Indexed OCR Text

Pages 621-640

- البقرة -
ببيانِ الجنس، وليس المصطلحَ عليه كما قَدَّمناه، وهذا المعنى يُؤُول إلى أنَّ
(مِنْ)) سببية، لكنها تتعلق بأغنياء لا بيحسَبهم. انتهى)).
وتتعلَّقُ ((مِنْ)) على الوجهين الأوَّلَيْنِ بَيَحْسَبهم. قال أبو البقاء(١):
((ولا يجوزُ أَنْ تتعلَّقَ بمعنى ((أغنياء)) لأنَّ المعنى يَصيرُ إلى ضد المقصود وذلك
أنَّ معنى الآية أنَّ حالَهم يَخْفَى على الجاهلِ بهم فيظنُّهم أغنياءَ، ولو عُلِّقَتْ
(مِنْ)) بأغنياءَ صار المعنى أنَّ الجاهلَ يَظُنُّ أنهم أغنياءُ ولكن بالتعفف، والغنيُّ
بالتعفف فقيرً من المال)». انتهى، وما قاله أبو البقاء يحتملُ بحثاً.
وأما على الوجه الثالث - وهو كونُها لبيانِ الجنس - فقد صَرَّح
الشيخ (٢) بتعلَّقها بأغنياء، لأن المعنى يعودُ إليه، ولا يجوزُ تعلَّقها في هذا
الوجهِ بالحُسْبان، وعلى الجملةِ فكونُها لبيانِ الجنسِ قَلِقُ المعنى.
والتعقُّفُ: تَفَعُّل من العِفَّة، وهي تَرْكُ الشيء، والإِعراضُ عنه مع
القدرة على تعاطِيه، قال رؤبة(٣):
ولم يَدَعْها بعد فَرْكٍ وعَشَقْ
١٠٨٥- فَعَفَّ عن أسرارِها بعد الغَسَقْ
وقال عنترة (٤):
أغشى الوغَى وأعِفُّ عند المُغْنَمِ
١٠٨٦- يُخْبِرْكَ مَنْ شهدَ الوقيعةَ أنني
[١١٠/ب]
ومنه: (عفيفُ الإِزار)) كنايةٌ عن حصانته. / وعَرَّف التعففَ لأنه سبق
منهم مراراً فصار كالمعهود، ومتعلَّقُ التعففِ، محذوفٌ اختصاراً. أي: عن
السؤالِ ، والأحسنُ ألَّ يُقَدَّرَ.
(١) الإملاء ١١٦/١.
(٢) البحر ٣٢٩/٢.
(٣) ديوانه ١٠٤؛ والبحر ٣١٦/٢. والفرك: البغض.
(٤) من معلقته، وهو في ديوانه ٢٠٩؛ وشرح القصائد للتربيزي ٣٦٢.
٦٢١

- البقرة
قوله: ((تَعْرِفُهم بسيماهم)) السِّيما - العلامةُ ويجوز مَدُّها وإِذا مُدَّتْ
فالهمزةُ فيها منقلبةٌ عن حرفٍ زائدٍ للإلحاقِ: إِمَّا واوٌ، وإمَّ ياء، فهي كعِلْباء(١)
ملحقةً بِسِرْداح(٢)، فالهمزةُ للإِلحاقِ لا للتأنيث وهي منصرفةٌ لذلك.
و ((سيما) مقلوبةٌ قُدِّمَتْ عينُها على فائها لأنها مشتقةٌ من الوَسْم فهي
بمعنى السِّمة أي العلامةُ، فلما وقَعَتْ الواوُ بعد كسرةٍ قُلبت ياءً، فوزنُ سيما:
عِفْلا، كما يقال اضْمَحَلَّ، وامضَحَلَّ، [و] ((وخِيمة)) و ((خَامة))(٣)، وله جاه
ووجه، أي: وجاهة ..
وفي الآيةِ طباقٌ في موضعينٍ، أحدُهما: ((أُحْصِروا)) مع قوله: ((ضرباً في
الأرض))، والثاني قوله ((أغنياءَ)) مع قوله ((للفقراء)) نحو: ((أضحك وأبكى))
وأمات وأحيا(٤). ويقال ((سِيمِيا)) بياء بعد الميم، وتُمَدُّ كالكيمياء. وأنشد(٥).
١٠٨٧- غلامٌ رماه اللهُ بالحُسْنِ يافعاً له سِيمِياءُ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
والباءُ تتعلَّق بـ (تَعْرِفهم)) ومعناها السببية، أي: إنّ سببَ معرفتِك إياهم هي
سِیماهم.
قوله: ((إلحافا)) في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: نصبُه على المصدرِ بفعلٍ
مقدَّر أي: يُلْحِفون إلحافاً، والجملةُ المقدرةُ حالٌ مِن فاعل ((يَسْألون)).
والثاني: أن يكونَ مفعولاً من أجلِه، أي: لا يَسْألون لأجلِ الإِلحافِ.
والثالث: أن يكونَ مصدراً في موضعِ الحالِ تقديرُه: لا يَسْألون مُلْحِفين.
(١) العلباء: عصب عنق البعير.
(٢) السرداح: الناقة الطويلة.
(٣) قال في اللسان ((خوم)): أرض خامة أي: وخيمة.
(٤) نص الآية ٤٣ من النجم ((وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا)).
(٥) البيت لابن عنقاء الفزاري، وهو في أمالي القالي ٢٣٧/١؛ والطبري ٥٩٥/٥؛ والسمط
٥٤٣؛ ومفردات الراغب ٢٥٦.
٦٢٢

