Indexed OCR Text
Pages 21-40
- آل عمران - وفَرِّق الزمخشري(١) بين ((نَزَّل)) و((أنزل)) على عادتِه فقال: ((فإنْ قلت: لِمَ قيل: نَزَّل الكتابَ، وأنزل التوراة والإنجيل؟ قلت: لأن القرآن نَزَل منجّماً ونَزَل الكتابان جملةً)). قال الشيخ(٢): ((قد تقدَّم الردّ على هذا القول في البقرة، وأنَّ التعديةَ بالتضعيف لا تَدُلُّ على التكثير ولا على التنجيم، وقد جاء في القرآن: أَنْزَل ونَزَّل، قال تعالى: ((وأَنْزَلْنا إليك الذِّكر))(٣) و(«نَزَّل عليك الكتاب)»(٤) ويدلُّ على أنهما بمعنى واحد قراءةُ مَنْ قرأ ما كان من ((يُنْزِّلُ)) مشدداً بالتخفيف إلا ما استْنِيَ، ولو كان أحدُهما يدلُّ على التنجيم والآخر على النزولِ دفعةً واحدةً لتناقض الإخبار وهو مُحالٌ)). قلت: وقد سَبَقَ الزمخشري إلى هذا الفرقٍ بعينه الواحديُّ. آ. (٤) قوله تعالى: ﴿مِنْ قبلُ﴾: متعلَّقٌ بَأَنْزَل، والمضافُ إليه الظرفُ محذوفٌ لفهمِ المعنى تقديرُه: مِنْ قبلِك أو من قبلِ الكتاب. والكتابُ غَلَب على القرآن كالثريا(٥). وهو في الأصْلِ مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به أي: المكتوبَ، وذكّر المنزَّلَ في قوله ((نَزَّل عليك)) ولم يذكره في قوله: ((وَأَنْزَلَ التوراةَ والإِنجيل)) تشريفاً لنبينا صلى الله عليه وسلم)). قوله: ((هُدَىَّ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المفعولِ من أجله، والعاملُ فيه أَنْزَل أي: أَنْزَلَ هذين الكتابين لأجلِ هداية. ويجوز أن يكونَ متعلقاً من حيث المعنى بنَزَّلَ وأنزل معاً، وتكونُ المسألةُ من بابِ التنازع على إعمال الثاني، والحذفُ من الأولِ تقديرُه: نَزَّلَ عليك له أي: للهدى، (١) الكشاف ٤١١/١. (٢) البحر ٣٧٨/٢. (٣) الآية ٤٤ من النحل. (٤) الآية ٣ من آل عمران. (٥) أي كالنجم على الثريا. ٢١ - آل عمران :- فَجَذَفَه، ويجوزُ أَنْ يتعلَّق بالفعلين معاً تعلُّقاً صناعياً لا على وجه التنازع، بل بمعنى أنه علةٌ للفعلين معاً، كما تقول: ((أكرمْتُ زيداً وضربْتُ عمراً إكراماً لك)) يعني أن الإكرام علةٌ للإِكرامِ وللضرب. والثاني: أن ينتَصِبَ على الحالِ من التوراةِ والانجيلِ ، ولم يُثنَّ لأنه مصدرٌ وفيه الأوجُه المشهورةُ من حَذْف المضافِ أي: ذوي هدئً أو على المبالغة بان جُعِلا نفس الھُدی أو علی جعلهما بمعنی هادیین. وقيل: إنه حال من الكتاب والتوراة والإنجيل، وقيل: حالٌ من الإِنجيل فقط وحُذِف مِمَّا قبله لدلالة هذا عليه. وقال بعضُهم: تَمَّ الكلامُ عند قولِه تعالى: ((مِنْ قبلُ، فَيُوقَّفُ عليه ويُبْتَدَأُ بقولِه ((هُدَىّ للناسِ وأَنْزِل الفرقان)) أي: وأَنْزَل الفرقانَ هدىٍّ للناس. وهذا التقديرُ غيرُ صحيحٍ لأنه يُؤدِّي إلى تقديم المعمولِ على حرفٍ النسقِ وهو ممتنعٌ، لو قلت: ((قام زيد مكتوفةً وضُرِبَتْ هندٌ)) تعني: ((وضُرِبَت هند مكتوفةٌ)) لم يَصِحَّ البتة فكذلك هذا. قوله: ((الناس)) يُحْتمل أن يتعلَّقَ بنفسِ ((هُدَى)) لأنَّ هذه المادة تتعدّى باللامِ كقوله تعالى: (يَهْدِي للتي هي أَقْوَمُ)) (١) وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لهدئًّ .. قوله: (وأَنْزَلَ الفرقانَ)) يُحْتَمل أن يرادَ به جميعُ الكتب السماوية، ولم يُجْمع لأنه مصدرً بمعنى الفَرْق كالغفران والكفران، وهو يَحْتملُ أن يكونَ مصدراً واقعاً موقع الفاعلِ أو المفعول والأولُ أظهرُ: وقال الزمخشري(٢): [١٢٥/أ] ((أو كَرَّر / ذِكْرَ القران بما هو نعتُ له ومُدِحَ مِنْ كونِه فارقاً بين الحقِّ والباطل بعد ما ذكّره باسم الجنس تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله)). قلت: قد يعتقد معتقدٌ (١) الآية ٩ من الإِسراء. (٢) الكشاف ٤١١/١. ٢٢ - آل عمران - أنّ في كلامِه هذا رَدّاً(١) لقولِه الأول حيث قال: ((إن ((نَزَّل)» يقتضي التنجيم و ((أنزل)) يقتضي الإِنزال الدَّفْعِيَّ، لأنه جَوِّز أن يُراد بالفرقان القرآنُ، وقد جاء معه (أنزل))، ولكن لا ينبغي أَنْ يُعْتَقد ذلك لأنه لم يَقُل: إنَّ ((أَنْزل)) للإنزال الدفعيِّ فقط، بل يقول إن (نَزَّل)) بالتشديد يقتضي التفريق و((أَنْزِل)) يحتمل ذلك ويَحْتمل الإِنزالَ الدفعيِّ . قوله: ((لهم عذابٌ)) يَحْتمل أنْ يرتفع ((عذابٌ)) بالفاعليةِ بالجارِّ قبلَه لوقوعه خبراً عن ((إِنَّ))، ويُحْتمل أن يرتفع على الابتداء، والجملةُ خبرٌ ((إِنَّ)) والأولُ أَوْلَى، لأنه من قبيلِ الإِخبار بما يَقْرُبُ من المفردات. وانتقام: افتعال من النِّقْمة وهي السَّطْوَةُ والتسلطُ، ولذلك عَبِّر بعضُهم عنها بالمعاقبة يقال: نَقَم ونَقِمَ، بالفتح - وهو الأفصحُ - وبالكسرٍ، وقد قُرىء بهما، وسيأتي مزيدٌ بيانٍ في المائدة. آ. (٥) قوله تعالى: ﴿في الأرض﴾: يجوز أنْ يتعلَّقَ بـ ((يَخْفَى)) وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لشيءٍ. آ. (٦) قوله تعالى: ﴿في الأرحام﴾: يجوزُ أن يتعلَّق بَيُصَوِّرُكم وهو الظاهرُ، ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من مفعولٍ ((يُصَوِّركم)). أي: يُصَوِّركم وأنتم في الأرحامِ مُضَغُ. وقرأ طاووس (٢): (تَصَوَّركم)) فعلًا ماضياً ومعناه صَوَّركم لنفسِه ولتعبُّدِه، وتَفَعَّل يأتي بمعنى فَعَّل كقولهم: ((تأثَّلْتُ مالاً وأثَّلته)) أي جعلتُه أَثْلَةً أي أصلاً، ونحوُه: وَلَّى وَتَوَلَّى. والتصويرُ: تَفْعِيل من صارَه يَصُوره أي: أماله وَثَنَاه، ومعنى صَوَّره أي: جعل له صورةً. والصورة: الهيئة يكون عليها الشيءُ من تأليفٍ خاصٍ وتركيبٍ منضبطٍ. (١) في الأصل: (رد) وهو سهو. (٢) البحر ٣٨٠/٢؛ الكشاف ٤١١/١. ٢٣ - آل عمران - قوله: ((كيف يشاء)) في هذه الآية أوجه، أظهرُها: أن ((كيف)» للجزاء، وقد جُوزي بها في لسانهم في قولهم: ((كيفَ تَصْنَعُ أصنعُ، وكيف تكونَ أكونُ، إلا أنه لا يجزم بها، وجوابُها محذوفٌ لدلالةِ ما قبلَها، وكذلك مفعولٌ ((يشاء)) لِما تقدَّم أنه لا يُذْكَرُ إلا لغرابةٍ، والتقديرُ: كيف يشاء تصويرَكم يصوِّرُكم، فَحُذِف ((تصويركم)) لأنه مفعولُ يشاء، و((يصوركم)) لدلالة (يصوركم)) الأول عليه، ونظيره قولُهم: ((أنت ظالم إنْ فعلْتَ)) تقديره: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم. وعند مَنْ يُجيز تقديمَ الجزاء في الشرط الصريح يَجْعَلُ ((يصوِّركم)) المتقدم هو الجزاء. و((كيف)) منصوبٌ على الحال بالفعلِ بعدَه، والمعنى: على أيِّ حال شاءَ أنْ يُصَوِّركم صوَّركم، وتقدَّم الكلام على ذلك في قوله: ((كيف تكفرون»(١). ولا جائزٌ أن تكون ((كيف)» معمولةٌ لْيُصَوِّركم لأنَّ لها صدرَ الكلام، وما له صدرُ الْكلام لا يعملُ فيه إلا أحدُ شيئين: إمَّا حرفُ الجر نحو: بمَنْ تمر؟ وإمَّا المضافُ نحو: ((غلامُ مَنْ عندك؟ الثاني: أن تكون ((كيف)» ظرفاً ليشاء، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من ضمير اسم الله تعالى تقديرُه: يصوِّركم على مشيئته أي مريداً. الثالث: كذلك إلا أنه حالٌ من مفعول (يصوِّركم)) تقديرُه: يصوركم متقلبين على مشيئته. ذَكَر الوجهين أبو البقاء(٢)، ولَمَّا ذَكَرَ غيرُه كونَها حالاً من ضميرِ اسمِ الله قَدَّرها بقولِه: يُصَوِّركم في الأرحامِ قادراً على تصويركم مالكاً ذلك. الرابعُ: أَنْ تكونَ الجملةُ في موضعِ المُصدرِ، المعنى: يُصَوِّركم في الأرحام تصويرَ المشيئة وكما يشاء، هكذا قال الحوفي. وفي قوله: ((الجملةُ في موضعِ المصدرِ)) تسامحٌ لأنَّ الجملَ لا تقوم مقام المصادر، ومرادُه أنَّ ((كيف)) دالَّةٌ على ذلك، (١) الآية ٢٨ من البقرة. (٢) الإملاء ١٢٣/١. ٢٤ - آل عمران - ولكن لَمَّا كانَتْ في ضمن الجملةِ نَسَبَ ذلكَ إلى الجملة. وقوله ((هو الذي يصوِّركم)): تحتملُ هذه الجملةُ أن تكون مستأنفةً سيقت لمجرد الإِخبار بذلك، وأن تكونَ في محلٌّ رفعٍ خبراً ثانياً لإِنَّ. آ. (٧) قوله تعالى: ﴿منه آياتٌ﴾: يجوزُ أن تكونَ ((آيات)) رفعاً بالابتداء والجارُّ خبرُه. وفي الجملةِ على هذا وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ. والثاني: أنها في محلّ نصب على الحال من ((الكتاب)) أي: هو الذي أنزل الكتاب في هذه الحال أي: منقسماً إلى مُحْكَم ومتشابه، ويجوز أن يكونَ («منه» هو الحالَ وحدّه، و((آياتٌ)) رفع به على الفاعلية. و ((هُنَّ أُمُّ الكتاب)) يجوز أن تكونَ الجملةُ صفةٌ للنكرة قبلها، ويجوز أن تكونَ مستأنفةً، وأَخْبر بلفظ الواحد وهو ((أمُّ)) عن جمع، وهو (هُنَّ)): إمَّا لأن المراد كلُّ واحدةٍ منه أمُّ، وإمَّا لأنْ المجموعَ بمنزلةٍ آيةٍ واحدة كقوله: («وجَعَلْنا ابن مريم وأمَّه آية))(١)، وإما لأنه مفردٌ واقعٌ موقعَ الجمعِ كقوله: ((وعلى سَمْعهم))(٢) و(٣): ١١٦٣- كُلُوا في بعضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا [وقوله](٤): وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيب ١١٦٤- [وقال الأخفش (٥): ((وَحَّد ((أمَّ الكتاب)) بالحكاية على تقديرِ الجواب (١) الآية ٥٠ من المؤمنون. (٢) الآية ٧ من البقرة. (٣) تقدم برقم ١٥٣. (٤) تقدم برقم ١٥٤. (٥) معاني القرآن ١٩٣/١. ٢٥ - آل عمران - كأنه قيل: ما أمُّ الكتاب؟))](١) فقال: هُنَّ أُمُّ الكتاب، كما يقال: مَنْ نظير زيد؟ فيقول قوم: ((نحنُ نظيرُه)) كأنهم حَكُوا ذلك اللفظَ، وهذا على قولهم: ((دعني من تمرتان)) أي: مِمَّا يقال له تمرتان)). قال ابن الأنباري: ((وهذا بعيدٌ من الصواب في الآية، لأن الإِضمارَ لم يَقُمْ عليه دليلٌ، ولم تَدْعُ إليهِ حاجةً)) وقيل: لأنه بمعنى أصلِ الكتابِ والأصلُ يُوَحَّدُ. قوله: ((وأُخَرُ)) نُسقٌ على (آيات))، و((متشابهاتٌ)) نعتُ لأُخَرَ، وفي الحقيقة ((أُخَرُ)) نعتُ لمحذوف تقديره: وآياتٌ أُخَرُ متشابهاتٌ. قال أبو البقاء(٢): ((فإنْ قيل: واحدةُ ((متشابهات)) متشابهة، وواحدة ((أُخَر)) أُخْرى، والواحدةُ هنا لا يَصِحُّ أن توصف بهذا الواحد فلا يُقال، أخرى متشابهة إلا أن [١٢٥/ب] يكونَ بعضُ الواحدةُ يُشْبه بعضاً، وليس المعنى على ذلك / وإنما المعنى أنّ كل آيةٍ تشبه آيةً أخرى، فكيف صَحَّ وصفُ هذا الجمعِ بِهذا الجمعِ ، ولم يَصِحَّ وصفُ مفردهِ بمفرده؟ قيل: التشابهُ لا يكون إلا بين اثنينٍ فصاعداً، فإذا اجتمعت الأشياءُ المشابهةُ كان كل واحدٍ منها مشابهاً للآخر، فلمَّا لم يَصِحَّ التشابُه إلا في حالةِ الاجتماعِ وَصَفَ الجمعَ بالجمع لأنَّ كلَّ واحدٍ منها يشابه باقيها، فأمَّا الواحدُ فلا يَصِحُّ فيه هذا المعنى، ونظيرُه قوله: ((فوجد فيها رَجُلَيْنَ يقتتلان))(٣) فثَنَّ الضميرَ وإن كان الواحدُ لا يَقْتَتِلُ. قلت: يعني أنه ليس من شرطِ صحةِ الوصفِ في التثنية أو الجمعِ صحةُ انبساطِ مفرداتِ الأوصاف على مفرداتِ الموصوفاتِ، وإنْ كان الأصلُ ذلك، كما أنه لا يُشْتَرط في إسناد الفعلِ إلى المثنَّى والمجموعِ صحةُ إسنادِه إلى كلُّ واحدٍ على حِدَتِهِ. وقريب من ذلك قوله: ((حافِّين من حَولِ العرش))(٤) قيل: ليس لحافِيِّن مفردٌ (١) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل. (٢) الإملاء ١٢٤/١. (٣) الآية ١٥ من القصص. (٤) الآية ٧٥ من الزمر. ٢٦ - آل عمران - لأنه لو قيل: ((حافّ)) لم يَصِحَّ، إذ لا يتحقق الحُفوفُ في واحد فقط، وإنما يتحقق بجمعٍ يُحيطون بذلك الشيء المحفوفِ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالی في موضعِهِ. قوله: (زَيْغٌ)) يجوز أن يكون مرفوعاً بالفاعلية لأنَّ الجارَّ قبله صلةٌ الموصول ويجوز أن يكونَ مبتدأ وخبرُه الجارُّ قبله. والزَّيْغُ: قيل: المَيْلُ، وقال بعضُهم: هو أخصُّ مِنْ مُطْلق الميل، فإنَّ الزيغَ لا يُقال إلَّ لِما كان من حقٍ إلى باطل. قال الراغب(١): ((الزَّيْغُ: الميلُ عن الاستقامةِ إلى أحد الجانبين، وزاغَ وزالَ ومالَ تتقارب، لكن («زاغ)) لا يُقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل)) انتهى. يقال: زاغَ يزيغُ زَيْغاً وزيغوغَةٌ وزَيَغَاناً وزُيوغاً. قال الفراء: ((والعربُ تقول في عامةِ ذواتِ الياء مِمَّا يشبه زِغْتُ مثل: سِرْتُ وصِرْتُ وطِرْتُ: سَيْرورةٌ وصَيْرورةً وطَيْرورةً، وحِدْتُ خَيْدودة، ومِلْتُ مَيْلولة، لا أُحصي ذلك كثرةً، فأما ذوات الواو مثل: قُلت ورضيت فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في أربعة ألفاظ: الكَيْنونة والدَّيْمومة من دام، والهَيْعُوعة من الهُواع(٢)، والسُّيْدودة من سُدْت)). ثم ذكر كلاماً كثيراً غيرَ متعلقٍ بما نحن فيه، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا المصدر، وما ذكر الناس فيه، وأنه قد سُمِع فيه الأصل وهو ((كَّنونة)) في قول الشاعر(٣): حَتَّى يعودَ البحرُ كَّنُونَهْ ١١٦٥- قوله: (ما تشابَه)) مفعولُ الاتباع، وهي موصولةٌ أو موصوفة، ولا تكون مصدريةً لعَوْدِ الضمير مِنْ ((تَشَابَه)) عليها إلَّ على رأي ضعيفٍ. و((منه)) حالٌ من فاعل ((تشابه)) أي: تشابه حالَ كونِه بعضه. (١) المفردات: ٢١٧ بالمعنى. (٢) الهواع: الصياح في الحرب. (٣) تقدم برقم ٨٠٨. ٢٧ - آل عمران - قوله: ((ابتغاءَ)) منصوبٌ على المفعولِ له أي: لأجلِ الابتغاء، وهو مصدرٌ مضافٌ لمفعوله. والتأويلُ: مصدرُ أَوَّل بُؤَوِّل. وفي اشتقاقِهِ قولان أحدهما: أنه من آل يُؤُول أَوْلاً ومَآَلاً. أي: عادَ ورجَع، و((آلُ الرجل)) من هذا عند بعضِهم، لأنهم يَرْجِعون إليه في مُهِمَّاتِهم، ويقولون: أَوَّلْتُ الشيءَ فَلَ، أي: صَرَفْتُه لوجهٍ لائقٍ به فانصرفَ، قال