Indexed OCR Text

Pages 241-260

- آل عمران -
في محلِّ نصبٍ على الحال. يَدُلُّ على ذلك تصريحُ العرب بإبقاء الحالِ
موقعها في قولهم: ((ها أنا ذا قائماً»، ثم هذه الحالُ عندهم من الأحوالِ
اللازمةِ التي لا يَسْتَغْنِي الكلامُ عنها / الثالث: أَنْ يكونَ «أنتم هؤلاء على [١٥٥/أ]
ما تقدم أيضاً، ولكن «هؤلاء)» هنا موصولٌ لا يَتِمُّ إلا بصفةٍ وعائدٍ، وهما الجملةُ
مِنْ قوله: ((حاجَجْتُم)) ذَكَره الزمخشري،(١) وهذا إنما يتجه عند الكوفيين،
تقديرُه: ها أنتم الذين حاجَجْتُم. الرابع: أن يكونَ ((أنتم)) مبتدأ، و((حاججتم))
خبرَه، و((هؤلاء)) منادى، وهذا إنما يتجه عند الكوفيين أيضاً، لأنَّ حرف النداء
لا يُحْذَفُ من أسماء الإِشارة، وأجازه الكوفيون (٢) وأنشدوا(٣):
١٣٢٦- إنَّ الأولى وُصِفوا قومي لهم فيِهِمْ
هذا اعتصِمْ تَلْقَ مَنْ عاداكَ مَخْذولا
يريد: يا هذا اعتصم، وقول الآخر (٤):
١٣٢٧- لا يَغُرَّنْكُمُ أولاءٍ من القو
م. جُنوعٌ للسِّلْمِ فَهْو خِدَاعُ
يريد: يا أولاء. الخامس: أَنْ يكونَ ((هؤلاء)) منصوباً على الاختصاص
بإضمار فعل، و((أنتم)) مبتدأً و((حاجَجْتم)) خبرَه، وجملةُ الاختصاصِ
معترضةٌ. السادس: أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: ها أنتم مثل هؤلاء،
وتكونُ الجملةُ بعدَها مُبَيِّنَةً لوجهِ التشبيه أَوْ حالاً، السابع: أن يكون ((أنتم))
خبراً مقدماً، و((هؤلاء)) مبتدأ مؤخراً. وهذه الأوجه السبعة قد تقدم ذِكرُها وذِكْرُ
مَنْ نُسِبت إليه والردُّ على بعضِ القائلين ببعضِها بما يُغْني عن إعادتِه في سورة
(١) الكشاف ١ /٤٣٦.
(٢) المقتضب ٢٥٨/٤؛ ابن يعيش ١٥/٢؛ ابن عقيل ٢٠٢/٢.
(٣) تقدم برقم ٥٨٤.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٨٦/٢.
٢٤١

- آل عمران :-
البقرة عند قوله تعالى: ((ثم أنتم هؤلاء تقتلون))(١)، وإنما أعدْتُه تَذْكِرَةً به
فعليك بالالتفات إليه .
قوله: ((فيما لكم به علمٌ)): ((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي وأن تكونَ
نكرةً موصوفةً، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ مصدرية لعَوْدِ الضمير عليها، وهي حرفٌ
عند الجمهور، و((لكم)) يجوز أن يكونَ خبراً مقدماً، و((علم)) مبتدأ مؤخر،
والجملة صلة لـ ((ما)) أو صفة، ويجوز أن يكون ((لكم)) وحده صلةً أو صفة،
و ((علم) فاعلٌ به، لأنه قد اعتمد، و((به)) متعلقٌ بمحذوف لأنه حال من
(علم))، إذ لو تأخّر عنه لصَحَّ جَعْلُه نعتاً له، ولا يجوز أَنْ يتعلق بعِلْم لأنه
مصدر، والمصدر لا يتقدَّم معمولُه عليه، فإنْ جَعَلْته متعلَّقاً بمحذوفٍ يفسِّرُهُ
المصدر جاز ذلك وسُمِّي بياناً.
أ. (٦٧) قوله تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً﴾: بدأ
باليهود لأن شريعتهم أقدمُ، وكَرَّر ((لا)) في قوله: ((ولا نصرانيا) توكيداً وبياناً
أنه كان مُنْتَفِیاً عن كل واحد من الدینین علی حدته.
وقوله: ((ولكن)) استدراك لِما كان عليه، ووقعت هنا أحسنَ موقع، إذهي بين
نقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل، ولَّمَّا كان الخطابُ مع اليهود
والنصارى أتى بجملةِ نفي أخرى ليدُلُّ على أنه لم يكن على دينِ أحدٍ من
المشركين كالعربِ عبدة الأوثان والمجوس عبدة الأوثان، والصابئة عبدةٍ
الكواكب، وبهذا يُطْرَجُ سؤالُ مَنْ قال: أيُّ فائدة في قوله: ((وما كان من
المشركين)) بعد قوله: ((ما كان يهودياً ولا نصرانياً)»؟ وأتى بخبر ((كان)) مجموعاً
فقال: ((وما كان من المشركين)» لكونِه فاصلة، ولولا مراعاةُ ذلك لكانت
المطابقةُ مطلوبةً بينه وبين ما استدرك عنه في قوله: ((يهودياً ولا نصرانيا)»
فیتناسبُ النفيان.
(١) الآية ٨٥ من البقرة.
٢٤٢

- آل عمران -
آ. (٦٨) قوله تعالى: ﴿بإبراهيم): متعلَّقٌ بـ ((أَوْلى))، وأولى: أفعلُ
تفضيل من الوَلْي وهو القُرْب، والمعنى: أن أقربَ الناس به وأخصَّهم، فألفُّه
منقلبةٌ من ياء، لكونٍ فائه واواً. قال أبو البقاء (١): ((إذ ليس في الكلامِ ما لامُه
وفاؤه واوان، إلا ((واو)) يعني اسم حرف التهجي، كالوسط من «قول))،
أو اسم(٢) حرف المعنى كواو النسق، ولأهلِ التصريفِ خلافٌ في عينِه: هل
هي واو أيضاً أو ياءٌ؟ وقد تَعَرَّضْتُ لها بدلائِلها في ((شرح التسهيل)).
و ((لَلَّذين ◌َّبعوه)) خبرُ ((إنَّ))، و((هذا النبي)) نَسَقٌ على الموصول، وكذلك
والذين آمنوا))، والنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون رضي الله عنهم وإنْ
كانوا داخلين فيمَنْ اتَّبع إبراهيم، إلا أَنَّهم خُصُّوا بالذكر تشريفاً وتكريماً،
فهو من باب ((وملائكته ورسله وجبريل وميكال)»(٣).
وحكى الزمخشري (٤) أنه قرىء: ((وهذا النبيِّ)» بالنصب والجر،
فالنصبُ نسق على مفعول ((اتبعوه)) فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اتَّبعه
غيرُه كما اتبع إبراهيم، والتقدير: للذين اتبعوا إبراهيم وهذا النبيُّ: ويكون
قوله: ((والذين آمنوا)) نسقاً على قوله: («للَّذين اتبعوه)). والجر نسقٌ على
(إبراهيم))، أي: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي للذين اتبعوه، وفيه نظرٌ
من حيث إنه كان ينبغي أَنْ يُثَنَّى الضمير في ((اتبعوه)» فيقال: اتبعوهما، اللهم
إلا أن يقال: هو من باب ((والله ورسوله أحقُّ أن يُرضوه))(٥).
(١) الإملاء ١٣٩/١.
(٢) قوله: ((اسم)) معطوف على ((اسم حرف التهجي)).
(٣) الآية ٩٨ من البقرة.
(٤) الكشاف ٤٣٦/١؛ ونسب ابن خالويه قراءة النصب إلى أبي السمَّال ولم ينسب الثانية:
الشواذ ٢١ .
(٥) الآية ٦٢ من التوبة .
٢٤٣

