هذه القراءة ضعيف، لأنَّ المضافَ والمضاف إليه كالشيء الواحد فيقتضيان الاتصالَ والثاني كمالُ الأول، والهاء إنما هي أَمارةُ وقفٍ فيقلقُ الوقفُ في موضع إنما هو للاتصال، لكن جاء نحو هذا في مواضعَ للعرب، فمن ذلك ما حكاه الفراء من قولهم: ((أكلت لحما شاة» يريدون: (لحمَ شاة)) فَمَطلوا الفتحةَ حتى نشأت عنها ألفُ كما قالوا في الوقفِ: ((قالا)) يريدون ((قالَ))، ثم يَمْطُلون الفتحة في القوافي ونحوها من مواضعٍ الرويَّة والتثُبت، ومن ذلك في الشعر قوله (٤). (١) البحر ٥٠/٣. (٢) البحر ٥٠/٣. (٣) المحرر ٢٢١/٣ - ٢٢٢. (٤) البيت لعنترة وهو في ديوانه ٢٠٤؛ وشرح القصائد للتبريزي ٣٣٢؛ والخصائص ١٢١/٣؛ واللسان: بوع، والإنصاف ٢٦؛ والخزانة ١٢٢/١. والذفرى: عظم خلف الأذن. والجسرة: الطويلة العظيمة الجسم، والزيافة: السريعة، والفنيق: الفحل. ٣٨٤ - آل عمران - ١٤٢٢- يَنْبَاعِ من ذِغْرى غضوبٍ جَسْرَةٍ زَيَّافَةٍ مثلِ الفنيقِ المُكْدَمِ يريد: ((يُنْبَع)) فمطَلَ، ومثلُه قول الآخر(١): ١٤٢٣- أقول إذا خَرَّتْ على الكَلْكال يا ناقتي ما جُلْت مِنْ مَجَال يريد ((الكلكل)) فمطَلَ، ومثلُه قول الآخر(٢): ١٤٢٤- فأنتَ من الغوائلِ حين تُرْمَى ومن ذمَّ الرجال بمُنْتزاحِ بريد: بمنتزّح. قال أبو الفتح(٣): ((فإذا جاز أن يَعْتَرِضَ هذا التمادي بين أثناءِ الكلمة الواحدة جاز التمادي بين المضاف والمضاف إليه إذ هما اثنان)). قال الشيخ (٤) - بعد كلام ابن عطية -: ((وهو تكثير وتنظير بغير ما يناسب، والذي يناسب توجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوصل مُجرى الوقف، أَبْدلها [هاءً] في الوصل كما أَبْدلوها في الوقف، وموجودٌ في كلامهم إجراءُ الوصل مُجرى الوقف، وإجراءُ الوقفِ مُجْرى الوصل. وأما قوله(٥): ((لكن قد جاء نحوُ هذا العرب في مواضع)) وجميعُ ما ذكر إنما هو من باب إشباع الحركة، وإشباعُ الحركةِ ليس نحوَ إبدالِ التاءِ هاءً في الوصل، وإنما نظيرُ هذا قولهم: ((ثلثهَ أربعة)) أَبْدل التاء هاء، ونقل حركة همزة ((أربعة)) إليها، (١) لم أهتد إلى قائله وهو في المحتسب ١٦٦/١؛ واللسان: كلل، والإنصاف ٢٠؛ ورصف المباني ١٢. والكلكل: الصدر. (٢) البيت لإبراهيم بن هرمة أو إبراهيم بن محمد، وهو في الخصائص ٣١٦/٢؛ والمحتسب ١٦٦/١؛ واللسان: نزح؛ وأمالي الشجري ١٢٢/١؛ والإنصاف ٢٥. والمنتزح: البعيد . (٣) المحتسب ١٦٥/١ وأبو الفتح هو ابن جني. (٤) البحر ٥٠/٣. (٥) أي قول ابن عطية. ٣٨٥ - آل عمران - وحذفَ الهمزة، فَأَجْرَى الوصلَ مُجرى الوقف في الإِبدال وأَجْرى الوصلَ. مُجرى الوقف(١)، إذ النقلُ لا يكون إلا في الوصل)). وقُرىء شاذاً أيضاً: ((بثلاثةْ)) بتاءٍ ساكنة وهي أيضاً من إجراء الوصل مُجرى الوقف من حيث السكونُ. واختلف في هذه التاء الموقوف عليها الآن: أهي تاءُ التأنيث التي كانت فسكنت فقط، أو هي بدلٌ من هاء التأنيث المبدلة من التاء؟ وهو خلاف لا طائل تحته . وقوله: ((من الملائكة)) يجوز أن تكون «مِنْ)) للبيان، وأَنْ تكونَ ((من)) ومجرورُها في موضعٍ الجر صفةً لـ ((ثلاثة)) أو لـ ((آلاف)). قوله: ((مُنْزلين)) صفةٌ لثلاثة آلاف، ويجوزُ أن تكونَ حالاً من ((الملائكة)) والأولُ أَظهرُ. وقرأ ابن عامر (٢): ((مُنَزَّلِين) بالتضعيف، وكذلك شَدَّد قوله في سورة العنكبوت: ((إنا مُنَزِّلون على أهل هذه القرية))(٣)، إلا أنه هنا اسم مفعول: وهناك اسم فاعل. والباقون خففوهما. وقرأ ابن أبي عبلة هنا: ((مُنَزِّلِين)) بالتشديد مكسور الزاني مبنياً للفاعل. وبعضهم (٤) قرأه كذلك إلا أنه خَفَّف الزاي، جَعَلَه من أَنزِل