Indexed OCR Text

Pages 601-620

- البقرة -
والياء معاً، وتَأَمَّم بالتاء والهمزةِ، وكلُّها بمعنَى قَصَدَ. وفَرَّق الخليلُ - رحمه
الله - بينها بفروقٍ لطيفة فقال: ((أَمَّمْتُه قَصَدْتُ أَمامه، ويَمَّمْتُه: قصدْتُ
... (١) ويَمَّمْتُه: قصدتُه من أي جهة كان.
والخبيثُ والطيبُ: صفتانٍ غالبتان لا يُذْكَر موصوفُهما: قال: ((الخبيثون
للخبيثات، والطيبون للطيبات))(٢)، ((ويُحَرَّم عليهم الخبائث))(٣)، قال عليه
السلام: ((مِنَ الْخُبْث والخبائث))(٤).
قوله: ((منه تُنفقون)) ((منه)) متعلّقٌ بتتفقون، وتُنْفِقُون في محلِّ نصبٍ على
الحال من الفاعل ((تَيِّمَّموا))(٥) أي: لا تَقْصِدوا الخبيث منفقين منه، قالوا:
وهي حالٌ مقدَّرةٌ، لأن الإِنفاقَ منه يَقْعُ بعد القصد إليه، قاله أبو البقاءِ(٦)
وغيره. والثاني: أنها حالٌ من الخبيث، لأن في الجملة ضميراً يعود إليه أي:
لا تَقْصِدُوا مُنْفَقاً منه. والثالث: أنه مستأنفُ ابتداءِ إخبارٍ بذلك، وتَمَّ الكلامُ
عند قوله: ((ولا تَيَمَّموا الخبيث)) ثم ابتدأ خبراً آخرَ، فقال: تُنفقون منه وأنتم
لا تأخذُونه إلا إذا أَغْمضتم، كأن هذا عتابٌ للناسِ وتقريعُ، وهذا يَرُدُّه المعنى.
قوله: ((وَلَسْتم بآخذِيه)) فيها قولان، أحدُهما: أنها مستأنفة لا مَحَلَّ لها،
وإليه ذهب أبو البقاء(٧). والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، ويَظْهَرُ
(١) بياض في الأصل بقدر كلمة، والنص موجود في البحر ٣١٥/٢ وليس فيه هذا التكرار،
ولعلنا نلاحظ أن قوله بممته تكررت مرتین.
(٢) الآية ٢٦ من النور.
(٣) الآية ١٥٧ من الأعراف.
(٤) ((أعوذ بالله من الخبث والخبائث)) البخاري: فتح الباري الوضوء ٢٤٢/١؛ مسلم:
الحيض ٢٨٣/١؛ أبو داود: الطهارة ٣.
(٥) في صاحب هذه الحال وجه آخر سيورده بعد قليل.
(٦) الإملاء ١١٤/١.
(٧) الإملاء ١١٤/١.
٦٠١

- البقرة -
هذا ظهوراً قوياً عند مَنْ يرى أن الكلامَ قد تَمَّ عند قولهِ: ((ولا تَيَّمَّموا الخبيث)»
وما بعدَه استئنافٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ معناه.
والهاء في (بآخذِيه)» تعودُ على ((الخبيث)) وفيها وفي نحوها من الضمائر
المتصلةِ باسمِ الفاعلِ قولان مشهورانٍ، أحدُهما: أنها في محلِّ جر وإن كام
محلُّهَا منصوباً لأنها مفعولٌ في المعنى. والثاني : - وهو رأي الأخفش - أنها
في محلِّ نصب، وإنّما حُذِفَ التنوينُ والنونُ في نحو: ((ضاربيك)) لِلَطافة
الضمير(١)، ومذهبُ هشام أنه يجوز ثبوتُ التنوينٍ مع الضميرِ، فيجيز: ((هذا
ضارِبْك)) بثبوتِ التنوين، وقد يَسْتَدِلُّ لمذهبه بقوله(٢):
١٠٧٤ - همُ الفاعلونَ الخيرَ والأمِرُونِه
وقوله الآخر(٣):
١٠٧٥ - ولم يَرْتَفِقْ والناسُ مُحْتَضِرُونه
فقد جَمَع بين النونِ النائبةِ عن التنوينِ وبين الضميرِ. ولهذه الأقوالِ
أدلةٌ مذكورةٌ في كتبِ القومِ.
قوله: ((إلَّ أَنْ تُغْمِضُوا)) الأصلُ: إِلَّ بأَنْ، فَحُذِف حرف الجر مع ((أَنْ))
فيجيءُ فيها القولان: أهي في محلِّ جر أم نصب؟ وهذه الباءُ تتعلَّقُ ((تُيِّموا))
((بآخذيه)). وأجاز أبو البقاء (٤) أن تكونَ ((أَنْ)) وما في حَيِّزها في محِلُّ نصبٍ
(١) ويقول الجمهور: إنها حذفت للإضافة.
(٢) تقدم برقم ٧١١.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وعجزه:
جميعاً وأيدي المُعْتفين رواهقه
وهو في الكتاب ٩٦/١؛ والكامل ٣١٧؛ وابن يعيش ١٢٥/٢؛ والخزانة
١٨٨/٢؛ وقال: إنه مصنوع. والمعتغون: السائلون ..
(٤) الإملاء ١١٤/١.
۔۔
٦٠٢

