Indexed OCR Text

Pages 141-160

- آل عمران -
والوجه الثاني: أن الباءَ ليست زائدةً، بل هي على حالها، ويكون
المرادُ بالقَبول هنا اسماً(١) لِما يُقْبل به الشيءُ نحو: ((اللَّدود))(٢) لِما يُلَدُّ به،
والسَّعوطِ: لما يُسْعَطُ به، والمعنى بذلك اختصاصهُ لها بإقامتها مقامَ الذَكَرِ في
النَّذْر.
وقوله: ((وأَنْبَتَها نباتاً)) نبات أيضاً مصدرٌ على غير الصدر؛ إذ القياسُ:
إنبات .. وقيل: بل هو منصوبٌ بمضمرٍ موافقٍ له أيضاً تقديرُه: فنبتَتْ نباتاً
حسناً.
وقوله: ((وكَفَّلها)) قرأ الكوفيون (٣): ((وكَفَّلَها)) بتشديد العين، (زكريا))
بالقصر، إلا أبا بكر (٤) فإنه قرأه بالمدِّ كالباقين، ولكنه يَنْصِبُه، والباقون يرفعونه
كما سيأتي .
وقرأ مجاهد(٥): ((فتقبَّلْها)) بسكون اللام، ((ربَّها)) منصوباً، و((أنبتِها))
بكسر الباء وسكون التاء، و((كَفِّلْها)) بكسر الفاء وسكون اللام، وقرأ أُبَيٍّ :
((وأَكْفَلَها)) كـ ((أَكْرَمَها)) فعلًا ماضياً. وقرأ عبد الله (٦) المزني ((وكَفِلَها)) بكسر الفاء
والتخفيف.
فأمَّا قراءةُ الكوفيين فإنهم عَدُّوا الفعلَ بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما
(١) الأصل: ((اسم)) وهو سهو.
(٢) اللدود: ما يصب بالمسعط من الدواء في أحد شقي الفم.
(٣) أي عاصم وحمزة والكسائي؛ السبعة ٢٠٤؛ الكشف ٣٤١/١.
(٤) وهو الراوي الثاني عن عاصم.
(٥) البحر ٤٤٢/٢؛ القرطبي ٧٠/٤؛ الكشاف ٤٢٧/١.
(٦) عبدالله بن مغفل المزني له صحبة، سكن البصرة. انظر: الإصابة ٢٤٢/٤؛ أسد الغابة
٣٩٨/٣. ونسب هذه القراءة في الشواذ ٢٠ إلى رواية عن ابن كثير. وانظر: البحر
٤٤٢/٢.
١٤١

- آل عمران -
(زكريا» فَمَنْ قَصَره كالأخوين وحفص كان عنده مقدَّر النصبِ، ومن مدَّه كأبي
بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة، وهكذا قَرَأْتُه.
وأمَّا قراءة بقية السبعة فَكَفَلَ مخففٌ عندهم متعدٍّ لواحد وهو ضمير
مريم، وفاعله ((زكريا))، ولا مخالفةَ بين القراءتين؛ لأنَّ الله لَمَّا كَفَّلها إياهِ كَفَلها،
وهو في قراءتهم ممدودٌ مرفوعٌ بالفاعلية.
وأمَّا قراءةُ ((أَكْفَلَها)) فإنه عَدَّاه بالهمزة كما عَدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو:
[١٤٢/أ] خَرَّجْته / وأَخْرجته، وكَرَّمته وأَكْرمته، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى
والإِعراب، فإنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمفعولُ الأول هو ضمير مريم والثاني
هو («زكريا)).
وأمَّا قراءة: ((وكَفِلها)) بكسر الفاء فإنها لغةٌ فِي كَفَلَ، يقال: كَفَلَ يَكْفُل،
كَقَتَلِ يقْتُل، وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلَ كَعَلِمَ يَعْلَم، وعليها هذه القراءة،
وإعرابُها كإعرابٍ قراءةِ الجماعة في كون ((زكريا)) فاعلًاً.
وأَمَّا قراءةُ مجاهد فإنها كلَّها على لفظِ الدعاءِ مِنْ أُمِّ مريم لله تعالى بأَنْ
يفعلَ لها ما سألته. و(ربَّها)) منصوب على النداء أي: فتقبّلْها يا ربِّها وأَنْبِتها
وكَفِّلْها يا ربَّها. و((زكريا)) في هذه القراءةِ مفعولٌ ثانٍ أيضاً كقراءةِ الكوفيين.
وقرأ(١) حفص والأخوان: ((زكريا)) بالقَصْرِ حيث وَرَدَ في القرآن، وباقي
السبعة بالمدِّ، والمدُّ والقصرُ في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهلٍ
الحجاز. وهو اسمُ أعجمي فكانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقولوا فيه: مُنِعَ من الصرفِ
للعلَميَّة والعُجْمة كنظائره، وإنما قالوا: مُنع من الصرف لوجود ألف التأنيث
فيه: إمَّا الممدودةِ كحَمْراء أو المقصورةِ كَحُبْلى، وكأن الذي اضطرهم إلى
(١) السبعة ٢٠٤؛ الكشف ٣٤١/١؛ القرطبي ٣٤١/١.
-
١٤٢

