Indexed OCR Text
Pages 161-180
- آل عمران - معروفٌ على هذا المثالِ، فيقولون: عَبْدٌ بَيِّنُ العُبودة والعُبودِيَّة والعُبادِيَّة)) يعني لم تتكلم العرب من هذا بِفِعْلٍ. والكِبرُ: مصدرُ كَبِرَ يكبّر كِبَراً أي: طَعَن في السن، قال(١): ١٢٦٧ - صغيرَيْنِ نَّرْعَى البَهْمَ يا ليتَ أَنَّنا إلى اليومِ لم نَكْبِرْ ولم تَكْبَرِ البَهْمُ قوله: ((وامرأتي عاقر)) جملةٌ حاليةً: إمَّا من الياء في ((لي)) فتعدَّدُ الحالُ عند مَنْ يراه، وإمَّا من الياءِ في ((بلغَنَي)). والعاقر: مَنْ لا يُولد له: رجلًا كان أو امرأةً، مشتقاً من العَقْر وهو القتل، كأنهم تخيّلوا فيه قتْل أولادِه، والفعل بهذا المعنى لازمٌ، وأمَّا عَقَرْتُ بمعنى نَحَرْتُ فمتعدٍ، قال تعالى: ((فعقروا الناقة»(٢)، وقال(٣): عَقَّرْتَ بعيري يا امرأ القيسِ فَانْزِلِ ١٢٦٨_ وقيل: ((عاقِر)) على النسب أي: ذاتُ عُقْر، وهي بمعنى مَفْعول أي: معقورة، ولذلك لم تُلْحَقْ تاء التأنيث. والعُقر والعَقْر بضم العين وفتحها: أصلُ الشيء، ومنه: عُقْر الدار وعُقْر الحوض، وفي الحديث: ((ما غُزِي قومٌ قط في عُقْر دارِهم إلا ذُلُّوا)) وعَقَرْتُه: أَصَبْتُ عُقْره أي: أصلَه نحو: رَأَسْته أي: أصبتُ رأسَه، والعُقْر أيضاً: آخر الولد، وكذلك بيضةُ العُقْر، والعُقار: الخمرُ لأنها تَعْقِرِ العقلَ مجازاً وفي (١) تقدم برقم ٩٠٩. (٢) الآية ٧٧ من الأعراف. (٣) البيت لامرىء القيس من معلقته في ديوانه ١١ وصدره: تقولُ وقد مال الغَبيطُ بنا معاً وهو في شرح المعلقات للتريزي ٦٨. والغبيط: الهودج. ١٦١ - آل عمران - كلامهم: ((رَفَعَ فلانٌ عقيرَتَه)) أي: صوته، وذلك أنَّ رجلا عَقَر(١) رجله فرفعَ صوتَه فاستغير ذلك لكلِّ من رفعَ صوَته. وقال بعضُهم: ((يُقال: عَقُرَتْ(٢) المرأةَ تَعْقُر عَقْراً وعقارةً وأنشد الفراء(٣) :. ١٢٦٩ - أرزامُ بابٍ عَقُرَتْ أَعْواما فَعَلَّقَتْ بُنَيَّها تَسْماما. ويقال: عَقَر الرجل وعَقُر وعَقِر إذا لم تَحْبَلْ زوجته فَجَعلوا الفعل المسندَ إلى الرجل أوسعَ من المسندِ إلى المرأة، قال الزجاج(٤): ((عاقِر: بمعنى ذات عُقْر، قال: ((لأنَّ فَعُلْتُ أسماءُ الفاعلين منه على فَعيلة نحو: طريفة وكريمة، وإنما ((عاقر)) على ذات عُقْر)) قلت: وهذا نصٌّ في أن الفعلَ المسند للمرأةِ لا يُقال فيه إلا عَقُرت بضم القاف إذ لو جازَ فتحُها أو كسرُها لجاز. منها ((فاعِل)) من غير تأويلٍ على النسب. ومن ورودٍ ((عاقر)) وصفاً للرجل قولُ عامر بن الطفيل(٥): ١٢٧٠ - ◌َبِئْسَ الفتى إِنْ كُنُت أعَوَر عاقِراً جَباناً فما عُذْرِي لدى كلُّ مَحْضَرٍ قوله: ((كذلك اللهُ يفعلُ ما يشاء)» في الكافِ وجهان، أحدهما: أنها في محلِّ نصب وفيه التخريجان المشهوران، أحدُهما - وعليه أكثرُ. المعربين - أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ تقديرُه: يفعلُ الله ما يشاء من الأفعالِ العجيبة مثلَ ذلك الفعلِ ، وهو خَلْقُ الولدِ بين شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقٍِ. (١) عقر: جرح. (٢) كذا ضبطها في الأصل، وفي الصحاح: ((عَقَّرت)). (٣) لم أقف عليه. (٤) معاني القرآن ٤١٢/١. (٥) ديوانه ١١٩؛ والطبري ٣٨١/٦؛ ومجاز القرآن ٩٢/١. ١٦٢ - آل عمران - والثاني: أنها في محلّ نصبٍ على الحالِ من ضميرٍ ذلك المصدر أي: يفعلُ الفعلَ حالَ كونه مِثلَ ذلك، وهو مذهبُ سيبويه(١) وقد تقدَّم إيضاحُه. والثاني من. وجهي الكاف أنَّها في محلِّ رفعٍ على أنها خبر مقدم، والجلالةُ مبتدأ مؤخرً، فقدَّره الزمخشري(٢) ((على نحوِ هذه الصفة اللـهُ))، ويفعل ما يشاء بيانٌ له، وقدَّره ابن عطية(٣): كهذه القدرة المستغربة هي قدرة الله، وقدَّره الشيخ(٤) فقال: ((وذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: صُنْعُ اللهِ الغريبُ مثلُ ذلك الصنعِ، فيكون ((يفعل ما يشاء)» شرحاً للإِبهامِ الذي في اسم الإِشارة)» فالكلامُ على الأول جملةٌ واحدةٌ وعلى الثاني جملتان. وقال ابن عطية(٥): ((ويُحتمل أن تكونَ الإِشارةُ بذلك إلى حال زكريا وحالِ امرأته، كأنه قال: ربِّ على أيّ وجه يكونُ لنا غلامٌ ونحن بحالٍ كذا؟ فقال له: كما أنتما يكون لكما الغلامُ، والكلامُ تامًّ على هذا التأويل في قوله: ((كذلك)» وقولُه: ((الله يفعلُ ما يشاءُ)) جملةٌ مبينة مقرِّرةٌ في النفس وقوعَ هذا الأمر المستغرب)) انتهى. وعلى هذا الذي ذكرَه يكون ((كذلك)) متعلقاً بمحذوفَ، و ((الله يفعلُ)) جملةٌ منعقدةٌ من مبتدأ وخبرٍ. آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿اجعلْ لِي آيَةً﴾: يجوز أن يكونَ الجَعْلُ بمعنى التصيير فيتعدَّى لاثنينِ أوَّلُهما («آيَةً)) والثاني: الجارُّ قبلَه. والتقديمُ هنا واجبٌ، لأنه لا مُسَوِّغ للابتداء بهذه النكرة وهي ((آية)) / لو انحلَّتْ إلى مبتدأ [١٤٤/ب] وخبر إلا تقدُّمُ هذا الجارِّ، وحكمُهما بعد دخول الناسخِ خكمُهما قبلَه، والتقديرُ: صَيِّرْ آيَةً من الآياتِ لي. ويجوز أَنْ يكونَ بمعنى الخَلَقْ والأنِّخاذ (١) الكتاب ١١٦/١. (٢) الكشاف ٤٢٨/١. (٣) المحرر ٧٩/٣. (٤) البحر ٤٥١/٢. (٥) المحرر ٧٩/٣. ١٦٣ - آل عمران - أي: اخلُقْ لي آيَةً فيتعدَّى لواحدٍ، وفي ((لي)) على هذا وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّقَ بِالجَعْلِ، والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «آیة)) لأنه لو تأخّر لجازَ أن يقعَ صفةً لها، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ. وحَرَّك الياءَ بالفتح(١) نافع وأبو عمرو، وأسكنها الباقون. قوله: ((ألَّ تُكَلِّمَ، أَنْ وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ خبراً لقوله: ((آَيْتُك)) أي: آيَتُك عدمُ كلامِكِ للناس. والجمهورُ على نصبِ ((تُكَلِّم)) بأَنْ المصدريةِ. وقرأ(٢) ابن أبي عبلة برفعِه، وفيه وجهان، أحدهما: أن تكونَ ((أَنْ)) مخففةً من الثقيلةِ، واسمُها حينئذٍ ضميرُ شأنٍ محذوفٍ، والجملةُ المنفيَّةُ بعدَها في مجلِّ رفع خبراً لـ((أَنْ))، ومثلُه: ((أفلا يرون أَنْ لا يرجِعُ))(٣) ((وحَسبوا أَنْ لا تكونُ فتنة))(٤)، ووقعَ الفاصلُ بين أَنْ والفعلِ الواقعِ خبّرَها بحرف نفي، ولكنْ يُضْعِفُ كونَها مخففةً عدمُ وقوعِها بعد فعلٍ يقينٍ. والثاني: أَنْ تكونَ النّاصِبَةُ حُمِلَتْ على ((ما) أختِها، ومثلُه: ((لِمَنْ أرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعةَ))(٥)، وأَنَّ وما في حَيِّزها أيضاً في محلِّ رفعٍ خبراً لـ ((آيْتُك)). قوله تعالى: ((ثلاثةَ أيام)) الصحيحُ أنَّ هذا النحوَ- وهو ما كان من الأزمنة يستغرقُ جميعُه الحدثَ الواقعَ فيه - منصوبٌ على الظرفِ خلافاً الكوفيين فإنَّهم يَنْصِبونه نصبَ المفعولِ به، وقيل: ((وثَمَّ معطوفٌ محذوفٌ تقديرُه: ثلاثةَ أيام وليالِيها، فَحُذِفَ كقوله تعالى: (تَقِيكم الحَرَّ)(٦) ونظائرِهِ، (١) السبعة ١٥١. (٢) البحر ٤٥٢/٢. (٣) الآية ٨٩ من طه. (٤) الآية ٧١ من المائدة، على قراءة أبي عمرو والأخوين كما في السبعة ٢٤٧. (٥) الآية ٢٣٣ من البقرة وهي قراءة مجاهد كما في البحر ٢١٣/٢. (٦) الآية ٨١ من النحل. ١٦٤ - آل عمران - يَدُلُّ على ذلك قولُه في سورة مريم: ٠ ((ثلاثَ ليالٍ سَوِيّا))(١)، وقد يُقَال: إِنَّه يُؤْخَذُ المجموعُ من المجموعِ فلا حاجةً إلى ادَّعاءِ حَذفٍ، فإنَّا على هذا التقديرِ الذي ذكرتموه نَحْتَاجَ إلى تقديرِ معطوفٍ في. الآية الأخرى تقديرُه: ثلاثَ ليالٍ وأيامَها . قوله: ((إلَّ رَمْز) فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ منقطع لأنَّ الرمزّ ليس من جنسِ الكلام، إذ الرمز: الإِشارةُ بعينٍ أو حاجبٍ، أو نحوهما، ولم يَذْكُر أبو البقاء (٢) غيرَه، واختارَه ابنُ عطية (٣) بادِئاً به فإنه قال: ((والكلامُ المرادُ في الآية إنما هو النطقُ باللسان لا الإِعلامُ بما في النفسِ، فحقيقةُ هذا الاستثناءِ أنه استثناءٌ منقطعٌ)) ثم قال: ((وذهب الفقهاءُ إلى أنَّ الإِشارةَ ونحوها في حكمِ الكلامِ في الأَيْمان ونحوِها، فعلى هذا يَجِيءُ الاستثناءُ متصلًاً)). والوجه الثاني: أنه متصلٌ؛ لأنَّ الكلامَ لغةً يُطلقُ بإزاء معانٍ، الرمزُ والإِشارةُ من جملتها، وأنشدوا على ذلك(٤): ١٢٧١ - إذا كَلَّمَتْني بالعيونِ الفواترِ رَدَدْتُ عليها بالدموعِ البوادِرِ وقال آخر(٥): ١٢٧٢ - أرادَتْ كلاماً فاتَّقَتْ من رقيبها فلم يَكُ إلا وَمْؤُها بالحواجِبِ وقد استعمل الناسُ ذلك فقال حبيب(٦): (١) الآية ١٠ من مريم. (٢) الإملاء ١٣٣. (٣) المحرر ٨٠/٣. (٤) تقدم برقم ٥٥٤. (٥) البيت للقناني، وهو في اللسان: وما؛ والبحر ٤٥٢/٢. (٦) ليس في ديوانه - وحبيب هو أبو تمام - وهو في البحر ٤٥٢/٢. ١٦٥ - آل عمران - ١٢٧٣ - كَلَّمْتُه بجفونٍ غيرِ ناطقة فكانَ مِنْ رَدِّهِ ما قالَ حاجِبُهْ وبهذا الوجه بدأ الزمخشري(١) مختاراً له قال: ((لمَّا أُدِّي مُؤَدَّى الكلام وفُهِم منه ما يُفْهَمُ منه سُمِّي كلاماً، ويجوز أَنْ يكونَ استثناء منقطعاً)) .. والرَّمْزُ: الإِشارةُ والإِيماءُ بعينٍ أو حاجبٍ أويَدٍ، ومنه قيلَ للفاجِرَةِ: الرامِزَة والرَّمَّازة، وفي الحديثِ: ((نَهَى عن كَسْبِ الرَّمَّازة)) يقال فيه: رَمَزَت تَرْمُزُ وتَرْمِزِ بضم العين وكسرها في المضارع، وأصل الرَّمْز: التحرك يقال: رَمَزَ وارتَمَزْ أي: تحرَّك، ومنه قيل للبحر: الراموز لتحرُّكه واضطرابُه. وقال الراغب(٢): (الرَّمْز: إشارةٌ بالشفة، والصوتُ الخفي والغمزُ بالحاجبِ، وما ارمازَّ أي: لم يتكلَّم رمزاً، وكتيبةَ رمَّازة: أي لم يُسْمَعْ منها إلا رمْزٌ لكثرتِها)» قلت: ويؤيِّدُ بكونَه الصوتَ الخفي - كما قال الراغب - ما جاء في التفسيرِ أنه كان ممنوعاً من رفعِ الصوتِ. والعامَّةُ قرؤوا: رَمْزاً بفتحِ الراءِ وسكونِ الميم. وقرأ(٣) یحیی بن وثاب وعلقمة بن قيسٍ: ((رُمُزا) بضمِّهما وفيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدر على فُعْل بتسكينِ العينِ في الأصلِ، ثم ضُمَّتِ العينُ إتباعاً كقولهم: الْيُسْرِ والعُسْرِ في: الْيُسُر والعُسُر، وقد تقدَّم في هذا كلامٌ لأهلِ التصريف. والثاني: أنه جمعُ رَمُوز كُرُسُل في جمع رسول، ولم يَذْكر الزمخشري(٤) غيره. وقال أبو البقاء: (٥) ((وقُرِىء بضمِّها - أي الراء - وهو جمع رُمُزَة بضمتين، وأُقِرَّ ذلك في الجمعِ ، ويجوز أَنْ يكونَ سَكَّن الميمَ في الأصل، وإنما أَتْبَعَ الضُّمّ (١) الكشاف ٤٢٩/١. (٢) المفردات ٢٠٣. (٣) الشواذ ٢٠؛ البحر ٤٥٣/٢. (٤) الكشاف ٤٢٩/١. (٥) الإملاء ٠١٣٣/١ ١٦٦ - آل عمران - الضَّمَّ، ويجوزُ أن يكونَ مصدراً غيرَ جمعٍ وضُمَّ إتباعاً كاليُسْرِ والْيُسُر)» قلت: قوله ((جمع رُمُزة)) إلى قوله ((في الأصل)) كلام مُثْبَجٌ(١) لا يُفْهَمُ منه معنّى صحيحٌ. وقرأ الأعمش: ((رَمَزأ)) بفتحِهِما. وخرَّجها الزمخشري(٢) على أنه جمعُ رامِزِ كخادِمٍ وخَدَم. وانتصابُهُ على هذا على الحالِ من الفاعِلِ وهو ضميرُ زكريا، والمفعولِ معاً وهو الناس كأنه: إلا مترامزين كقوله: (٣) رَوَانِفُ إلَيَتْكَ وَتُسْتَطارا ١٢٧٤- متى ما تَلْقَنِي فَرْدَيْن تَرْجُفْ [ ١/١٤٥ ] / وكقوله: (٤) أيِّي وأيُّك فارسُ الْأُحْزَابِ ١٢٧٥ - فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنْ قوله تعالى: ((كثيراً) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ وقد عُرِفَ. أو نَعْتُ لزمانٍ محذوفٍ تقديرُهُ: ذِكْراً كثيراً أو زماناً كثيراً. والباءُ في قوله: ((بالعَشِيِّ)) بمعنى ((في)) أي: في العشي والإِبكار. والعَشِيُّ يُقال من وقت زوال الشمس إلى مَغِيبِها، كذا قال الزمخشري(٥). وقال الراغب: (٦) ((العَشِيُّ: من زوال الشمس إلى الصباح)» والأولُ هو المعروفُ. وقال الواحدي: ((العَشِيُّ: جمع عَشِيّة وهي آخر النهار)). (١) كلام مثبج: مضطرب. (٢) الكشاف ٤٢٩/١°. (٣) البيت لعنترة وهو في ديوانه ٢٣٤؛ وابن يعيش ٥٥/٢؛ واللسان: طير؛ والهمع ٦٣/٢؛ والدرر ٨٠/٢. والروانف: ج. رانفة، وهي أسفل إلية القائم. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في أوضح المسالك ٢٠٥/٢؛ والأشموني ٢٦١/٢؛ والهمع ٥١/٢؛ والدرر ٦٢/٢. (٥) الكشاف ٤٢٩/١. (٦) المفردات ٣٤٧. ١٦٧ - آل عمران - والعامة قرؤوا: (والإِبكار)) بكسر الهمزة، وهو مصدرُ بَكَّر يُبَكِّر إبكاراً أي: خرج بُكْرة، ومثله بَكَر بالتخفيف وابْتَكَر. قال عمر بن أبي ربيعة: (١). ١٢٧٦ - أَمِنْ آَلِ نُعْمٍ أَنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ فهذا من أَبْكر. وقال أيضاً: (٢) ١٢٧٧ - أيها الرائحُ المُجِدُّ ابتكارا وقال الآخر: (٣). ١٢٧٨ - بَكَرْنَ بُكوراً واسْتَحَرْنَ بِسُحْرَةٍ فهنَّ ووادي الرَّسِّ کالیدِ في الفم وَقُرىء شاذاً: (٤) ((والْأُبْكار)) بفتح الهمزةِ، وهو جمعُ ((بَكَر)) بفتح الفاء والعين. ومتى أُريد به هذا الوقتُ من يومٍ بعينِهِ امتنع من الصرف والتصرّف. فلا يُستعمل غيرَ ظرف. تقول: ((أتيتُك يومَ الجمعة بَكَّر))، وسببُ منع صرفه التعريفُ والعدلُ من ((أل))(٥)، فلو أُريد به وقتٌ مبهمٌ انصرفَ نحو: ((أُتْبِتَكَ بَكَراً من الأبكار)»، ونظيره: سَحَرَ وأَسْحار في جميعِ ما تقدَّم، وهذه القراءةُ تناسِبُ قولَه ((العشيّ)) عند مَنْ يَجْعَلُهَا جمعَ ((عَشِيَّةُ)) ليتقابَلَ الجمعان. ووقتُ الإِبكارِ من طلوعِ الفجرِ إلى وقتِ الضُّحى وقال الراغب: (٦) (١) ديوانه ٨٤، وعجزه: غداةَ غَدٍ أم رائِحٌ فَمُهَجِّرُ (٢) في الشعر المنسوبِ إلى عمر بديوانِهِ ٤٩٣، وعجزه: قد قَضَى من