- البقرة -
على الحال، والعاملُ فيها ((آخِذيه)). والمعنى: لَسْتم بآخذِيه في حالٍ من
الأحوالِ إلا في حالِ الإِغماضِ، وقد تقدَّم أَنَّ سيبويه(١) لا يُجيز أن تقعَ
(أَنْ)) وما في حيِّزها موقعَ الحالِ. وقال الفراء(٢): ((المعنى على الشرطِ
والجزاء؛ لأنَّ معناه: إنْ أَغْمضتم أَخَذْتم، ولكن لَمَّ وقعت ((إلَّ)) على ((أَنْ))
فتحها، ومثلُه: ((إلا أَنْ يَخاف)(٣) ((إِلا أَنْ يَعْفُون))(٤). وهذا قولٌ مردودٌ عليه
في كتب النحو.
والجمهورُ على ((تُغْمِضوا)) بضمِّ التاء وكسرِ الميمِ مخففةً من ((أَغْمَض))
وفيه وجهان، أحدُهما: أنه حُذِفَ مفعولُه، تقديرُه: تُغْمِضُوا أبصارَكم
أو بصائرَكم. والثاني: في معنى ما لا يتعدَّى، والمعنى إلا أَنْ تُغْضُوا، مِنْ
قولهم: (أَغْضَی عنه)).
وقرأ الزهري(٥): (تُغَمِّضوا)) بضم التاء وفتحِ الغينِ وكسرِ الميمِ مشددةً
ومعناها كالأولى. ورُوي عنه أيضاً (تَغْمَضوا)) بفتحِ التاءِ وسكونِ الغَيْن وفتحٍ
الميمِ، مضارعُ ((غَمِضَ)) بكسر الميم، وهي لغةً في ((أَغْمض)) الرباعي،
فيكونُ ممَّا اتفق فيه فَعِل وأَفْعل. ورُوي عن اليزيدي ((تَغْمُّضوا)) بفتحِ التّاءِ
وسكونِ الغينِ وضمِّ الميمِ . قال أبو البقاء (٦): «وهو من غَمُضَ يَغْمُضُ كظَرُف
يظُفُ، أي: خَفِيَ عليكم رأيكم فيه)).
ورُوي عن الحسن: ((تُغَمِّضُوا)) بضمُّ التاءِ وفتحِ الغَيْنِ وفتحِ الميم.
(١) الكتاب ١٩٥/١.
(٢)
معاني القرآن ١٧٨/١.
(٣) الآية ٢٢٩ من البقرة.
(٤) الآية ٢٣٧ من البقرة.
(٥) البحر ٣١٨/٢؛ القرطبي ٣٢٧/٣؛ الشواذ ١٦.
(٦) الإملاء ١١٤/١.
٦٠٣
1

- البقرة -
مشددةً على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقتادةُ كذلك إلا أنه خَفَّفَ الميم(١)، والمعنى:
/ إلا أن تُحْمَلوا على التغافل عنه والمسامحةِ فيه. وقال أبو البقاء(٢) في قراءةٍ [١٠٨/ب]
قتادة: ((ويجوزُ أن يكونَ من أَغْمَضَ أي: صُودف على تلك الحالِ كقولك:
أَحْمَدْتُ الرجل أي: وَجَدْتُه محموداً) وبه قال أبو الفتح(٣). وقيل فيها أيضاً:
إِنَّ معناها إلَّ أَنْ تُدْخَلوا فيه وتُجْذَبوا إليه.
أ. (٢٦٨) قوله تعالى: ﴿الشيطانُ يَعِدُكم﴾: مبتدأ وخبرٌ، وقد
[تقدم](٤) اشتقاقُ الشيطانِ وما فيه(٥). ووزنُ يَعِدُكم: يَعِلُكم بحَذْفِ الفاءِ
وهي الواوُ لوقوعِها بين ياءٍ وكسرةٍ، وقرأ الجمهور: ((الفَقْر)» بفتح الفاء وسكونٍ
القافِ، وروى أبو حيوة(٦) عن بعضِهم: ((الفُقْر)) بضم الفاء وهي لغةٌ، وقرىء
(الفَقَر)) بفتحتين. قوله: (منه)) فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه
نعتٌ لمغفرة. والثاني: أن يكونَ مفعولاً متعلقاً بَيَعِد أي: يَعِدُكم من تِلْقَاءِ
نفسِه. و ((فَضْلًا) صفتُهِ محذوفةٌ أي: وفضلاً منه، وهذا على الوجهِ الأولِ،
وأمَّا الثاني فلا حَذْفَ فيهِ .
أ. (٢٦٩) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الحكمةَ﴾: الجمهورُ على
(يُؤْتِي))(٧) ((ومَنْ يُّؤْتَ)) بالياءَ فيهما، وقرأ الربيع(٨) بن خيثم بالتاءِ على
(١) ويبدو أن قتادة سكّن الغين أيضاً، وضبطت هذه القراءة في شواذ القراءات ((يُغْمَضَو)) ..
انظر: ص ١٦.
(٢) الإملاء ١١٤/١.
(٣) المحتسب ١ /١٤٠.
(٤) سقطت من الأصل، ووردت في نسخة ي.
(٥) انظر: الآية ٣٦ من البقرة.
(٦) البحر ٣١٩/٢، وقال: إنه رواها عن رجل من أهل الرباط، وفي شواذ القراءات ١٧:
((قراءة عيسى بن عمر)).
(٧) الأصل: «یؤت» وهو سهو.
(٨) الربيع بن خيثم الكوفي التابعي، أخذ ابن مسعود وعرض عليه أبو زرعة. توفي قبل سنة
٩٠. انظر: طبقات القراء ٢٨٣/١.
٦٠٤