- آل عمران -
ذلك أنهم رأَوْهُ ممنوعاً معرفةً ونكرةً، قالوا: فلوكان منعُه العلمية والعجمة
لا نصرفَ نكرةٌ لزوالٍ أحدٍ سَبَبَيْ المنع، لكن العرب منَعَتْهُ نكرةً، فَعَلِمْنَا أنَّ
المانعَ غيرُ ذلك، وليس معنا هنا ما يصلُح مانعاً من صرفه إلا ألفُ التأنيث،
يَعْنُون التشبيهَ بألف التأنيث، وإلّ فهذا اسم أعجمي لا يُعْرف له اشتقاقٌ حتى
يُدَّعى فيه أن الألفَ فيه للتأنيث. على أن أبا حاتم قد ذهب إلى صرفه نكرةً،
وكأنه لَحَظَ فيه ما قَدَّمتْهُ من العجمة والعلمية لكنهم غَلَّطوه وخَطّؤْوه في ذلك.
وقال الفارسي(١) فَأَشْبع فيه القول: ((لا يخلو من أن تكونَ الهمزة فيه:
للتأنيث أو للإِلحاق أو منقلبةً، ولا يجوز أن تكونَ منقلبةً؛ لأنَّ الانقلاب لا يخلو
من أن يكونَ من حرفٍ أصلي أو من حرفِ الإِلحاق، ولا يجوزُ أَنْ يكون من
حرف أصلي لأنَّ الياء والواو لا يكونان أصلاً فيما كان على أربعة أحرف،
ولا أَنْ يكونَ من حرف الإِلحاق لأنه ليس في الأصولِ شيءٌ يكونُ هذا ملحقاً
به وإذا ثبت ذلك ثَبَتَ أنها للتأنيث، وكذلك القولُ في الألف المقصورة)).
وهذا الذي قاله أبو علي صحيحٌ لوكان فيما يُعْرَفُ له اشتقاقٌ وَيَدْخله
تصريفٌ، ولكنهم يُجْرون الأسماء الأعجمية مُجْرى العربية بمعنى أن هذا
لو وَرَدَ في لسانِ العرب كيف يكون حكمُهُ؟
وفيه بعد ذلك لغتان أُخْرَيان، إحداهما: زَكَرِيُّ بياء مشددة في آخره
فقط دونَ ألف، وهو في هذه اللغة منصرف. ووجَّهَ أبو علي ذلك(١) فقال:
((القولُ فيه أنه حُذِفَ منه الياءان اللتان كانتا فيه ممدوداً ومقصوراً وما بعدهما
وأَلْحَقَ ياءي النسب)) قال: ((يَدُلُّ على ذلك صَرْفُ الاسم، ولو كانت الياءان
هما اللتان كانتا فيه لوجب أن لا ينصرفَ للعجمة والتعريف)»، وهذه اللغةُ التي
(١) الحجة (خ) ٣٤٠/٢.
١٤٣

- آل عمران -
ذكرتُها لغةُ أهلِ نجدٍ ومَنْ والاهم. والثانية: ((زَكْرِ)) بزنة عَمْرٍو، حكاها
الأخفش)»(١).
والكَفالَةُ: الضمان في الأصلِ، ثم يستعار للضم والأخذ، يقال منه:
كَفَلِ يكفُل، وكَفِلَ يكفّل ـ كعَلِمَ يعلَم - كَفالة وكَفْلا فهو كافِلٌ وكفيل.
قوله: ((المحرابَ)) فيه وجهان مشهوران، أحدهما وهو مذهب سيبويه(٢)
أنه منصوبٌ على الظرف، وشدَّ عن سائر إخوانه بعد ((دخل)) خاصة، يعني أن
كلِّ ظرفٍ مكان مختص لا يصل إليه الفعلُ إلا بواسطة ((في)) نحو: ((صَلَّيْت
في المحراب)) ولا تقول: المحرابَ، ونمت في السوق، ولا تقول: السوقَ،
إلا مع ((دخل)) خاصة، نحو: دَخَلْتُ السوقَ والبيت، وإلا ألفاظاً أُخَرَ ذكرْتُها
في كتب النحو. والثاني: مذهب الأخفش، وهو نصبُ ما بعد (دخل)) على
المفعول به لا على الظرف، فقولك: ((دخلت البيت)) كقولك: ((هَدَمْتُ البيت»
في نصب كلٌّ منهما على المفعول به. وهو قولٌ مرجوحٌ بدليل أنَّ ((دخل))
لو سُلِّط على غير الظرف المختص وجب وصولُه بوساطةِ ((في)) تقول: ((دخلْتُ
في الأمر)) ولا تقول: دخلت الأمر، فدلَّ ذلك على عدم تعذِّيه للمفعول به
بنفسه .
والمحراب: قال أبو عبيدة: (٣) (هو أشرف المجالس ومقدَّمُها،
وهو كذلك من المسجدِ)). وقال أبو عمرو بن العلاء: ((هو القَصْرُ لعلّوّه
وشَرَفِه)). وقال الأصمعي: ((هو الغرفةُ))، وأنشد لامرىء القيس: (٤)
(١) لم يحك في ((معاني القرآن)) غير لغة المد والقصر. انظر: المعاني ٢٠٠.
(٢) الكتاب ١٥/١.
(٣) مجاز القرآن ٩١/١.
(٤) ديوانه ٣٤؛ واللسان: حرب. ومحاريب أقيال: غرف ملوك حمير.
١٤٤

- آل عمران -
١٢٤٦ - وماذا عليه أَنْ ذكرتُ أوانساً كغِزْلانِ رملٍ في محاريبِ أَفْيالٍ
قالوا: معناه في غُرَفِ أقيال. وأنشد غيرُه لعمر بن أبي ربيعة: (١)
١٢٤٧ - رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جتُها لم أَدْنُ حتى أَرْتَقِي سُلَّما
وقيل: هو المحرابُ من المسجدِ المعهودِ وهو الأليقُ بالآية.
وأمّا ما ذكرْتُه عمَّن تقدَّم فإنما يَعْنُون به المحرابَ مِنْ حيث هو، وأمَّا في هذه
الآية فلا يَظْهَرُ بينهم خلافٌ [في] أنه المحرابُ المتعارَفُ، قيل: واشتقاقه من
الحَرْب لتحارُبِ الناس عليه.
وأمال(٢) ابن ذكوان عن ابن عامر ((المحراب)) في هذه السورة
موضعين(٣) بلا خلافٍ، لكونه قَوِيَ فيه سببُ الإِمالة، وذلك أن الألف تقدَّمَها
كسرةٌ وتأخَّرت عنها كسرةٌ أخرى فقَوِيَ داعي الإِمالة، وهذا بخلاف
/ ((المحراب)) غيرِ المجرور فإنه نُقِلَ عن ابن ذكوان فيه الوجهان: الإمالةُ [١٤٢/ب]
وعدمُها نحو قوله: ((إذ تَسَوَّروا المحراب))(٤)، فوجهُ الإِمالة تقدُّمُ الكسرة،
ووجهُ التفخيمِ أنه الأصلُ، وقد تقدَّم لك الفرقُ بين كونِهِ مجروراً فلم يُخْبَرْ عنه
فيه خلاف وبين كونِهِ غيرَ مجرورٍ فجرى فيه الخلافُ، وكذلك جرى عنه
الخلاف أيضاً في ((عمران)) لِما ذكرْتُ لك من تقدُّم الكسر.
قوله: ((وجد عندها رزقاً)) هذه ((وَجَدَ)) بمعنى أصاب ولقي وصادف
فتتعدَّى لواحدٍ وهو ((رزقاً))، و((عندَها)) الظاهرُ أنه ظرفٌ للوِجْدَان. وأجاز
(١) البيت لوضاح اليمن وليس لعمر، وهو في معاني القرآن للزجاج ٤٠٦/١؛ والجمهرة
٢١٩/١؛ واللسان: حرب؛ والقرطبي ٧١/٤. وانظر في ترجمة وضاح: الأغاني
٢٠٩/٦.
(٢) الكشف ١٧٢/١.
(٣) الموضع الثاني: ((يُصَلِّي في المحراب)) الآية ٣٩.
(٤) الآية ٢١ من ص .
١٤٥