_ آل عمران -
آ. (٦٩) قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طائفةٌ من أهل الكتاب﴾: ((من أهل
الكتاب)) فيه وجهان، أحدهما: أنها تبعيضية وهو الظاهر. والثاني: أنها لبيان
الجنس، قاله ابن عطية(١)، ويعني أن المرادَ بطائفة جميعُ أهل الكتاب. قال
[١٥٥/ب] الشيخ(٢): ((وهو بعيدٌ من دلالة اللفظ)). وهذا الجارُّ على القول / بكونها
تبعيضيةً في محلِّ رفع صفةً لطائفة، وعلى القول بكونها بيانية يتعلَّق
بمحذوف، و ((لو)» تقدم أنه يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكونَ على بابِها من
كونها حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره.
وقال أبو مسلم الأصبهاني: ((وَدَّ بمعنى تمنى، فيستعمل معها ((لو))
و ((أنْ)) وربما جُمِع بينهما، فيقال: وَدِدْت أن لو فعلت، ومصدره الوَدادة،
والاسم منه وُدٌّ، وبمعنى أحَبَّ فيتعدى تعدِّيَ أَحَب، والمصدر: المَوَدَّة،
والاسم منه وَدّ، وقد يُتداخلان في المصدر والاسم)). وقال الراغب(٣): (إذا
كان بمعنى ((أَحَبَّ)) لا يجوزُ إدخال ((لو)) فيه أبداً)). وقال الرماني: ((إذا كان وَدَّ
بمعنى تمنى صَلَح للجال والاستقبال، وتجوز ((لو))، وإذا كان بمعنى الماضي
لم تجز ((أَنْ)) لأن ((أَنْ)) للاستقبال)) وفيه نظر، لأنَّ ((أَنْ)) توصل بالماضي.
آ. (٧١) قوله تعالى: ﴿لم تلبسون﴾: قرأ العامة بكسر الباء من لبس
عليه يَلْبِسُه أي خلطه. وقرأ يحيى (٤) بن وثاب بفتحها جعله من لَبِسْت الثوب
أَلْبَسُه على جهة المجاز، وقرأ أبو مجلز: ((تُلَبِّسُون)) بضم التاءِ وكسر الباء
وتشديدها من لَّس بالتشديد ومعناه التكثير. والباء في ((بالباطل)) للحال أي :
ملتبساً بالباطل .
(١) المحرر ١٢٠/٣.
(٢) البحر ٤٨٩/٢.
(٣) ليس في مفرداته.
(٤) البحر ٤٩١/٢؛ الشواذ ٢١.
٢٤٤

- آل عمران -
قوله: ((وتكتمون الحق)) جملةٌ مستأنفة، ولذلك لم يَنْتَصِبْ بإضمار أَنْ
في جواب الاستفهام، وقد أجاز الزجاج(١) من البصريين، والفراء(٢) من
الكوفيين فيه النصبَ من حيث العربيةُ، فتسقطُ النون، فينتصِبُ على الصرف
عند الكوفيين، وبإضمار أَنْ عند البصريين، وقد مَنَع ذلك أبو علي الفارسي
وأَنْكره، وقال: ((الاستفهامُ واقعٌ على اللَّبْسِ فَحَسْب، وأما (تكتُمون)) فخبرٌ
حتم لا يجوز فيه إلا الرفعُ))، يعني أنه ليس معطوفاً على ((تَلْبِسون)) بل
هو استئناف، خَبَّر عنهم أنهم يكتمون الحق مع علمهم أنه حق. ونقل
أبو محمد بن عطية (٣) عن أبي عليّ أنه قال أيضاً: ((الصرف ههنا يَقْبُح،
وكذلك إضمارُ ((أَنْ))، لأن (يكتمون)) معطوف على موجب مقدر وليس
بمستفهم عنه، وإنما استَفْهم عن السبب في اللبس، واللَّس موجب، فليست
الآيةُ بمنزلةِ قولهم: ((لا تأكلِ السمكَ وتَشْرَب اللبن)) وبمنزلةِ قولك: ((أتقومُ
فأقومَ)) والعطفُ على الموجب المقرَّر قبيح متى نُصِب، إلا في ضرورةٍ شعر كما
رُوِي (٤):
١٣٢٨-
وأَلْحَقُ بالحجازِ فاستريحا
وقد قال سيبويه(٥) في قولك: ((أَسِرْتَ حتى تَدْخُلَها؟)) لا يجوز
إلا النصبُ في ((تدخل)) لأن السير مُسْتَفْهَمٌ عنه غيرُ موجَبٍ))، وإذا قلنا:
((أيُّهم(٦) سار حتى يدخُلها؟ رَفَعْتَ لأن السيرَ موجب والاستفهامُ إنما وقع عن
غيره)» .
(١) معاني القرآن للزجاج ٤٣٥/١.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٢١/١.
(٣) المحرر ١٢٢/٣.
(٤) تقدم برقم ٦٩٨.
(٥) الكتاب ٤١٦/١.
(٦) الأصل: ((أنه)) وهو سهو.
٢٤٥