- البقرة -
واعلمْ أنَّ العربَ إذا نَفَتِ الحكمَ عن محكومٍ عليه فالأكثرُ في لسانِهم
نَفْيُ ذلك القيدِ، نحو: ((ما رأيتُ رجلاً صالحاً))، الأكثرُ على أنك رأيت رجلاً
ولكن ليسَ بصالحٍ ، ويجوزُ أنَّكَ لم تَرَ رجلاً البتةَ لا صالحاً ولا طالحاً،
فقوله: ((لا يسألونَ الناسَ إلحافاً، المفهومُ أنهم يسألونَ لكن لا بإلحاف،
ويجوز أن يكونَ المعنى: أنهم لا يَسْألُون ولا يُلْحِفون، والمعنيان منقولان في
التفسير. والأرجحُ الأولُ عندهم، ومثلُه في المعنى: ((ما تأتينا فتحدثنا) يجوز
أنه يأتيهم ولا يحدِّثُهم، ويجوزُ أنه لا يأتيهم ولا يحدِّثُهم، انتفى السبب وهو
الإِتيانُ فانتفى المُسَبَّبُ وهو الحديثُ.
وقد شَبَّه الزجاج(١) - رحمه الله تعالى - معنى هذه الآيةِ الكريمة
بمعنى بيت امرىء القيس(٢) وهو قوله:
إذا سافَه العَوْدُ النباطِيُّ جَرْجَرا
١٠٨٨- على لاحِبٍ لا يُهْتدی بمَنارهِ
قال الشيخ (٣): ((تشبيهُ الزجاج إنما هو في مُطْلَقِ انتفاءِ الشيئين أي:
لا سؤالَ ولا إلحافَ، وكذلك هذا: لا منارَ ولا هدايةَ، لا أنه مثلُه في
خصوصية النفي، إذ كان يلزمُ أن يكون المعنى: لا إلحافَ فلا سؤالَ، وليس
تركيبُ الآيةِ على هذا المعنى، ولا يَصِحُ: لا إلحافَ فلا سؤالَ لأنه لا يلزمُ من
نفي الخاص نفيُ العام، كما لَزِم من نفيِ المنارِ نفيُ الهداية التي هي من
بعض لوازمِه، وإنما يُؤدِّي معنى النفي على طريقة النفي في البيت أن لو كان
(١) معاني القرآن ٣٥٧/١.
(٢) ديوانه ٦٦؛ والخصائص ١٦٥/٣؛ وأمالي الشجري ١٩٢/١؛، واللسان (سوف))
وشواهد الكشاف ٣٩٧/٤. واللاحب: الطريق الواضح، وسافه: شمه، والعود:
الجمل المسن، وجرجر: صَوّت. وقوله: لا يهتدى بمناره: يريد نفي المنار والاهتداء.
(٣) البحر ٣٣٠/٢.
٦٢٣

- البقرة -
التركيب: ((لا يُلْحِفون الناسَ سؤالاً)) لأنه يلزمُ من نفيِ السؤال نفيُ الإِلحافِ،
إذ نفيُ العامِّ يَدُلُّ على نفيِ الخاص. فتلخّص من هذا كلَّه أنَّ نَفْيَ الشيئين:
تارةً تُدْخِلُ حرفِ النفي على شيءٍ فتنتفي جميعُ عوارضِه، وتُنَبَّهُ على بعضِها
بالذكرِ لغرضٍ ما، وتارةً تُدْخِلُ حرفَ النفي على عارضٍ مِنْ عوارضِهِ،
والمقصودُ نفيهُ فتنتفي لنفيهِ عوارضُه)).
قلت: قد سَبَقه ابنُ عطية إلى هذا فقال: ((تَشْبِيهُه(١) ليس مثلَه في
خصوصيةِ النفي، لأنَّ انتفاءَ المنارِ في البيتِ يَدُلُّ على نفي الهدايةِ، وليس
انتفاءُ الإلحاحِ يدلُّ على انتفاءِ السؤالِ.)) وأطالَ ابنُ عطية في تقريرِ هذا
وجوابُه ما تقدم: من أنَّ المرادَ نفيُ الشيئين لا بالطريقِ المذكورِ في البيتِ،
وكان الشيخُ(٢) قد قال قبلُ ما حكيته عنه آنفاً: ((ونظيرُ هذا: ما تَأْتينا فتحدِّثَنا»
فعلى الوجه الأول يعني نفيَ القيدِ وحدَه: ما تأتينا مُحَدِّثاً، إنما تأتي
ولا تحدِّثُ، وعلى الوجه الثاني يعني نفيَ الحكمِ بقيده بـ((ما يكون منك
إتيانٌ فلا يكونُ حديثٌ))، وكذلك هذا: لا يقعُ منهم سؤالٌ البَّةَ فلا يقعُ
إلحاحٌ، ونَبَّه على نفي الإلحاحِ دونَ غيرِ الإلحاح لقبحِ هذا الوصفِ،
ولا يُرَادُ به نفيُ هذا الوصفِ وحدَه ووجودُ غيرِه؛ لأنه كانَ يَصيرُ المعنى (٣) الأول،
وإنما يُراد بنفي هذا الوصفِ نفيُ المترتباتِ على المنفيِّ الأولِ، لأنه نَفَى
الأولَ على سبيلِ العمومِ فتنتفي مترتِباتُه، كما أنك إذا نَفَيْتَ الإِتيانَ فانتفى
الحديثُ انتفى جميعُ مترتِّبَاتُ الإِتيانِ من المجالسةِ والمشاهدةِ والكينونةِ في
محلِّ واحد، ولكنَّ نَّه بذكرٍ مترتّب واحدٍ لغرضٍ ما على ذِكْرِ سائرِ المترتبات)»
قلت: وهو تقريرٌ لِمَا تَقِدَّم.
(١) أي تشبيه الزجاج الآية ببيت امرىء القيس. وانظر: المحرر ٣٤٢/٢.
(٢) البحر ٣٢٩/٢.
(٣) كذا في الأصل والبحر فتكون ((صار)) تامة. أو نقدِّر الخبر: الأول، أو نقدّر: إلى الأول.
٦٢٤

- البقرة -
وأمَّا الزمخشري(١) فكأنه لم يَرْتَضِ تشبيهَ الزجاج، فإنه قال: ((وقيل: هو
نفيٌ للسؤالِ والإِلحافِ جميعاً كقوله(١):
على لاحِبٍ لا يُهْتَدَی بمنارِه
يريد نفيّ المنارِ والاهتداء به».
وطريقُ أبي إسحاق الزجاج هذه قد قَبِلها الناسُ ونَصَروها واستحسنوا
تنظيرَها بالبيت كالفارسي وأبي بكر بن الأنباري، قال أبو علي: ((لم يُثْبِتْ في
قوله: ((لا يسألونَ الناسَ إلحافاً) مسألةٌ فيهم، لأن المعنى: ليس منهم مسألةٌ
فيكونَ منهم إلحافٌ، ومِثْلُ ذلك قولُ الشاعر(٢):
١٠٨٩ - لا يَفْزَعُ الأرنبُ أهوالَها ولا ترى الضَبَّ بها يَنْجَجِرْ
أي: ليس فيها أرنبٌ فيفزعَ لهولِها ولا ضَبُّ فينجحرَ، وليس المعنى أنه
ينفي الفزعَ عن الأرنبِ والانجحار عن الضب. وقال أبو بكر: ((تأويلُ الآية:
لا يسألون البتةَ فيخرجهم السؤالُ في بعض الأوقات إلى الإِلحافِ؛ فجَرى هذا
[١١١/أ] مَجْرى قولك: / فلان لا يُرْجى خيرُه أي: لا خيرَ عنده البتة فيُرْجى، وأنشد
قول امرىء القيس(٣):
١٠٩٠- وصُمُّ صِلابُ ما يَقِين من الوَجَى كأنَّ مكانَ الرِّدْفِ منه على رَالٍ
أي: ليس بهن وَجَى فيشتكينَ من أجله. وقال الأعشى(٤):
(١) الكشاف ٣٩٨/١.
(٢) البيت لابن أحمر، وهو في الخصائص ١٦٥/٣؛ وأمالي الشجري ١٩٢/١؛ وشواهد
الكشاف ٤٠٠/٤؛ والخزانة ٢٧٣/٤.
(٣) ديوانه ٣٦؛ وأدب الكاتب ٩٤. ويصف حوافر الفرس، والوجى: أن تشتكي الحوافر
من الحفا. والرأل: فرخ النعامة .
(٤) ليس في ديوانه وهو في أدب الكاتب ٣٢؛ ومفردات الراغب ٣٩١. والوصب: المرض،
والشرسوف: واحد الشراسيف وهي الأضلاع، والصفر: حيَّة.
٦٢٥