- آل عمران :-
أبو البقاء(١) أن يكونَ حالاً من ((رزقاً)) لأنه يصلُح أن يكونَ صفةً له في
الأصل، وعلى هذا فِيتعلَّقُ بمحذوف، و((وَجَدَ)» هو الناصبُ لكلما، لأنها
ظرفيةٌ، وقد تقدَّم تحقيقُه. وأبو البقاء(٢) سَمَّاه جوابها؛ لأنها عنده تشبه الشرطَ
كما سيأتي .
قوله: ((قال: يا مريم)» فيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنف، قال
أبو البقاء: (٣) ((ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلا من «وَجَدَ» لأنه ليس بمعناه)). والثاني:
أنه معطوفٌ بالفاء، فَحُذِفَ العاطِفُ، قال أبو البقاء: (٤)(كما حُذِفَتْ في جواب
الشرط كقوله: ((وإنْ أَطَعْتُموهم إنَّكم لمشركون))(٥)، وكذلك قولُ الشّاعر(٦)
١٢٤٨- مَنْ يفعلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكرها
وهذا الموضِعُ يُشْبِهُ جواب الشرط؛ لأنَّ ((كلما)» تُشْبه الشرط في اقتضائِها
الجواب)) انتهى. قلت: وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنه تخيَّل أنَّ قوله
تعالى ((وإِنْ أطعتموهم)) أنَّ جواب الشرط هو نفس ((إنكم لمشركون)) حُذفت
منه الفاء، وليس كذلك، بل جوابُ الشرط محذوفٌ، و(إنكم لمشركون)»
جوابُ قسمٍ مقدر قبل الشرط، وقد تقدَّم تحقيقُ هذه المسألة، فلس هذا مِمَّا
حُذِفَتْ منه فاءُ الجزاء البتّةَ، وكيف يَدَّعي ذلك ويُسَوِّيه بالبيت المذكور
وهو لا يجوز إلا في ضرورة، ثم الذي يَظْهَرُ أنَّ الجملةَ من قوله: ((وَجَدَ)) في
محلِّ نَصبٍ على الحال من فاعل ((دخل))، ويكون جوابُ ((كلما)) هو نفسّ
(١) الإملاء ١٣٢/١.
(٢) الإملاء ١٣٢/١.
(٣) الإِملاء ١٣٢/١.
(٤) الإملاء ١٣٢/١.
(٥) الآية ١٢١ من الأنعام.
(٦) تقدم برقم ١٤٠.
١٤٦

- آل عمران -
((قال)) والتقدير: كلما دخل عليها زكريا واجداً عندها الرزقَ قال، وهذا بيِّنْ
جداً. ونَكَّر ((رزقاً) تعظيماً له أو ليدلَّ به على نوعٍ ما منه.
قوله: ((أنَّى لكِ هذا)) أنَّى خبر مقدم، و((هذا)) مبتدأ مؤخر، ومعنى
(أنى)) هنا: مِنْ أين، كذا فَسَّرها أبو عبيدة(١)، وقيل: ويجوز أن يكون سؤالاً
عن الكيفية أي: كيف تهيًَّ لك هذا، قال الكميت: (٢)
١٢٤٩ - أنَّى ومِنْ أين آبَكَ الطربُ مِنْ حيثُ لا صبوةٌ ولا رِيَبُ
وجَوَّزَ أبو البقاء (٣) في ((أَنَّى)) أن ينتصِبَ على الظرف بالاستقرار الذي
في ((لك))، و((لك)) رافع لـ((هذا)) يعني بالفاعلية ولا حاجة إلى ذلك. وقد
تقدَّم الكلام على ((أَنَّى)) في البقرة (٤).
(إنَّ الله يرزقُ من يشاء)) تقدَّم نظيرُه، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ مستأنفاً [مِنْ
كلامِ اللَّهِ تعالى، وأن يكونَ من كلامٍ مريم فيكونَ منصوباً](٥).
آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿هنالِكَ دَعَا﴾: ((هنا)» هو الاسمُ واللامُ للبعد
والكافُ حرفُ، وهو وِزانُ ((ذلك))، وهو منصوبٌ على الظرفِ المكاني بـ ((دعا))،
أي: في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى مِنْ أَمْرٍ مريم، وهو ظرفٌ
لا يتصرُّفُ بل يلزم النصب على الظرفية، وقد يُجَرُّ بـ ((مِنْ)) و((إلى)) قال
الشاعر: (٦)
(١) مجاز القرآن ٩١/١.
(٢) الهاشميات ٣١؛ ومشكل ابن قتيبة ٥٢٥؛ والطبري ٤١٥/٤؛ والقرطبي ٧٢/٤.
وآبك: ويلك.
(٣) الإملاء ١٣٢/١.
(٤) الآية ٢٢٣ من البقرة.
(٥) ما بين معقوفين أصابه الخرم في الأصل.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في المنصف ٢//١٥٦؛ وابن يعيش ١٣٨/٣؛ واللسان ((هنا))؛
والممتع ٤٠٠؛ والهمع ٧٨/١؛ والدرر ٥٢/١. وفاعل وردت يعود على الإبل.
١٤٧