- البقرة -
الخطاب فيهما(١). وهو خطابٌ للباري على الالتفاتِ(٢). وقرأ الجمهور:
((من يّؤْتَ)) مبنياً للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعلِ ضميرُ ((مَنْ)) الشرطيةِ، وهو
المفعولُ الأولُ، و((الحكمةَ)) مفعولٌ ثانٍ. وقرأ يعقوب (٣): ((يُؤْتٍ)) مبنياً
للفاعل، والفاعلُ ضميرُ الله تعالى، و((مَنْ)) مفعولٌ مقدمٌ، و((الحكمة)» مفعولٌ
ثان كقولِك؛ ((أيَّ يُعْطِ زيدٌ درهماً أُعْطِه درهماً)).
وقال الزمخشري (٤): بمعنى (ومَنْ يُؤتِهِ اللهُ)). قال الشيخ(٥): ((إن أرادَ
تفسيرَ المعنى فهو صحيحٌ، وإن أرادَ الإِعرابَ فليس كذلك، إذ ليس ثَمَّ ضمیر
نصبٍ محذوفٌ، بل مفعولٌ ((يُؤْتٍ)) مَنْ الشرطيةُ المتقدمةُ. قلت: ويؤيِّدُ تقديرَ
الزمخشري قراءةُ الأعمش(٦): ((ومَنْ يُؤْتِه الحكمةَ)) بإثباتِ هاءِ الضمير، و
((مَنْ)) في قراءتِه مبتدأَ لاشتغالِ الفعلِ بمعمولهِ، وعند مَنْ يجوِّزُ الاشتغالَ في
أسماءِ الشرطِ والاستفهامِ يجُّز في ((مَنْ)) النصبَ بإضمارٍ فعلٍ، ويقدِّرُه
متأخراً(٧)، والرفعُ على الابتداءِ، وقد تقدَّم تحقيق هذهِ في غضونِ هذا
الإِعرابِ.
وقوله: ((أُوتِيَ)) جوابُ الشرطِ، والماضي المقترنُ بقد الواقعُ جواباً
للشرطِ تارةً يكونُ ماضيَ اللفظِ مستقبلَ المعنى كهذه الآية، فهو الجوابُ
(١) لم أجد ذلك فيما عدت إليه، إنما قالوا إن قراءة الربيع بالتاء في ((تؤتي)) و ((تشاء)) انظر:
شواذ القراءات ١٧؛ البحر ٣٢٠/٢.
(٢) من الغيبة ((والله واسع عليم)) إلى الخطاب.
(٣) البحر ٣٢٠/٢؛ القرطبي ٣٣١/٣؛ شواذ القراءات ١٧.
(٤) الكشاف ٣٩٦/١.
(٥) البحر ٣٢٠/٢.
(٦) الشواذ ١٧ .
(٧) يقدره متأخراً لأنه إذا قدره متقدماً يكون الشرط قد عمل بما قبله وهذا يخالف صدارته،
والتقدير: ومن يؤتٍ يؤته الحكمة، وفي هذا تكلف، والأسهل أن يكون مبتدأ والجملةُ
بعده خبره .
٦٠٥

- البقرة -
حقيقةً، وتارةً يكونُ ماضيَ اللفظِ والمعنى نحو: ((وإنْ يُكَذِّبوك فقد كُذِّبَتْ))(١)
فهذا ليسَ جواباً، بل الجوابُ محذوفٌ أي: فَتَسَلَّ فقد كُذِّبَتْ رسِلٌ، وسيأتي
له مزیدُ بیانٍ .
والتنكيرُ في ((خيراً)) قال الزمخشري(٢): ((يفيدُ التعظيمَ كأنه قال: فقد
أُوتِي أَيَّ خيرٍ كثير)). قال الشيخ(٣): ((وتقديرُه هكذا يُؤدي إلى حَذْفٍ
الموصوفِ بـ((أي)) وإقامةِ الصفةِ مُقَامَه، فإنَّ التقديرَ: فقد أوتي خيراً أيَّ خيرٍ
كثيرٍ، وإلى حذفِ ((أَيِّ)) الواقعةِ صفةً، وإقامةِ المُضاف إليها مُقامَها، وإلى
وصفِ ما يُضاف إليه ((أي)) الواقعةُ صفةً نحو: مَزَرْتُ برجلٍ أَيِّ رجلٍ كريمٍ،
وكلُّ هذا يَحْتَاج إثباتُه إلى دليل، والمحفوظُ عن العربِ أنَّ ((أياً) الواقعةَ صفةً
تُضاف إلى ما يُمائِلُ الموصوف نحو: ((دَعَوْتُ امرَأَ أيَّ امرئٍ، فأجابني)) وقد
يُحْذَفُ الموصوفُ بأيّ كقوله(٤).
١٠٧٦ - إذا حارَب الحَجَّاجُ أيَّ منافقٍ
تقديرُهُ: منافقاً أَيُّ منافقٍ، وهذا نادرٌ، وقد تقدَّم أَنَّ تقديرَ الزمخشري
كذلك، أعني كونَه حَذَفَ موصوفَ أيّ (٥). وأصلُ ((يَذَّكَّرُ)): يَتَذَكَّرِ فَأَدْغَمَ.
آ. (٢٧٠) قوله تعالى: ﴿وما أنفقتُم مِنْ نفقةٍ﴾: كقولِهِ:
(١) الآية ٤ من فاطر.
(٢) الكشاف ٣٩٦/١.
(٣) البحر ٣٢١/٢.
(٤) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٥٥١؛ والهمع ٩٣/١؛ والدرر ٧١/١، وعجزه:
عَلَاهُ بسيفٍ كلَّمَا هَزَّ يَقْطَعُ
(٥) يبقى فروق بين تقدير الزغشري للآية وتقدير الشيخ للبيت، والزمخشري لا يقصد
التعذِّيَ على الصناعة وإنما يقصد تفسير المعنى البلاغي.
٦٠٦