كأكرم، والتضعيف والهمزةُ كلاهما للتعدية، فَفَّعَّل وأَفْعل بمعنى، وقد تُقدَّم أن الزمخشري يجعل التشديد دالاً على التنجيم، وتقدَّم البحث معه في ذلك. وفي القراءتين الأخيرتين يكون المفعبول [١٧٧/أ] / محذوفاً أي: مُنْزِلِينِ النصرَ على المؤمنين والعذاب على الكافرين. قوله: ((بلى)) حرفُ جواب وهو إيجاب للنفي في قوله تعالى: ((ألن يكفيّكم)) وقد تقدم الكلام عليها مشبعاً(٥). وجواب الشرط قوله: ((يُمْدِدْكُم)). (١) عبارة البحر: ((ولأجل الوصل نقل)). (٢) انظر في قراءات ((منزلين)) السبعة ٢١٥؛ الكشف ٣٥٥/١؛ الشواذ ٢٢؛ البحر ٥١/٣. (٣) العنكبوت ٣٤. وانظر: السبعة ٥٠٠. (٤) قراءة أبي حيوة. الشواذ ٢٢. (٥) أنظر إعرابه للآية ٨١ من البقرة. ٣٨٦ - آل عمران - والفَوْر: العجلةُ والسرعة ومنه: ((فارَت القِدْر)) اشتدَّ غَلَيانها وسارع ما فيها إلى الخروج، يقال: فارَ يفُور فَوْراً، ويُعَبَّر به عن الغضب والحِدَّة؛لأنَّ الْغَضْبَانَ يسارع إلى البطش بمَنْ يغضب عليه، فالفور في الأصل مصدرٌ ثم يُعبِّر به عن الحالة التي لا رَيْثَ فيها ولا تعريج عن شيء سواها. آ. (١٢٥) قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمين): كقوله: ((مُنْزَلین)). وقرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو على اسم الفاعل، والباقون بفتحها على اسم المفعول. فأما القراءة الأولى فتحتمل أن تكون من السَّوْم وهو تَرْك الماشية ترعى، والمعنى أنهم سَوَّموا خيلَهم أي: أعطَّوها سَوْمَها من الجري والجولان وتركوها كذلك كما يَفْعِلِ مَنْ يَسِيمُ ماشِيتَه في المَرْعى، ويحتمل أن يكون من السَّوْمَة وهي العلامة، على معنى أنهم سَوَّموا أنفسهم أو خيلهم، ففي التفسير أنهم كانوا بعمائمَ بيضٍ إلا جبريلَ فبعمامةٍ صفراء، ورُوي أنهم كانوا على خيل بُلْق. ورجّح ابن جرير(٣) هذه القراءة بما وَرَد في الحديث عنه عليه السلام يوم بدر ((تَسوَّموا فإنَّ الملائكة قد سَوَّمَتْ)). وأما القراءة الثانية فواضحةٌ بالمعنيين المذكورين فمعنى السَّوْم فيها: أنَّ الله أرسلهم، إذ الملائكة كانوا مُرْسَلين مِنْ عندِ الله لنصرةِ نبيِّه والمؤمنين. حكى أبو زيد: سَوَّم الرجل خيلَه: أي أرسلها، وحكى بعضهم: ((سَوَّمْتُ غُلامي)) أي: أرسلْتُه، ولهذا قال أبو الحسن الأخفش(٤): ((معنى مُسَوَّمين: مُرْسَلين)). ومعنى السِّوْمةِ فيها أنَّ الله تعالى سَوَّمَهم أي: جَعَل عليهم علامَةً وهي العمائم، أو الملائكةُ جَعَلوا خيلَهم نوعاً خاصاً وهي البُلْق، فقد سَوَّموا خیلهم . (١) السبعة ٢١٦؛ الكشف ٣٥٥/١. (٢) البلق: سواد وبياض. (٣) تفسير الطبري ١٨٥/٧. (٤) لم يقل بذلك في ((معاني القرآن)). ٣٨٧ - آل عمران - آ. (١٢٦) قوله تعالى: ﴿إِلا بُشْری﴾: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله وهو استثناء مفرغ، إذ التقدير: وما جعله لشيء من الأشياء إلا للبشرى، وشروطُ نصبِه موجودةٌ وهي اتحاد الفاعل والزمان وكونُه مصدراً سيق للعلة. والثاني: أنه مفعولٌ ثان لجَعَل على أنها تصييريةٌ. والثالث: أنها بدلٌ من الهاءِ في ((جَعَله)) قاله الحوفي، وجعل الهاءَ عائدةٌ على الوعدِ بالمَدَدٍ. والبُشْرَى مصدرٌ على فُعْلِى كَالرُّجْعَى. قوله: ((ولتطمئِنَّ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه معطوفٌ على ((بشرى)) هذا إذا جعلناها مفعولاً من أجله، وإنما جُرَّت باللام لاختلالِ شرطٍ من شروطٍ النصب وهو عَدَمُ اتحاد الفاعل، فإنَّ فاعلَ الجَعْل هو الله تعالى وفاعلَ الاطمئنان القلوبُ، فلذلك نُصِب المعطوفُ عليه لاستكمال الشروط، وجُرَّ المعطوفُ باللام لاختلالِ شرطه، وقد تقدَّم، والتقدير: وما جعله إلا للبشرى والطمأنينة. والثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوف أي: ولتطمئن قلوبُكم فَعَلَ ذلك، أو كانَ کیتَ وکیتَ. وقال الشيخ(١): ((وتطمئنَّ منصوبٌ بإضمار ((أَنْ)) بعد لام ((كي)) فهو من عطفِ الاسم على تَوَهُّم موضعِ اسم آخر». ثم نَقَل عن ابن عطية (٢) أنه قال: ((واللام في ((ولتطمئن)) متعلقةً بفعلٍ مضمر يَدُلُّ عليه ((جعله)»، ومعنى الآية: (وما كان هذا الإِمداد إلا لتستبشروا به وتطمئنَّ به قلوبكم)). قال الشيخ: (وكأنه رأى أنه لا يمكن عنده أَنْ يُعْطَف ((ولتطمئن)) على ((بشرى)) على الموضع؛ لأنَّ مِنْ شرطِ العطف على الموضع عند أصحابنا أن يكون ثَمَّ مُجْرِزٌ للموضع، ولا مُحْرزَ هنا، لأنَّ عاملَ الجر مفقود، ومَنْ لم يشترطِ المُحْرِز فيجوِّز ذلك، ويكونُ من باب العطف على التوهم)). قلت: وقد جعل بعضهم (١) البحر ٥١/٣. (٢) المحرر ٢٢٤/٣. ٣٨٨ - آل عمران - الواوَ في ((ولتطمئن)) زائدةً وهو لائقٌ بمذهب الأخفش(١)، وعلى هذا فتتعلَّق اللامُ بالبشرى، أي: إن البُشْرى علةٌ للجَعْلِ، والطمأنينة علةٌ للبُشْرى فهي علة العلة. وقال الفخر الرازي(٢): ((في ذِكْر الإِمدادِ مطلوبان، أحدهما: إدخالُ السرور في قلوبهم وهو المرادُ بقوله (إلَّ بشرى)) والثاني: حصولُ الطمأنينة بالنصرِ فلا يَجْبُنوا، وهذا هو المقصود الأصلي ففرَّق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين الأمرين، فعَطَّفَ الفعلَ على الاسم، ولَمَّا كان الأقوى حصولَ الطمأنينة أَدْخَلَ حرفَ التعليل)». قال الشيخ(٣): «ويناقَشُ في قوله ((عَطْفُ الفعلِ على الاسم)) إذ ليس من عطف الفعل / على الاسم(٤)، [١٧٧ /ب] وفي قوله: ((أدخلَ حرفَ التعليل)) وليس ذلك كما ذكر)). انتهى. قلت: إنْ عنى الشيخ أنه لم يُدْخِلْ حرفَ التعليل البتة فهو غيرُ مُسَلَّم ولا يمكنُ إنكارُه، وإنْ عَنَى أنه لم يُدْخِلْه بالمعنى الذي قصده الإِمام فيسهُلُ. وقال الجرجاني في ((نَظْمه)): ((هذا على تأويل: وما جعله الله إلا ليبشِّركم ولتطمئِنَّ، وَمَنْ أجازَ إقحامَ الواو وهو مذهب الكوفيين جعلها مقحمةً في ((ولتطمئِنَّ)) فيكونُ التقدير: وما جعله الله إلاَّ بُشْرى لكم لتطمئن قلوبكم به . والضميران في قوله: ((وما (جعله)) و((به)) يعودان على الإمداد المفهوم. من الفعل المتقدم وهو قوله: ((يُمْدِدْكم)) وقيل: يعودان على النصر، وقيل: (١) لم يشر إليها الأخفش في هذا الموضع في معاني القرآن، ولكنه أثبت زيادة الواو في موضع آخر. انظر: ص ٤٥٧ . (٢) تفسير الفخر ٢١٦/٨، والفخر هو محمد بن عمر، له مفاتيح الغيب في التفسير. توفي سنة ٦٠٦. انظر: طبقات الشافعية ٣٣/٥؛ الأعلام ٣١٣/٦. (٣) البحر ٥٢/٣. (٤) لأنَّ ((ولتطمئن)) منصوبة بأَنْ مضمرةً التي ينسبك منها وما بعدها مصدر. ٣٨٩ - آل عمران - على التسويم. وقيل: على التنزيل. وقيل: على العَدَد، وقيل: على الوعد. وفي هذه الآية قال: ((لكم)) وتركها في سورة الأنفال(١) لأن تيك مختصرُ هذه، وكأنَّ الإِطناب هنا أَوْلِى، لأن القصة مُكَمِّلةٌ هنا فناسب إيناسُهم بالخطابِ المواجّهِ. وأَخَّر هنا ((به)) وقَدَّم في سورة الأنفال؛ لأنَّ الخطابَ هنا موجودٌ في ((لكم)) فَأَتْبَعَ الخطابَ الخطابَ. وهنا جاء بالصفتين تابعتين في قوله: ((العزيز الحكيم)) وجاء بهما في جملةٍ مستأنفةٍ في سورة الأنفال في قوله: (إنَّ الله عزيز حكيم)) لأنه لمَّا خاطبهم هنا حَسُن تعجيلُ بِشارتهم بأنه عزيزٌ حكيم أي: لا يغالَبُ وأَنَّ أفعالَه كلها متقنةً حكمةُ وصوابٌ. آ. (١٢٧) قوله