- البقرة -
١٠٩١- لا يَغْمِزُ الساقَ مِنْ أَيْنِ ولا وَصَبٍ. وَلَا يَعَضُّ على شُرْسُوْفِه الصَّفَرُ
معناه: ليس بساقِهِ أَيْنٌ ولا وصبٌ فيغمزَها. وقال الفراء(١) قريباً منه فإنه
قال: ((نفى الإِلحاف عنهم وهو يريدُ جميعَ وجوهِ السؤال كما تقول في
الكلام: ((قُلَّ ما رأيتُ مثلَ هذا الرجل)) ولعلك [لم تَرَ قليلاً ولا كثيراً من
أشباهه](٢). وجَعَل أبو بكر الآيةَ عند بعضِهم من بابِ حَذْفِ المعطوف، وأن
التقدير: لا يسألونَ للناسَ إلحافاً ولا غيرَ إلحاف. كقوله تعالى: ((تَقِيكم
الحر))(٣) أي: والبرد.
والإِلحافُ والإِنجاحُ واللَّجاجُ والإِحفاءُ، كلُّه بمعنى، يقال: ألجفَ وألحْ
في المسألةِ: إذا لَجَّ فيها. وفي الحديثِ: ((مَنْ سَأَلَ وله أربعون فقِد
أَلْحَفَ))(٤)، واشتقاقُه من اللَّحاف، لأنه يشتملُ الناسَ بمسألتِهِ وَيَعُمُّهم،
كما يشتملُ اللِّحافُ من تحتِهِ ويُغَطِّه، ومنه قولُ ابن أحمر يصفُ ذَكَرَ نعامٍ
يَحْضُن بيضَه بجناحَيْه ويجعلُ جناحَه لها كاللحاف(٥):
١٠٩٢- يظلُ يَحُفُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ
ويَلْحَفُهُنَّ هَفْهافاً ثَخِينا
وقال آخرُ في المعنى (٦):
يُلْحِفُون الأرضَ هُدَّابَ الأُزُرْ
١٠٩٣ - ثم راحوا عَبَقُ المِسْكِ بهم
أي: يُلْبِسونها الأرضَ كإلباسِ اللحافِ للشيءٍ. وقيل: بل اشتقاقٌ
(١) معاني القرآن ١٨١/١.
(٢) ما بين معقوفين لم يظهر في فيلم الأصل.
(٣) الآية ٨١ من النحل.
(٤) رواه النسائي في باب الزكاة بشرح السيوطي ٩٨/٥.
(٥) اللسان: هفف - قفف؛ والبحر ٣١٦/٢؛ والهفهافان: الجناحان؛ وكذلك القفقفان.
(٦) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ٦٥؛ والأشموني ١٩٠/٢. والهداب: الخيوط التي تبقى في
طرفي الثوب من عرضيه، والأزر: الثياب.
٦٢٦

- البقرة -
اللفظةِ من ((لَحْفِ الجبل)) وهو المكانُ الخَشِنُ، ومجازُه أنَّ السائلَ لكثرة سؤالِه
كأنه استعمل الخشونةَ في مسألتِهِ، وقيل: بل هي (من لحَفَّني فلانٌ» أي
أعطاني فَضْلَ ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول.
آ. (٢٧٤) قوله تعالى: ﴿الذين يُنفقون﴾: مبتدأ، وخبرُه الجملةُ
من قوله ((فلهم أجرُهمْ)) ودَخَلَتِ الفاءُ لِما تضمَّنه الموصولُ من معنى الشرط.
وقال ابنُ عطية(١): ((وإنما يوجَدُ الشِّبَهُ - يعني بين الموصولِ واسمِ الشرط -
إذا كان الموصولُ موصولاً بفعل، وإذا لم يَدْخُلْ على الموصول عاملٌ يُغَيِّر
معناه). قال الشيخ(٢): ((فَحَصَر الشبه فيما إذا كان ((الذي)) موصولاً بفعل،
وهذا كلامُ غير مُحَرَّر، أمَّا قولُه ((الذي)) فلا يختصُّ ذلك بـ ((الذي))، بل كلّ
موصولٍ غيرِ الألفِ واللامِ حكمُه حكمُ ((الذي)» بلا خلافٍ، وفي الألفِ
واللامِ خلاف، ومذهبُ سيبويه(٣) المنعُ من دخولِ الفاءِ. الثاني: قولُه ((موصولاً
بفعلٍ )) فَأَطْلَقَ الفعلَ واقتصرَ عليه، وليس كذلك، بل شرطُ الفعلِ أن يَصْلُحَ
المباشرةِ أداة الشرط فلو قلت: ((الذي سيأتيني - أو لمًّا يأتيني - أو ما يأتيني
أو ليس يأتيني - فله درهمٌ لم يَجُزْ شيء من ذلك، لأنَّ أداةَ الشرطِ لا يَصِحُّ أن
تَدْخُلَ على شيءٍ من ذلك، وأمَّ الاقتصارُ على الفعلِ فليس كذلك بل الظرفُ
والجارُّ والمجرورُ في الوصلِ كذلك، متى كان شيءٌ منهما صلةً لموصولٍ
جاز دخولُ الفاءِ. وقوله: ((وإذا لم يدخُلْ على ((الذي)» عاملٌ يغيِّر معناه)) عبارةٌ
غيرُ ملخّصة(٣)، لأن العاملَ لا يُغَيِّر معنى الموصولِ، إنما يغيِّرُ معنى الابتداءِ،
بأَنْ يُصَيِّره تمنياً أو تَرَجِّياً أو ظناً نحو: لعل الذي يأتيني - أو ليت الذي يأتيني،
أو ظننت الذي يأتيني - فله درهمٌ، لا يجوزُ دخولُ الفاءِ لتغيُّرِ معنى الابتداءِ.
(١) المحرر ٣٤٤/٢.
(٢) البحر ٣٣١/٢.
(٣) سيبويه ٧٢/١ - ٧٣.
(٤) البحر: ((غير مخلصة))، ولعلها أنسب.
٦٢٧