تِهِامَةَ الأوطارَا (٣). تقدم رقم ١١٩٨. (٤) البحر ٤٥٣/٢؛ وقال في شواذ القراءات ٢٠ ((ذكره الأخفش عن بعضهم)) .. (٥) قال ابن عقيل: ٢٦٣/٢: ((معدول عن البكر لأنه معرفةٌ والأصل في التعريف أن يكون بأل، فعدل به عن ذلك، وصار تعريفه مشبهاً لتعريف العلمية من جهة أنه لم يلفظ معه بمعرِّف)) وانظر: ما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج ٩٨. (٦) المفردات ٥٥. ١٦٨ - آل عمران - ((أصلُ الكلمةِ هي الْبُكْرَةُ أولَ النهارِ، فَاشْتُقَّ من لفظِهِ لفظُ الفعلِ فقيل: بَكْر فلانٌ بُكوراً إذا خَرَجَ بُكْرة، والبَكُور: المبالغُ في الْبُكور، وبَكَّر في حاجته وابتَكَر وباكَرَ، وَتُصُوَّر فيها معنى التعجيل لتقدُّمِها على سائرِ أوقاتِ النهار، فقيل لكل متعجِّلٍ: بَكِر)) قلت: ظاهرُ هذه العبارة - وكذا عبارةُ غيره - أنَّ البَكَرَ مختصّ بطلوعِ الشمسِ إلى الضحى، فإنْ أريد به من أول طلوعٍ الفجر إلى الضحى، فإنه على خلافٍ الأصلِ. وقد صَرَّح الواحدي بذلك فقال: هذا معنى الإِبكار، ثم يُسَمَّى ما بين طلوعِ الفجرِ إلى الضحى إبكاراً كما يُسَمَّى إِصْباحاً. آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿وإذ قالَتِ الملائكةُ﴾: إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ هذا الظرفَ نَسَقاً على الظرفِ قبلَه وهو قولُهُ: ((إذ قالتِ امرأةُ عمران))، وإِنْ شِئْتَ جَعَلْته منصوباً بمقدَّر قاله أبو البقاء (١). وقرأ(٢) عبدُالله بن مسعود وابن عمر: ((وإذ قال الملائكة)) دونَ تاءِ تأنيث، وتوجيهُ ذلك تقدَّم في ((فَنَاداهُ الملائكة)»(٣). ومعمولُ القولِ الجملةُ المؤكَّدَةُ بإنَّ مِنْ قَوْلِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ اصطفاكِ))، وكَرَّر الاصطفاءَ رفعاً مِنْ شأنِها. قال الزمخشري: (٤) ((اصطفاكِ أولاً حين تَقَبَّلَكِ مِنْ أُمِّك ورَبَّك واخْتَصَّكِ بالكرامَةِ السَّنَّة، واصطفاكِ آخِراً على نساء العالمين بأَنْ وَهَبَ لكِ عيسى من غَيْرِ أَبٍ ولم يكنْ ذلك لأحدٍ من النساء)». واصْطَفَى: اقْتَعَلَ من الصَّفْوَةِ، أُبْدِلَتْ التاءُ طاءً لأجلِ حرفِ الإِطْبَاقِ (١) الإملاء ١٣٣/١. (٢) البحر ٤٥٥/٢. (٣) الآية ٣٩ من آل عمران. (٤) الكشاف ٤٢٩/١. ١٦٩ - آل عمران - وقد تقدَّم تقريرُه في البقرة(١)، وتقدَّم سببُ تعدِّيه بـ ((على))، وإن كان أصلُ تعديتِهِ بـ ((مِنْ)). وقال أبو البقاء: (٢) ((وكَرِّر اصطفى: [إِمَّا] توكيداً، وإمَّا ليبيّن مَنِ اصطفاها عليهنَّ)»، وقال الواحدي: ((وكَرَّر الاصطفاءَ لأنَّ كِلا الاصطفائيْنَ يختلفُ معناهما، فالاصطفاء الأول عمومٌ يدخُل فيه صوالحُ النساءِ، والثاني اصطفاء بما اختصَّتْ به من خصائِصِها. آ. (٤٤) قوله: ﴿ذلك من أنباء الغيب نُوحيه﴾: يجوزُ فيه أوجه، أحدُها: أَنْ يكونَ ((ذلك)) خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ: الأمر ذلك. و ((مِنْ أنباءٍ الغيب)) على هذا يجوزُ أن يكونَ مِنْ تتمةِ هذا الكلامِ حالاً من اسمِ الإشارةِ، ويجوزُ أَنْ يكونَ الوقفُ على ((ذلك)»، ويكونُ ((مِنْ أنباء الغيبِ )) متعلَّقاً بما بعدَهِ وتكونُ الجملةُ من ((نوحيه)) إذ ذاك: إمّا مبينةً وشارحةً للجملةِ قبلَها وإمَّا حالاً . الثاني: أن يكونَ ((ذلك)) مبتدأ، و«من أنباء الغيبِ)) خبرَه، والجملةُ من (نوحيه)) مستأنفةٌ، والضميرُ في ((نوحيه)) عائدٌ على الغيب، أي: الأمرُ والشأنُ أنَّا نوحي إليك الغيبَ ونُعْلِمُك به ونُظْهِرُكَ على قصصٍ مَنْ تقدَّمك مع عدمٍ مدارستكِ لأهلِ العلمِ والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع في (نُوحِيه))، وهذا أحسنُ مِنْ عَوْدِهِ على ((ذلك))؛ لأنَّ عَوْدَهُ على الغيبِ يَشْمَلُ ما تقدَّم من القصص وما لَم يتقدّمْ منها، ولو أَعَدْتَه على ((ذلك)) اختصّ بما مضى وتقدَّم. الثالث: أن يكونَ ((نوحيه)) هو الخبر، و ((من أنباء الغيب)» على وجهيه المتقدِّمين مِنْ كَوْنِهِ حالاً من («ذلك)) أو متعلُّقاً بنوحيه، ويجوز فيه وجهٌ ثالْثٌ [١٤٥/ب] على هذا / وهو أَنْ يُجْعَلَ حالاً من مفعول ((نوحيه)) أي: نوحيه حالَ كونِهِ بعضَ أنباءِ الغيبِ. (١) انظر إعرابه للآية ١٣٠ من البقرة. (٢) الإملاء ١٣٣/١. ١٧٠ - آل عمران - قوله: ((إذ يُلْقُون)) فيه وجهان أحدُهما: وهو الظاهر أنه منصوب بالاستقرار العاملِ في الظرفِ الواقِعِ خبراً. والثاني - وإليه ذهب الفارسي - أنه منصوبٌ بكنت، وهو عجيبٌ منه لأنه يزعمُ أنَّها مسلوبةُ الدلالة على الحَدَثِ فكيف تعملُ في الظرفِ والظرفُ وِعاءٌ للأحداثِ؟ والذي يظهر أن الفارسي إنما جَوَّر ذلك بناءً منه على ما يَجُوزُ أَنْ يكونَ مراداً في الآية، وهو أَنْ تكونَ ((كان)» تامةً بمعنى: وما وُجِد في ذلك الوقتِ. والضميرُ في ((لديهم)) عائدٌ على المتنازِعَيْنِ في مريم وإنْ لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ، لأنَّ السياقَ قَد دَلَّ عليهم، وهذا الكلامُ ونحوُه كقولِهِ تعالى: ((وما كُنْتَ بجانِبِ الطُّورِ))(١) ((وما كنتَ لديهِم إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُم))(٢) وإن كانَ معلوماً انتفاؤه بالضرورةِ جارٍ مَجْرى التهكم بمنكري الوَحْي، يعني أنه إذا عُلِمَ أنك لم تعاصِرْ أولئك ولم تُدَارِس أحداً في العلمِ فلم يَبْقَ اطلاعُك عليه إلا مِنْ جِهَةِ الوحي. والأقلام جمع ((قَلَم)) وهو فَعَل بمعنى مفعول أي: مَقْلُوم، والقَلْم القَطْعِ، ومثلُه القبض والنقص بمعنى المقبوض والمنقوص، وقيل له: قَلَم ؛ لأنه يُقْلَمُ، ومنه ((قَلَّمْتُ ظُفْرِي)) أي: قَطَعْتُهُ وَسَوَّيْتُهُ، قال زهير: (٣) ١٢٧٩ - لدى أَسَدٍ شاكي السلاحِ مُقَذَّفٍ له لِيَدُ أظفارُهُ لمْ تُقَلَّمِ وقيل: سُمِّي القلمُ قَلَماً تشبيهاً له بالقُلامَةِ وهي نبتٌ ضعيف؛ وذلك أنه يُرَقَّق فيضْعُفُ. وفي المرادِ بالأقلام هنا خلافُ: هل هي التي يُكْتَبُ بها أو قِداحٌ يُسْتَهَمُ بها كالأزلام؟ (١) الآية ٤٦ من القصص. (٢) الآية ١٠٢ من يوسف. (٣) ديوانه ٢٣، والمقذف: الغليظ اللحم. ١٧١ - آل عمران ـ قوله: ((أيُّهم يَكْفُل مريم)) هذه الجملةُ منصوبةُ المَحَلِّ؛ لأنها متعلقة بفعلٍ محذوفٍ، ذلك الفعل في محلِّ نصبٍ على الحالِ تقديرُهُ: يُلْقُونَ أقلامَهم يَنْظُرون: أيُّهم يَكْفُل مريم أو يَعْلَمُون، وجَوَّز الزمخشري(١) أن يُقَدَّر (يقولون))، فيكونَ محكياً به، ودَلَّ على ذلك قولُه: ((يُلْقُون)) وقوله: ((وما كُنْتَ لديهِم إذ يخْتَصِمُون)) كقوله: ((وما كُنْتَ لديهِمْ إذ يُلْقُون)). آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿إِذ قالت الملائكةُ﴾: في هذا الظرفِ أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ منصوباً بيختصمون. الثاني: أنه بدلٌ من ((إذ يختصمون)) وهو قولُ الزجاج(٢). وفي هذين الوجهين بُعْدٌ، من حيثُ إنه يلزمُ اتحادُ زمانٍ الاختصامِ وزمانِ قول الكلام، ولم يَكُنْ ذلك لأنَّ وقتَ الاختصام كان(٣) صغيراً جداً ووقتَ قولِ الملائكةِ بعد ذلك بأحيانٍ. وقد اسْتَشْعَرَ الزمخشري (٤) هذا السؤالَ فأجابَ بأنَّ الاختصامَ والبِشَارةَ وقعا في زمان واسعٍ كما تقول: لَقِيتُهُ سنةَ كذا)) يعني أنَّ اللقاء إنما يقع في بعض السنةِ فكذا هذا. الثالث: أن يكونَ بدلاً من ((إذ قالت الملائكة)) أولاً، وبه بدأ الزمخشري (٥) كالمختارِ له، وفيه بُعْدُ لكثرةِ الفاصلِ بين البدلِ والمُبْدَّلِ مِنه. الرابع: نَصْبُه بإضمارِ فعلٍ. والوَحْيُ: (٦) الإِشارةُ السريعةُ، ولتضمُّنِ السرعةِ قيل: ((أمرٌ وَحْيٌ)) (١) الكشاف ٤٣٠/١. (٢) معاني القرآن ٤١٥/١. (٣) الأصل: كانت صغيرة وهو سهو. (٤) الكشاف ٤٣٠/١. (٥) الكشاف ٤٣٠/١. (٦) انظر: مفردات الراغب ٥٥٢. ١٧٢ - آل عمران - وقيل: هو إلقاءُ معنى الكلام إلى مَنْ يريدُ إعلامَهُ، والوحيُ يكونُ بالرمز والإِشارة قال: (١) ١٢٨٠ - لَأَوْحَتْ إلينا والأنامِلُ رُسْلُها وقولُه تعالى: ((فَأَوْحَى إليهم أَنْ سَبِّحوا)) أي: أشارَ إليهم، ويكون بالكتابة، قال زهير: (٢) بَقَيْنَ بقاءَ الوَحْي في الحَجَرِ الْأَصَمِّ ١٢٨١ - أتى العُجْمَ والآفاقَ منه قصائدٌ ويُطْلَقُ الوَحْيُ على الشيءِ المكتوبِ، قال: (٣) خَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها ١٢٨٢- فَمَذَافِعُ الرِّیَّانِ عُرِّي رَسْمُها قيل: الوُجِيُّ جمعُ: وَحْيِ كَفَلْس وَفُلُوس، وكُسِرَت الحاءُ إتباعاً. والوَحْيُّ : الإِلهامُ: ((وَأَوْحَى رَبُّك إلى النحل))(٤)، والوَحْي للرسل يكون بأنواع مذكورةٍ في التفسير. قوله: (بكلمةٍ منه)) في محلِّ جرِ صفةً لكلمة، والمرادُ بالكلمة هنا عيسى، سُمِّيَ كلمةً لوجودِهِ بها وهو قوله: ((كُنْ فَيَكُونُ)) فهو من باب إطلاق السبب على المُسَبَّب. و((اسمه)» مبتدأ، و((المسيح)) خبرُهُ. و((عيسى)) بدلٌ منه أو عطفُ بيان. قال أبو البقاء: (٥) (ولا يكونُ خبراً ثانياً لأنَّ تَعَدُّدَ الأخبارِ يُوجِبُ (١) لم أهتد إلى قائله وعجزه، وهو في البحر ٤٥٤/٢. (٢) البيت