- آل عمران -
قال الشيخ(١): وظاهرُ هذا النقلِ عنه معارضتُه لِما نُقل عنه قبله، لأنَّ
ما قبلَه فيه أنَّ الاستفهامَ وَقَعَ عن اللَّبْسِ فحسب، وأمَّا ((يكتمون)» فخبر ختم
لا يجوزُ فيه إلا الرفع، وفيما نقله ابن عطية أنَّ ((يكتمون)» معطوفٌ علی موجبٍ
مقدَّرٍ وليس بمستفهم عنه، فيدُلُّ العطف على اشتراكهما في الاستفهامِ عن
سبب اللَّبْس وسبب الكتم الموجبين، وفَرْقٌ بين هذا المعنى وبين أن يكون
(يكتمون)) إخباراً مَحْضاً لم يشترك مع اللَّيْس في السؤال عن السبب، وهذا
الذي ذهبَ إليه أبو عليّ من أنَّ الاستفهامَ إذا تَضَمَّن وقوعَ الفعلِ لا ينتصب
الفعلُ بإضمار ((أَنْ)) في جوابه تبعه في ذلك جمال الدين بن مالك، فقال: في
(تسهيلِه)(٢): (أو الاستفهامٍ لا يتضمَّنُ وقوعَ الفعل)) فإنْ تضمَّن وقوعَ الفعل
امتنع النصبُ عندَه نجو: ((لِمَ ضربْتَ زيداً فيجاريك)) لأنَّ الضربَ قَد وقع.
ولم يَشْترط غِيرُهما من النحويين ذلك، بل إذا تعذّر سَبْكُ المصدرِ مما قبله:
إمَّا لعدم تقدُّمِ فعلٍ ، وإمَّا لاستحالةِ سَبْكِ المصدرِ المرادِ به الاستقبالُ لأجلِ
مُضِيِّ الفعل فإنما يُقَدَّرِ مصدرٌ مُقَدَّرُ استقبالُه بما يَدُلُّ عليه المعنى، فإذا قلت :
لِمَ ضرِبْتَ زيداً [فاضربك](٣) فالتقديرُ: ليكنْ منك إعلامُ بضرب زيد فمجازاةٌ
منا. وأمَّا ما رَدَّ به أبو علي الفارسي على الزجاج والفراء فليس(4) بلازم، لأنه
قد منع أن يُراد بالفعل المضيُّ، إذليس نصاً في ذلك، إذ قد يمكن(٥)
الاستقبال لتحقَّقِ صدورهٍ لا سيَّما على الشخصِ الذي صَدَرَ منه أمثالُ ذلك،
وعلى تقدير تحقَّق المُضِيّ فلا يَلْزَمُ الزجاجَ أيضاً، لأنه كما تقدَّم: إذا لم يمكن
(١) البحر ٤٩٢/٢.
(٢) التسهيل ٢٣١.
(٣) سقط سهواً من الأصل، وأثبتناه من البحر.
(٤) الأصل: ((ليس)) وهو سهو لأن الفاء واجبة بعد ((أما)): أو تكون العبارة: ((وما ردًّ)) كما في
البحر.
(٥) البحر: ينكر.
٢٤٦

- آل عمران -
سبك مصدرٌ مستقبلٌ من الجملةِ الاستفهاميةِ سَبَكْناه مِنْ لازِمها، ويَدُلُّ على
إلغاء هذا الشرطِ والتأويلٍ بما ذكرناه ما حكاه ابن كيسان مِنْ نصب المضارع
بعد فعلٍ ماض محققِ الوقوع مستفهم عنه نحو: أين ذهب زيد فنتبعُه؟ ومن
أبوك فنكرمَه؟ وكم مالُك فنعرفَه؟ كلُّ ذلك متأوَّلٌ بما ذكرت من انسباك
المصدرِ المستقبلِ من لازمِ الجملِ المتقدمة فإنَّ التقدير: ليكنْ منك إعلامُ
بذهابٍ زيد فاتِّباعٌ منا، ليكن منك إعلامُ بأبيك فإكرامٌ له منا، وليكن منك
تعريفٌ بقَدْرٍ مالك فمعرفةٌ منا)) وهذا البحث الطويل على تقدير شيء لم يقع،
فإنه لم يُقرأ لا في الشاذ ولا في غيرِه إلا ثابت النون، ولكن للعلماء غرضٌ في
تطويل البحث تنقيحاً للذهن.
ووراءَ هذا قراءةٌ مُشْكلةَ رَوّوها عن عبيد بن عمير (١) وهي: ((لِمَ تَلْبِسوا
وتكتُموا)) بحذف النون من الفعلين، وهي قراءةٌ لا تبعد عن الغلط البَحْت،
كأنه تَوَهَّمَ أنَّ ((لِمَ)) هي ((لم)) الجازمة فَجَزَمَ بها / وقد نقل المفسرون عن [١٥٦/أ]
بعض النحاة هنا أنهم يَجْزِمون بـ((لِمَ)) حملاً على لَمْ، نقل ذلك السجاوندي
وغيرُه عنهم، ولا أظنُّ نحوياً يقول ذلك البتة، كيف يقول في جارٍ ومجرورٍ إنه
يجزم !! هذا ما لا يتفَوَّه به البتة ولا يَطْيق سماعَه، فإن يَثْبُتْ هذا قراءةً ولا بد
فليكُنْ مِمَّا حُذِفَ فيه نون الرفع تخفيفاً حيث لا مقتضى لحَذْفِها، ومن ذلك
قراءةُ بعضهم: ((قالوا ساحران تَظَّاهرا))(٢) بتشديدِ الظاءِ، الأصلُ: تتظاهران،
فَأَدْغَمَ التاءَ في الظاء وحَذَفَ النون تخفيفاً، وفي الحديث: ((والذي نفسي بيده
لا تَدْخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تُؤْمِنوا حتى تَحأُبُّوا))(٣) يريد عليه السلام:
(١) البحر ٤٢٩/٢، وهو أبو عاصم الليثي وردت عنه الرواية في حروف القرآن وروى عن ثلة من
الصحابة، وروى عنه مجاهد وعطاء، توفي سنة ٧٤. انظر: الطبقات لابن الجزري
٤٩٦/١.
(٢) الآية ٤٨ من القصص، وهي قراءة يحيى الذماري كما في الشواذ ١١٣ .
(٣) رواه أبو داود إفشاء السلام ٣٧٨/٥؛ الترمذي: (التحفة) إفشاء السلام ٤٦٠/٧.
٢٤٧

- آل عمران -
لا تدخلون ولا تؤمنون، لاستحالة النهي معنى، وقال الشاعر: (١)
١٣٢٩- أَبِيتُ أَسْرِي وتبيتي تَدْلُكِي
وجهَكِ بالعنبرِ والمِسْكِ الذّكي
يريد: تبيتين وتدلكين، ومثلُه قولُ أبي طالب: (٢)
١٣٣٠- فإن يَكُ قومٌ سَرَّهُمْ ما صَنَعْتُمُ
سَتَحْتَلِبُوها لاقِحاً غيرَ باهِلِ
يريد: فستحتلبونُها، ولا يجوزُ أن يُتَوَهَّم في هذا البيت أن يكونَ حَذَفَ
النونَ لأجلِ جواب الشرط، لأنَّ الفاءَ مرادٌ وجوباً، لعدم صلاحية ((ستحتلبوها)»
جواباً لاقترانِهِ بحرف التنفيس .
قوله: ((وأنتم تعلمون)) جملةٌ حالية، ومتعلَّقُ العلمِ محذوفٌ: إمَّا اقتصاراً
وإما اختصاراً، أي: وأنتم تعلمونَ الحقَّ من الباطل أو نبوَّة محمدٍ ونحو ذلك.
آ. (٧٢) قوله تعالى: ﴿وَجْهَ النهار﴾: منصوبٌ على الظرفِ لأنه
بمعنى أول النهار، قال الربيع بن زياد العيسي: (٣)
١٣٣١ - مَنْ كان مسروراً بمقتلِ مالكٍ
فَلْيَأْتِ نسوتَنا بوجهِ نهارٍ
أي بأوله. وفي ناصبِ هذا الظرفِ وجهان، أحدُهما : - وهو الظاهرُ -
أنهُ فعلُ الأمرِ مِنْ قولِهِ: ((آمِنوا)) أي: أَوْقِعوا إيمانكم في أول النهار، وأوقعوا
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الخصائص ٣٨٨/١؛ والمختسب ٢٢/٢؛ واللان: ذلك؛
ورصف المباني ٣٦١؛ والهمع ٥١/١؛ والدرر ٢٧/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٩٢/٢. والباهل: المطلقة بلا راع.
(٣) الحماسة ٤٩٤/١؛ واللسان: وجه؛ ومجالس العلماء ٣٠٥؛ وشواهد الكشاف ٤٠٠/٤.
وربيع شاعر مخضرم من قيس عيلان كان من ندماء النعمان بن المنذر، انظر: الأغاني
١٩/١٦.
٢٤٨