- آل عمران : -
مِنْ ههنا ومِنْ هُنَّهْ
١٢٥٠- قد وَرَدَتْ مِنْ أَمْکِنْهْ
وحكمه حكمُ ((ذا)) مِنْ كونِهِ يُجَرِّد من حرف التنبيه ومن الكاف واللام
نحو: هنا، وقد تصحبه ((ها)) التنبيه نحو: ههنا، ومع الكافِ قليلاً نحو:
(ها هناك))، ويمتنعُ الجمعُ بين ها واللام. وأخواتُهُ: هَنَّ بتشديد النون مع فتح
الهاء وكسرها، وثَمَّ بفتح التاء، وقد يقال هَنَّتْ، ولا يُشار بهذه إلا للبعيد
خاصة، ولا يشار بهنالك وما ذُكِرَ معه إلا للأمكنة.
وقد زعم بعضُهم أنَّ ((هناك)) و((هنالك)) و((هَنَّا» للزمان، فَمِنْ ورودِ
((هنالك)) بمعنى الزمان عند بعضِهم هذه الآية أي: في ذلك الزمان، ومثلُّه:
((هنالِكَ ابْتُلِيَ المؤمنون)»(١) ومنه قولُ زهير: (٢)
١٢٥١ - هنالك إِنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا
والظاهر أنه على مكانِيَّتِهِ. ومن ورود ((هناك)) قوله: (٣)
فهناك يعترفون أين المفزّاعُ
١٢٥٢ - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشابَهَتْ
ومن ورود هنَّا قوله: (٤)
١٢٥٣ - حَنَّتْ نَوارِ ولاتَ هَنَّا حَنَّتِ
وبدا الذي كانت نوارٍ أَجَنَّتِ
(١) الآية ١١ من الأحزاب.
(٢) ديوانه ١١٢ وعجزه :.
وإن يُسْأَلُوا يُعْطوا وأن يَيْسِروا يُغْلُوا
الخصائص ٩٨/١؛ واللسان: خبل. ويستخبلوا: تستعار إبلهم ليشرب لبنها،
ويخبلوا: يتكرموا في الشدة، وييسروا: يقامروا بالميسر، ويغلوا: يأخذوا الغالي منها ..!
(٣) البيت للأفوه الأودي، وهو في ديوانه ٧؛ والعيني ٤٢١/١؛ والهمع ٧٨/١؛ والذرر
٥٢/١.
(٤) البيت الشبيب بن جعيل أو حجل بن نضلة، وهو في ابن يعيش ١٥/٣؛ والهمع
٧٨/١؛ والخزانة ١٥٦/٢؛ والدرر ٥٢/١. وأجنت: سترت.
١٤٨

- آل عمران -
لأن ((لات)) لا تعمل إلا في الأحيان، وفي البيت كلامٌ أطولُ من هذا.
وفي عبارة السجاوندي أن ((هناك)) في المكان و ((هنالك)» في الزمان، وهو سھٌ،
لأنها للمكان سواءً تجردت أم اتصلت بالكاف واللام معاً أم بالكاف دون
اللام.
قوله: ((مِنْ لَدُنْكَ)) يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق بـ ((هَبْ))
وتكونُ ((مِنْ)) لابتداء الغاية مجازاً أي: هَبْ لي من عندِك، ويجوز أن تتعلق
بمحذوفٍ على أنه في الأصل صفةٌ لذرية، فلما قُدِّم عليها انتصبَ حالاً. وقد
تقدَّم الكلامُ على لدن وأحكامِها ولغاتِها. وقوله: ((سميع الدعاء)) مثالُ مبالغة
مُحَوَّل من ((سامِع)) وليس بمعنى ((مُسْمِع)) لفسادِ المعنى.
وقوله ((طَيِّبة)) إِنْ أرادَ بـ ((ذرية)) الجنسَ فيكونُ التأنيثُ في «طيبة)) باعتبارِ
تأنيثِ الجماعة، وإنْ أرادَ به ذَكَراً واحداً فالتأنيث باعتبارِ اللفظ. قال
الفراء: (١) ((وأَنَّث ((طيبة)) التأنيثِ لفظِ ((الذرية)) كما قال الشاعر: (٢)
١٢٥٤ - أبوكَ خليفةٌ وَلَدَتْهُ أخرى وأنت خليفةٌ، ذاك الكمالُ
وهذا فيما لم يُقْصَدُ به واحدٌ معيّنٌ، أمَّا لوقُصِدَ به واحدٌ معيَّنَ امتَنَعَ
اعتبارُ اللفظِ نحو: طلحة وحمزة، وقد جَمَعَ الشاعرُ بين التذكير والتأنيث في
قوله(٣) :
١٢٥٥ - فما تَزْدَري من حَيَّةٍ جَبَلِيَّة سُكاتٍ إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدَا
لأنَّ المرادَ بحيَّة اسمُ الجنسِ لا واحدٌ بعينه.
(١) معاني القرآن ٢٠٨/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للفراء ٢٠٨/١، واللسان: خلف.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الطبري ٣٦٢/٦؛ والبحر ٤٤٥/٢؛ واللسان: سكت. وحيَّة
سكات: إذا لم يشعر بها الملسوع حتى تلسعه، والدَّرَد: ذهاب الأسنان.
١٤٩

- آل عمران :-
آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿فنادَتْه الملائكة﴾: قرأ الأخَوان(١): ((فناداه]
من غيرِ تاء تأنيث، والباقون: ((فنادَتْه)) بتاء التأنيث. والتذكيرُ والتأنيث باعتبار
الجمع المكسر، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكيرُ باعتبار الجمع، والتأنيثُ
باعتبار الجماعة، ومثل هذا: ((إذ يَتَوفَّى الذين كفروا الملائكة))(٢) يُقرأ بالتّاء
والياء، وكذا قوله: (تَعْرُج الملائكة)(٣). قال الزجاج(٤): ((يَلْحقها التأنيثُ
اللفظ الجماعة، ويجوزُ أَنْ يُعَبِّر عنها بلفظ التذكير لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة،
وهذا كقوله: ((وقال نسوةٌ﴾(٥) انتهى وإنما حَسِّنَ الحذفَ هنا الفصلُ بين الفعلِ
وفاعله .
· وقد تَجَرَّأ بعضُهم على قراءة العامة فقال: ((أكرهُ التأنيث لِمَا فيه من
موافقة دعوى الجاهلية؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث. وتجرأ
[١٤٣/أ] / أبو البقاء (٦) على قراءة الأخوين فقال: ((وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة
الجاهلية، فلذلك قرأ مَنْ قرأ: («فناداه)» بغير تاءٍ، والقراءةُ به غيرُ جيدة (٧) لأنَّ
الملائكةَ جمعٌ، وما اعتلُّوا به ليس بشيء، لأنَّ الإِجماع على إثبات التاء في
قوله: ((وإذ قالت الملائكة))(٨). وهذان القولان الصادران من أبي البقاء وغيره
ليسا(٩) بجيدين، لأنهما قراءتان متواترتان، فلا ينبغي أن تُرَدّ إحداهما البتّةِ.
(١) السبعة ٢٠٥؛ والكشف ٣٤٢/١.
(٢) الآية ٥٠ من الأنفال، وابن عامر قرأ بالتاء. السبعة ٣٠٧.
(٣) الآية ٤ من المعارج، والكسائي قرأ بالياء. السبعة ٦٥٠.
(٤) معاني القرآن ٤٠٨/١.
(٥) الآية ٣٠ من یوسف.
(٦) الإملاء ١٣٣/١.
(٧) في المطبوعة: ((والقراءة به جيدة)) ولعلها مقصود أبي البقاء فتكون ((غير)) مقحمة.
(٨) الآية ٤٢ من آل عمران. وهنا ينتهي قول أبي البقاء.
(٩) الأصل: ((ليس بجيد)) وهو سهو لأن المبتدأ مثنى.
١٥٠