لكعب بن زهير وهو في ديوانه ٦٤، وليس لزهير، والبيت في الطبري ٤٠٦/٦؛ والبحر ٤٥٤/٢. (٣) البيت للبيد من معلقته، وهو في ديوانه ٣١٠. المدافع: الأودية، وخلقاً أي: متجرداً بعد جدَّته، والسلام: الحجارة. (٤) الآية ٦٨ من النحل. (٥) الإملاء ١٣٤/١. ١٧٣ - آل عمران - تعدُّدَ المبتدأ، والمبتدأُ هنا مفردٌ، وهو قولُه: ((اسمُه)) ولو كان عيسى خبراً آخر لكان أسماه أو أسماها على تأنيث الكلمة)) قلت: هذا على رأي، وأما من يجيز ذلك فقد أعرب عيسى خبراً ثانياً، وأعرَبه بعضُهم خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي : هو عيسى، فهذه ثلاثةُ أوجهٍ في ((عيسى))، ويجوزُ على الوجهِ الثالث وجهٌ رَابِعٌ وهو النصبُ بإضمار ((أَعْني)) لأنَّ كلَّ ما جازَ قَطْعُهُ رَفْعاً جازَ قطعُهُ نصباً. والألفُ واللامُ في ((المسيح)) للغلبَةِ كهي في الصَّعِقِ(١) والعَيُّوق(٢) وفيه وجهان، أحدُهما: أنه فَعِيل بمعنى فاعِل مُحَوّل منه مبالغة، فقيل: لأنه مَسَحَ الأرض بالسِّياحة، وقيل: لأنه يَمْسَح ذا العاهة فيبراُ، وقيل: بمعنى مَفْعول لأنه مُسِحَ بالبركةِ أو لأنه مَسِيحُ القدمِ ، قال: (٣) ١٢٨٣ - باتَ يُقاسيها غلامٌ كالزَلَمْ خَدَلْجُ الساقَيْنِ ممسوحُ القَدَمْ أو لِمَسْحٍ وجهِهِ بالملاحة، قال: (٤) ١٢٨٤ - على وَجْهِ مَيِّ مَسْحَةٌ من مَلاحة والثاني: أنَّ وَزْنَهُ مَفْعِل من السياحةِ وعلى هذا كله فهو منقولٌ من الصفة. وقال أبو عبيد: أصلُه بالعبرانية: ((مسيخاً) فَغُيِّر، قال الشيخ: (٥) (١) الصعق: اسم لكل من رُمِيَ بصاعقة ثم غلب على خويلد بن نفيل الذي سب الريح فُرُمي بصاعقة. انظر: اللسان: ((صعق)). (٢) العيوق: اسم نجم. (٣) البيت لشريح بن شرحبيل أو الأغلب العجلي أو الأخنس بن شهاب، وهو في السمط ٧٢٩؛ والطبري ٤٧٣/٩؛ والزلم: قدح الميسر، خدلج: ممتلىء. (٤) البيت في ملحق ديوان ذي الرمة ١٩٢١ وعجزه: وتحت الثياب الخِزْيُ إن كان باديا . وهو في الأغاني: ١٢٠/١٦؛ وأمالي الزجاجي ٥٧؛ والخزانة ٥٢/١؛ واللسان: مسح . (٥) البحر ٢ /٤٦٠. ١٧٤ - آل عمران - ((فعلى هذا يكونُ / اسماً مرتجلا ليس مشتقاً من المَسْح ولا من السِّياحة)) [١/١٤٦] قلت: قولُه ((ليس مشتقاً) صحيحٌ، ولكنْ لا يَلْزَمُ من ذلك أن يكون مرتجلاً ولا بُدَّ، لاحتمالِ أن يكونَ في لغتِهِم منقولاً من شيء عندهم. وأتى بالضمير في قوله: ((اسمُه)) مذكَّراً وإنْ كان عائداً على الكلمة مراعاةً للمعنى، إذ المرادُ بها مذكر. و ((ابنُ مريم)» يجوزُ أَنْ يكونَ صفةٌ لعيسى، قال ابن عطية: (١) ((وعيسى خبرُ مبتدٍ محذوف، ويَدْعُو إلى هذا كونُ قولِهِ ((ابنُ مريم)» صفةً لعيسى، إذ قد أَجْمَعَ الناسُ على كَتْبِهِ دونَ ألفٍ، وأمَّا على البدل أو عطفِ البيان فلا يجوزُ أن يكونَ «ابنُ مريم» صفةٌ لعيسى؛ لأنَّ الاسمَ هنا لم يُرَدْ به الشخصُ. هذه النزعةُ لأبي عليّ، وفي صدرِ الكلام نظَرٌ)) انتهى. قلتُ: فقد حَتَّمَ كونَه صفةً لأجلٍ كْبِهِ بدونِ ألف، ثم قال: ((وأمَّا على البدلِ أو عطفِ البيان فلا يكونُ ابنُ مريم صفةً لعيسى)) يعني بدلَ عيسى من المسيحِ، فَجَعَلَهُ غيرَ صفةٍ له مع وجودٍ الدليل الذي ذكره وهو كُتْبُه بغيرِ ألف. وقد مَنَع أبو البقاء(٢) أن يكونَ «ابنُ مريم)) بدلاً أو صفة لعيسى قال: ((لأنَّ ابنَ مريم ليس باسمٍ، ألا ترى أنَّك لا تقولُ: ((هذا الرجلُ ابنُ عمرو)) إلا إذا كان قد عَلِقَ عليه علماً)) قلت: وهذا التعليلُ الذي ذكره إنما ينهَضُ في عَدَمِ كَوْنِهِ بدلًا، وأمَّا كونُه صفةً فلا يمنعُ ذلك، بل إذا كان اسماً امتنع كونُه صفةً، إذ يصيرُ في حكمِ الأعلامِ، والأعلامُ لا تُوصَفُ به، ألا ترى أنك إذا سَمَّيْتَ رجلاً بابن عمرو امتنعَ أن يقعَ ((ابن عمرو)) صفةً والحالة هذه. وقال الزمخشري: (٣) ((فإنْ قلت: لِمَ قيل ((اسمُ المسيح عيسى ابن (١) المحرر ٨٨/٣. (٢) الإملاء ١٣٤/١. (٣) الكشاف ٤٣٠/١. ١٧٥ - آل عمران - مريم، وهذه ثلاثةُ أشياءَ: الاسمُ منها عيسى، وأمَّا المسيحُ والابنُ فَلَقَبْ وصفةٌ؟ قلت: الاسمُ للمُسَمَّى علامةٌ يُعْرَفُ بها ويتميِّزْ مِنْ غِيرِهِ، فكأنه قيل: الذي يُعْرف ويتميَّزَ مِمِّنْ سواه بمجموعٍ هذه الثلاثةِ)) انتهىْ فَظَهَرَ من كلامِه أَنَّ مجموعَ الألفاظ الثلاثةِ إخبار (١) عن اسمِهِ، بمعنى أنَّ كلَّ منها ليس مستقلاً بالخبرية بل هو من باب: هذا حلوٌ حامِض، وهذا أَعْسَرُ يَسَرٌ (٢) ونظيرُهُ قولُ الشاعر: (٣) ١٢٨٥- كيف أصبحْتَ كيف أمسَيْتَ مِمَّا يزرعُ الوُدَّ في فؤادِ الكريم أي: مجموعُ كيف أصبحْتَ، وكيف أمسيْتَ، فكما جاز تعدُّدُ المبتدأ. لفظاً مِنْ غيرِ عاطف والمعنى على المجموعِ فكذلك في الخبرِ، وقد أَنْشَدْتُ عليه أبياتاً كقوله(٤): ١٢٨٦_ فهذا بَنِّي مُقَيِّظٌ مُصَيِّفْ مُشَئِّي وقد زعم بعضهم أنّ («المسيح)) ليس باسمِ لقبٍ له بل هو صفةٌ كالضارب والظريف، قال: ((وعلى هذا ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، إذ المسيح صفة لعيسى والتقدير: اسمُه عيسى المسيحُ)). وهذا لا يجوزُ، أعني تقديمَ الصفةٍ على الموصوفِ، لكنه يعني هو صفةٌ له في الأصل، والعربُ إذا قَدَّمَتْ ما هو صفةٌ في الأصل جُعَلوه مبنيًّاً على العاملِ قبلَه وجعلوا الموصوفَ بدلاً مِنْ صفتِهِ في الأصلِ نجو قولِه(٥): (١) الأصل: اخبارا وهو سهو. (٢) أعسر يسر: يعمل بكلتا يديه. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الخصائص ٢٩٠/١؛ وأمالي السهيلي ١٥٢؛ ورصف المباني ٤١٤؛ والهمع ١٤٠/٢؛ والدرر ١٩٣/٢. (٤) البيت لرؤية وهو في ملحق ديوانه ١٨٩ وتمام الأول: مَنْ يَكُ ذا بَتّ والأشموني ٢٢٢/١؛ والدرر ٧٨/١، والبت: الكساء. (٥) تقدم برقم ٤٠٩. ١٧٦ - آل عمران - ١٢٨٧- وبالطويلٍ عُمْراً حَبْدَرا العُمْر الأصل: وبالعمرِ الطويلِ، هذا في المعارفِ، وأمَّا في النكراتِ فینصِبون الصفةً حالاً . وقال الشيخ: (١) ((ولا يَصِحُ أَنْ يكون ((المسيح)) في هذا التركيب صفةٌ لأن المُخْبَرَ به على هذا لُفِظَ، والمسيحُ من صفةِ المدلولِ لا من صفةِ الدالِّ، إذ لفظُ عيسى ليس المسيح، ومَنْ قال: إنهما اسمان قال: فَقُدِّمَ المسيحُ على عيسى لشهرتِهِ. قال ابن الأنباري: ((وإنَّما قُدِّمَ - بُدِىء بلقبه - لأن المسيحَ أشهرُ من عيسى لأنه قَلِّ أن يقعَ على سُمَىْ يَشْتَبِهُ به، وعيسى قد يقع على عدد كثير فقدَّمه لشهرتِهِ، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهرُ من أسمائِهِم»، فهذا يَدُلُّ على أنَّ المسيحَ عند ابن الأنباري [لقبٌ](٢) لا اسمٌ. وقال أبو إسحاق: ((وعيسى مُعَرَّبٌ من أَيْسوع وإنْ جَعَلْتَه عربياً لم تَصْرِفْهُ في معرفةٍ ولا نكرةٍ، لأنَّ فيه ألفَ التأنيث، ويكون مشتقاً مِنْ عاسَّه يَعُوسه إذا سَاسَه، وقام عليه))، وقال الزمخشري: (٣) (ومُشْتَقَّهُما - يعني المسيح وعيسى - من المَسْحِ والعَيْس كالراقمِ على الماء)». وقد تقدَّم الكلامُ على عيسى ومريم واشتقاقِهما وما ذَكَرٌ الناسُ في ذلك في سورة البقرة(٤) فَأَغْنى عن إعادته. قوله: ((وجيهاً)) حالٌ وكذلك قولُه: (ومن المقرَّبين)) وقولُه: آ. (٤٦) و((يُكَلِّمُ)) وقوله: ((من الصالحين)) فهذه أربعةُ أحوالٍ انتصبَتْ عن قوله (بكلمة))، وإنما ذَكَّر الحالَ حَمْلاً على المعنى، إذ المرادُ بها الولَدُ والمُكَوَّن، كما ذكَّر الضميرَ في ((اسمُه))، فالحالُ الأولى جيء بها على الأصلِ اسماً (١) البحر ٤٦٠/٢. (٢) سقط من الأصل سهواً، وأثبتناه من البحر. (٣) الكشاف ٤٣٠/١. (٤) البقرة آية ٨٧. ١٧٧ آل عمران - صريحاً، والباقيةُ في تأويلِهِ: فالثانيةُ جار ومجرور، وأُتِيَ بها هكذا لِوقوعِها فاصلةً في الكلامِ، ولو جِيء بها اسماً صريحاً لفاتَ مناسبةُ الفواصل، [١٤٦ /ب] والثالثة / جملةٌ فعليةٌ، وعطفُ الفعلِ على الاسمِ لتأويله به وهو كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوا إلى الطيرِ فوقَهم صافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ))(١) أي: وقابضاتٍ، ومثلُه في عَطْفِ الاسمِ على الفُعلِ لأنه في تأويلهِ قولُ النابغة: (٢) ١٢٨٨ - فأَلْفَيْتُه يوماً يُبيرُ عدوّه وبَحْرَ عطاءٍ يَسْتَخِفُّ المعابِرا ويقرب منه : (٣) ١٢٨٩- باتَ يُغَشِّيها بعَضْبِ باتِرٍ يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِها وجَائِرُ إذ المعنى: مبيراً عدوّه، وقاصدٍ، وجاءَ بالثالثةِ فعليةً لأنَّها في رتبتِها، إذ . الحالُ وصفٌ في المعنى، وقد تقدَّم أنه إذا اجتمع صفاتٌ مختلفةٌ فِي . الصراحةِ والتأويلِ قُدِّم الاسمُ ثم الظرفُ أو عديلُه ثم الجملةُ، فكذا فَعَل هنا، قَدَّمِ الاسمَ وهو ((وجيهاً)) ثم الجارّ والمجرورَ ثم الفعلَ، وأتى به مضارعاً لدلالتِهِ على التجدُّد وقتاً فوقتاً، بخلافِ الوجاهةِ فإنَّ المرادَ ثبوتُها واستقرارُها : والاسمُ مكتفِّلٌ بذلك، والجارُّ قريبٌ من المفردِ فلذلك ثَنَّى به إذ المقصودُ ثبوت تقريبه. والتضعيفُ في ((المقرّبين)) للتعديةِ لا للمبالغةِ لِمَا تقدَّم