- آل عمران -
كُفْرَكم في آخره. الثاني: أنه «أَنْزِل)» أي: آمنوا بالمُنَزَّل في أول النهار، وليس
ذلك بظاهرٍ بدليلِ المقابلةِ في قولِهِ: ((واكفُرُوا آخرَه)» فإنَّ الضمير يعودُ على
النهارِ، ومَنْ جَوَّزَ الوجهَ الثاني جَعَلَ الضميرَ يعودُ على الذي أُنْزِلَ، أي:
واكفروا آخر المُنَزَّل، وأسبابُ النزولِ تخالف هذا التأويل.
وفي هذا البيت الذي أنشدته فائدةٌ رأيت ذِكْرَها، وذلك أنه من قصيدةٍ
يرثي بها مالك بن زهير بن حريمة العبسي وبعده:
يَجِدِ النساءَ حواسراً يُنْدُبْنَهُ
يَلْطِمْنَ أوْجُهَهُنَّ بالأسحارِ
قَدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوجوهَ تَسَتُّراً
فاليومَ حين بَدَوْنَ للُّظَّارِ
ومعنى الأبياتِ يَحْتَاجُ إلى معرفةِ اصطلاحِ العربِ في ذلك، وهو أَنَّهُمْ
كانوا إذا قُتِلَ لهم قتيلٌ لا تَقُوم عليه نائِحَةٌ ولا تَنْدُبُهُ نادبةٌ حتى يُؤْخَذَ بثأرِهِ،
فقال هذا: مَنْ سَرَّه قَتْلُ مالكٍ فَلْيَأْتِ في أول النهار يَجِدْنَا قد أَخَذْنَا بثأرِهِ،
فَذَكَرَ اللازم للشيء، فهو من بابِ الكناية .
ويُحْكَى أنَّ الشيباني سأل الأصمعيّ: كيف تُنْشِدُ قولَ الربيع: حين
بَدَأْنَ أو بَدَيْن؟ فردَّدَهُ بين الهمزة والياء. فقال الأصمعي: بَدَأْنَ، فقال:
أخطأت، فقال: بَدَيْنَ، فقال: أخطأت، فغضِبَ لها الأصمعي، وكان
الصوابُ أن يقولَ: بَدَوْنَ بالواو، لأنه من بدا يبدو، أي: ظهر. فأتى
الأصمعي يوماً للشيباني فقال له: كيف تُصَغّرُ مختاراً؟ فقال: أقول مُخَيْتِير،
فضحك منه وصَفَّق بيديه وشَنَّع عليه في حَلَقته، وكان الصوابُ أن يقول:
مُخَيِّر بتشديد الياء، وذلك أنه اجتمع زائدان: الميم والتاء، والميمُ أَوْلِى
بالبقاء لعلة ذكرها التصريفيون(١)، فَأَبْقاها، وحَذَفَ التاءَ، وأتى بياءِ التصغير
(١) لأنها مُصَدَّرة ومجردة للدلالة على معنى الوصف، انظر: ابن عقيل ٣٧٢/٢.
٢٤٩

- آل عمران-
فَقَلَبَ لأجلها الألفَ ياءً، وأَدْغَمها فيها، فصارَ ((مُخَيِّراً)) كما تَرَى، وهو يحتمل
أن يكونَ اسمَ فاعل أو اسمَ مفعولٍ كما كان يحتملهما مُكَبَُّه، وهذا أيضاً
يُلْبَسُ باسمٍ فاعلٍ خَيَّر يُخَيِّر فهو مُخيِّر، والقرائِنُ تُبَيِّنُهُ.
ومفعول ((يَرْجِعُونَ)» محذوفٌ أيضاً اقتصاراً أي: لعلهم يكونون مِنْ أهلِ
الرجوع، أو اختصاراً أي: يَرْجِعُونَ إلى دينكم وما أنتم عليه .
آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿إِلَّ لَنْ تَبَعَ﴾: في هذه اللام وجهان،
أحدهما: أنها زائدةٌ مُؤكدةٌ، كهي في قوله تعالى: ((رَدِفَ لكم))(١) أي:
رَدِفَكم، وقول الآخر: (٢)
١٣٣٢- فَلَمَّا أَنْ تواقَفْنَا قليلا
أَنَخْنا للكلاكِلِ فارتَّمَيْنَا
وقول الآخر: (٣).
١٣٣٣ - ما كنتُ أُخذَعُ للخليل بخُلَّةٍ
حتى يكونَ لِيَ الخليلُ خَدُوعِا
أي: أَنَخْنَا الكلاكل، وأَخْدَعُ الخليلَ، ومثلُه: (٤)
١٣٣٤- يَذُمُّون للدنيا وهم يَرْضِعُونَها
أَفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثَعْلُ
بريد: يَذُمُّون الدنيا، ويروي ((بالدنيا)) بالباء، وأظن البيت: ((يَذُمُّون لي
(١) الآية ٧٢ من النمل.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في المقرب ١١٥/١؛ ورصف المباني ١١٦. والكلاكل: الصدور.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في زاد المسير ٤٠٧/١؛ والبحر ٤٩٤/٢.
(٤) البيت لعبد الله بن همام السلولي، وهو في إصلاح المنطق ٢١٣؛ واللسان:" رضع،
والثعل: خلف زائد صغير في أخلاف الناقة وضرع الشاة لا يدرُّ من اللبن شيئاً.
٢٥٠