- البقرة -
(ما نَنْسَخْ))(١) ((وما تَفْعَلُوا من خير))(٢) وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيهما. وتقدَّم
أيضاً مادة ((نذر)) في قوله: (أَأَنْذَرْتَهم)(٣)، إلاّ أنَّ النَّذْرَ له خصوصيةٌ: وهو عقدُ
الإِنسانِ ضميره على شيءٍ والتزامُهُ، وفعلُهُ: نَذَرَ - بالفتح - ينذُرُ وينذِرُ:
بالكسرِ والضَّمِّ في المضارع، يُقال: نَذَرَ فهو ناذِرٌ، قال عنترة: (٤)
١٠٧٧- الشاتِمَيْ عِرْضي ولَمْ أَشْتُمهما والناذِرين إذا لَمَ آلقهما دَمي
وقُولُه: ((فإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ)) جوابُ الشرطِ إنْ كانَت ((ما) شرطيةً، أو زائدةٌ
في الخبرِ إنْ كانَتْ موصولةٌ. ووحَّد الضميرَ في ((يَعْلَمُهُ)) وإنْ كان قد تقدَّم
شيئان: النَّفْقَةُ والنَّذْرَ لأنَّ العطفَ هنا بـ ((أو))، وهي لأحدِ الشيئين، تقول: ((إنْ
جاء زيدٌ أو عمرو أكرمته))، ولا يجوز: أكرمتهما، بل يجوز أَنْ تراعيَّ الأولَ
نحو: ((زيدٌ أو(٥) هندٌ منطلقٌ، أو الثانيَ نحو: زيدٌ أو هندٌ منطلقة، والآيةُ من
هذا، ولا يجوزُ أَنْ يُقالَ: منطلقان. ولهذا تَأوَّل النحْويون: ((إنْ يكن غنياً
أو فقيراً فاللَّهُ أَوْلِى بهما (٦)) كما سيأتي. ومن مراعاةِ الأولِ قولُهُ: ((وإذا رَأَوْا
تجارةً أو لهواً انفضُّوا إليها)(٧)، وبهذا الذي قررته لا يُحتاجُ إلى تأويلاتٍ
ذكرها المفسرون هنا: فُرُوي عن النحاس(٨) أنه قال: ((التقديرُ: وما أنفقتم من
(١) الآية ١٠٦ من البقرة.
(٢) الآية ١٩٧ من البقرة.
(٣) الآية ٦ من البقرة.
(٤) ديوانه ٢٢٢؛ ومعاني القرآن للفراء ٢٤٠/٣؛ وشرح القصائد للتبريزي ٣٧٧؛
والأشموني ٢٤٦/٢؛ والعيني ٥٥١/٣؛ وينبغي فتح ميم ((م)) ووصل الهمزة بعدها لوزن
البيت.
(٥) في الأصل: ((و)) وهو سهو، لأن الحديث عن ((أو)).
(٦) الآية ١٣٥ من النساء.
(٧) الآية ١١ من الجمعة .
(٨) إعراب القرآن ٢٩٠/١.
٦٠٧

:
- البقرة -
نفقةٍ فإن الله يعلَمُها، أو نَذَرْتُم من نَذْرٍ فإنَّ الله يعلّمُهُ، فَحُذِفَ، ونظُّره بقوله:
(والذين يكنِرُون الذهب والفضةً ولا ينفقونها))(١) وقوله: (٢)
١٠٧٨ - نحنُ بما عِندَنَا وأنت بما عندَكَ راضٍ والرأيُّ مختلِفُ
وقول الآخر: (٣)
بريئاً ومن أجل الطّوِيِّ رماني
١٠٧٩- رماني بأمرٍ کنت منه ووالدي
وهذا لا يُحتاج إليه؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الواوِ المقتضيةِ للجَمْع بين
الشيئين، وأمَّا ((أو)) المقتضيةُ لأحدٍ الشيئين فلا. وقال ابن عطية(٤): ((وَوَجَّدَ
الضمير في ((يَعْلَمُهُ)) وقد ذَكَرَ شيئين من حيث إنه أراد ما ذَكَرَ أُو مَا نَصَّ»،
ولا حاجَةَ إلى هذا أيضاً لِمَا عَرَفَتْ من حكم ((أو)) .
آ (٢٧١) قوله تعالى: ﴿فنِعِمًا هي﴾: الفاءُ جوابُ الشرط، و «نِعْمَ)»
فعلٌ ماضٍ للمدح نقيضُ بئس، وحكمُها في عدمِ التصرفِ والفاعلِ واللغاتِ
حكمُ بئس كما تقدَّم فلا حاجَةَ إلى الإِطالة بتكرارِهِ.
وقرأ ابن عامر(٥) وحمزة والكسائي هنا وفي النساء(٦): (فَنَعِمَا)) بفتحِ
النون وكسرِ العينِ، وهذه على الأصلِ، لأنَّ الأصلَ على ((فَعِل)) كعَلِم وقرأ
(١) الآية ٣٤ من التوبة .!
(٢) البيت لمالك بن العجلان من قصيدة أوردها محقق ديوان حسان ٤٥/٢، كما ينسب
لقيس بن الخطيم - ديوانه ١٧٣ - والكتاب ٣٨/١؛ وأمالي الشجري ٩٦/١؛
والأشموني ١٥٢/٣؛؛ والدرر ١٤٢/٢.
(٣) البيت لعمرو بن أحمر، وينسب أيضاً للفرزدق، وهو في الكتاب ٣٨/١؛ واللسان:
حول؛ والهمع ١١٦/١؛ والدرر ٨٥/١؛ وشواهد الكشاف ٥٤٩/٤. والطويّ: البشر.
(٤) المحرر ٣٣١/٢.
(٥) السبعة ١٩٠؛ الكشف ٣١٦/١؛ القرطبي ٣٣٤/٣.
(٦) الآية ٥٨.
٦٠٨