- آل عمران -
والأخَوان على أصلِهما مِنْ إمالةِ ((فناداه))(١)، والرسمُ يَحتمل القراءتين
معاً أعني التذكير والتأنيثُ.
والجمهورُ على أنَّ الملائكةَ المرادُ بهم واحدٌ وهو جبريلُ. قال
الزجاج: (٢) ((أتاه النداء من هذا الجِنس الذين هم الملائكةُ كقولك: ((فلان
يركب السفنَ)) أي: هذا الجنسَ)) ومثلُه: (الذين قال لهم الناس))(٣) وهم
نعيم بن مسعود. وقوله ((إنَّ الناس)) يعني أبا سفيان، ولَمّا كان جبريل رئيسَ
الملائكة أَخْبَرَ عنه إخبارَ الجماعة تعظيماً له. وقيل: ((الرئيس لا بُدَّ له من
أتباع، فلذلك أَخْبَر عنه وعنهم، وإنْ كان النداءُ إنما صدر منه))، ويؤيِّدُ كونَ
المنادى جبريلَ وحدَه قراءةُ عبدِ الله (٤)، وكذا في مصحفه: ((فناداه جبريل))،
والعطفُ بالفاء في قوله: ((فنادَتْهُ)) مُؤْذِنٌ بأنَّ الدعاء مُعْتَقِبٌ بالتبشير.
قوله: ((وهو قائمٌ)) جملةٌ حالية من مفعولِ النداء، و(يصلي)» يحتمل
أوجها، أحدها: أن يكونَ خبراً ثانياً عند مَنْ يرى تعدُّدَهُ مطلقاً نحو: ((زيدٌ
شاعرٌ فقيه)). الثاني: أنه حالٌ ثانية من مفعول النداء، وذلك أيضاً عند مَنْ
يُجَوِّز تعدُّدَ الحال. الثالث: أنه حالٌ من الضمير المستتر في ((قائم)) فيكونُ
حالاً من حال. الرابع: أن يكونَ صفةً لقائم.
قوله: ((في المحرابِ)) متعلقُ بُيُصَلِّ، ويجوزُ أنْ يتعلَّقَ بقائم إذا جَعَلْنا
(يُصَلِّي)) حالاً من الضمير في ((قائم))؛ لأنَّ العامِلَ فيه حينئذٍ وفي الحالِ شيءٌ
واحدٌ فلا يلزَمُ منه فصلٌ، أمَّا إذا جَعَلْنَاه خبراً ثانياً أو صفةً لقائم أو حالاً من
المفعولِ لَزِمَ الفصلُ بين العامِلِ ومعمولِه بأجنبي، هذا معنى كلامٍ
(١) السبعة ٢٠٥.
(٢) معاني القرآن ٤٠٨/١.
(٣) الآية ١٧٣ من آل عمران: ((الذين قال لهم الناس: إنَّ الناسَ قد جمعوا لكم)).
(٤) البحر ٤٤٦/٢.
١٥١

- آل عمران -
الشيخ(١)، والذي يظهر أنه يجوز أن تكونَ المسألةُ من باب التنازع، فإنَّ كلّ
من قائم ويصلِّي يَصِحُّ أَنْ يَتسَلَّطَ على ((في المحراب))، وذلك جائِزُ على أيِّ
وجهٍ تَقَدَّم من وجوهِ الإِعرابِ.
قوله: ((إنَّ الله) قرأ نافع وحمزة وابن عامر(٢) بكسر ((إنّ))، والباقون
بفتحها. فالكسرُ عند الكوفيين لإِجراء النداء مُجْرى القول فلْيُكْسَرْ معه، وعند
البصريين على إضمارِ القول، أي: فنادَتْهُ فقالت. والفتح على حَذْفِ حرفِ
الجر تقديرُهُ: فنادَتْهُ بأن الله، فلمَّا حُذِفَ الخافض جرى الوجهان المشهوران
في محلها.
وفي قراءة عبد الله (٣) ((فنادَتْه الملائكة: يا زكريا)) فقوله ((يا زكريا))
هو مفعولُ النداء، وعلى هذه القراءة يتعيّنُ كسرُ ((إِنَّ) ولا يجوز فتحُها لاستيفاءِ
الفعل معموليه، وهما: الضميرُ وما نُودِي به زكريا.
قوله: ((نُبَشِّرُك)) قرأ نافع(٤) وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم
- الخمسة - في هذه السورة: ((إنَّ اللّه يُبَشِّرك)) موضعان، وفي سورة
الإِسراء(٥): ((ويُبَشِّر المؤمنين))، وفي سورة الكهف (٦): ((ويُبَشِّر المؤمنين)) أيضاً
بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددةً من: بَشِّره يُبَِّره. وقرأ نافع
وابن عامر وعاصم - ثلاثتهم - كذلك في سورة الشورى(٧) وهو ((ذلك الذي
(١) البحر ٤٤٦/٢.
(٢) السبعة ٢٠٥؛ الكشف ٣٤٣/١.
(٣) البحر ٤٤٦/٢.
(٤) السبعة ٢٠٥؛ الكشف ٣٤٣/١.
(٥) الآية ٩ من الإِسراء .!
(٦) الآية ٢ من الكهف.
(٧) الآية ٢٣ من الشورى.
١٥٢