- آل عمران -
الدنيا)) فاشتَبَه اللفظُ على السامعِ، وكذا رأيتُه في بعضِ التفاسيرِ، وهذا ليس
بقويٍ.
والثاني: أنَّ ((أَمِنَ)) ضُمِّنَ معنى أَقَرّ واعترَفَ، فَعُدِّي باللام أي:
ولا تُقِرُّوا ولا تَعْتَرِفوا إلا لِمَنْ تَبَعَ دينكم، ونحوُه: ((فما آمَنَ لموسى))(١)
((وما أنت بمؤمنٍ لنا))(٢). وقال أبو علي: ((وقد تعدَّى ((آمَن)) باللام في قولِهِ:
((فما آمَنَ لموسى)) ((آمنتم له))(٣) ((ويُؤْمِنُ باللَّهِ ويؤمن للمؤمنين))(٤) فَذَكَرَ أنه
يتعدَّى بها من غيرِ تضمين. / والصوابُ ما قَدَّمْتُه من التضمينِ، وقد حَقَّقْتُ هذا [١٥٦/ب]
أولَ البقرة(٥).
وهذا استثناءً مفرغ، وقال أبو البقاء(٦): ((إلَّ لِمَنْ تَبَع)» فيه وجهان،
أحدُهما: أنه استثناءً مِمَّا قبلَه، والتقديرُ: ولا تُقِرُّوا إلا لِمَنْ تَبع)» فعلى هذا
اللامُ غيرُ زائدةٍ، ويجوزُ أَنْ تكونَ زائدةً، ويكون محمولاً على المعنى أي:
اجْحَدُوا كلَّ أحدٍ مَنْ تَبَعَ، والثاني: أنَّ النيةَ به التأخيرُ والتقديرُ: ولا تُصَدِّقوا
أنْ يؤْتَى أَحَدٌ مثلَ ما أُوتيتم إلا مَنْ تَبع دينكم، فاللامُ على هذا زائدَةٌ، و((مَرْ))
في موضِعِ نصبٍ على الاستثناء من ((أحد)).
وقال الفارسي: (٧) ((الإِيمانُ لا يتعدَّى إلى مفعولين فلا يتعلَّقُ أيضاً
بجارِّيْن، وقد تُعَلَّق بالجارّ المحذوفِ مِنْ قولِهِ: ((أَنْ يُؤْتَى)) فلا يتعلَّقُ باللامِ
في قوله: ((لِمَنْ تَبَعَ دينَكم)) إلا أَنْ يُحمل الإِيمانُ على معناه، فيتعدَّى إلى
(١) الآية ٨٣ من يونس.
(٢) الآية ١٧ من يوسف.
(٣) الآية ٧١ من طه.
(٤) الآية ٦١ من التوبة .
(٥) انظر إعرابه للآية ٣ من البقرة.
(٦) الإملاء ١٣٩/١.
(٧) الحجة ٢٢٢/٢ (خ).
٢٥١

- آل عمران ـ
مفعولين، ويكونُ المعنى: ((ولا تُقِرُّوا بأَنْ يُؤْتَّى أحدٌ مثلَ ما أُوتِيتم إلا لمَنْ تَبَعَ
دينكم كما تقولُ: أَقْرَرْتُ لزيدٍ بألف، فتكونُ اللامُ متعلقةُ بالمعنى، ولا تكونُ
زائدةً على حدِّ (رَدِفَ لكم))(١) ((وإنْ كنتم للرؤيا تعبُرون))(٢). قلت: فهذا
تصريحٌ من أبي علي بأنه ضُمِّنَ آمَنَ معنى أَقَرَّ.
قوله: ((أَنْ يُؤْتَى أحدٌ)» اعلم أنَّ في هذه الآية كلاماً كثيراً لا بد من
إيرادِهِ عن قائليهِ ليتضحَّ ذلك، فأقولُ وباللَّهِ العون: اختلف الناس في هذه
الآيةِ على [وجوهٍ:] أحدُها: أنْ يكونَ ((أَنْ يُؤْتَى أحد)) متعلِّقاً بقوله:
((ولا تُؤْمِنُوا)) على حذف حرفِ الجر، والأصلُ: ((ولا تؤمنوا بأَنْ يُؤْتَى أحدٌّ
مثلَ ما أوتيتم إلا لِمَنْ تَبَعَ دِينَكم» فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجَرِّ جرى الخلاف
المشهورُ بين الخليل وسيبويه(٣) في محل ((أَنْ))، ويكونُ قولُهُ: ((قل: إِنَّ الهدى
هُدَى اللّه) جملةً اعتراضيةٌ، قال الزمخشري(٤) في تقريرِ هذا الوجهِ وبه بدأ:
((ولا تُؤْمِنُوا متعلُّقٌ بقولِهِ: ((أَنْ يُؤْتَى أحد))، وما بينهما اعتراضٌ أي:
((ولا تُظْهِرُوا إِيمانكم بأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دونَ
غيرِهم، أرادوا: أسِرُوا تصديقَكم بأنَّ المسلمين قد أُوتوا مثلَ ما أوتيتم
ولا تُفْشُوه إلا لأشياءِكم وحدَهم دونَ المسلمين، لئلا يَزِيدَهم ثباتاً، ودون
المشركين لئلا يَدْعُوهم إلى الإِسلام، أو يُحاجُّوكم عطفٌ على ((أَنْ يُؤْتَى)).
والضميرُ في ((يُحاجُّوكم)) لأحد لأنه في معنى الجميع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير
أتباعكم، فإن المسلمين يُحاجُّوكم عند ربكم بالحق، ويغالبونُكم عند الله. فإنْ
قلت: ما معنى الاعتراض؟ قلت: معناه أن الهدى هدى الله، مَنْ شاءَ أَنْ
يلطف به حتى يُسْلِمَ أَو يَزِيدَ ثباتاً كان ذلك، ولم ينفع كَيْدُكم وحِيَلُكُم
(١) الآية ٧٢ من النمل.
(٢) الآية ٤٣ من يوسف.
(٣) انظر: الكتاب ١٧/١
(٤) الكشاف ٤٣٧/١.
٢٥٢

- آل عمران -
وزيُّكُم(١) تصديقكم عن المسلمين والكافرين، وكذلك قوله: ((قل إن الفضلَ بيد
الله يؤتيه من يشاء)) يريد الهدايةً والتوفيق)). قلت: هذا كلامٌ حسن لولا ما يريد
بباطنه، وعلى هذا يكونُ قولُه ((إلَّ لِمَنْ تبع)) مستثَنَّى من شيءٍ محذوف،
تقديره: ولا تُؤْمِنُوا بأَنْ يُؤْتَى أحد مثلَ ما أوتيتم لأحدٍ من الناسِ إلا لأشياءكم
دونَ غيرهم، وتكونُ هذه الجملةُ - أعني قولَه: ولا تُؤْمِنُوا إلى آخرها - من
كلامِ الطائفةِ المتقدِّمة، أي: وقالَتْ طائفةٌ كذا، وقالَتْ أيضاً: ولا تُؤْمِنُوا،
وتكونُ الجملةُ من قولِهِ: ((قُلْ إنَّ الهدى هدى الله)) مِنْ كلام اللَّهِ لا غير.
الثاني: أنَّ اللامَ زائدةٌ في ((لِمَنْ تَبعَ)) وهو مستثنى من أحد المتأخر،
والتقديرُ: ولا تُصَدِّقوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، فَمَنْ تَبَعَ
منصوبٌ على الاستثناء من ((أحد))، وعلى هذا الوجه جَوَّز أبو البقاء في محل
((أن يؤتى)) ثلاثة أوجهٍ: الأول والثاني مذهبُ الخليل وسيبويه وقد تقدَّما(٢).
الثالث: النصبُ على المفعولِ مِنْ أجله تقديرُهُ: مخافَةً أَنْ يُؤْتَى.
وهذا الوجهُ الثاني لا يَصِحُّ من جهةِ المعنى ولا مِنْ جهةِ الصناعة: أمَّا
المعنى فواضحٌ، وأمَّا الصناعةُ فلأن فيه تقديمَ المستثنى على المستثنى منه
وعلى عامله، وفيه أيضاً تقديمُ ما في صلةِ ((أَنْ)) عليها، وهو غيرُ جائز.
الثالث: أَنْ يكونَ ((أَنْ يُؤْتَى)) مجروراً بحرفِ العلة وهو اللام، والمُعَلَّلُ
محذوفٌ تقديرُه: لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم قلتم ذلك ودَبِّرتموه، لا لشيء
آخَرَ، وعلى هذا يكونُ كلامُ الطائفةِ قد تَمِّ عند قوله ((إلّ لِمَنْ تَبعَ دينكم)»،
ولنوضِّحْ هذا الوجه بما قاله الزمخشري. قال(٣) رحمه الله: ((أو تمَّ الكلامُ عند
قوله: ((إلا لِمَنْ تَبَعَ دِينَكُم، على معنى: ولا تُؤْمِنُوا هذا الإِيمانَ الظاهرَ
(١) الزي: الهيئة .
(٢) قال الخليل: محلها الجر، وقال سيبويه: محلها النصب. انظر: الكتاب ١٧/١.
(٣) الكشاف ٤٣٧/١.
٢٥٣

- آل عمران -.
وهو إيمانهم وجهَ النهار إلا لِمَنْ تَبَعَ دينكم، إلا لِمَنْ كانوا تابعين لدينكم مِمَّنْ
أسلموا منكم، لأنَّ رجوعَهم كانَ أَرْجَى عندهم مِنْ رُجُوعٍ مَنْ سِواهم، ولأنَّ
إسلامَهم كان أغيظَ لهم، وقوله: ((أَنْ يؤتى أحدٌ)) معناه: لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ
ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرْ تُموهُ لا لشيء آخر، يَعْني أن ما بكم من الحسد والبغي
أَنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قُلْتُم
ما قلتم، والدليلُ عليه قراءة ابن كثير(١): ((أَأَنْ يُؤْتَى أحد)) بزيادةِ همزة
الاستفهام للتقرير والتوبيخ بمعنى: ألِأنْ يُؤْتَى أحدٌ؟ فإن قلت: فما معنى
قوله ((أو يُحاجُوكم) على هذا؟ قلت: معناه دَبَرْتُم ما دَبَّرْتُم ◌ِنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ
ما أُوتيتم ولِمَا يتصلُ به عندٍ كُفْرِكُم بِه مِنْ مُحَاجَّتِهم لكم عندِرَبُّكم)».
الرابع: أن ينتصِبَّ ((أَنْ يُؤْتَى)) بفعلٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه ((ولا تُؤْمِنُوا إِلَّ
لِمَنْ تَبَعَ دينكم)) كأنه قِيل: قل إنَّ الهدى هُدى الله فلا تُنْكرُوا أَنْ يُؤْتَى أحدٌ
مثلَ ما أُوتيتم، فلا تُنْكِرُوا ناصبٌ لأنْ وما في حَيِّزِها، لأنَّ قولَه ((ولا تُؤْمِنُوا إِلَّ
لِمَنْ تَبَعَ دينكم)) إنكار لأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتوا. قال الشيخ: (٢) «وهذا
بعيدٌ لأنَّ فيه حذفَ حرفِ النهي وحَذْفَ معمولِهِ، ولم يُحْفَظْ ذلك من لسانِهم»
قلت: متى دَلَّ على العامل دليلٌ جاز حَذْفُه على أيُّ حالةٍ كان.
الخامس: أَنْ يكونَ ((هدى الله)) بدلاً من ((الهدى)) الذي هو اسمُ إنّ،
ويكون خبرُ إنَّ: ((أَنْ يُؤْتَى أحدٌ))، والتقديرُ: قل إنَّ هدى الله أَنْ يُؤْتِى أحدٌ،
أي: إنَّ هدَى اللَّهِ إيتاءُ أحدٍ مثلَ ما أوتيتم، وتكونُ (أو) بمعنى (حتى))،
والمعنى: حتى يُحاجُوكُم عند ربكم فيغلبوكم ويَدْحَضُوا حُجَّتكم عند الله،
ولا يكون ((أَوْ يُحاجُّوكم) معطوفاً على أَنْ يُؤْتِى وداخلاً في حَيِّزٍ أَنْ.
· السادس: أَنْ يكونَ ((أَنْ يُؤْتَى)) بَدَلاً مِنْ هدى الله، ويكون المعنى: قل
(١) السبعة ٢٠٧؛ الكشف ٣٤٧/١ وسيأتي الحديث عنها.
(٢) البحر ٤٩٥/٢.
٢٥٤

- آل عمران -
إنَّ الهدى هدى الله وهو أَنْ يُؤْتَى أحدٌ كالذي جاءنا نحن، ويكونُ قولُه :
((أو / يُحاجُّوكم)) بمعنى أو فليحاجوكم فإنهم يَغْلبونكم، قاله ابن عطية(١)، [١٥٧/أ]
وفيه نظرٌ، لأنه يُؤَدِّي إلى حَذْفِ حرفِ النهيِ وإبقاءِ عملِهِ.
السابع: أَنْ تكونَ ((لا)) النافيةُ مقدرةً قبل ((أَنْ يؤتى)) فَحُذِفَتْ لدلالةِ
الكلام عليها وتكونُ ((أو) بمعنى إلَّ أَنْ، والتقديرُ: ولا تؤمنوا لأحدٍ بشيء إلاّ
لِمَنْ تَبَع دينكم بانتفاءِ أن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، وجاء
بمثله وعاضداً له، فإنَّ ذلك لا يُؤْتاه غيرُكم إلَّ أنْ يُحاجُّوكم كقولك: لأْزَمِنَّك
أو تقضيَني حقي، وفيه ضعفٌ من حيث حَذْفُ ((لا)» النافية، وما ذكروه من دلالةِ
الكلامِ عليها غيرُ ظاهرٍ.
الثامن: أَنْ يكونَ ((أَنْ يُؤْتِى)) مفعولاً من أجله، وتحريرُ هذا القولِ أَنْ
تجعلَ قولَه: ((أَنْ يُؤْتَّى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم أو يُحاجُّوكم)) ليس داخلاً تحتَ قولِه
(قل)) بل هو من تمامِ قولِ الطائفةِ متصلٌ بقولِه: ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَنْ جاءَ
بمثلِ دِينِكم مخافَةً أَنْ يُؤْتَى أحدٌ من النبوةِ والكرامة مثلَ ما أوتيتم، ومخافَةً أَنْ
يُحاجُوكُم بتصديقِكُم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه. وهذا القولُ منهم
ثمرة حسدهم وكفرهم مع معرفتهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم،
ولَّمَّا قَدَّر المبرد المفعولَ من أجله هنا قَدَّر المضاف: كراهةً أن يُؤْتَى أحدٌ مثلَ
ما أوتيتم، أي: مِمَّنْ خَالَفَ دينَ الإِسلام، لأن الله لا يَهْدِي مَنْ هو كاذب
وكَفَّار، فَهُدى الله بعيدٌ مِنْ غيرِ المؤمنين، والخطابُ في ((أوتيتم)) و ((يُحاجُوكم))
لأمةِ النبي صلى الله عليه وسلم.
واستضعف بعضُهم هذا وقال: كونُه مفعولاً من أجله على تقدير:
(كراهةَ)) يَحْتاج إلى تقديرٍ عاملٍ فيه ويَصْعُبُ تقديرُهُ، إذ قبلَه جملةٌ لا يظهرُ
تعليلُ النسبة فيها بكراهةِ الإِيتاء المذكور.
(١) المحرر ١٢٩/٣.
٢٥٥