الشاعر(١): ١١٦٦- ◌ُؤُوِّلُ الحكم على وجهه ليس قضائي بالهوى الجائر وقال بعضُهم: أَوَّلْتُ الشيءَ فتأوَّل، فجعل مطاوِعَه تَفَعَّل، وعلى الأول مطاوعه فَعَل، وأنشد للأعشى (٢): تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابَ فَأَصْحَبَا ١١٦٧- على أنها كانَتْ تَأَوُّلُ حُبِّها يعني أنَّ حبَّها كان صغيراً قليلاً فآل إلى العِظَم، كما يُؤُولِ السَّقْبُ إلى الكِبر. ثم قد يُطْلق على العاقبةِ والمَرَدِّ، لأنَّ الأمرَ يَصِير إليهما. والثاني أنه مشتقٌ من: الإِيالة وهي السياسة. تقول العرب: ((قد إِلْنَا وإيل علينا)) أي: سُسْنا وساسَنا غيرُنا، وكأنَّ المؤوِّلَ للكلامِ سائِبُهُ والقادرُ عليه وواضعُه موضعَه، نُقل ذلك عن النضر بن شميل. وفَرَّق النّاس بِينَ التأويل والتفسير في الاصطلاح: بأن التفسيرَ مقتصرٌ به على ما لا يُعْلم إلا بالتوقيف كأسباب النزول ومدلولاتِ الألفاظ، وليس للرأي فيه مَدْخَلٌ، والتأويل يجوز لمَنْ حَضَلَتْ عنده صفاتُ أهلِ العلمِ وأدواتٌ يَقْدِرُ أن يتكلّم بها إذا رَجَع بها إلى أصولٍ وقواعدَ. (١) تقدم برقم ٦٧٩. (٢) ديوانه ١١٣، وصدره في اللسان «ربع)»: ولكنها كانت نّوَىَّ أجنبية وسقاب ربعية: أي وُلِدَت في أول النتاج. ٢٨ - آل عمران - وقوله: ((والراسخون)) يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنه مبتدأ والوقفُ على الجلالة المعظمة، وعلى هذا فالجملةُ من قوله: (يقولون)) خبرُ المبتدأ. والثاني: أنهم منسوقونٌ على الجلالةِ المعظمةِ، فيكونون داخلين في علم التأويل. وعلى هذا فيجوز في الجملةِ القولية وجهان، أحدُهما: أنها حالٌ أي: يعلمون تأويلَه حالَ كونهم قائلين ذلك، والثاني: أن تكون خبرَ مبتدأٍ مضمرٍ أي: هم يقولون . والرُّسوخ: الثَّبوتُ والاستقرار ثبوتاً متمكِّناً فهو أخصُّ من مطلقٍ الثبات قال الشاعر(١): لِلَيْلَى أَبَتْ آياتُها أَنْ تُغَيَّرا ١١٦٨- لقد رَسَخَتْ في القلبِ مني مودَّةٌ و((آمَنَّا به)) في محلٌّ نصب بالقول، و((كل)) مبتدأُ، أي كله أو كلٍّ منه، والجارُّ بعده خبرهُ، والجملةُ نصبٌ بالقول أيضاً. آ. (٨) قوله تعالى: ﴿لا تُزِغْ قلوبَنا﴾: العامَّةُ على ضَمُّ حرفٍ المضارعة من: أزاغ يُزيغ. و ((قلوبَنا)) مفعول به. وقرأ(٢) أبو بكر وابن(٣) فايد والجراح (٤) ((لا تَزِغْ قلوبُنا)) بفتح التاء ورفع ((قلوبنا)»، وقرأه بعضهم(٥) كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وعلى القراءتين فالقلوب فاعلٌ بالفعل المنهيِّ عنه، (١) لم أهتد إلى قائله، وليس بديوان المجنون، وهو في القرطبي ١٩/٤. (٢) البحر ٣٨٦/٢؛ القرطبي ٢٠/٤. (٣) في الأصل: ((وأبو فايد)) وهو سهو، والتصحيح من شواذ القراءات لابن خالويه ص ١٩، لأنه ليس ثمة قارىء كنيته أبو فايد، وعمرو بن فايد البصري وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى عنه حسان بن محمد، ولم تذكر وفاته. انظر: الطبقات ٦٠٢/١. (٤) الجراح بن عبدالله الحكمي، ولى البصرة، واستشهد غازياً سنة ١١٢. انظر: الكامل لابن الأثير ٥٨/٥، الأعلام ١٠٦/٢. (٥) نسبها في الشواذ ١٩ للسلمي. ٢٩ _ آل عمران والتذكير والتأنيث باعتبار تأنيثِ الجمعِ وتذكيرِه، والنهيُ في اللفظ للقلوب، وفي المعنى دعاءً لله تعالى، أي: لا تُزِعْ قلوبَنا فَزِيغَ، فهو من باب («لا أُرَيَنَّكَ [١٢٦/أ] هَهنا)(١) وقولِ النابغة(٢): / ١١٦٩- لا أَعْرِفَنْ رَبْرَباً حُوراً مَدامِعُها قوله: ((بعد إذْ هديتنا))((بعد)) منصوبٌ بـ((لا تُزِغْ)) و ((إذ)» هنا خَرَجَتْ عِنْ الظرفيةِ للإضافةِ إليها، وقد تقدَّم أنَّ تصرُّفَها قليلَ، وإذا خرجت عن الظرفية فلا يتغيّرُ حكمُها من لزومِ إضافتها إلى الجملة بعدها كما لم يتغير غيرُها من الظروف في هذا الحكمِ، ألا ترى إلى قوله: ((هذا يومٌ يَنْفَعُ))(٣) و ((يُومُ لا تملك)»(٤) في قراءة من رفع ((يوم)) في الموضعين، وقول الآخر(٥) :. .. على حينٍ الكرامُ قليلُ ١١٧٠- [ وقوله](٦ (١) انظر: الكتاب ٤٥٣/١. (٢) ديوانه ٨١ وعجزه: كأنهنَّ نعاجٌ حول دَوَّار والربرب: قطيع البقر، والنعاج: أناثها، والدوار: مستدار من الرمل، أو صنم , بدورون حوله . (٣) الآية ١١٩ من المائدة وهي قراءة العامة إلا نافعاً كما في السبعة ٢٥٠. (٤) الآية ١٩ من الانفطار، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو كما في السبعة ٦٧٤. (٥). البيت لمربال بن جهم وتمامه ... ألم تعلمي يا عَمْرَكِ الله أنني كريمٌ. وينسب أيضاً لمبشر بن هذيل، وهو في أمالي القالي ٣٩/١؛ والإنصاف ٤٠٢؛ والجمع ٢١٨/١؛ والدرر ١٨٧/١، و((عمرك الله)) أطال الله عمرك. (٦) البيت للبيد وهو في ديوانه ٢١٧ وعجزه: يَدْ فقدَها وفي الذِّنابِ تدائرُ واللبث: البطء، والذنوب: الدلو، والتداثر: التزاحم. ٣٠ - آل عمران - ١١٧١ - على حينٍ مَنْ تَلْبَتْ عليه ذَنُوبُه [وقوله](١): ١١٧٢- على حينٍ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا [وقوله](٢): ١١٧٣ - ألا ليت أيامَ الصفاءِ جديدُ كيف خرجَتْ هذه الظروفُ من النَّصبِ إلى الرفعِ والجرِّ والنصبِ بـ ((ليت)) ومع ذلك هي مضافةٌ للجملِ التي بعدها. قوله: ((وَهَبْ)) الهِبَةُ: العَطِيَّةُ، حُذِفَتْ فاؤها لِما تقدَّم في ((عِدة) ونحوها، وكان حقُّ عينِ المضارعِ فيها كسرَ العين منه، إلا أنَّ ذلك مَنَعه كونُ العينِ حرفَ حلق، فالكسرةُ مقدرةٌ. فلذلك اعتُبِرت تلك الكسرةُ المقدرة، فحُذِفَت لها الواو، وهذا نحو: يَضَع ويَسَع لكونِ اللام حرفَ حلق. ويكون ((هَبْ)) فعلَ أمرٍ بمعنى ◌ُنَّ، فيتعدَّى لمفعولين كقوله(٣): وإلاّ فَهَبْنِي امرَأْ مالِكاً ١١٧٤- (١) البيت للنابغة وهو في ديوانه ٤٤ وعجزه: فقلت: أَلَمَّا أَصْحُ والشيبُ وازِعُ وهو في أمالي الشجري ٤٦/١؛ والكتاب ٣٦٩/١؛ والإنصاف ٢٩٢؛ والهمع ٢١٨/١؛ والدرر ١٨٧/١. (٢) البيت لجميل، وهو في ديوانه ٦١ وعجزه: ودَهْراً تولىّ يا بثينُ يعود ومجالس ثعلب ٥٢٩/٢؛ والبحر ٣٨٦/٢. (٣) البيت لعبد الله بن همام السلولي، وهو في الأشموني ١٧٨/٢ وصدره: فقلتُ أَجِرْفي أبا مالكٍ والعيني ١٩٠/٣؛ والهمع ٢٤٦/١؛ والدرر ١٣١/١. ٣١ - آل عمران - وحينئذ لا تتصرَّفُ. ويقال أيضاً: (وَهَبَنِي اللـهُ فداَ)) أي: جَعَلَني، ولا تتصرَّفُ أيضاً عن الماضي بهذا المعنى. قوله: ((مِنْ لَدُنْكَ)) متعلق بـ ((هَبْ))، ولَدُنْ: ظرف وهي لأولِ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرهما من الذوات نحو: مِنْ لَدُن زید، فليست مرادفً لـ «عند» بل قد تكون بمعناها، وبعضُهم يقيِّدها بظرف المكان، وتُضاف لصريح الزمان، قال(١): ١١٧٥ - تَنْتَهِضُ الرَّعْدة في ظُهَيْري مِن لَدُنِ الظَّهْرِ إلى العُصَيْرِ ولا تُقْطَعُ عن الإِضافةَ بحالٍ، وأكثرُ ما تضافُ إلى المفرداتِ، وقد تُضَافُ إلى ((أن)) وصلتها لأنهما بتأويلِ مفردٍ قال(٢): ١١٧٦ - وُلِيْتَ فِلِم تَقْطَعْ لِذُنْ أَنْ وَلْتَنَا قرابةَ ذِي قُرْبى ولاحَقَّ مُسْلِمٍ أي: لدنْ ولايتك إيانا، وقد تُضَاف إلى الجملة الاسمية كقوله(٣): ١١٧٧ - تَذَكَّرُ نُعْماه لَذُنْ أنتَ يافعٌ إلى أنتَ ذَو فَوْدَيْنِ أبيضَ كالنِّسِرِ وقد تُضاف للفعلية كقوله (٤): ١١٧٨ - لَزِمْنا لَدُنْ سِلَمْتُمُونَا وفاقَكم فلايكُ منكمْ للخِلافِ جُنوحُ ١١٧٩ - صريحٌ غوانٍ رَاقَهُنَّ وَرُقْنَهِ وقال آخر(٤): لدُنْ شَبَّ حتى شاب سودَ الذوائبِ (١) البيت لرجل من طيء، وهو في ابن عقيل ٢٥٦/٢؛ والأشموني ٢٦٢/٢؛ والهمع ٢١٥/١؛ والدرر ١٨٤/١. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في الهمع ٢١٥/١؛ والدرر ١٨٤/١. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في الهمع ٢١٥/١؛ والدرر ١٨٤/١. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في المغني ٤٧٠. (٥) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ٥٠؛ وأمالي الشجري ٢٣٣/١؛ والمغني ١٦٩؛ وأوضح المسالك ٢٠٧/٢؛ والذرر ١٨٤/١. والذوائب: ج ذؤابة وهي صغيرة الشعر. ٣٢ - آل عمران - وفيها لغتان: الإِعراب وهي لغةُ قيس. وبها قرأ أبوبكر عن عاصم: (مِنْ لَذُنِهِ))(١) بجر النون، وقوله(٢): ١١٨٠- من لَدُنِ الظهرِ إلى العُصَيْرِ ولا تخلو مِنْ ((مِنْ)) غالبا، قاله ابن جني. ومِنْ غير الغالب ما تقدَّم من قوله (لَذُنْ أَنت يافع)) ((لَّدُنْ سالمتمونا). وإنْ وقع بعدها لفظُ ((غدوة)» خاصةً جاز نصبُها ورفعُها، فالنصبُ على خبرِ كان أو التمييزِ، والرفعُ على إضمار (كان)) التامةِ، ولولا هذا التقديرُ لَزِم إفرادِ ((لَدُنْ)) عن الإضافة، وقد تقدُّم أنه لا يجوزُ، فَمِنْ نَصْبِ («غدوة)» قولُه(٣): لَدُنْ غدوةً حتى ذَنَتْ لِغُروبٍ ١١٨١ - وما زال مُهْرِي مَزْجَرَ الكلبِ منهم واللغةُ المشهورةُ بناؤها، وسببُه شَبَهُها بالحَرْف في لزومِ استعمالٍ واحد، وامتناعَ الإخبار بها بخلافِ عند ولدى، فإنهما لا يَلْزَمان استعمالاً واحداً، إذ يكونان فَضْلَةٌ وَعُمْدةٌ وغايةً وغيرَ غاية بخلاف ((لَدُن)). وقال