تعالى: ﴿ليقطعَ﴾: في متعلَّق هذه اللام سبعةٌ أوجه، أحدها: أنها متعلّقة بقوله: ((ولقد نَصَركم)) قاله الحوفي، وفيه بُعْدٌ الطولِ الفصلِ. الثاني: أنها متعلقةً بالنصر في قوله: ((وما النصرُ إلَّ مِنْ عند الله)) وفيه نظرٌ من حيث إنه قد فُصِل بين المصدر ومتعلَّقه بأجنبي وهو الخبر. الثالث: أنها متعلقة بما تعلق به الخبر وهو قوله: ((من عند الله)) والتقدير: وما النصر إلا كائن - أو إلا مستقر - من عند الله ليقطع. والرابع: أنها متعلقة بمحذوف تقديره: أمدَّكم - أو نصركم - ليقطع. الخامس: أنها معطوفةً على قوله: ((ولتطمئِنَّ))، حَذَفَ حرف العطف لفهم المعنى كقوله: ((ثلاثةُ رابعُهم كَلْبُهم))(٢)، وعلى هذا فتكونُ الجملةُ من قولِه: ((وما النصرُ إلا مِنْ عندِ الله)) اعتراضيةً بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، وهو ساقِطُ الاعتبارِ. السادس: أنها متعلقةٌ بالجَعْل قاله ابن عطية (٣). السابع: أنها متعلقةً بقوله:(يُمْدِدْكم))،وفيه بُعْدٌّ للفواصلِ بينهما. (١) الآية ١٠ من الأنفال: ((وما جعله الله إلا بُشْرى ولتطمئنٌ به قلوبُكم. وما النصرُ إلا مِنْ عند إنَّ اللَّهَ عزيز حكيم)». (٢) الآية ٢٢ من الكهف. (٣) المحرر ٢٢٥/٣. ٣٩٠ - آل عمران - والطَّرَفُ: المرادُ به جماعة وطائفة، و(من الذين)) يجوز أن يكون متعلقاً بالقطع فتكونَ ((مِنْ)) لابتداء الغاية. ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها وصفٌ لـ ((طرفا) وتكون ((مِنْ)) للتبعيض. قوله: ((أَوَيَكْبِتَهُمْ)) عطفُ على ((ليقطعَ)). و((أو)) قيل: على بابها من التفصيلِ أي: ليقطعَ طرفاً من البعضِ ويكبِتَ بعضاً آخرين. وقيل: بل هي بمعنى الواو أي: يجمع عليهم الشيئين. والكَبْتُ: الإِصابة بمكروهٍ. وقيل: هو الصَّرْعُ للوجهِ واليدين، وعلى هذين فالتاءُ أصليةٌ، وليست بدلاً من شيء بل هي مادةٌ مستقلة. وقيل: أصلُه مِنْ كَبَده إذا أصابه بمكروهٍ، أثَّر في كَبدِهِ وَجَعاً كقولك: رَأَسْتُه أي: أصبتُ رأسه ويدل على ذلك قراءة لاحق بن حميد(١) ((أو يكبِدَهم)) بالدال، والعربُ تُبْدِلُ التاءَ من الدال قالوا: هَرَتَ (٢) الثوبَ وهَرَدِه، وَسَبَتَ رأسَه وسَبَدَه(٣). وقد قيل: ((إنَّ قراءةً لاحِق أصلُها التاء، وإنما أُبْدِلَتْ دالاً كقولِهم: سَبَدَ رأسه وهَرَدَ الثوب، والأصلُ فيهما: التاء)». وقوله: ((فَيَنْقَلِبوا)) مُرَتَّبُ على ما تقدَّم. والخَيْبَةُ: عَدَمُ الظفر بالمطلوب، خاب يَخيب خَيْبَة. و((خائبين)) نصب على الحال. آ. (١٢٨) قوله تعالى: ﴿أُو يتوبَ﴾: في نصبِه أوجهٌ، أحدها: أنه معطوفٌ على الأفعالِ المنصوبةِ قبلَه تقديرُه: ليقطعَ أو يكِتَهم أو يتوبَ عليهم أو يعذِّبَهم، وعلى هذا فيكونُ قولُه ((ليس لك من الأمرِ شيءٌ)) جملةً اعتراضيةً بين المتعاطِفَيْنِ، والمعنى: أنَّ الله تعالى هو المالِكُ لأمرهم، فإنْ شاء (١) وهو أبو مجلز وقد تقدَّمت ترجمته. وانظر في هذه القراءة: القرطبي ١٩٨/٤؛ والبحر ٥٢/٢. (٢) هرد الثوب: مزقه . (٣) سبد رأسه: حلقها. ٣٩١ - آل عمران - قطع طرفاً منهم أو هزمهم، أو يتوبَ عليهم إن أسلموا ورجعوا، أو يعذبهم إن تمادَوا على كفرهم، وإلى هذا التخريجِ ذهب جماعة من النحاة كالفراء (١). والزجاج(٢). والثاني: أن ((أو)) هنا بمعنى ((إلَّ أَنْ)) كقولهم: ((لألزَمَنَّك أو تقضِيَنِي حقي)) أي: إلّ أَنْ تقضيني. الثالث: [أنّ] (أو) بمعنى ((حتى)) أي: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوبَ. وعلى هذين القولين فالكلامُ متصلٌ بقوله: ((ليس لك من الأمر شيء)) [١٧٨/ أ] والمعنى: / ليس لك من الأمر شيء إلاَّ أَنْ يتوب عليهم بالإِسلام فيحصُل لك سرورٌ بهدايتِهم إليه أو يعذبهم بقتلٍ أو نارٍ في الآخرةِ. فيتَشَفَّى بهم. ومِمَّنْ ذهب إلى ذلك الفراء(٣) وأبو بكر ابن الأنباري. قال الفراء: ((ومثلُ هذا الكلامِ: (لأثُمَّنَّك أو تعطيني)) على معنى: إلا أَنْ تعطيني، وحتى تعطيني. وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول امرىء القيس (٤): ١٤٢٥ - فقلتُ له لاَ تبْكِ عِينُك إنَّما تحاولُ مُلْكَاً أو ثَموتَ فَتُعْذَّرا أراد: حتى تموتَ، أو: إلَّا أن تموتَ)) قلت: وفي تقديره بيت امرىء القيس بـ ((حتى)) نظرٌ، إذليس المعنى عليه؛ لأنه لم يفعل ذلك لأجلِ هذه الغايةِ، والنحويون لم يقدِّروه إلا بمعنى ((إلاَّ)). (١) معاني القرآن له ٢٣,٤/١ . (٢) معاني القرآن له ٤٨٠/١. (٣) معاني القرآن له ٢٣٤/١. (٤) تقدم برقم ١٣٣٥ . ٣٩٢ - آل عمران - الثالث(١): أنه منصوبٌ بإضمار ((أَنْ)) عطفاً على قوله: ((الأمر)» كأنه قيل: ((ليس لك من الأمرِ أو من تَوْبته عليهم أو تعذيبِهم شيءٌ))، فلمَّا كان في تأويلٍ الاسم عُطفِ على الاسمِ قبلَه فهو من باب قولِه(٢): ١٤٢٦ - ولولا رجالٌ مِن رِزامٍ أُعِزَّةً وآلُ سُبَيْعٍ أو أَسُوْءَكَ علقما وقولها(٣): ١٤٢٧ - لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرِّ عيني أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفوف الرابع: أنه معطوفٌ بالتأويلِ المذكور على ((شيء)) والتقدير: ليس لك من الأمرِ شيءٌ أو توبةُ اللَّهِ عليهم أو تعذيبُهم أي: ليس لك أيضاً توبتُهم ولا تعذيبُهم، إنما ذلك راجعٌ إلى الله تعالى. وقرأ أُبَيّ (٤): ((أو يتوبُ، أو يعذُّبُهم)) برفعهما على الاستئناف في جملةٍ اسميةٍ أضمر مبتدُؤُها أي: أو هو يتوبُ ويعذِّبُهم. آ. (١٣٠) قوله تعالى: ﴿أضعافاً﴾: جمع ضِعْف، ولَّمَّا كان جمعَ قلةٍ والمقصودُ الكثرةُ أتبعه بما يدلُّ على ذلك وهو الوصف بمضاعفة. وقال أبو البقاء(٥): ((أضعافاً)) مصدرٌ في موضع الحال من ((الربا)). وقد تقدَّم لنا (١) عَدَّ المؤلف الوجهين السابقين على هذا الوجه تقديراً واحداً، وإلَّ كان من حقه أن يقول هنا : الرابع. (٢) تقدم برقم ١٠١٦. (٣) تقدم برقم ٧٠١. (٤) البحر ٥٣/٣. (٥) الإملاء ١٤٩/١. ٣٩٣ - آل عمران - الكلامُ على ((أضعاف)) ومفردُه في البقرة(١). وقرأ(٢) ابن كثير وابن عامر: (مُضَعَّفَةً)) مشدَّدَ العينِ دونَ ألف، والباقون بالتخفيف والألفِ. وقد تقدَّم الكلامُ أيضاً على التشديدِ والتخفيفِ في البقرة أيضاً. . آ. (١٣٣) قوله تعالى: ﴿وسارعوا﴾: قرأ(٣) نافع وابن عامر: ((سارعوا)) دون واو. والباقون بواو العطف، فَمَنْ أَسْقطها استأنف الأخير(٤) بذلك، أو أراد العطفَ ولكنه حَذَفَ العاطفَ للدلالة كقوله تعالى: ((ثلاثةٌ رابعُهم كَلْبُهم))(٥). وقد تقدَّم ضعفُ هذا المذهب. ومَنْ أثبت الواو عطفَ جملةً أمريةً على مثلها. وبعد اتِباعِ الأثرِ في التلاوة اتَّبَع كلٌّ رسمَ مصحفه فإِنَّ الواو ساقطةٌ من مصاحف المدينة والشام ثابتةً فيما عداها. قوله: ((من ربكم)) صفةً لـ ((مغفرة)) و((مِنْ)) للابتداء مجازاً. وقوله: ((عَرْضُها السموات)) لا بد من حذف أي: مثلُ عرض السموات، يدل عليه قوله: (عَرْضُها كعَرْضٍ)) والجملةُ في محلِّ جرِّ صفةً لـ ((جنة)). قوله: ((أُعِدَّت)) يجوزُ أَنْ يكونَ محلُّها الجرَّ صِفةً ثانية لـ ((جنة))، ويجوز أن يكونَ محلُّها النَصبَ على الحال من ((جنة))؛ لأنها لَمَّا وُصِفَتْ تَخَصَّصَتْ فَقَرُبت من المعارف. قال أبو البقاء (٦): ((ويجوز أن تكون مستأنفة، ولا يجوز أن تكونَ حالاً