- آل عمران -
التاسع: أنَّ ((أَنْ)) المفتوحَةَ تأتي للنفي كما تأتي ((لا)) نَقَل ذلك بعضُهم
نصاً عن الفراء (١)، وَجَعَل ((أو)) بمعنى إلا، والتقدير: لا يُؤْتَّى أحدٌ مثلَ
ما أوتيتم إلَّ أَنْ يُحاجُّوكُم، فإنَّ إِيتَاءَه ما أوتيتم مقرون بمغالبتكم أو مُحاجَّتِكُم
عند ربكم، لأنَّ مَنْ آتَاهِ اللَّهُ الوحيّ لا بد أن يُحاجّهم عند ربهم في كونهم
لا يتبعونه، فقوله: ((أو يُحاجُّوكم)) حالٌ لازمةٌ مِنْ جهةِ المعنى، إذ لا يُوحي الله
الرسولٍ إلا وهو مُحاجٌّ مخالفِيه. وهذا قولٌ ساقط إذ لم يثبت ذلك من لبنانٍ
العرب.
واختلفوا في الجملةِ مِنْ قولِهِ: ((ولا تُؤْمِنُوا)» هل هي مِنْ مقولٍ الطائفة
أم من مقول الله تعالى، على معنى أن الله تعالى خاطب به المؤمنين تثبيتاً
القلوبِهم وتسكيناً لجَأْشهم؛ لئلا يَشُكُّوا عند تَلُّس اليهود عليهم وتزويرهم؟ وقد
نَقَلَ ابنُ عطية (٢) الإِجماعَ من أهلِ التأويل على أنه من مقول الطائفة، وليس
بسديدٍ لما نَقَلَهُ الناسُ مِن الخلاف.
و «أحد)) يجوزُ أَنْ يكونَ في الآية الكريمة من الأسماء الملازمة للنفي
وألَّ يكون، بل يكون بمعنى واحد. وقد تقدَّم الفرق بينهما بأن الملازم للنفي
همزتُهُ أصلية، والذي لا يلازم النفي همزته بدل من واو، فعلى جَعْلِهِ ملازماً
للنفي يظهر عَوْدُ الضمير عليه جمعاً اعتباراً بمعناه، لأنَّ المراد به العموم،
وعليه قوله: ((فما منكم مِنْ أحدٍ عنه حاجزين))(٣) جَمَعَ الخَبرّ لمّا كان ((أحد»
في معنى الجميع، وعلى جَعْلِهِ غيرَ الملازم للنفي يكونُ جَمْعُ الضمير في
((يُحاجُّوكُمْ)) باعتبارِ الرسول عليه السلام وأتباعِهِ. وبعضُ الأوجهِ المتقدمة
يَصِحُّ أَنْ يُجعل فيها ((أحد)) المذكورُ الملازمُ للنفي، وذلك إذا كان الكلامُ
(١) معاني القرآن ٢٢٢/١
(٢) المحرر ١٢٤/٣.
(٣) الآية ٤٧ من الحاقة.
٢٥٦

- آل عمران -
على معنى الجَحْدِ، وإذا كان الكلام على معنى الثبوت كما مَرَّ في بعض
الوجوه فيمتنعُ جَعْلُه الملازمَ للنفي، والأمر واضحٌ مِمَّا تقدَّم.
وقرأ ابن كثير: ((أأن يؤتى)) (١) بهمزة استفهام وهو على قاعدتِهِ في كونه
يُسَهِّل الثانية بينَ بينَ من غير مدَّ بينهما. وخُرِّجَتْ هذه القراءةُ على أوجه،
أحدها: أن يكون ((أنْ يُؤتى)) على حَذْفِ حرف الجر وهو لام العلة والمُعَلَّلُ
محذوف، تقديره: أَلِأنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّر تموه. وقد
قَدَّمْتُ تحقيقَ هذا فحينئذٍ يَسُوغُ في محلِّ ((أَنْ)) الوجهان: أعني النصبَ
مذهبَ سيبويه (٢)، والجَرَّ مذهبَ الخليل.
الثاني: أَنَّ ((أَنْ يُؤْتَى)) في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ والخبر محذوف تقديره :
أأن يؤتى أحد يا معشر اليهود مثلَ ما أوتيتم من الكتاب والعلم تُصَدِّقون به
أو تعترفون به أو تَذْكُرونه لغيركم أو تُشيعونه في الناس ونحوُ ذلك مِمَّا يَحْسُن
تقديرُه، وهذا على قولِ مَنْ يقول: ((أزيد ضربته))(٣) وهو وجه مرجوح، كذا
قَدَّرَهُ الواحدي تَبَعاً للفارسي (٤)، وأحسنُ من هذا التقدير لأنه الأصل(٥):
أإتيان أحدٍ مثلَ ما أُوتيتم ممكنٌ أو مُصَدَّقٌ به.
الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدر يفسِّره هذا الفعلُ المضمرُ، وتكونُ
المسألةُ من بابِ الاشتغالِ والتقدير: أَتَذْكُرُون أَنْ يُؤْتَى أحد تذكرونه،
فتذكرونه مفسِّرٌ لتذكرون الأول على حَدٍّ: ((أزيداً ضربته)) ثم حُذِفَ الفعلُ
الأخير المفسِّر لدلالةِ الكلام عليه، وكأنه منطوقٌ به، ولكونِهِ في قوة المنطوق
(١) السبعة ٢٠٧؛ الكشف ٣٤٧/١.
(٢) الكتاب ١٧/١.
(٣) أي يجيز وقوع الاسم بعد همزة الاستفهام وهو قليل.
(٤) الحجة (خ) ٢٢٤/٢.
(٥) وذلك لأن خبر المبتدأ هنا مفرد.
٢٥٧