- البقرة -
وكان ينبغي له أيضاً أن يقولَ: ((ويُشْترط أن يكونَ الخبرُ مستحقاً بالصلةِ كالآية
الكريمة، لأنَّ ترتَّبَ الأجرِ إنما هو على الإِنفاق)).
قلت: وقولُ الشيخِ أيضاً: ((بل كلُّ موصولٍ)) ليسَ الحكمُ أيضاً مقتصراً
على كلِّ موصول، بل كلُّ نكرةٍ موصوفة بما يجوز أن يكون صلةً مجوّزةً
لدخولِ الفاءِ أو ما أُضيف إلى تلك النكرةِ أو إلى ذلك الموصول (١)
أو الموصوفِ بالموصولِ (٢) حكمُه كذلك. وهذه المسألةُ قد قَدَّمْتُها متقنةً ..
آ. (٢٧٥) والرِّبا لامُه واوٌ لقولِهم: رَبا يَرْبو، فلذلك يُثَنَّى بالواوُ
ويكتَبُ بالألفِ. وجَوَّز الكوفيون تثنيته بالياءِ وكذلك كتابتُه، قالوا لكسر أولِه
ولذلك أمالوه، وليس هذا مختصاً بمكسور الأول ، بل الثلاثي من ذواتِ الواوِ
المكسورُ الأولِ أو المضمومُه نحو: ((رِبا)) و ((عُلا» حكمُه ما ذكرته عنهم،
فأمَّا المفتوحُ الأولِ نحو: عصا وقَفًا فلم يُخالفوا البصريين، وكُتب في القرآنِ
بخطِ الصحابة بواوٍ بعدها ألفٌ. والمادةُ تَدُلُّ على الزيادةِ والارتفاعِ ومنه
الرَّبْوَةُ. وقال حاتم الطائي يصف رُمْحاً (٣).
١٠٩٤ - وأسمرَ خِطِيّاً كأن كعوبَه
نَوَى القَسْبِ قد أَرْبَى ذِراعاً على العُشْرِ
وقيل: إنما كُتِبَ بالواوٍ لأنَّ أَهلَ الحجازِ تَعَلَّموا الخطّ من أهلِ الحِيرة،
وأهلُ الحِيرةِ يقولونَ: ((الرِّبو)» بالواوِ فكتبوها كذلك ونقلَها أهلُ الحجاز كذلك
خَطَّاً لا لفظاً. وقد قرأ(٤) العدويُّ: ((الرِّبَو)) كذلك بواوٍ خالصة بعد فتحةِ
(١) نحو: ((ولد الذي يأتيني فله درهم)).
(٢) نحو: ((ابنة المرأة التي تأتيني فلها درهم)).
(٣) ديوانه ٨٠؛ وشواهد الكشاف ٤٠٥/٤؛ ونوى القسب: نوع من التمر.
(٤) البحر ٣٣٣/٢؛ شواذ القراءات ١٧ ولكنه ضبطها في المطبوعة بضم الباء ..
٦٢٨

- البقرة -
الباء. فقيل: هذا القارىءُ أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ، وذلك أنَّ مِن العربِ
مَنْ يقلِبُ ألفَ المقصورِ واواً فيقول: هذه أَفْعَو، وهذا من ذاك، إلا أنه أَجْرى
الوصلَ مُجْری الوقفِ.
وقد حكى أبو زيد ما هو أغربُ من ذلك فقال: ((قرأ بعضُهم بكسرِ الراءِ
وضمِ الباءِ وواوٍ بعدها))، ونَسَبَ هذه للغلط؛ وذلك لأنَّ لسانَ العرب [لا]
بقي واواً بعد ضمٍ في الأسماءِ المعربة، بل إذا وُجد ذلك لم يُقَرَّ على حاله،
بل تُقْلَبُ الضمةُ كسرةٌ والواوُ ياءً نحو: دَلْوِ وَأَدْلٍ (١)، وجَرْوٍ وَأَجْرٍ وأنشد
أبو عليّ(٢):
بالرَّقْمتينِ له أَجْرٍ وَأَعْراسُ
١٠٩٥- ليثُ هِزَبْرٌ مُدِلُّ عند خِیسَتِه
ونهايةُ ما قيلَ فيها أنَّ قارئها قَلَبَ الألفَ واواً كقولِهم في الوقف: أَفْعَو،
ثم أُجْرِيَ مُجْرى الوقفِ في ذلك، ولم يَضْبِطِ الراوي عنه ما سَمِع فظنّه بضمِّ
الباء لأجلِ الواوٍ فنقلها كذلك، وليت الناسَ أَخْلَوا تصانيفهم من مثلِ هذه
القراءات التي لو سَمِعها العامةُ لمَجُوها ومن تعاليلها(٣)، ولكن صارَ التارُ لها
يَعُدُّه بعضُهم جاهلاً بالاطلاع عليها.
ويقال: رِبا ورِما، بإبدالٍ بائِه ميماً، كما قالوا: كَثَم فِي كَثَبْ(٤).
والألفُ واللام في ((الرِّبا)) يجوز أن تكونَ للعهدِ، إذ المرادُ الربا الشرعيُّ،
[١١١/ب] ويجوز أن تكونَ لتعريفِ الجنس /.
(١) أصلها أَدْلُوٌ ففْعِل بها ما ذكره.
(٢) البيت لمالك بن خالد، وهو في ديوان الهذليين ٤/٣؛ الإيضاح العضدي ٢٠.
وابن يعيش ٣٥/٥؛ والخيسة: موضع الأسد؛ والأعراس: ج عرس وهو السبع.
(٣) لعل الأصل: ((وسئموا من تعاليله)).
(٤) قال في اللسان ((كثب)): ((يقال هو يرمي من كثب أي: من قرب وتمكن)).
٦٢٩

- البقرة -
قوله: ((لا يَقُومون)» الظاهرُ أنها خبرُ الموصولِ المتقدِّمِ ، وقال بعضهم:
إنها حالٌ، وهو سهوٌ، وقد يُتْكلَّفُ تصحيحُه بأن يُضْمَرَ الخبرُ كقراءة من قرأ
(نحن عصبةً))(١)، وقوله(٢) :
باغياً
١٠٩٦ - .... لا أنا
في أحد الوجهين.
قوله: ((إلّ كما يقوم)) فيه الوجهان المشهوران وهما: النصبُ على
النعتِ لمصدرٍ محذوفٍ أي: لا يقومون إلا قياماً مثلَ قيامِ الذي يتخبطه
الشيطانُ، وهو المشهورُ عند المعربين، أو النصبُ على الحالِ من ضميرٍ ذلك
المصدرِ المقدَّرِ أي: لا يقومونَهُ أي القيامَ إلا مُشْبِهاً قيامَ الذي يتخبطه الشيطانُ ،
وهو رأي سيبويه(٣)، وقد قَدَّمْتُ تحقيقهما.
و ((ما)) الظاهرُ أنّها مصدريةٌ أي: كقيامٍ. وجَوَّزَ بعضُهم أن تكون بمعنى
الذي، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: إلا كالقيامِ الذي يقومه الذي يتخبّطُه
الشيطانُ، وهو بعيد.
و ((يتخبَّطه» يَتَفَعَّلُه، وهو بمعنى المجردِ أي يخبِطُه؛ فهو مثل: تَعدَّى
الشيءَ وعَدَاه. ومعنى ذلك مأخوذٌ من خَبَط البعيرُ بأخفافِه: إذا ضرب بها
الأرضَ. ويقال: فلانٍ يَخْبِطِ خَبْطَ عَشْواء، قال علقمة (٤):
١٠٩٧ - وفي كل حَيُّ قد خَبَطْتَ بنعمةٍ
فَحُقَّ لِشَأْسٍ من نَداكَ ذُنُوبُ
(١) الآية ٨ من يوسف، وهي قراءة علي بن أبي طالب .. انظر: البحر ٢٨٣/٥.
(٢) تقدم برقم ٣٩٦؛ وثمة وجه آخر في ((باغيا)) وهو أن يكون خبر ((لا)) العاملة عمل ليس،
ودخلت على المعرفة شذوذاً.
(٣) الكتاب ١١٦/١.
(٤) ديوانه ٤٨؛ والمفضليات ٣٩٦؛ والكتاب ٤٢٣/٢؛ وشأس: اسم رجل. والذنوب:
النصیب وأصله الدلو.
٦٣٠