- آل عمران -
يُبَشِّر الله عباده)»، وقرأ الجميع دون حمزة كذلك في سورة براءة (١): ((يُبَشِّرهم
ربهم برحمةٍ منه)) وفي أول الحجر(٢) في قوله: ((إنَّا نُبَشِّرك بغلام عليم))(٣)،
ولا خلاف في الثاني وهو قوله: ((فَبِمَ تُبَشِّرون))(٤) أنه بالتثقيل، وكذلك قرأ
الجميع دون حمزة في سورة مريم موضعين: ((إِنَّا نُبَشِّرْك))(٥) ((لُبَشِّرَ به
المتقين))(٦)، وكلَّ مَنْ لم يُذْكَرْ مع هؤلاء - مَنْ قرأ بالتقييد المذكور - فإنه
يَقْرأ بفتح حرف المضارعة وسكونِ الباء وضَمِّ الشين.
وإذا أردت معرفة ضبطِ هذا الفصل فاعلَمْ أنَّ المواضعَ التي وقع فيها
الخلافُ المذكور تسعُ كلمات، والقرَّاءُ فيها على مراتبَ: فنافع وابن عامر
وعاصم ثَقَّلوا الجميع، وحمزة خَفَّف الجميع، وابن كثير وأبو عمرو ثَقَّلا
الجميع إلا التي في سورة الشورى فإنهما وافقا فيها حمزة، والكسائي خَفَّف
خمساً منها وثقَّل أربعاً، فخفَّف كلمتَيْ هذه السورة وكلماتِ الإِسراء والكهف والشورى.
وقد تقدَّم أن في هذا الفعل ثلاثَ لغات: ((بَشِّر)) بالتشديد، وبَشَر
بالتخفيف، وعليه ما أنشده الفراء (٧):
١٢٥٦- بَشَرْتُ عيالي إذ رأيتُ صحيفةً أَنْكَ من الحَجَّاجِ يُتْلَى كتابُها
والثالثة: (أَبْشَرْتُ)) رباعياً، وعليه قراءةُ بعضهم ((يُبْشِرُك)) بضم الياءِ(٢)،
ومن التبشير قول الآخر (٨):
(١) الآية ٢١ من براءة (التوبة).
(٢) الآية ٥٣ من الحجر.
(٣) الآية ٥٤ من الحجر.
(٤) الآية ٧ من مريم.
(٥) الآية ٩٧ من مريم.
(٦) تقدم برقم ١٠٠. وانظر معاني القرآن للفراء ٢١٢/١.
(٧) وهي قراءة حميد بن قيس. انظر: شواذ القراءات ٢٠؛ البحر ٤٤٧/٢.
(٨) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٤٧/٢.
١٥٣

ـ آل عمران -
١٢٥٧ - يا بِشْرُ حُقَّ لوجهِك التِّبْشِيرُ هَلَّ غَضِبْت لنا وأنتَ أَميرُ
وقد أُجْمِعَ على مواضعَ من هذه اللغات نحو: ((فَبَشِّرْهُمْ بعذابٍ))(١).
(وَأَبْشِروا))(٢)، ((فَبَشَّرْناها بإسحاق))(٣)، فلم يَرِدِ الخلافُ إلا في المضارعِ
دونَ الماضي والأمرِ، وقد تقدَّمَ معنى البِشارَة واشتقاقُها في سورة البقرة (٤).
قوله تعالى: ((بَيَخْیی)) متعلق بـ: يُبَشِّرُكَ، ولا بد ن حذف مضاف أي
بولادة يحيى، لأن الذواتِ ليست متعلقةً للبشارة(٥) ولا بد في الكلام من
[شيءٍ] عادَ إليه السياقُ تقديرهُ: بولادةٍ يحيى منك ومن امرأتِك، ذَلَّ على
ذلك قرينةُ الحالِ وسياقُ الكلام.
و «يحيى فيه قولان أحدُهما : - وهو المشهورُ عند أهل التفسير - أنه
منقولٌ من الفعلِ المضارع، وقد سَمُّوا بالأفعال كثيراً نحو: يعيش ويعمر
[١٤٣/ب] / ويَمُوت، قال قتادة: ((سُمِّ يَحْيى لأنَّ الله أَحياه بالإِيمان)) وقال الزجاج:
((حَبِيَ بالعلم)) وعلى هذا فهو ممنوعُ الصرف للعملية ووزن الفعل نحو: ((يزيد
ويشكر وتغلب)). والثاني: أنه أعجمي لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهرُ فامتناعُه
للعمليةِ والعجمةِ الشخصية. وعلى كلا القولين فيُجْمع على يَحْيَوْنَ بحذف
الألف نحو: ((مُوسَوْن)) بحذف الألف وبقاء الفتحة تدلَّ عليها. وقال
الكوفيون: ((إن كان عربياً منقولاً من الفعلِ فالأمرُ كذلك، وإنْ كانَ أعجمياً
ضُمَّ ما قبل الواو وكُسِر ما قبل الياء إجراء له مُجْرى المنقوص نجو: جاء
(١) الآية ٢١ من آل عمران :.
(٢) الآية ٣٠ من فصلت
(٣) الآية ٧١ من هود.
(٤): راجع إعرابه للآية ٢٥ من البقرة.
(٥) كذا في الأصل ولعل الأنسب: بالبشارة.
١٥٤

- آل عمران -
القاضون، ورأيت القاضين)) هذا نّقْلُ الشيخ(١) عنهم. ونقل ابن مالك(٢)
عنهم أن الاسم إنْ كانت ألفُه زائدةً ضُمَّ ما قبل الواو وُسِر ما قبل الياء نحو:
جاء حُبْلُون ورأيت خُبْلِين، وإن كانت أصليةً نحو: (رَجَوْن)) وجب فتح ما قبل
الحرفين، قالوا: ((فإن كان أعجمياً جاز الوجهان، لاحتمال أن تكون ألفُه
أصليةً أو زائدة، إذ لا يُعْرَفُ له اشتقاق)) ويُصَغَّر يَحْيى على ((يُحَِّى)) وأنشدت
للشيخ أبي عمرو ابن الحاجب(٣) في ذلك:
١٢٥٨ - أيُّها العالم بالتصريفِ لا زلت تُحَيًّا
إِنَّ يَحْيِى إِنْ يُصَغِّرْ فَيُحَيًّا
وأبى قومٌ وقالوا ليس هذا الرأيُ حَيّا
إنما كان صواباً أَنْ يُجيبوا بُيُحَيًّا
كيف قد رَدُّوا يُحَيًّا
والذي اختارُوا يُحَيًّا
أتراهم في ضلالٍ أم ترى وجهاً يُحيًّا
قلت: هذا جارٍ مَجْرى الألغاز في تصغيرِ هذه اللفظةِ، وذلك يختلف
بالتصريفِ والعمل، وهو أنه إذا اجتَمَع في آخر الاسم المصغّر ثلاثُ ياءات
(١) البحر ٤٣٣/٢.
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية لابن مالك ٤ /١٨٠٠.
(٣) عثمان بن عمر، له: الكافية والشافية وشرح المفصل توفي سنة ٤٤٦. انظر: الوفيات
٣١٤/١، والبغية ١٣٤/٢. والأبيات لم أعثر عليها في المظان التي عدت إليها، وقد
تصرف ابن الحاجب فيها في عدد تفعيلات فاعلاتن في البيت الواحد.
١٥٥