- آل عمران -
به صَحَّ له أن يفسِّر مضمراً، وهذه المسألةُ منصوص عليها. وهذا أرجحُ من
الوجه قبله، لأنه مثلُ: أزيداً ضربته، وهو راجحٌ لأجلِ الطالب للفعل(١)،
ومثلُ حَذْفِ: هذا الفعلِ المقدَّرِ لدلالة ما قبلَ الاستفهامِ عليه حَذْفُ الفعل في
قوله: ((الآن وقد عَصَيْتَ))(٢) قيل: تقديره: الآن آمنت ورَجَعْتَ وتُبْتَ وَنَحْو
ذلك.
قال الواحدي: ((فإن قيل: كيف وُجِدَ دخولُ ((أحد)) في هذه القراءةِ وقد انقطع
من النفي والاستفهام(٣)، وإذا انقطع الكلامُ إيجاباً وتقريراً فلا يجوز دُخُولُ
((أحد))؟ قيل: يجوزُ أَنْ يكونَ ((أحد)) في هذا الموضع ((أحداً)) الذي في نحو:
أحد وعشرين وهذا يقع في الإِيجاب، ألا ترى أنه بمعنى واحد. وقال
أبو العباس: ((إن أحداً ووحَدَاً وواحداً بمعنى)).
وقوله: ((أو يُحاجُوكم)) (أو)) في هذه القراءةِ بمعنى حتى، ومعنى
الكلام: أُأن يُؤتی أحد مثل ما أوتيتم تذکرونه لغیرکم حتی یحاجُّوكم عند ربكم.
[١٥٧/ب] قال الفراء: (٤) «ومثلُه في الكلام/: تَعَلَّقْ به أو يُعْطِيَكَ حقك، ومثلُه قولُ
امرىء القيس : (٥)
١٣٣٥ - فَقُلْتُ له: لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إنما
نحاوِلُ مُلْكاً أو نموتَ فَتُعْذَرَا
أي: حتى، ومِنْ هذا قولُه تعالى: ((ليس لك من الأمر شيء أو يتوبَ
(١) أي الهمزة.
(٢) الآية ٩١ من يونس.
(٣) أي: لم يأت قبله نفي أو استفهام؛ لأن الاستفهام الداخل على ((أن)) في قراءة ابن كثير
قطع الكلام.
(٤) معاني القرآن ٢٢٣/١.
(٥) ديوانه ٦٦؛ والخصائص ٦٣/١؛ واللامات ٥٦؛ وابن يعيش ٢٢/٧؛ ورصف
المباني ١٣٣.
٢٥٨

- آل عمران -
عليهم))(١) قال: ((فهذا وجه، وأجودُ منه أن تجعلَه عطفاً على الاستفهام،
والمعنى: أأن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم أو يُحاجّكم أحدٌ عند الله تُصَدِّقونه
وهذا كله معنى قول الفارسي (٢)، ويجوز أن يكون ((أن يؤتى أحد)) منصوباً
بفعل مقدر لا على سبيل التفسير، بل لمجرد الدلالة المعنوية تقديرُه:
أتذكرون أو أَتَشِيعون أَنْ يُؤْتَى أحدٌ، ذكره الفارسي (٣) أيضاً، وهذا هو الوجهُ
الرابع.
الخامس: أَنْ يكونَ ((أَنْ يؤتى)» في قراءته مفعولاً من أجله على أن يكون
داخلاً تحت القول لا من قولِ الطائفة. وهو أظهرُ مِنْ جَعْلِهِ من قول الطائفة.
وقد ضَعَّف الفارسي(٤) قراءةً ابن كثير فقال: ((وهذا موضِعٌ ينبغي أن
تُرَجَّح فيه قراءةُ غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأنَّ الأسماءَ المفردة ليس
بمستمرٍ فيها أن تَدُلَّ على الكثرة))(٥). وقرأ الأعمش(٦) وشعيب بن أبي حمزة:
(إنْ يؤتى)) بكسر الهمزة، وخَرَّجها الزمخشري (٧) على أنها: ((إِنْ)) النافية فقال:
((على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب أي: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع
(١) الآية ١٢٨ من آل عمران.
(٢) الحجة (خ) ٢٢٤/٢.
(٣) الحجة (خ) ٢٢٤/٢ .
(٤) الحجة (خ) ٢٢٤/٢.
(٥) وذلك لأن ((أحد)) عندما انقطع في قراءة ابن كثير عما قبله بسبب وجود الاستفهام أصبح
بمعنى واحد، فالاستفهام القاطع منع من أن يشيع معنى أحد لامتناع دخوله في النفي
الذي في أول الكلام.
(٦) البحر ٤٩٧/٢؛ القرطبي ١١٤/٤ منسوبة إلى سعيد بن جبير، وشعيب بن أبي حمزة. ثقة
من أهل حمص، كان حافظاً للحديث ثبتاً فيه. وروى له الجماعة توفي سنة ١٦٢ .
انظر: تهذيب الكمال ٥٨٥/٢؛ الأعلام ٢٤٤/٣.
(٧) الكشاف ٤٣٧/١.
٢٥٩

- آل عمران -
دينكم وقولوا لهم: ما يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم حتى يُحاجُّوكم عند ربكم،
يعني لا يُؤْتَّوْن مثلَه فلا يُحاجُّونكم))(١).
وقال ابن عطية(٢): ((وهذه القراءةُ تحتمل أن يكونَ الكلامُ خطاباً من
الطائفةِ القائلة، ويكونُ قولُها ((أو يحاجُّوكم)) بمعنى: أو فليحاجُّوكم وهذا على
التصميمِ على أنه لا يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتي، أو تكون بمعنى: إلَّ أَنْ
يُحاجُوكم، وهذا على تجويز أَنْ يؤتى أحدٌ ذلك إذا قامت الحجة له)) فقد ظَهَرَ
على ما ذَكَرَ ابن عطية أنه يجوزُ في ((أو)) في هذه القراءةِ أن تكونَ على بابِها
مِنْ كونِها للتخيير والتنويع، وأَنْ تكونَ بمعنى ((إلّ))، إلَّ أَنَّ فيه حَذْفَ حِرَفٍ
الجزم وإبقاءَ عمله، وهو لا يجوز، وعلى قولِ غيره تكونُ بمعنى حتى.
وقرأ الحسن: ((أَنْ يُؤْتِى أحدٌ)) على بناءِ الفعل للفاعل. ولَمًّا نقل هذه
القراءةُ بعضُهم لم يتعرَّض لـ((ان)) بفتحٍ ولا كسرٍ كأبي البقاء(٣)، وتعرَّض لها
بعضُهم فقيَّدها بكسرِ ((إنْ)) وفسَّرها بـ((إِنْ)) النافية، والظاهر في معناها أن إنعام
الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وهي خطابٌ من النبي صلى الله عليه
وسلم لأمته، والمفعولُ محذوف تقديره: إنْ يؤتي أحدٌ أحداً مثلَ ما أوتيتِم،
فَحُذِفَ المفعولُ الأولُ، وهو ((أحداً) لدلالة المعنى عليه، وأَبْقِيَ الثاني. وهذا
ما تلخّص مِنْ كلام الناس في هذه الآية مع اختلافه ولله الحمد. قال
الواحدي: «وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبهِ تفسيراً، ولقد تدبّرْتُ
أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أَجِدْ قولاً يَطَرِدُ في هذه الآية
من أولها إلى آخرِها مع بيان المعنى وصحة النظم)».
أَ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿مَنْ إنْ تَأْمَنْه﴾: مَنْ مبتدأٌ، و ((من أهل))
(١) الأصل: فلا يحاجوكم وهو سهو.
(٢) المحرر ١٢٧/٣.
(٣) الإملاء ١٣٩/١.
٢٦٠