- البقرة -
وقال زهير(١):
تُمِنْه ومَنْ تُخْطِىءُ يُعَمَّر فَيَهْرَمِ
١٠٩٨ - رأيتُ المناياخَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ
قوله: (مِن المَسِّ)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بيتخبَّطه من جهةٍ
الجنونِ، فيكونُ في موضعِ نصبٍ قاله أبو البقاء(٢). والثاني: أنه يتعلَّقُ
بقوله: ((لا يقومون)) أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم إلا كما يقوم
المصروع. الثالث: أنه يتعلَّقُ بقوله: ((يقومُ)) أي: كما يقومُ المصروع من
جنونه. ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشري(٣).
قال الشيخ (٤): ((وكان قَدَّم(٥) في شرحِ المَسِّ أنه الجنونُ، وهذا الذي
ذهب إليه في تعلَّقِ ((من المس» بقوله ((لا يقومون)) ضعيفٌ لوجهين، أحدُهما:
أنه قد شَرَحَ المسِّ بالجنون، وكان قد شَرَحَ أنَّ قيامَهم لا يكون إلا في الآخرة
وهناك ليس بهم جنونٌ ولا مَسٌّ، ويَبْعُدُ أن يَكْني بالمسِّ الذي هو الجنونُ عن
أكلِ الربا في الدنيا، فيكونُ المعنى: لا يقومون يومَ القيامة أو من قبورهم من
أجلِ أكلِ الرِّبا إلا كما يقومُ الذي يتخبّطُهُ الشيطان، إذ لو أُريد هذا المعنى
لكان التصريحُ به أَوْلَى من الكنايةِ عنه بلفظِ المَسِّ ، إذ التصريحُ به أَبْلَغُ في
الزجرِ والردعِ . والوجه الثاني: أنَّ ما بَعد. ((إِلَّ) لا يتعلَّقُ بما قبلها إلا إنْ كان
في حَيِّز الاستثناء، وهذا ليسَ في حَيِّز الاستثناء، ولذلك منعوا أَنْ يتعلَّقَ
((بالبيناتِ والزبر) بقوله: ((وما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رجالاً))(٦) وأنَّ التقديرَ:
وما أرسلنا بالبيناتِ والزبرِ إلا رجالاً».
(١) ديوانه ٢٩ من معلقته.
(٢) الاملاء ١١٦/١.
(٣) الكشاف ٣٩٩/١.
(٤) البحر ٣٣٤/١.
(٥) البحر: ((قد قدم)) وهي أقوى.
(٦) الآية ٤٤ من النحل: ((وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر
إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر)».
٦٣١

- البقرة -
قلت: أمَّا تضعيفُه المعنى فليس بجيدٍ، بل الكنايةُ في لسانِهم أَبْلَغُ
وهذا مِمَّا لا يُخْتَلَفُ فيه. وأمَّا الوجهُ الثاني فإنه يُغْتَفُرُ في الجارِّ والظرفِ
ما لا يُخْتَفَرُ في غيرِهِ، وشواهدُهُ كثيرةٌ .
والمَسُّ عُبِّر به عن الجنونِ في لسانهم، قالوا: مُسَّ فهو مَمْسُوسٍ، مثل:
جُنَّ فهو مَجْنون، وأنشد أبو بكر (١):
١٠٩٩- أُعَلِّلُ نفسي، بما لا يكونُ كذي المَسِّ جُنَّ ولم يُخْتَقِّ
وأصلُه أنَّهم يقولون: إنَّ الشيطانَ يَمَسُ الإِنسانَ بيدِه ويُرْكِضُهِ برجلِهِ،
ويُعَبَّرُ بالجنونِ عن النشاطِ والسرعةِ وخفةِ الحركةِ، لذلك قال الأعشى يصف
ناقته (٢) :
١١٠٠ - وتُصبحُ عن ◌ِبِّ السُّرى وكأنما أَلَمَّ بها مِن طائفِ الجَنِّ أَوْلَقُ
وقال آخر(٣):
١١٠١ - بَخِيلٍ عليها جِنَّةُ عبقريةٌ
قوله: ((ذلك بأنهم)) مبتدأ وخبرٌ، أي: ذلك التخُّطُ، أو ذلك القيامُ
بسبب افترائِهم هذا القولَ. وقيل: ((ذلك)) خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ تقديرُه: قيامُهم
ذلك. قال الشيخ(٤): (إلا أنَّ في هذا الوجهِ فصلًا بين المصدرِ ومتعلَّقِه الذي
-٠
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٣٤/٢. وأبو بكر هذا هو ابن الأنباري وتقدمت
ترجمته .
:
(٢) ديوانه ٢٢١؛ واللسان: طوف؛ والأولق: الجنون.
(٣) البيت لزهير، وعجزه
جديرون يوماً أَنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
وهو في ديوانه ١٠٣؛ والمحتسب ٣٠٦/٢؛ واللسان: عبقر.
(٤) البحر ٣٣٤/٢.
٦٣٢