- آل عمران -
جَرَى فيه خلافٌ بين النحاة بالنسبة إلى الحذف والإِثبات(١) وأصلُ المسألة
تصغير ((أَحْوى))(٢) وقد أتقنت هذه الأبيات وحرَّرْتُ مذاهب التصريفين فيها
حين سُئِلت عنها في غير هذا الموضوع إذ لا يَحْتمله.
ويُنْسَبُ إلى يَحْيِى: يَحْبِيُّ بحذف الألف تشبيهاً لها بالزائد نحو:
حُبْلِيّ في: حُبْلِى، ويَحْيَويّ بالقلب لأنها أصلٌّ كألف مَلْهَويّ، أو شبيهة
بالأصل إن كان أعجمياً، ويَحْياوي بزيادة ألف قبل قلب ألفه واواً.
والنداء: رفعُ الصوت، يقال: نادى نُداءً ونِداء بضم النون وكسرها،
والأكثر في الأصوات مجيئها على الضم نحو: البكاء والصُّراخ والدُّعاء
والرُّغاءِ(٣). وقيل: المكسورُ مصدر والمضموم اسم، ولو عُكِسَ هذا لكان
أَبْيَنَ لموافقتِه نظائرَه من المصادر. وقال يعقوب بن السكيت: ((إذا ضَمَمْتَ نُونَه
قَصَرْتَه وإن كسرتها مدْدَته)) وأصلُ المادةِ يَدُلُّ على الرفع. ومنه المُنْتدى
والنادي لاجتماع القوم فيهما وارتفاع أصواتهم. وقالت قريش: دار الندوة،
لارتفاعِ أصواتهم عند المشارورة والمحاورة فيها، وفلان أَنْدى صوتاً من فلان
أي: أَرْفَع، هذا أصلُهُ في اللغةِ، وفي العُرْف صار ذلك لأحسنِهما نغماً
وصوتاً، والنَّدى: المطرُ، ومنه: نَدِيَ يَنْدَى، ويُعَبَّر به عن الجود، كما يُعَبَّر
بالمطرِ والغيثِ وأخواتِهما عنه استعارةٌ .
قوله: ((مُصَدِّقاً)) حالٌ من ((يحيى)) وهذه حالٌ مقدَّرة، وقال ابن عطية (٤):
(١). ثمة رأيان النحاة في هذه المسألة، الأول: حذف الأخيرة، فتصغير يحيى هنا: يَحُيُّ؛
والثاني: عدمُ الحذف فتصغيرها يصير: يُحِيَّى، وأما أحوى فتشبه يحيى من حيث
اجتماع الياءات الثلاث عند إضافة ياء التصغير لها وقلب الواو ياء.
انظر المسألة في: الكتاب ١٣٢/٢؛ وشرح الشافية ٢٢٦/١؛ واللسان: حوا ..
(٢) الحوة: سواد إلى الخضرة.
(٣) الرغاء: صوت ذوات الخف.
(٤) المحرر ٧٣/٣.
١٥٦

- آل عمران -
(هي حالٌ مؤكدة بحَسَب حال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام)). و((بكلمة)) متعلَّقٌ
بـ ((مصدقاً)). وقرأ أبو السَّمَّال(١): ((بكِلْمَةٍ)) بكسر الكاف وسكون اللام، وهي
لغة فصيحة، وذلك أنه أَتْبَع الفاءَ للعين في حركتها فالتقى بذلك کسرتان،
فَحَذف الثانيةَ لأجل الاستثقال. والكلمة قيل: المراد بها الجمع؛ إذ المقصودُ
التوراةُ والإِنجيل وغيرهما من كتب الله تعالى المُنَزَّلة، فَعَبَّر عن الجمعِ
ببعضه، ومثلُ هذا قوله عليه السلام: ((أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعر كلمةُ لبيد))(٢)
یریدُ قوله(٣):
١٢٥٩ - ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلُ وكلُّ نعيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ
وذُكِر لحسان رضي الله عنه الحُوَيْدِرة الشاعر فقال: ((لعن الله كلمته))
يعني قصيدته، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان عند قوله تعالى: ((إلى كلمةٍ سواءٍ))(٤).
قوله: ((مِن الله)) في محلّ جر صفة لكلمة فيتعلُّقٌّ بمحذوف أي: بكلمة
كائنة من الله. و(«سيِّداً وحصوراً ونبياً) أحوالٌ أيضاً كمصدَّقاً. والسيِّد فَيْعِل،
والأصلُ: سَيْوِدٍ فَفْعِل [به] ما فُعِل بميت، وقد تقدَّم كيفية ذلك، واشتقاقُه من
سادَ يسود سِيادة وسُؤْدُدَاً أي: فاقَ نُظَراءَه في الشرف والسُؤدد، ومنه
قولهم(٥):
١٢٦٠ - نفسُ عصامِ سَوَّدَتْ عِصَاما وَعَلَّمْه الكَرَّ والإِقداما
وصَيَّرَتَهُ بَطَلاَ هُمَاما
(١) البحر ٤٤٧/٢ .
(٢) رواه البخاري في مناقب الأنصار ٢٦؛ وابن ماجه: الأدب ٤١.
(٣) تقدم برقم ٣٨٤.
(٤) الآية ٦٤ من آل عمران.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: عصم.
١٥٧

- آل عمران :-
وقال بعضهم: سُمِّي سيِّداً لأنه يسود سواد الناس أي : عظیمهم وجُلُّهم،
وجمعُه على فَعَلة شاذ قياساً فصيح استعمالاً، قال تعالى: ((إِنَّنَا أَطَعْنَا
سادَتَنا))(١) والأصلُ: سَوْدَة، و((فَعَلة)) إنما يكثر لفاعِل نحو: كافِرٍ وكَفَرة وفاجِر
وفَجَرة وبار وبَرَرة.
والحَصور فَعُول للمبالغة مُحَوَّلٌ من ((حاصِر)) كضَرُوب في قوله(٢):
١٢٦١ - ضَروبٌ بنصْلِ السيفِ سُوقَّ سِمانِها إذا عَدِموا زاداً فإنَّكَ عَاقِرُ
وقيل: بل هو فَعُول بمعنى مفعول أي: محصور، ومثله ركوب بمعنى
مركوب وحَلوب بمعنى مَّحْلوب. والحَصُور: الذي يكتُم ◌ِرَّه. قال جرير(٣) .
حَصِراً بسِرِّكَ يا أُمَيْمُ ضَنِيناً
١٢٦٢- ولقد تَسَقَّطَني الوشاةُ فصادفوا
[وهو البخيل أيضاً](٤) قال(٥):
١٢٦٣-
لا بالحَصورِ ولا فِيهَا بِسَآرٍ
وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادة(٦)، وأصلُه مأخوذٌ من المَنْع، وذلك أن
الحَصُور هو الذي لا يأتي النساءَ: إمَّا لَطَبْعِه على ذلك وإمَّا لمغالبتِه نفسه.
و
(من الصالحين)) صفةٌ لقوله ((نبياً)) فهو في محل نصب.
(١) الآية ٦٧ من الأحزاب.
(٢). البيت لأبي طالب بن عبد المطلب، وهو في الكتاب ٥٧/١؛ وأمالي الشجري ١٠٦/٢؛
وأوضح المسالك ٢٥٢/٢؛ والهمع ٩٧/٢؛ والدرر ١٣٠/٢. وعقر الإبل: نحرها،
والسوق: ج ساق.
(٣) ديوانه ٥٧٨، واللسان: حصر؛ والبحر ٦٠/٢.
(٤) لم يظهر في المصورة عن الأصل.
(٥) البيت للأخطل وصدره: وشاربٍ مُرْبح بالكأس نادمني
وهو في ديوانه ١٦٨؛ والمحتسب ٢٤١/٢، واللسان: سار. والسأر: مَنْ لا يبقي
في الكأس شيئاً.
(٦) انظر إعرابه للآية ١٩٦ من البقرة.
١٥٨
۔۔