- البقرة -
ابن كثير وورش وحفص بكسر النونِ والعينِ، وإنما کَسْرُ النونِ إتباعاً لکسرةِ
العينِ وهي لغةُ هُذَيْل. قيل: وَتَحْتمل قراءةُ كسرِ العين أن يكونَ أصلُ العينِ
السكونَ، فلمَّا وقعتْ بعدَها ((ما)) وأَدْغَمَ ميم ((نِعْم)) فيها كُسِرَتْ العينُ لالتقاء
الساكنين، وهو محتملٌ. وقرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر بكسرِ النونِ وإخفاء
حركة العين. ورُوي عنهم الإِسكانُ أيضاً، واختاره أبو عبيد، وحكاه لغةً
للنبي صلى الله عليه وسلم في نحو قولهِ: ((نِعْمًا المالُ الصالحُ مع الرجلِ
الصالحِ))(١).
والجمهورُ على اختيارِ الاختلاسِ على الإِسكانِ، بل بعضُهم يَجْعَلُهُ من
وَهْم الرواة عن أبي عمرو، ومِمَّن أنكره المبرد والزجاج(٢) والفارسي(٣) قالوا:
لأنَّ فيه جمعاً بين ساكنين على غير حَدِّهما. قال المبرد: ((لا يَقْدِرُ أحدٌ أن
ينطِقَ به، وإنما يرومُ الجمعَ بين ساكنين فيحرِّكُ ولا يَشْعُر)) وقال الفارسي (٤):
(لعل أبا عمرو أخفى فظنَّه الراوي سكونا).
وقد تقدَّم الكلام على ((ما)) اللاحقةِ لِنِعْم وبِْس. و((هي)) مبتدأ ضميرٌ
عائدٌ على الصدقات على حَذْف مضاف، أي: فنِعْم إبداؤها، ويجوز أَنْ
لا يُقَدَّر مضافٌ، بل يعودُ الضميرُ على ((الصدقات)) بقيد صفةِ الإِبداء تقديرهُ:
فنعِمًا هي أي: الصدقاتُ المُبْدَاةُ. وجملةُ المدحِ خبرٌ عن ((هي))، والرابطُ
العمومُ، وهذا أَوْلِى الوجوهِ، وقد تقدَّم تحقيقُها.
والضميرُ في ((وإنْ تخفوها)» يعودُ على الصدقاتِ. فقيل: يعودُ عليها
لفظاً ومعنَّى. وقيل: يعودُ على الصدقاتِ لفظاً لا معنَّى، لأنَّ المرادَ بالصدقاتِ
(١) رواه ابن حنبل ١٩٧/٤.
-
(٢) معاني القرآن ٣٥٣/١.
(٣) الحجة (خ) ٣٠٨/٢.
(٤) الحجة (خ) ٣٠٨/٢.
٦٠٩

- البقرة :-
المبداةِ الواجبةُ، وبالمُخْفَاةِ: المتطوَّعُ بها، فيكونُ من باب ((عندي درهمٌ
ونصفُه))(١)، أي: ونصفُ درهمٍ آخرَ، وكقوله: (٢)
١٠٨٠- كأنَّ ثيابَ راکبِهِ بریحٍ
خَرِيقٌ وهْي ساكنةُ الْهُبوِبِ
أي: وريحٌ أخرى ساكنة الهبوب، ولا حاجة إلى هذا في الآية.
والفاءُ في قولِهِ: ((فهو)) جوابُ الشرط، والضميرُ يعودُ على المصدر
المفهومِ من ((تُخْفُوها)) أي: فَالإِخفاءُ، كقوله: ((اعدِلُوا هو أقرب))(٣) و ((لكم))
صفةٌ لخير، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. و((خير)) يجوزُ أن يكونَ للتفضيلِ، فالمُفَضِّلُ
عليه محذوفٌ أي: خيرٌ من إبدائها، ويجوزُ أن يُرَادَ به الوصفُ بالخيريَّة أي:
خيرٌ لكم من الخيورِ.
وفي قوله: ((إِنْ تُبْدوا، وإن تُخْفُوها) نوعٌ من البديع وهو الطباق
اللفظي. وفي قوله ((وتُؤْتوها الفقراء)» طباقٌ معنوي، لأنه لا يُؤتي الصدقاتِ إِلا
الأغنياءُ، فكأنه قيل: إن يُبْدِ الأغنياءُ الصدقاتِ، وإِنْ يُخْفِ الأغنياءُ
الصدقاتِ، ويُؤْتُوها الفقراء، فقابلَ الإِبداءَ بالإِخفاءِ [لفظاً (٤)]، والأغنياءَ
بالفقراءِ معنَّی.
قوله: ((ويُكَفِّرُ)) قرأَ الجمهورُ ((ويُكَفِّرُ)) بالواو، والأعمش(٥) بإسقاطها
والياءِ وجَزْمِ الراء. وفيها تخريجان، أحدُهما: أنه بدلٌ من موضِعِ قولهِ:
(فهو خيرٌ لكم)) لأنه جوابُ الشرط كأنَّ التقدير: وإنْ تخفوها يكنْ خيراً لكم
۔۔
(١) يعود الضمير على الدرهم لفظاً لا معنى لاضطرارنا إلى ذلك فهل نقصد أن عنده درهماً
ونصف هذا الدرهم الذي عنده.
(٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٢٤/٢. والخريق: من أسماء الريح الباردة الشديدة الهبوب.
(٣) الآية ٨ من المائدة.
(٤) قوله ((لفظاً)) سقط من مصورة الأصل.
(٥) البحر ٣٢٥/٢؛ القرطبي ٣٣٥/٣.
٦١٠