- البقرة -
هو ((بأنهم))، على أنه لا يَبْعُدُ جوازُ ذلك لحذفِ المصدرِ، فلم يَظْهَرْ تُبْحُ
بالفصلِ بالخبرِ».
وقد جَعَلوا الربا أصلاً والبيعَ فرعاً حتى شَبَّهوه به، قال الزمخشري (١):
(فإِنْ قلت: هلَّ قيل: إنما الربا مثلُ البيع، لأنَّ الكلامَ في الربا لا في البيعِ .
قلت: جِيء به على طريقةِ المبالغةِ، وهو أنهم قد بَلَغ من اعتقادهم في حِلّ
الربا أنهم جَعَلوه أصلاً وقانوناً في الحِلِّ، حتى شَبَّهوا به البيع)). قلت: وهو
بابٌ في البلاغةِ مشهورٌ، وهو أعلى رتب التشبيه، ومنه قوله(٢):
١١٠٢- ورَهْلٍ كأوراكِ العَذارى قَطَعْتُه
قوله: ((وأَحَلَّ اللهُ البيعَ)) الظاهرُ أنه من كلامِ اللهِ تعالى، أَخْبر بأنه
أَحَلَّ هذا وحَرَّم ذاك، وعلى هذا فلا محلّ لهذه الجملةِ من الإِعراب. وقال
بعضُهم: ((هذه الجملةُ من تَتِمَّةِ قولِ الذين يأكلون الربا، فتكونُ في محلٌ
نصبٍ بالقول عطفاً على المقول)) وهو بعيدٌ جداً، نَقَلْتُه عن قاضي [القضاة
عزالدين في درسه](٣).
قوله: ((فَمَنْ جاءَه)» يُحتمل أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ
موصولةٌ وعلى كِلا التقديرَيْنِ فهي في محلّ رفعٍ بالابتداء.
وقوله: ((فَلَه ما سَلَفَ)) هو الخبرُ، فإنْ كانَتْ شرطيةً فالفاءُ واجبةٌ، وإن
(١) الكشاف ٣٩٩/١.
(٢) البيت لذي الرمة، وعجزه:
إِذا جَلَّلَتْهُ الْمُظْلِماتُ الخَنادِسُ
وهو في ديوانه ١١٣١؛ والكامل ٤٩٤؛ والخصائص ٣٠٠/١؛ وأمالي المرتضى
١٤/٤؛ واللسان: جمل. الحنادس: الليالي المظلمة.
(٣) خرم في الأصل، وعزالدين هذا لعله أحد أساتذته ولم أقف على ترجمة له.
٦٣٣

- البقرة
كانَتْ موصولةً فهي جائزةٌ، وسببُ زيادتِها ما تقدَّم مِنْ شَبَهِ الموصولِ لاسْمِ
الشرطِ. ويجوزُ حالَ كونها شرطيةً وجهٌ آخرُ وهو أن تكونَ منصوبةٌ بفعلٍ
مضمرٍ يفسِّره ما بعدَه، وتكونُ المسألةُ من بابِ الاشتغالِ، ويُقَدَّر الفعلُ بعدَها
لأنَّ لَها صدرَ الكلامِ، والتقديرُ: فأيُّ شخصٍ جاءَتِ الموعظةُ جاءته،
ولا يجوزُ ذلك فيها موصولةً لأنَّ الصلةَ لا تُفَسِّر عاملاً، إذ لا يَصِحُ تسلُّطها على
ما قبلها، وشرطُ التفسيرِ صحةُ التسلُّطِ. وسَقَطَتِ التاءُ من الفعلِ لشيئين:
الفصلُ بين الفعلِ وفاعلِه بالمفعولِ ، وكونُ التأنيثِ مجازياً، وقرأ الحسن(١):
((جاءَتْه)) على الأصل.
قوله: ((مِنْ ربه)) يجوزُ أن تكونَ متعلقةً بجاءَتْه، وتكونُ لابتداءِ الغاية
مجازاً، وأن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لموعظة، أي: موعظةٌ من
موعظاتٍ ربه، أي بعضُ مواعِظه .
وقوله: ((فانتهى)) نَسَقٌ على ((جاءَتْه)) عَطَفَه بفاءِ التعقيبِ أي: لم يتراخ
انتهاؤه عن مجيء الموعظهِ . /
[ ١١٢/أ]
وقوله: ومَنْ عاد)) الكلامُ على ((مَنْ) هذه في احتمالِ الشرطِ
والموصولِ كالكلامِ على التي قبلها. والضميرُ في قولِه ((فَأَمْرُه) يعودُ على
(ما سَلَف))، أي: وأمرُ ما سلَفَ إلى الله، أي: في العفوِ عنه وإسقاطِ التِِّعَةِ
منه. وقيل: يعودُ على المنتهي المدلولِ عليه بانتهى أي: فأمرُ المنتهي عن
الربا إلى الله في العفوِ والعقوبةِ. وقيل: يعودُ على ذي الربا في أَنْ ينتبه على
الانتهاءِ أو يعيده إلى المعصيةِ. وقيل: يعودُ على الرِبا أي: في عفو الله
عمَّا شاء منه أو في استمرارِ تحريمِه .
(١) شواذ القراءات ١٧؛ البحر ٣٣٥/٢.
٦٣٤

- البقرة -
آ. (٢٧٦) قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الربا ويُرْبي﴾: الجمهورُ
على التخفيفِ في الفعلين من مَحَقّ وأَرْبى. وقرأ ابن الزبير(١): ورُويت عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يُمَحِّق ويُرَبِّي)) بالتشديدِ فيهما من ((مَحَّق
ورَبَّی)» بالتشدیدِ فيهما.
وقوله: ((سَلَفَ)) سَلَفَ بمعنى مَضَى وانقضى، ومنه: سالفُ الدهر، وله
سَلَفٌ صالح: آباءٌ متقدِّمون. ومنه ((فَجَعَلْناهم سَلَفاً)(٢) أي: أمةٌ متقدمةٌ يَعتبر
بهم مَنْ بعدهم. ويُجمعِ السَّلَفُ على: أَسْلاف وسُلوف. والسالِفَةُ
والسُّلاف: المتقدِّمون في حربٍ أو سفرٍ. والسالفةُ من الوجه لتقدُّمها،
قال (٣) :
١١٠٣ - ومَيَّةُ أحسنُ الثَّعَلَيْنِ جِيداً وسالفةٌ وَأَحْسَنُه قَذالا
وسُلافة الخمر قيل لها ذلك لتقدُّمها على العَصْرِ. والسُّلْفَةُ ما يُقَدَّمُ من
الطعامِ للضيفِ. يُقال: ((سَلِّفوا ضيفكم ولَهِّنوه)) أي: بادِروه بشيء ما. ومنه:
السَّلَفُ في الدَّيْن لأنه تقدَّمه مالٌ.
وقوله: ((عادَ)) أي: رَجَعَ، يُقال: عادَ يعود عَوْداً ومَعاداً، وعن بعضهم
أنها تكونُ بمعنى صار، وعليه(٤):
(١) البحر ٣٣٦/٢؛ القرطبي ٣٦٢/٣؛ وعبدالله بن الزبير الصحابي وردت عنه الرواية
في حروف القرآن، قتل سنة ٧٣. طبقات القرآن ٤١٩/١.
(٢) الآية ٥٦ من الزخرف.
(٣) البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٥٢١؛ والكامل ٧٦٨؛ والخصائص ٤١٩/٢؛
وابن يعيش ٩٦/٦؛ ورصف المباني ١٦٨؛ والشذور ٤١٧؛ واللسان: ثقل؛ والهمع
٥٩/١؛ والدرر ١ / ٣٤. والقذال: مؤخر الرأس فوق القفا.
(٤) البيت لفرعان التميمي، وهو في اللسان: جعد، والأشموني ٢٢٩/١. والجعد
والعنطنط: من مراتب الرجال في السن. والغارب: ما بين السنام إلى العنق.
٦٣٥