- آل عمران -
آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿أَنَّى يكونُ لي غلام﴾: يجوز أن تكون
الناقصة، وفي خبرها حينئذ وجهان، أحدهما: ((أنّى)) لأنها بمعنى كيف،
أو بمعنى مِنْ أين: و((لي)) على هذا تبيينُ. والثاني: أنَّ الخبرَ الجار
و ((كيف))(١) منصوبٌ على الظرف. ويجوزُ أَنْ تكونَ التامَّة فيكونُ الظرفُ
والجار كلاهما متعلَّقَيْنِ بـ («يكون)» لأنه تام، أي: كيف يحدث لي غلام، ويجوز
أن يتعلَّقَ / بمحذوفٍ على أنه حال من ((غلام)) لأنه لو تأخّر لكان صفةً له. [١٤٤/أ]
وقوله: ((وقد بَلَّغَنِيَ الكِبرُ)) جملةٌ حاليةٌ، وفي موضع آخرَ: ((وقد بَلَغْتُ
من الكِبرِ))(٢) لأنَّ ما بَلَغَكَ فقد بَلَغْتَه. وقيل: لأنَّ الحوادثَ تَطْلُب الإِنسانَ.
وقيل: هو من المَقْلوب كقوله(٣):
نجرانُ أو بُلِّغَتْ سَوْءَاتِهِمْ هَجَرُ
١٢٦٤- مثلُ القنافِذِ هَذَّاجون قد بَلَغَتْ
ولا حاجةً إليه.
وقدَّم في هذه السورة حالَ نفسه، وأخَّر حالَ امرأته، وفي مريم(٤) عَكَس،
فقيل: صدرُ الآيات في مريم مطابِقٌ لهذا التركيبِ لأنه قَدَّمَ وَهْنَ عظمِه
واشتعالَ شَيْبِهِ وخِيفَةَ مواليهِ من ورائه، وقال: ((وكَانِت امرأتي عاقراً» فلمَّا أعاد
ذِكْرهما في استفهامٍ آخر ذَكَر الكِبَر ليوافِقِ ((عِيَّا)) رؤوسَ الآي، وهو باب
مقصود في الفصاحة، والعطفُ بالواو لا يقتضي ترتيباً زمانياً، فلذلك لم يُبالُ
بتقديم ولا تأخير.
(١) أي: ((أنى)) التي بمعنى كيف.
(٢) الآية ٨ من مريم.
(٣) البيت للأخطل وهو في ديوانه ٢٠٩؛ والمحتسب ١١٨/٢؛ وأمالي الشجري ٣٦٧/١؛
والأشموني ٧١/٢؛ والهمع ١٦٥/١؛ والدرر ١٤٤/١. والهداج: مشية الشيخ.
(٤) الآية ٨ من مريم.
١٥٩

- آل عمران -
والغلامُ: الفتيُّ السنُّ من الناسِ وهو الذي ... (١) شاربُه، وإطلاقُه على
الطفلِ وعلى الكهلِ مجاز، أمَّا الطفلُ فللتفاؤل بما يُؤول إليه، وأمَّا الكهلُ
فباعتبارِ ما كانَ عليه. قالت ليلى الأخيلية(٢):
١٢٦٥- شَفاها من الداءِ العُضالِ الذي بها غلامٌ إذا هَزَّ القناةَ شَفاها
وقال بعضُهم: ما دام الولدُ في بطن أمه سُمِّي ((جنينا)). قال تعالى:
(وإذ أنتم أَجِنَّةٌ))(٣)، سُمِّي بذلك لاجتنانِه في الرَّحمِ، فإذا وُلِد سُمِّي ((صبيا)،
فإذا فُطِمَ سُمِّي ((غُلام) إلى سبع سنين، ثم سُمِّي يافعاً إلى أن يَبْلُغَ عشر
سنين، ثم يُطْلق عليه ((حَزَوَّر)) إلى خمس عشرة، ثم يصير ((قُمُدًّا)) إلى خمسٍ
وعشرين سنة، ثم ((عَنَطْنَطَا)) إلى ثلاثين قال(٤):
إذا قامَ ساوى غاربَ الفحلِ غارِبُهِ
١٢٦٦ - وبالجَعْدِ حتى صارَ جَعْداً عَنَطْنَطاً.
ثم ((حُمُلا)) إلى أربعين ثم ((كَهْلًا)) إلى خمسين، ثم ((شيخاً)) إلى ثمانين
ثم («هَمِّ)) بعد ذلك.
واشتقاق الغُلام من الغُلْمة والاغتِلام، وهو طَلَبُ النكاح، لَّمَّا كان مسيّياً
عنه أُخِذَ منه لفظُه، ويقال: ((اغتَلَم الفحلُ)) أي: اشتدَّتْ شهوتُه إلى طَلَبٍ
النكاح، واغتلَم البحر أي: هاجَ وتلاطَمَتْ أمواجه مستعار منه، وقياسُه في
القلةِ أَغْلِمة، وفي الكثرة: غِلْمان، وقد جُمع على غِلْمَة شذوذاً، وهل هذه
الصيغةُ جمعُ تكسير أم اسم جمع؟ قال الفراء: ((يقال غلامٌ بَيِّنُ الغُلُومَةُ
والغُلومِيَّة والغُلامِيَّة) قال: ((والعربُ تجعلُ مصدرَ كلِّ اسمٍ ليسَ له فعلٌ
(١) كلمة لم أتبينها في الأصل لعلها: طَرَّ.
(٢) تقدم برقم ٩٨٧.
(٣) الآية ٣٢ من النجم.
(٤) تقدم برقم ١١٠٤.
١٦٠