- البقرة -
[١٠٩/أ] ويكفّرْ. والثاني: أنه حَذَفَ حرفَ / العطفِ فتكونُ كالقراءةِ المشهورةِ،
والتقديرُ: ((ويكفِّرُ)) وهذا ضعيف جداً.
وقرأ ابن كثير (١) وأبو عمرو وأبو بكر بالنونِ ورفعِ الراءِ، وقرأ نافع وحمزةٌ
والكسائي بالنونِ وجزمِ الراء، وابنُ عامر وحفص عن عاصم: بالياء ورفع
الراء، والحسنُ بالياء وجزمِ الراء، ورُوي عن الأعمش أيضاً بالياء ونصب
الراء، وابن عباس: ((وتُكَفِّرْ) بتاءِ التأنيثِ وجزمِ الراءِ، وعكرمة كذلك إلا أنه
فَتَحَ الفاءَ على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وابنُ هرمز بالتاءِ ورفعِ الراء، وشهر
ابن حوشب ـ ورُويت عن عكرمة أيضاً - بالتاءِ ونصبِ الراءِ، وعن الأعمش
أيضاً بالنونِ ونَصْبِ الراء، وعَن الأعمش أيضاً بالنون ونَصْبِ الراءِ، فهذه
إحدى عشرةَ قراءةً، والمشهورُ منها ثلاثٌ.
فَمَنْ قرأ بالياءِ ففيه ثلاثة أوجه، أظهرُها: أنه أَضْمَرَ في الفعل ضميرٌ
اللَّهِ تعالى، لأنه هو المكفِّر حقيقةً، وتَعْضُده قراءةُ النونِ فإنها متعيّنةٌ له.
والثاني: أنه يعودُ على الصرفِ المدلولِ عليه بقوةِ الكلامِ، أي: ويكفِّرْ
صَرْف الصدقاتِ. والثالث: أنه يعود على الإِخفاءِ المفهوم من قولهِ: ((وإنْ
تُخْفُوها))، ونُسِبَ التكفيرُ للصرفِ والإِخفاءِ مجازاً، لأنهما سببٌ للتكفير،
وكما يجوزُ إسنادُ الفعلِ إلى فاعِلِهِ يجوزُ إسنادُهُ إلى سببه.
ومَنْ قرأَ بالتاءِ ففي الفعلِ ضميرُ الصدقاتِ ونُسِبَ التكفيرُ إليها مجازاً
كما تَقَدَّم. ومَنْ بناه للمفعولِ فالفاعلُ هو اللَّهِ تعالى أو ما تقدَّم. ومَنْ قرأ
بالنون فهي نونُ المتكلمِ المعظّمِ نفسَهُ. ومَنْ جَزَمَ الراءَ فللعطف على محلٌ
الجملةِ الواقعةِ جواباً للشرطِ، ونظيرُهُ قولُه: ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فلا هاديَ له
ويَذَرْهِم)) في قراءةِ مَنْ جَزَمَ ((ويذرهم))(٢).
(١) السبعة ١٩١؛ القرطبي ٣٣٥/٣.
(٢) الآية ١٨٦ من الأعراف، وهي قراءة حمزة والكسائي؛ السبعة ٢٩٩.
٦١١