من أنَّ التضعيفَ للمبالغةِ لاَ يُكْسِبُ الفعلَ مفعولاً، وهذا قد أَكْسَبَهُ مفعولاً كما ترى بخلافٍ: ((قَطَّعْتُ الأثوابَ)) فإنَّ التعدِّيَ حاصلُ قبلَ ذلك، وجيء بالرابعةِ بقوله ((من الصالحين)) مراعاةً للفاصلةِ كما تقدَّم في ((المقرّبين))، والمعنى: أنّ الله يُبَشِّركِ بهذه الكلمةِ موصوفةً بهذه الصفاتِ الجميلةِ . (١) الآية ١٩ من الملك. (٢) ديوانه ١٣٤؛ ورصف المباني ٤١١؛ والبحر ٧٩/٧. ويبير: يهلك، والمعاير: السفن. (٣) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن عقيل ١٩٣/٢. ١٧٨ - آل عمران - وَمَنَع أبو البقاء(١) أن تكونَ أحوالاً من المسيح أو من عيسى أو من ابن مريم، قال: ((لأنها أخبارٌ والعاملُ فيها الابتداءُ أو المبتدأُ أو هما، وليس شيءٌ من ذلك يَعْمَلُ في الحال)) وَمَنَع أيضاً كونَها حالاً من الهاء في ((اسمُه)) قال: ((للفصلِ الواقِعِ بينهما، ولعدمِ العاملِ في الحال)) قلت: ومذهبُهُ أيضاً أنَّ الحالَ لا تجيءُ من المضافِ إليه وهو مرادُهُ بقولِهِ: ((ولعدمِ العاملِ)) وجاءَتِ الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالصفةِ بعدَها. وظاهرُ كلامِ الواحدي فيما نقلَّهُ عن الفراء، أنه يجوزُ أن تكونَ أحوالا من عيسى فإنَّه قال: ((والفراء(٢) يُسَمِّي هذا قطعاً كأنه قال: عيسى ابن مريم الوجيهَ، قَطَعَ منه التعريفَ» فظاهِرُ هذا يُؤْذِنُ بأنَّ ((وجيهاً)) من صفة عيسى في الأصل فَقَطِعَ عنه، والحالُ وصفٌ في المعنى. قوله: ((في الدنيا)) متعلق بوجيهاً، لما فيه من معنى الفعل. والوجيه: ذو الجاه وهو القوة والمَنْعَةُ والشرف، يقال: وَجُه الرجلُ يَوْجُه وَجَاهَةً، واشتقاقُهُ من الوجه لأنه أشرفُ الأعضاءِ، والجاه مقلوبُ منه فوزنُه عَفَل . آ. (٤٦) وقوله تعالى: ﴿في المَهْد﴾: يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: - وهو الظاهرُ - أنه متعلَّقٌ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الضميرِ في ((يُكَلِّم)) أي: يكلِّمُهم صغيراً وكهلًا، فَكَهْلًا على هذا نَسَقٌّ على هذه الحالِ المؤولةِ. والثاني: أنه ظرفٌ للتكليم كسائرِ الفَضَلات، فَكَهْلًا على هذا نسق على وجيهاً فعلى هذا يكون خمسةُ أَحوالٍ. والكَهْلُ: مَنْ بَلَغَ سنَّ الكهولةِ وأولُها ثلاثون، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثٌ وثلاثون. وقيل: أربعون، وآخرُها ستون، ثم يدخُلُ في سن الشيخوخة واشتقاقه مِنْ اكْتَهَلَ النبات: إذا علا وَأَرْبَعَ، ومنه: الكاهلُ، وقال صاحب (١) الإملاء ١٣٤/١. (٢) معاني القرآن ٢١٣/١. ١٧٩ - آل عمران - المُجْمل(١): ((اكتهل الرجلُ: وخَطه الشيب من قولهم: اكْتَهلت الروضةُ إذا عَمَّها النَّوْر، والمرأةُ: كَهْلَة)). وقال الراغب: (٢) ((والكَهْلُ مَنْ وَخَطَهِ الشيبُ، واكتهلَ النبات: إذا شارف اليُوسة مشارَفَةَ الكَهْلِ الشيبَ، وأنشد قولَ الأعشى في وصفِ روضة: (٣) ١٢٩٠ - يُضاحِكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ. مُؤَزَّرُ بعميمِ النبتِ مُكْتَهِلُ. وقد تقدَّم الكلامُ في تنقُّلِ أحوالِ الوَلَّد من لَدُنْ كونِهِ في البطن إلى شيخوختِهِ عند ذِكْرِ (غُلامِ))(٤) فلا نُعِيدُه. وقال بعضُهم: ((ما دَامَ في بَطْنِ أمه فهو جنينٌ، فإذا وُلِدَ فَولِيد، فإذا لم يَسْتَتِمَّ الأسبوع فصديعٌ، وما دام يَرْضَعُ فَهُوَ رضيع، ثم هو فطيم عند الفِظام، وإذا لم يَرْضَعُ فَمَحوش(٥)، فإذا دَبَّ فدارج، فإذا سقطت رواضعُه فَتَّغُور، فإذا نَبَتَتْ بعد إسقاطِهِ فَمَثْغور ومَتْغور، فإذا جاوَزَ العشرَ فمترعرِعٌ وناشِىء، فإذا لم يبلُغ الحُلُمَ فيافعٌ ومراهق، فإذا احتلَمَ فَحَزَوُرٌ، والغلامُ يُطْلَقُ عليه في جميعِ أحوالِهِ بعد الولادة، فإذا اخضرَّ شاربُهُ وسالَ عِذَارُهُ فباقِلٌ، فإذا صارَ ذا لحيةٍ ففَتِيٍّ وشارِخٌ، فإذا مَا كَمَلَتْ لحيته فمتَجَمِّع، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شاب، ومن الأربعين إلى ستين كهل)) ولأهل [١٤٧/أ] اللغةِ عباراتٌ مختلفة / في ذلك، هذا أشهرُها. (١) وهو أبو الحسين أحمد بن فارس المتوفى ٣٩٥. انظر: كشف الظنون ١٦٠٤/٢. (٢) المفردات ٤٦٠. (٣) ديوانه ٥٧؛ ومشكل ابن قتيبة ١٣٦؛ وشرح المعلقات للتبريزي ٤٨٨. ويضاحك الشمس: يدور معها، والكوكب هنا: الزهر، ومؤزر من الإِزار، والشرق: الممتلىء ماء. (٤) انظر إعرابه للآية ٤٠ من آل عمران. (٥) كذا في الأصل، ولم أجدها في كتب اللغة، وإنما وجدت: جحوش. ١٨٠