بعضهم: ((عِلَّةُ بنائها كونُها دالةً على الملاصَقَةِ صفةٌ ومختصةً بها بخلافٍ (عند) فإنها لا تدلُّ على الملاصقةِ، فصارَ فيها مَعنّى لا يَدُلُّ عليه الظرفُ، بل هو من قبيلِ ما يَدُلُّ عليه الحرفُ، فكأنها مُضَمَّنَةٌ معنى حرفٍ، كانَ مِنْ حقٌّه أن يُوضَعَ لذلك فَلم يُوْضَّعْ، كما قالوا في اسم الإِشارة. واللغتان المذكورتان من الإعراب والبناء مختصتان بـ ((لدن)» المفتوحة اللامِ المضمومةِ الدالٍ، الواقعِ آخرَها نونٌ. وأمَّا بقيةُ لغاتها على ما سنذكره (١) الآية ٢ من الكهف، وانظر: السبعة ٣٨٨. (٢) تقدم برقم ١١٧٥. (٣) البيت لأبي سفيان بن حرب، وهو في التصريح ٤٦/٢؛ والعيني ٤٢٩/٣؛ والدرر ١٨٤/١؛ وينسب البيت أيضاً لحسان في ديوانه ١٢٠. ٣٣ - آل عمران :- فإنها فيها مبنيةٌ عند جميع العرب. وفيها عشرُ لغات: الأولى - وهي المشهورة -، ولدَن ولدِن بفتح الدال وكسرِها، ولَذْن ولُذْن بفتح اللام، وضمها مع سكونِ الدال وكسر النون، ولُذْنَ بالضم والسكون وفتح النون، ولَدْ ولُذْ بفتح اللام وضمها مع سكون الدال، ولَدُ بفتح اللام وضم الدال ولَتْ بإبدال الدالِ تاءُ ساكنة، ومتى أُضيفت المحذوفةُ النونِ إلى ضميرٍ وَجَبَ رَدُّ النونِ . قوله: ((أنت الوهابُ)) يُحتمل أن تكونَ مبتدأٌ وأَنْ تكونَ ضميرَ الفصلِ وأن تكون تأكيداً لاسم ((إنَّ». آ. (٩) قوله تعالى: ﴿جامعُ الناس﴾: قرأ(١) أبو حاتم: ((جامعٌ الناسَ)) بالتنوينِ والنصبِ. و ((ليومٍ)) اللامُ للعلة أي: لجزاءٍ يوم، وقيل: هي بمعنى في، ولم يُذْكَرْ المجموعُ لأجلِهِ. و ((لا ريب)) صفةً ليوم، فالضميرُ في ((فيه)» عائدٌ عليه. وأبعد مَنْ جَعَلَه عائداً على الجمعِ المدلولِ عليه بجامعٍ، أو على الجزاءِ المدلولِ عليه بالمعنى أو على العَرْض. قوله: ((إنَّ الله لا يُخْلِفُ الميعاد)) يجوزُ أن يكونَ من تمامٍ حكاية قولٍ الراسخين فيكونَ التفاتاً من خطابِهم للباري تعالى بغير الخطاب إلى الإِتيانِ بالاسمِ الظاهرِ دلالةٌ على تَعْظِيمه، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً من كلام اللهِ فلا التفاتَ حينئذٍ، والميعادُ: مصدرٌ، وياؤه عن واو لانكسار ما قبلَها كميقات. آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿لن تُغْنِى﴾: العامَّةُ على ((تُغْني)) بالتاء من (١) وهي أيضاً قراءة الحسن ومسلم بن جندب. انظر: الشواذ ١٩؛ والبحر ٣٨٧/٢. ٣٤ - آل عمران - فوق مراعاةً لتأنيث الجمع. وقرأ الحسن(١) وأبو عبدالرحمن بالياء مِنْ تحتِ بالتذكيرِ على الأصل، وسَكَّن الحسن(٢) ياء ((تُغْني)) استثقالاً للحركةِ على حرفِ العلة. وذهاباً به مذهبَ الألف، وبعضُهم يَخُصُّ هذا بالضرورةِ. قوله: ((مِن الله)) في ((من)) هذه أربعة أوجه، أحدها: أنها لابتداءٍ الغاية مجازاً أي: مِنْ عذاب الله وجزائه. الثاني: أنها بمعنى عند، قال أبو عبيدة(٣): هي بمعنى عند كقوله: ((أَطْعَمَهم مِنْ جوعٍ وَآمَنهم من خوف))(٤) أي: عندَ جوع وعند خوف، وهذا ضعيفٌ عند / النحويين. [١٢٦/ب] الثالث: أنها بمعنى بدل. قال الزمخشري(٥): ((قوله)) من الله مثلُ قوله: ((إنَّ الظن لا يُغْني من الحق شيئًا))(٦)، والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة الله أو من طاعته شيئاً أي: بدلَ رحمتِه وطاعته وبدلَ الحق، ومنه ((ولا يَنْفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)(٧) أي: لا ينفعَهُ جَدُّه وحَظُّه من الدنيا بدلك، أي: بدلَ طاعتِك وما عندَك، وفي معناه قولُه تعالى: ((وما أموالكم ولا أولادُكم بالتي تُقَرِّبكم عندنا زُلْفَى)»(٨)، وهذا الذي ذَكَره من كونها بمعنى ((بدل)» جمهورُ النحاة يَأْباه، فإنَّ عامَّة ما أورده مجيزُ ذلك يتأولُه الجمهور، فمنه قولُه(٩) : (١) البحر ٣٨٧/٢. (٢) البحر ٣٨٧/٢؛ الشواذ ١٩؛ ونسبها الزمخشري ٤١٤/١ إلى علي. (٣) المجاز ٨٧/١. (٤) الآية ٤ من قريش. (٥) الكشاف ١/ ٤١٤. (٦) الآية ٣٦ من يونس. (٧) قطعة من دعاء مأثور رواه البخاري: الأذان (الفتح) ٣٢٥/٢؛ مسلم: الصلاة ٤١٤/١؛ أحمد ٨٧/٣. (٨) الآية ٣٧ من سبأ. (٩) البيت لأبي نخيلة، وهو في المخصص ١٣٩/١١؛ والتاج واللسان: بقل؛ والجنى الداني ٣١١؛ والمغني ٣٥٥. ٣٥ -- - آل عمران - ١١٨٢ - جاريةٌ لم تَأْكِلِ المُرَقَّقا ولم تَذُقْ من البقولِ الفُسْتقا وقول الآخر (١): ١١٨٣- أخذوا المَخَاضَ من الفصيلِ غُلُبَّةً. ظُلْماً ويُكتبُ للأميرِ أَفِيلا وقال تعالى: [ولو نشاءٌ] لجَعَلْنا منكم