- البقرة -
إذا قام ساوى غاربَ الفَحْلِ غاربُه
١١٠٤- وبالمَخْضِ حتى عاد جَعْداً عَنَطْنَطَا
وأنشدوا(١):
١١٠٥ - تُعِدُّ لكم جَزْرَ الجَزُورِ رماحُنا ويَرْجِعْنَ بالأسيافِ مُنْكَسِرَاتٍ
والمَحْقُ: النقصُ، يُقال: مَحَقْتُهُ فانمَحَقَ، وامتَحَقَ، ومنه المُحاق في
القمر، قال(٢):
١١٠٦ - يَزْداد حتى إذا ما تَمَّ أَعقَبِهُ كَرُّ الجديدَيْنِ نَقْصاً ثم يَنْمَحِقُ
وأنشد ابن السكيت(٣):
١١٠٧ - وَأَمْصَلْتُ مالي كلَّه بحياتِهِ. وماسُسْتَ من شيءٍ فَرَبُّكَ ماحِقُهْ
ويقال: هَجِيرٌ ماحِقٌ: إذا نَقَصَ كلُّ شيءٍ بِحَرِّه.
وقد اشتملَتْ هذه الآيةُ على نوعين من البديع، أحدُهما: الطباقُ في
قولِهِ: (يَمْحَقُ ويُرْبي)) فإنهما ضِدَّان، نحو: ((أَضْحَكَ وأبكى))(٤)، والثاني:
تجنيسُ الْتغايرِ في قولِهِ: ((الرِّبا ويُرْبى)) إذ أحدُهما اسمٌ والآخرُ فِعْلٌ.
آ. (٢٧٨) قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا﴾: فُتِحَتِ العينُ من ((ذَرْ» حَمْلًا
على ((دَعْ)) إذ هو بمعناه، وفُتِحَتْ في ((دَعْ)) لأنه أَمْرٌ من ((يَدَعُ)) وفُتِحَتْ من
(يَدَعُ)) وإنْ كان قياسُها الكسرَ لكونِ الفاءِ واواً كَيَعِدُ لكونٍ لامِهِ حرفَ حلقٍ.
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في الهمع ١٢/١؛ والدرر ٨٣/١. والشاهد فيه ((يرجعن)) حيث
استعملت بمعنى صار، والرواية المشهورة ((ويرجعن بالأكباد)) وهي أبلغ.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٣٣٢/٢.
(٣) إصلاح المنطق ٢٧٩ ولكن صدره فيه:
لقد أَمْصَلَتْ عفراءُ ماليَ كلَّه
وأمصلت : أفسدت.
(٤) الآية ٤٣ من النجم.
٦٣٦

- البقرة -
ووزنُ ((ذروا): عَلوا لأنَّ المحذوفَ الفاءُ لا يُستعمل منه ماضٍ إلَّ فِي لُغَيَّة،
وكذلك ((دَعْ)).
وقرأ الحسن(١): ((ما بَقًا)) بقلبِ الكسرةِ فتحةً والياءِ الفاً، وهي لغةً
لطيء ولغيرِهِم، ومنه قولُ علقمة التميمي(٢):
١١٠٨_ زَهَا الشوقُ حتی ظَلَّ إنسانُ عینِهِ
وقال الآخر(٣):
يَفِيضُ بمغمورٍ من الدَّمْعِ مُتْأَقٍ
١١٠٩- وما الدُّنيا بياقاةٍ علينا وما حَيٍّ على الدنيا بباقٍ
ويَقُولون في الناصيةِ: ناصاةٌ. وقرأ الحسنُ أيضاً: ((بَقِيْ)) بتسكين الياء،
قال المبرد: ((تسكينُ ياءِ المنقوصِ في النصبِ مِنْ أحسنِ الضرورةِ، هذا مع
أنه مُعربٌ فهو في الفعلِ الماضي أحسنُ» قلت: وإذا كانوا قد حَذّفوها من
الماضي صحيحَ الآخرِ فَأَوْلى من حرفِ العلةِ، قال(٤):
١١١٠- إنما شِعْريَ قَيْدٌ قد خُلْطَ بِجُلْجُلانْ
وقال جرير في تسكينِ الياء(٥):
ماضي العزيمةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ
١١١١- هو الخليفةُ فارضُوا ما رَضِيْ لكم
(١) القرطبي ٣٧٠/٣؛ البحر ٣٣٧/٢.
(٢) ديوانه ٧٢؛ والبحر ٢٤٠/١، والتأق: الامتلاء، والشاهد: ((زها)) قال صاحب
الصحاح: ((زها)): وللعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول به وإن كانت
بمعنى الفاعل مثل زُهِي الرجل)) فيكون الشاعر قد قلب الياء ألفاً.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في الإنصاف ٧٥.
(٤) تقدم برقم ١٢٧ .
(٥) ديوانه ٣٩٠؛ وشواهد الكشاف ٤٥٦/٤. والجنف: الميل.
٦٣٧

- البقرة -
وقال آخر(١):
على الأرضِ قَيْسِيُّ يسوق الأباعرا
١١١٢ - لَعَمْرُكَ لا أخشى التَّصَعْلكَ ما بقِي
قوله: (مِن الرباء متعلُّقٌ ببقيَ كقولهم: ((بَقِيَتْ منه بقيةً))، والذي يظهر
أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من فاعلِ ((بقَى))، أي: الذي بقي حالَ
كونِهِ بعضَ الربا، فهي تبعيضيةٌ.
ونَقَل ابنُ عطية (٢) هنا أنَّ العدويَّ - وهو أبو السَّمَّال - قرأ ((من الرُّبُو))
بتشديدِ الراء مكسورةً، وضمِّ الباءِ بعدَها واوٌ. قلت: قد قَدَّمْتُ أن أبا السَّمَّال
إنما قرأ ((الربا)) في أولِ الآيةِ بواوٍ بعد فتحةِ الباءِ، وأنَّ أبا زيدٍ حَكَى عن
بعضِهم أنه ضَمَّ الباءَ، وقدَّمْتُ تخريجهما على ضعفه .
وقال ابن جني (٣): ((شَذَّ هذا الحرفُ فِي أَمْرِين، أحدهما: الخروجُ من
الكسرِ إلى الضم بناءً لازماً، والآخر: وقوعُ الواوِ بعدَ الضمةِ في آخرِ الاسمِ ،
وهذا شيءٌ لم يأتِ إلا في الفعلِ نحو: / يَغْزُو وَيَدْعُو، وأَمَّا ((ذو)) الطائية [١١٢/ب]
بمعنى الذي فشاذةٌ جداً، ومنهم مَنْ يُغَيِّرُ واوَها إذا فارَقَ الرفعَ، فيقولُ: ((رأيتُ
ذا قام))، ووجهُ القراءةِ أنه لمَّا فَخَّم الألفَ انتحى بها الواوَ التي الألفُ بدلٌ
منها، على حَدِّ قولهم: الصلاةُ والزكاةُ، وهي بالجملةِ قراءةٌ شاذةٌ)). قلت: غيرُهُ
يقيِّدُ هذه العبارَةَ فيقولُ: ((ليسَ في الأسماء المُعْرَبَةِ واوٌ قَبْلَهَا ضمةٌ)) حتى
يُخرِجَ عنه ((ذو)) بمعنى الذي و ((هو)) من الضمائر، وابنُ جني لم يَذْكِرِ القِيدَ
استثنى ((ذو الطائية)) ويَرِدُ عليه نحو ((هو))، ويَرِدُ على العبارةِ ((ذو)» بمعنى
صاحب فإنَّها معربةً في آخرِها واوٌ بعدَ ضمةٍ. وقد أُجيبَ عنه بأنها تتغيَّر إلى
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٣٧٠/٣.
(٢) المحرر ٣٥١/٢.
(٣) المحتسب ١٤٢/١.
٦٣٨