- البقرة -
ومَنْ رفع فعلى ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً لا موضعَ له من
الإِعرابِ، وتكونُ الواوُ عاطفةً جملةَ كلامٍ على جملةٍ كلامٍ آخرَ. والثاني: أنه
خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ، وذلك المبتدأ: إمَّا ضميرُ اللَّهِ تعالى أو الإخفاءُ أي:
وهو يُكَفِّر فيمَنْ قَرَّأَ بالياءِ أو ونحن نكفِّر فيمن قرأ بالنون أو وهي تُكَفِّر فيمن قرأ
بتاءِ التأنيث. والثالث: أنه عطفٌ على محلِّ ما بعد الغاءِ، إذْ لو وقع مضارعٌ
بعدَهَا لكانَ مرفوعاً كقولِهِ: ((ومَنْ عادَ فينتقمُ الله منه))(١) ونظيرُهُ ((وَيَذَرُهم في
طغيانهم))(٢) في قراءةٍ مَنْ رفع.
ومَنْ نَصَبَ فعلى إضمار ((أَنْ)) عطفاً على مصدرٍ مُتَوَهُّمٍ مأخوذٍ من
قوله: ((فهو خيرٌ لكم))، والتقديرُ: وإنْ تُخْفوها يكنْ أو يوجَدْ خيرٌ وتكفيرٌ.
ونظيرُها قراءةُ مَنْ نَصَبَ: ((فيغفرَ)) بعد قوله: ((يحاسِبْكم به اللَّهُ)) (٣)، إلاّ أنَّ
تقديرَ المصدرِ في قوله: ((يحاسِبْكم)) أسهلُ منه هنا، لأنَّ ثمةً فعلاً (٤) مصرّحاً
به وهو (يحاسبكم))، والتقديرُ: يَقَعُ محاسبةٌ فغفرانٌ، بخلافِ هنا، إذ لا فعلَ
ملفوظٌ به، وإنما تَصَيَّدْنَا المصدرَ من مجموعِ قولِهِ: ((فهو خير لكم)).
وقال الزمخشري : (٥) ((ومعناه: وإنْ تُخْفوها يكنْ خيراً لكم وأَنْ يُكَفِّرَ»
قال الشيخ: (٦) ((وظاهر كلامِهِ هذا أنَّ تقديرَه ((وأَنْ يكفِّرَ)) يكون مقدَّراً بمصدرٍ،
ويكونُ معطوفاً على ((خيراً) الذي هو خبر ((يَكُنْ)) التي قَدَّرَها، كأنه قال: يَكُنٍ
الإخفاءُ خيراً لكم وتكفيراً، فيكونُ ((أَنْ يكفِّر)) في موضِعِ نصبٍ، والذي تقرَّر
(١) الآية ٩٥ من المائدة.
(٢) الآية ١٨٦ من الأعراف، وتخريج القراءة ونصّها ورد قبل قليل.
(٣) الآية ٢٨٤ من البقرة، وهي قراءة ابن عباس والأعرج. القرطبي ٤٢٤/٣.
(٤) الأصل: ((فعل، وهو سهو.
(٥) الكشاف ٣٩٧/١.
(٦) البحر ٣٢٥/٢.
٦١٢

- البقرة -
عند البصريين أنَّ هذا المصدرَ المنسَبِكَ من ((أَنْ)) المضمرةِ مع الفعلِ
المنصوبِ بها هو مرفوعٌ معطوفٌ على مصدرٍ متوهّمٍ مرفوعٍ، تُقَدِّره من
المعنى. فإذا قلت: ((ما تأتينا فتحدثنا)) فالتقديرُ: ما يكون منك إتيانٌ فحديثٌ،
وكذلك: ((إنْ تجيءُ وتُحْسِنَ إليَّ أُحْسِنْ إليك)) التقدير: إن يكنْ منك مجيء
وإحسان أُحْسن إليك، فعلى هذا يكون التقديرُ: وإنْ تُخْفوها وتُؤْتوها الفقراء
فيكونُ زيادةُ خيرِ للإِخفاءِ على خيرِ الإِبداءِ وتكفيرٌ)). انتهى ولم أَدْرِ ما حَمْلَ
الشيخ على العدولِ عن تقدير أبي القاسم إلى تقديرِهِ وتطويلِ الكلامِ في
ذلك مع ظهورٍ ما بين التقديرين؟(١).
وقال المهدوي: ((هو مُشَبَّهُ بالنصبِ في جوابِ الاستفهامِ، إذ الجزاءُ
يَجِبُ به الشيءُ لوجوبٍ غيرِهِ كالاستفهامِ)). وقال ابنُ عطية (٢): ((الجزمُ في
الراءِ أفصحُ هذه القراءاتِ لأنها تُؤْذِنُ بدخولِ التكفيرِ في الجزاء وكونِهِ
مشروطاً إنْ وقع الإِخفاءُ، وأمَّا رفعُ الراء فليسَ فيه هذا المعنى)) قال
الشيخ: (٣) ((ونقولُ إِنَّ الرفعَ أبلغُ وأَعَمُّ، لأنَّ الجزمَ يكونُ على أنه معطوفٌ
على جواب الشرطِ الثاني، والرفعُ يدلُّ على أنَّ التكفير مترتِّبٌ من جهةٍ
المعنى على بَذْلِ الصدقاتِ أُبْدِيَتْ أو أُخْفيت، لأنَّا نعلمُ أنَّ هذا التكفير
متعلّقٌ بما قبلَه، ولا يختصُ التكفيرُ بالإِخفاءِ فقط، والجزمُ يُخَصِّصُهُ به،
ولا يمكن أَنْ يقالَ إن الذي يُبدي الصدقاتِ لا يكفِّرْ من سيئاتِهِ، فقد صارّ
التكفيرُ شاملًا للنوعَيْنِ من إبداءِ الصدقاتِ وإخفائها وإنْ كانَ الإِخفاءُ خيراً» .
قوله: ((مِنْ سيئاتكم)) في ((مِنْ)) ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها للتبعيض،
(١) الذي حمله شدةُ تمسُّكه بالصناعة التي وجد النحاة عليها، في حين أن الزمخشري لم يجد
ضرورة لذلك ما دام يحقق المعنى الذي أراده.
(٢) المحرر ٣٣٥/٢.
(٣) البحر ٣٢٦/٢.
--
٦١٣