ملائكةً(٢) ((أَرَضِيتم بالحياة الدنيا من الآخرة»(٣). الرابع: أنها تبعيضيةُ، إِلَّ أنَّ هذا الوجهَ لَمَّا أجازه الشيخ (٤) جعله مبنياً على إعرابٍ (شيئاً)) مفعولاً به، بمعنى: لا يَدْفع ولا يمنع. قال: ((فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ ((مِنْ)) في موضع الحال من شيئاً، لأنه لو تأخّر لكان في موضع النعتِ له، فلمَّا تقدَّم انتصب على الحال، وتكون ((مِنْ)) إذ ذاك للتبعيض. وهذا ينبغي ألّ بجوزَ البتة، لأنَّ (مِنْ)) التبعيضيَّةَ تُؤُوَّلُ بلفظ ((بعض) مضافةً لِما جَرَّته مِنْ، ألا ترى أنك إذا قلت: (رأيت رجلاً من بني تميم)» معناه بعض بني تميم، و((أخذت من الدراهم)): بعضَ الدراهم، وهنا لا يُتَصَوِّرُ ذلك أصلًا، وإنما يَصِحُّ جَعْلُه صفةً لشيئاً إذا جعلنا ((مِنْ)) لابتداء الغاية كقولك: ((عندي درهم من زيد)) أي: كائن أو مستقر من زيد، ويمتنع فيها التبعيضُ، والحالُ كالصفةِ في المعنى، فامتنعَ أن تكونَ ((مِنْ)) للتبعيض مع جَعْلِه (من الله)) حالاً من ((شيئاً)، والشيخُ تَبعَ في ذلك أبا البقاء(٥)، إلاّ أنَّ أبا البقاء حين قال ذلك (١) البيت للراعي، وهو في أمالي الشجري ٦١/٢؛ وابن يعيش ٤٤/٦؛ والمغني ٣٥٥؛ والمخاض: النواق الحوامل؛ والفصيل: ولد الناقة المفصول عن أمه؛ والأفيل: الصغير. (٢) الآية ٦٠ من الزخرف. (٣) الآية ٣٨ من التوبة .. (٤) البحر ٣٨٨/٢. (٥) الاملاء ١٢٥/١. ٣٦ - آل عمران - قَدْرَ مضافاً صَحَّ به قَولُه، والتقدير: شيئاً من عذاب الله، فكان ينبغي أن يَتْبَعَه [في هذا الوجه مُصَرِّحاً بما يَدْفَعُ](١) هذا الردِّ الذي ذكرتُه. و((شيئاً): إمَّ منصوبٌ على المفعولِ به، وقد تقدَّم تأويله، وإمّا على المصدرية أي: شيئاً من الإِغناء. قوله: ((وأولئك هم وَقودُ» هذه الجملةُ تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكونَ مستأنفةً. والثاني: أن تكونَ منسوقةٌ على خبر إنَّ، و((هم)) يحتملُ الابتداءَ والفصلَ. وقرأ العامة: ((وَقود)) بفتح الواو، والحسن(٢) بضمِّها، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة(٣)، وأنَّ المصدريةَ مُحْتَمَلَةٌ في المفتوحِ الواوِ أيضاً، وحيث كان مصدراً فلا بد من تأويله فلا حاجةً إلى إعادتِه هنا. آ. (١١) قوله تعالى: ﴿كَدَأُبِ آل فرعون﴾: في هذه الكافِ وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ مضمرٍ تقديرُه: دَأْبُهم في ذلك كدأبٍ آلٍ فرعون، وبه بدأ الزمخشري(٤) وابن عطية(٥). والثاني: أنها في محلّ نصبٍ وفي الناصب لها تسعةُ أقوال: أحدها: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، والعاملُ فيه ((كفروا)) تقديره: ((إنَّ الذين كفروا كفراً كدأبٍ آل فرعون، أي: كعادَتِهم في الكفر، وهو رأيُ الفراء(٦). وهذا القولُ مردودٌ بأنه قد أَخْبَرَ عن الموصول قبل تمام صلتِهِ، فَزِمَ الفصلَ بين أبعاضِ الصلةِ بالأجنبي، وهو لا يجوزُ. والثاني: أنه منصوبٌ بكفروا، لكنْ مقدَّراً لدلالةٍ (١) ما بين معقوفين لم يظهر في المصورة عن الأصل. (٢) البحر ٣٨٨/٢؛ ونسبها في الشواذ ١٩ إلى طلحة بن مصرف. (٣) انظر إعرابه للآية ٢٤ . (٤) الكشاف ٤١٤/١. (٥) المحرر ٢٦/٣. (٦) معاني القرآن ١٩١/١. ٣٧ - آل عمران - هذا الملفوظِ بهِ عليه. الثالث: أن الناصبَ مقدرٌ مدلولٌ عليه بقوله: ((لَنْ تُغْنِي)) أي بَطَلَ انتفاعُهم بالأموال والأولادِ کعادة آل فرعون، في ذلك. الرابع: أنه منصوبٌ بلفظ «وقود» أي: تُوقد النارُ بهم كما توقد بآل فرعون، كما تقول: ((إنك لتظلم الناس كدأبٍ أبيك)) تريد: كظلمِ أبيك، قاله الزمخشري(١). وفيه نظرٌ لأن الوَقودَ على القراءةِ المشهورةِ الأظهرُ فيه أنه اسمٌ لما يُؤْقَّدُ به، وإذا كان اسماً فلا عملَ له. فإنْ قيل: إنه مصدرٌ أو على قراءةِ الحسن صَحَّ . الخامس: أنه منصوبٌ بنفس ((لن تُغْنِي)) أي: لن تُغْنِي عنهم مثلَ ما لم تَغْنِ عِن أولئك، ذكره الزمخشري(٢)، وضَعَّفه الشيخ (٣) بلزوم الفصلِ بين العامل ومعموله بالجملةِ التي هي قوله: ((وأولئك هم وَقودُ النار))، قال: ((على أيّ التقديرين اللذين قَدَّرْنَاهما فيها من أن تكونَ معطوفةً على خبر ((إِنَّ) أو على الجملةِ المؤكَّدةِ بإنَّ، قال: ((فإنْ جَعَلْتَها اعتراضيةً - وهو بعيدٌ - جاز ما قاله الزمخشري. السادس: أن يكونَ العاملُ فيها فعلاً مقدراً مدلولاً عليه بلفظٍ الوقودِ تقديرُه: يُوقد بهم كعادةِ آلِ فرعون، ويكون التشبيهُ فِي نَفْسٍ الاحتراق، قاله ابن عطية (٤). السابع: أَنَّ العاملَ ((يُعَذَّبون)) كعادة آل فرعون، يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام. الثامن: أنه منصوبٌ بـ: ((كَذُّبوا بآياتنا)»، والضميرُ في ((كَذَّبوا)) على هذا لكفار مكة وغيرهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: كَذَّبوا تكذيباً كعادةِ آلِ فرعون في ذلك التكذيبِ. التاسع: أنّ العاملَ فيه قوله ((فَأَخَذَهم الله)) أي: فأخذهم الله أَخْذَاً كأخذِه آلَ فرعون، وهذا مردودٌ، فإنَّ ما بعد الفاءِ العاطفةِ لا يَعْمل فيها قبلها، لا يجوزُ: ((قُمْتُ زِيداً (١) الكشاف ٤١٤/١. i (٢) الكشاف ٤١٤/١. (٣) البحر ٣٨٩/٢. (٤) المحرر ٢٦/٣. ٣٨ - آل عمران - فضربْتُ))، وأما ((زيداً فاضربْ)) فقد تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة. وقد حكى بعض النحويين عن الكوفيين أنهم يُجيزون تقديمَ المعمولِ على حرف العطف فعلى هذا يجوز هذا القول. وفي كلام الزمخشري سهوٌ فإنه قال: ((ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ مَحَلُّ الكاف بـ (لن تُغْنِي)) أو ((بخالدون)) أي: لن تُغْنِيَ عنهم مثلَ ما لم تُغْنِ عن أولئك، أوهم فيها خالدون كما يَخْلُدون))(١)، وليس في لفظ الآية الكريمة ((خالدون)» إنما نَظُمُ القرآن: ((وأولئك هم وَقودُ النار)) ويَبْعُدُ أَنْ يُقال أراد ((خالدون)) مقدَّراً يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام. قوله: ((والذين مِنْ قبلهم)) يجوزُ أن يكونَ مجروراً نَسَقَاً على آل فرعون وأن يكونَ مرفوعاً على الابتداء، والخبرُ قولُه بعدَ ذلك: ((كَذَّبوا بآيات الله)) وهذان الاحتمالان جائزان مطلقاً. وخَصَّ أبو البقاء (٢) جوازَ الرفعِ بكونٍ الكافِ في محلِّ الرفعِ فقال: ((فعلى هذا - أي على كونِها مرفوعةَ المحلِّ خبراً لمبتدأٍ مضمرٍ - يجوزُ في ((والذين مِنْ قبلهم)» وجهان أحدُهما: هوجرِّ بالعطفِ / أيضاً، و((كَذَّبوا)) في موضعِ الحالِ، و((قد)» معه مضمرةٌ، ويجوزُ [١/١٢٧] أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له، ذُكِر لشَرْحِ حالِهِم، والوجهُ الآخرُ أن يكونَ الكلامُ تَمَّ على فرعون و «الذين مِنْ قبلِهم مبتدأٌ، وكَذَّبوا خبرُه)». والدَّأْبُ: العادَةُ، يقال: دَأَبَ يَدْأَبُ أي: واظبَ ولازَم، ومنه: ((دَأَبا))(٣) أي: مداومةً. وقال امرؤ القيس(٤): (١) ليس هذا النص وارداً في مطبوعة الكشاف، وقد تكون نسخة المؤلف غير النسخة التي طُبع عليها الكشاف. انظر: الكشاف ٤١٤/١. (٢) الاملاء ١٢٥/١. (٣) الآية ٤٧ من يوسف. (٤) تقدم برقم ٥٥. ٣٩ - آل عمران - ١١٨٤ - كتَأْبِك من أمِّ الحُوَيْرث قبلها وجارتِها أُمَّ الرَّبابِ بِمَأْسَلٍ ويقال: دَأَبَ يدِأَبُ دُؤوبا، قال زهير(١): ١١٨٥ - لأرتَحِلَنْ بالفجر ثم لَأَدْأَبَنْ إلى الليلِ إلاّ أن يُعَرِّجَنِي ◌ِفْلُ وقال الواحدي: الدأَبُ: الإِجهاد والتعبُ، يقال: سار فلان يومه كلّه يدأَبُ فيه فهو دائِبٌ، أي: أُجْهِدَ في سيره، هذا أصلُّه في اللغة، ثم يصير الدأبُ عبارةً عن الحالِ والشأن والعادةِ، لاشتمالِ العمل والجُهْدِ على هذا كله، ولذا قال الزمخشري(٢) قال: [الدأب]: مصدرُ دَأَب في العمل إذا كَدَحَ فيه، فَوُضِعَ مَوْضِعَ ما عليه الإِنسان من شأنِه وحاله)) ويقال: دَأب ودَأَب، بسكون الهمزة وفتحها، وهما لغتان في المصدر كالضَّأْن والضَّأَن، والمَعْزِ والمَعَز. وقرأ حفص(٣) ((سَبْعَ سَنِينَ دَأَبا))، بالفتح، قال الفراء: ((والعربُ تُتَقِّل ما كان ثانيه من حروفِ الحلق كالنَّعْلِ والنَّعَل والنَّهْرِ والنَهَر والشَّأْم والشَّأَم)» وأنشد (٤): وانساح غربيُّهم حتى هوى الشَّأَما ١١٨٦- قد سار شرقيُّهم حتى أَتوا سَباً قوله: ((كَذَّبوا بآياتنا)) قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ خبراً عن ((الذين)) إنْ قيل: إنه مبتدأٌ، وإنْ لم يكن مبتدأ فقد تقدَّم أيضاً أنه يكون بياناً للدأب وتفسيراً له كأنه قيل: ما فَعَلوا وما فُعِل بهم؟ فقيل: كَذَّبوا بآياتنا، فهو جوابُ سؤالٍ مقدر، وأن يكونَ حالاً. وفي قوله ((بآياتنا)» التفاتٌ؛ لأنَّ قبله (من الله)) وهو اسمٌ ظاهر. والباءُ في ((بذنوبهم)) يجوز أن تكونَ للسببيةِ أي: أَخَذَّهِم بسبب ما اجترموا، وأن تكونَ للحال أي: أخذهم ملتبسين بالذنوبِ غيرَ تائبين منها. (١) ديوانه ٩٩؛ والبحر ٣٧٢/٢. والطفل: الحاجة. (٢) الكشاف ٤١٤/١. (٣) السبعة ٣٤٩. (٤) لم أقف عليه.