من المضاف إليه لثلاثة أشياء، أحدها: أنه لا عامل، وما جاء من ذلك متأولٌ على ضعفه. والثاني: العَرْضُ هنا لَا يُراد به المصدرُ الحقيقي. بل (١) انظر الآية ٢٤٥ . (٢) السبعة ١٨٤. (٣) السبعة ٢١٦؛ الكشف ٣٥٦. (٤) أي لم يعطف الأمر الأخير على ما قبله. (٥) الآية ٢٢ من الكهف. (٦) الإملاء ١٤٩/١. ٣٩٤ - آل عمران - يُرادُ به المسافة (١). والثالث: أنَّ ذلك يَلْزَمُ منه الفصلُ بين الحال وبين صاحبِ الحالِ بالخبر)) معنى بالخبر قولَه ((السموات)» وهو ردٌّ صحيح. آ. (١٣٤) قوله تعالى: ﴿الذين ينفقون﴾: يجوزُ في محلُّه الألقابُ الثلاثةُ، فالجَرُّ على النعتِ أو البدلِ أو البيانِ، والنصبُ والرفعُ على القطعِ المُشْعِرِ بالمدح. قوله: ((والكاظمين)) يجوزُ فيه الجَرُّ والنصبُ على ما تقدَّم فيما قبله. والكَظْمُ: الحَبْسُ. كَظَمَ غيظَه أي: حَبَسَه وَكَظَم القِرْبة والسِّقاء: إذا شَدَّ فَمَوَيْهِما مانعاً من خروجٍ ما فيهما، ومنه: الكِظامُ لِسَيْرِ تُشْدُّ به القِرْبَةُ والسِّقَاء كذلكَ. والكَظْمُ في الأصلِ: مُخْرَجُ النفس، يُقال: أَخَذَ بَكَظْمِه أي: مَخْرَج نَفْسِه(٢). والكُظُوم: احتباسُ النَّفَس، ويُعَبَّر به عن السكون كقولهم: ((فلان لا يتنفَّس)). والمَكْظُوم: الممتلِىءُ غيظاً وكأنه لغيظه لا يستطيع أن يتكلّمَ ولا يُخْرِجَ نَفَسه، والكَظِيمُ: الممتلِىُ أَسَفاً، قال أبو طالب(٣): ١٤٢٨ - فَحَضَضْتُ قومي واحتَسَبْتُ قتالَهم والقومُ من خوفِ المَنايا كُظّمُ وكَظَم البعيرُ: إذا ترك الاجترارَ من ذلك، ومنه قولُ الراعي (٤): ١٤٢٩ - وأفَضْنَ بعدَ كُظومِهِنَّ بِجِرَّةٍ مِنْ ذي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَفِيلا (١) لأنَّ مجيءَ الحالِ من المضاف إليه جائز إن كان المضاف مصدراً. (٢) قوله: ((مُخْرج نفسه)) سقط من مصورة الأصل. (٣) البحر ٥٦/٣. (٤) ديوانه ١٣٢؛ ومجالس العلماء ٤٨؛ واللسان: فيض. والجرة: ما يردِّده البعير في جوفه عند الاجترار. ٣٩٥ - آل عمران : - والحقيل: نبت، وقيل: موضع، فعلى الأول هو مفعولٌ به وعلى الثاني هو ظرف، ويكون قد شَذَّ عدمُ جرِّه بـ((في)) لأنه ظرفُ مكانٍ مختصٍّ، ويكون المفعولُ محذوفاً أي: إذْ رَعَيْنَ الكلا في حَقيلٍ ، ولا تَقْطَعُ الإِبلُ جِرَّتَها إلا عند الفزع ، ومنه قولُ أعشى باهلة يصفُ رجلاً يُكْثِرِ نَحْرَ الإِبل(١): ١٤٣٠ - قد تَكْظِمُ البُزْلُ منه حين تُبْصِرُه حتى تَقَطَّع في أَجْوافِها الجِرَرُ والجِرَرُ جمعُ جِرَّةً. والكِظامَةُ: حَلْقَةٌ من حديدٍ تكونُ في طرف الميزان تُجْمَعُ فيها خيوطه، وهي أيضاً السَّيْر الذي يُوصل بوتَرِ القوس، والكَظَائِمُ: خُروقٌ بين اليدين يَجْري منها الماءُ إلى الأخرى، كلُّ ذلك تشبيهاً بمَجْرى [١٧٨/ب] النفس /. آ. (١٣٥) قوله تعالى: ﴿والذين إذا فَعَلُوا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على الموصولِ قبلَه، ففيه ما فيه من الأوجه السابقة، وتكونُ الجملةُ من قوله: ((واللَّهُ يحبُّ المحسنين)) جملةَ اعتراضٍ بين المتعاطِفَيْن، ويجوزُ أَنْ يكونَ ((والذين)) مرفوعاً بالابتداء، و((أولئك)) مبتدأ ثانٍ، و((جزاؤهم)) مبتدأً ثالثٌ، و ((مغفرةٌ)) خبرُ الْثالث، والثالثُ وخبرُهُ خبرُ الثاني، والثاني وخبره خبرِ الأول. وقوله: ((إذا فَعَلوا)) شرطٌ جوابُه ((ذكروا)) وقوله: ((فاستغفروا)) عطفٌ على الجواب، والجملةُ الشرطية وجوابُها صلةُ الموصولِ، والمفعولُ الأولُ : لاستغفر محذوفٌ، أي: استغفروا اللَّهَ لذنوبِهِم. وقد تقدَّمَ الكلامُ على (استغفر))، وأنه يتعدَّى لإِثنين ثانيهما بحرفِ الجر، وليس هو هذه اللامَ بل (مِنْ))، وقد تُحْذَفُ، وقوله: ((ومَنْ يَغْفِرُ)) استفهامٌ معناه النفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء. (١) القرطبي ٢٠٦/٤؛ والبزل: ج. بازل وهو البعير الذي كملت قوته. ٣٩٦ - آل عمران - وقوله: ((إلا اللَّهُ)) بدلُ من الضميرِ المستكنُّ في ((يغفرُ)) التقديرُ: لا يغفرُ أحدَ الذنوبَ إلا اللَّهُ، والمختارُ هنا الرفعُ على البدلِ لكونِ الكلامِ غيرَ إيجاب، وقد تقدَّم تحقيقُه عند قولِه تعالى: ((ومَنْ يرغبُ عن ملةِ إبراهيمَ إلّ مَنْ سَفِه نفسَه))(١). وقال أبو البقاء(٢): ((ومَنْ)) مبتدأ، و((يغفر)) خبرُه، و((إلاّ اللَّهُ)) فاعلٌ أو بدلٌّ من المضمر وهو الوجه، لأنك إذا جَعَلْتَ اللَّه تعالى فاعلاً احتجْتَ إلى تقدير ضمير أي: ومَنْ يغفر الذنوبَ له غيرُ الله)) وهذا الذي قاله - أعني جَعْلَه الجلالَةَ فاعلاً - يَقْرُب من الغلط فإنَّ الاستفهامَ هنا لا يُراد به حقيقتُه، إنما يُرادُ النفيُ، والوجهُ ما تقدَّم من كونِ الجلالةِ بدلاً من ذلك الضميرِ المستترِ العائدِ على ((مَنْ)) الاستفهامية. قوله: ((ولم يُصِرُّوا)) يجوز أن تكونَ جملةً حاليةٌ من فاعلِ ((استغفروا)) أي: استغفروا غيرَ مُصِرِّين، ويجوزُ أن تكونَ هذه الجملةُ منسوقَةً على (فاستغفروا)) أي: ترتَّب على فِعْلهم الفاحشةَ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى والاستغفارُ لذنوبهم وعدمُ إصرارِهم عليها، وتكونُ الجملةُ مِنْ قوله: ((ومَنْ يغفرُ الذنوبَ إلا اللّهُ)) على هذين الوجهين معترضةً بين المتعاطفين على الوجه الثاني، وبين الحالِ وذي الحالِ على الأول. قوله: ((وهم يعلمون)) يجوز أن تكونَ حالاً ثانيةً من فاعل ((استغفروا)) وأن تكونَ حالاً من فاعل ((يُصِرُّوا))، ومفعولُ ((يَعْلَمُون)) محذوفٌ للعلمِ به، فقيل: تقديرُه: يعلمونَ أنَّ اللَّهَ يتوبُ على مَنْ تَابَ، قاله مجاهد. وقيل: يعلمون أنَّ تَرْكَه أَوْلِى، قاله ابن عباس والحسن. وقيل: يَعْلَمُون المؤاخذةَ بها أو عَفْوَ اللَّهِ عنها. و((ما)) في قوله: ((على ما فَعَلُوا)) يجوزُ أَنْ تكونَ اسميةٌ بمعنى الذي، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً. (١) الآية ١٣٠ من البقرة. (٢) الإِملاء ١٤٩/١. ٣٩٧ - آل عمران - والإِصرارُ: المداوَمةُ على الشيء وتَرْكُ الإِقلاعِ عنه وتأكيدُ العزم على ألَّ يتركَه، مِنْ صَرَّ الدنانيرَ: إذا رَبَطَ عليها، ومنه ((صُرَّةُ الدراهم)) لما يُرْبَطُ بها. وقال الحطيئة يصف خيلاً(١): ١٤٣١ - عوابِسُ بالشُّعْثِ الكُمَاةِ إِذا ابْتَغَوْا عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتٍ أي: ثَبَتَتْ وأقامَتْ مداومةً على ما حُمِلَتْ عليه. وقال الشاعر(٢): ١٤٣٢- يُصِرُّ بالليلِ ما تُخْفِي شواكِلُه يا ويحَ كلِّ مُصِرِّ القلبِ خَتَّارٍ آ. (١٣٦) قوله تعالى: ﴿مِن ربهم﴾: في محل رفعٍ نعتاً لمغفرة، و (مِنْ)) للتبعيض أي: مِنْ مغفرات ربهم. قوله: ((خالدين)) حال من الضمير في ((جزاؤهم)) لأنه مفعولٌ به في المعنى، لأنَّ المعنى: يَجْزِيهم اللَّهُ جناتٍ في حالٍ خلودِهم، وتكونُ حالاً مقدرةً. ولا يجوز أن تكون حالاً من ((جنات)) في اللفظِ وهي لأصحابها في المعنى، إذ لو كان ذلك لبرز الضمير لجريانِ الصفةِ على غير مَنْ هي له. والجملةُ من قولِه ((تَجْري من تحتها الأنهار)) في محلّ رفعٍ نعتاً لـ ((جنات)). وتقدَّم إعرابُ نظيرِ هذه الجملةِ(٣)، والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ في قوله: ((ونِعْمَ أَجْرُ العاملين)) تقديرُه: ونِعْمَ أجرُ العامِلِين الجنةُ .. آ. (١٣٧) قوله تعالى: ﴿مِنْ قبلكم﴾: يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ ((خَلَتْ)) (١) ديوانه ٣٤١، وابتغوا علالتها: طلبوا جريها بعد أن يذهب نشاطها الأول؛ والمحصدات: السياط. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٢١١/٤؛ الشواكل: الطرق المتشعبة عن الطريق؛ والختر: الغدر والخديعة. (٣) انظر: الآية ٢٥ من البقرة. ٣٩٨ - آل عمران - ويجوزُ أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من ((سنن))؛ لأنه في الأصلِ يجوز أَنْ يكونَ وصفاً فلمَّا قُدِّم نُصِبَ حالاً. والسُّنَنُ: جمع ((سُنّة)) وهي الطريقةُ التي يكونُ عليها الإِنسانُ ويلازِمُها، ومنه ((سنة الأنبياء)) عليهم السلام. قال خالد الهذلي لخاله أبي ذؤيب(١). ١٤٣٣- فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنت سِرْتَها فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُها وقال آخر(٢): ١٤٣٤ - وإنَّ الْأَلَى بسالطّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ تَأَسَّوا فَسَنُّوا للكرامِ التآسِيا وقال لبيد(٣): ١٤٣٥ - مِنْ أمةٍ سَنَّتْ لهم آباؤهم ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمامُها وقال المفضل: ((السُّنَّةُ الْأُمَّة))، وأنشد (٤): ١٤٣٦- ما عايَنَ الناسُ مِنْ فضلٍ كفضلكمُ ولا رُئِيْ مثلُه في سَائِرِ السُّنَنِ ولا دليلَ فيه لاحتمالِه. وقال الخليل: ((سَنَّ الشيءَ بمعنى صَوَّره)). (١) ديوان الهذليين ٥٧/١؛ القرطبي ٢١٦/٤؛ الخصائص ٢١٢/٢. (٢) البيت لسليمان بن قتيبة وهو في الكامل ١٠؛ وأمالي الشجري ١٣١/١؛ واللسان: ((أساء والبحر ٥٦/٣؛ وتأسوا: آسى بعضهم بعضاً. (٣) ديوانه ٣٢٠؛ والخصائص ٣٢/١؛ وأمالي الشجري ١١٠/١؛ والهمع ١١/١؛ والدرر ٥/١. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٥٦/٣. ٣٩٩ - آل عمران - ومنه: ((مِنْ حمٍ مسنونٍ)) (١) أي: مُصَوَّر. وقيل: سَنَّ الماءَ والدرع إذا صَبَّهما، وقوله: ((مِنْ حمٍ مسنون)) يجوزُ أَنْ يكونَ منه، ولكنَّ نسبةَ الصبِّ إلى الطين بعيدةٌ. وقيل (مَسْنُون)) أي متغير. قال بعض أهل اللغة: ((هي فُعْلَةٍ مِن سَنَّ الماءَ يَسُنَّه إذا والىْ ضَبَّه. والسَّنُّ: صَبُِّ الماءِ والعرق ونحوهما، وأنشدُ الزهير(٢): ١٤٣٧ - نُعَوِّدها النطُّرَادَ فكلَّ يومٍ تُسَنُّ على سنابِكِها القُرونُ أي: يُصَبُّ عليها العرقُ. وقيل: سُنَّة: فُعْلَة بمعنى مفعول كالغُرْفَةِ والْأَكْلَة. وقيل: اشتقاقُها من سَنَنْتُ النَّصْلَ أَسُنُّهُ سَنّاً إذا حَدَدْتَهِ، والمعنى أنّ الطريقة الحسنة معتنىَّ فُها كما يُعْتنى بالنصل ونحوه. وقيل: مِنْ سَنَّ الإِبلَ إذا أحسن رَغْيَها .. والمعنى: أَنَّ صاحبَ السنة يقومُ على أصحابهِ كما يقومُ الراعي على إبلِه، وقد مَضَى مِنْ ذلك جملةٌ صالحٌ في البقرة. وقوله: ((فَسِيروا)) جملةٌ معطوفةً على ما قبلَها. والتسبيبُ في هذه الألفاظِ ظاهرٌ أي: سَبَبُ الأمرِ بِالسير لينظُرُوا نَظَرَ اعتبارٍ خُلُوٌّ(٣) مَنْ قبلكم من الأمم [١٧٩/أ] وطرائقهم. وقال أبو البقاء(٤): ((ودَخَلَتِ الفاء في ((فسيروا)) / لأنَّ المعنى على الشرطِ أي: إِن شَكَكْتُمْ فسيروا. قوله: ((كيف كان عاقبة)) ((كيف)) خبرٌ مقدم واجبُ التقديم؛ لتضمُّتِه معنى الاستفهامِ وهو مُعَلَّقٌ لـ ((انظروا)) قبلَه، فالجملةُ في محل نصبٍ بعد إسقاطٍ (١) الآية ٢٦ من الحجر. (٢) ديوانه ١٨٧. والطراد: مطاردة الصيد، والسنبك: مقدم الحافر، وعَرَق الفرس في كل شوط يسمى قرناً. (٣) قوله ((خلو)) خبر قوله ((سبب)). (٤) الإِملاء ١٥/١ . ٤٠٠