- البقرة -
الألفِ والياءٍ فلم يُبالَ بها، وأيضاً فإنَّ ضمةَ الدالِ عارضةٌ، إذ أصلُها الفتحُ،
وإنما ضُمَّت إتباعاً على ما قَرَّرتُهُ في إعرابِ الأسماءِ السنةِ في كتبِ النحوِ.
وقوله(١): ((بناءً لازماً) تحرُّزٌ من وجودِ الخروجِ من كسرٍ إلى ضم بطريقٍ
العَرَض نحو: الحِبُك فإنه من التداخُل(٢)، ونحوُ: ((الرِّدُةُ)) موقوفاً عليه(٣)،
فالخروجُ من كسرٍ إلى ضَمِّ في هاتين الكلمتينِ ليس بلازمٍ. وقوله: ((مِنْهُم
مَنْ يغيِّرُ واوَها» المشهورُ بناؤها على الواوِ مطلقاً، وقد تُعْرَب كالتي بمعنى
صاحب وأنشدوا : (٤)
١١١٣ - فإمَّا كِرامٌ مُوسِرُونَ لَقِيْتُهمُ
فَحَسْبي من ذي عندهم ما كَفانيا
ويُروى: ((مِنْ ذو)) على الأصلِ .
قوله: ((إنْ كنتم)) شرطٌ وجوابُه محذوفٌ عند الجمهورِ أي: فاتَّقُوا
وَذَروا، ومتقدِّمُ عند جماعةٍ. وقيل: ((إنْ)) هنا بمعنى إذ، وهذا مردودٌ مرغوبٌ
عنه. وقيل: يُراد بهذا الشرطِ هنا الاستدامةُ.
آ. (٢٧٩) قوله تعالى: ﴿فَأَذَنُوا﴾: قرأ حمزة (٥) وأبو بكر عن
عاصمٍ: ((فَآَذِنوا)) بألف بعد الهمزةِ، والباقون بدونٍ ألف، ساكنَ الهمزةِ.
(١) أي: قول ابن جني.
(٢) لعله يعني بالتداخل هنا أن ((حِبُك)) لغةً غير وارد، فإذا سمعته تكون كسرتُه غير لازمة
لأن المفرد قد تداخل مع الجمع المسموع، فالحبل الذي يشد به على الوسط يقال له:
حباك وجمعه حُبُك، فإذا قلنا حِبُك یکون ثمة تداخل نادر.
(٣) أي أن أصل الوقف عليه بالسكون، أما هنا فقد نقلنا ضمة الهمزة إلى الدال الساكنة
فالخروج من كسر إلى ضم عارض إذاً .
(٤) البيت لمنظور بن سحيم الفقعي، وهو في ابن يعيش ١٣٨/٣؛ والأشموني ١٥٧/١؛
والضمع ٨٤/١؛ والدرر ٥٩/١.
(٥) السبعة ١٩٢؛ الكشف ٣١٨/١؛ القرطبي ٣٧٠/٣.
٦٣٩

- البقرة -
فالأولى من آذَنَه بكذا أي: أَعْلمه كقولِهِ: ((فقلْ آذَنْتُكم على سواءٍ))(١)
والمعنى: أَعْلِمُوا غيرَكم. أُمِرَ المخاطبون بتركِ الربا أَنْ يُعْلِمُوا غيرَهم مِمَّنْ
هو على حالهم في المَقامِ بالرِّبا بمحاربةِ اللَّهِ ورسولِهِ، فالمفعولُ هنا
محذوفٌ، وقد صَرَّحَ بِهِ الشاعرُ في قولِهِ: (٢)
١١١٤ - آذَتَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ رُبَّ ثارٍ يُمَلُّ مِنِهِ الثَّوَاءُ
وفي قولهِ تعالى: ((آذَنْتُكُم)). وقيل: الهمزةُ في ((فَأْذُنُوا)) للصيرورةِ
لا للتعدية، والمعنى: صِيروا عالِمين بالحربِ، قاله أبو البقاء (٣)، وفيه بُعْدٌ
کبیر.
وقراءةُ الباقين أَمْرٌ من: أَذِنَ يَأْذَنُ أي عَلِمَ يَعْلَمُ أي: فاعلَموا يُقال: أَذِن
؛ به فهو أَذِین، أي: عَلِمُ به فهو علیم.
ورجّح جماعةٌ قراءةً حمزةَ. قال مكيّ (٤): ((لولا أَنَّ الجماعَةً على القصرِ
لكان الاختيارُ المدَّ. ووجَّه ذلك أن آذَنَ بالمدُّ أَعَمُّ من أَذِنَ بالقصر، لأنهم إذا
أَعلمُوا غيرَهم فقد عَلِموا هم ضرورةً، من غيرِ عكسٍ، أو يَعْلَمُون هم
بأنفسِهم ولا يَعْلَمُ غيرُهُم)). قال: ((وبالقصرِ قرأ علي بن أبي طالب وجماعةٌ)).
وعَكَسَ أبو حاتمٍ فرجَّح قراءةً القصرِ، واستبعدَ قراءةً المَدِّ. قال: ((إِذ
الأمرُ فيه بالحربِ لغيرِهِم والمرادُهم؛ لأنهم المخاطَبون بتركِ الربا)» وهذا الذي
قالَه غيرُ لازمٍ ؛ لأنك إذا كنتَ على حالةٍ فقلتُ لك يا فلان: ((أعلِمْ فلاناً أنه
(١) الآية ١٠٩ من الأنبياء.
(٢) البيت للحارث بن جلزة، وهو في شرح المعلقات للتبريزي ٤٣١؛ والخصائص
٢٤١/١؛ وشواهد الكشاف ٣١٨/٤. والبين: الفراق، والثاوي: المقيم.
(٣) الإملاء ١١٧/١.
(٤) الكشف ٣١٨/١.
٦٤٠