- البقرة -
أي: بعضَ سيئاتكم، لأن الصدقاتِ لا تكفِّر جميعَ السيئاتِ، وعلى هذا
فالمفعولُ في الحقيقةِ محذوفٌ، أي: شيئاً من سيئاتكم، كذا قَدْرَهُ
أبو البقاء (١). والثاني: أنها زائدةٌ وهو جارٍ على مذهبٍ الأخفش وحكاه
ابنُ عطية (٢) عن الطبري(٣) عن جماعةٍ، وجَعَلَهُ خطأً، يعني من حيث
المعنى. والثالث: أنها للسببيةِ، أي: مِنْ أَجْلِ ذنوبكم، وهذا ضعيفٌ.
والسيئاتُ جمعَ سيِّئة، ووزنها فَيْعِلة وعينُها واوٌ، والأصلُ: سَيْوِءَةٍ فَفُعِلَ بها
ما فُعِلَ بمَيِّت(٤)، وقد تقدَّمَ.
آ. (٢٧٢) قوله تعالى: ﴿لیس علیكَ هداهم﴾: ((هُداهم)»: اسم
ليس وخبرُها الجارُّ والمجرورُ. و((الهُدَى)) مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، أي:
ليس عليك أن تهديَهم، ويجوز أن يكونَ مضافاً لفاعلِهِ، أي: ليس عليك أن
يَهْتدوا، يعني: ليس عليك أن تُلْجِئَهم إلى الاهتداء.
وفيه طباقٌ معنويًّ، إذ التقدير: هدى للضالين. وفي قوله: ((ولكنَّ اللَّهَ
يَهْدِي)) مع قوله ((هداهم) جناسٌ مغاير لأنَّ إحدى الكلمتين اسمٌ والأخرى
فعلٌ. ومفعولُ ((يشاءُ)) محذوفٌ، أي: هدايَتَه.
وقوله: ((فلأنفُسِكُمْ)) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي: فهو لأنفسكم. وقوله:
(إلَّ ابتغاء)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ من أجله أي: لأجل ابتغاءِ وجهٍ
اللَّهِ، والشروطُ هنا موجودةٌ. والثاني: أنه مصدرٌ في محل الحالِ ، أي: إلَّ
مبتغين، وهو في الحالَيْنِ استثناءً مفرِّغٌ، والمعنى: وما تُنْفِقُونَ نفقةً معتدّاً
(١) الإملاء ١١٦/١.
(٢) المحرر ٣٣٥/٢.
(٣) تفسير الطبري ٥٨٦/٥ .
(٤) يعني أنه اجتمعت الياء والواو وسَبّقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء
في الباء.
٦١٤

- البقرة -
بقَبولِهَا إِلَّ ابتغاءَ وجهِ [اللَّهِ]، أو يكونُ المخاطَبُون بهذا ناساً مخصوصين،
وهم الصحابةُ، لأنهم كانوا كذلك، وإنما احتجنا إلى هذين التأويلين لأنَّ كثيراً
ينفق لابتغاءٍ غير وجهِ الله .
[١٠٩/ب]
وقوله: ((يُوَفَّ)) جوابُ الشرط /، وقد تقدَّم أنه يقال: ((وَفَى)) بالتشديدِ
و ((وَفَى)) بالتخفيفِ و ((أَوْفَى)) رباعياً.
وقوله: ((وأنتم لا تُظْلَمُون)) جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ نصبٍ على
الحالِ من الضميرِ في ((إليكم)»، والعاملُ فيها ((يُوَفَّ))، وهي تشبهُ الحالَ
المؤكِّدَةَ لأنَّ معناها مفهومٌ من قولِهِ: ((يوفَّ إليكم)) لأنهم إذا وُفُّوا حقوقَهم
لم يُظْلَموا. ويجوز أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها من الإِعراب، أخبرَهم فيها
أنه لا يقعُ عليهم ظلمٌ فيندرجُ فيه توفیةُ أجورِهم بسببِ إنفاقهِم في طاعةِ اللَّهِ
تعالى اندراجاً أوَّلِيَّاً.
آ. (٢٧٣) قوله تعالى: ﴿للفقراءِ﴾: في تعلُّقِ هذا الجارِّ خمسةُ
أوجهٍ، أحدُها : - وهو الظاهر - أنه متعلُّقٌ بفعلٍ مقدرٍ يدلُّ عليه سياقُ
الكلامِ ، واختلفت عباراتُ المُعْربين فيه، فقال مكي(١) - ولم يذكُرْ غيرَه -:
((أَعْطُوا للفقراءِ)) وفي هذا نظرٌ، لأنه يلزمُ زيادةُ اللامِ في أحدٍ مفعولَي أعطى،
ولا تُزادُ اللامُ إلا لضعفِ العامل: ((إِمَّا بتقدُّمِ معمولِهِ كقولِهِ تعالى: ((للرؤيا
تعبُرُون))(٢)، وإمَّ لكونهِ فرعاً نحو قولهِ تعالى: ((فَعَّالٌ لِما يريد))(٣) ويَبْعُد أن
يُقالَ: لِمَّا أُضْمِرَ العاملُ ضَعُفَ فَقَوِيَ باللامِ، على أنَّ بعضَهم يُجيز ذلك وإنْ
لم يَضْعُفِ العامِلُ، وجَعَلَ منه ((رَدِف لكم))(٤)، وسيأتي بيانُهُ في موضعه إن
(١) المشكل ١١٥/١.
(٢) الآية ٤٣ من يوسف.
(٣) الآية ١٠٧ من هود.
(٤) الآية ٧٢ من النمل.
٦١٥

- البقرة ــ
شاء الله تعالى. وقَدَّرَهُ أبو البقاء: (١) ((اعجبوا للفقراء)) وفيه نظرٌ، لأنه لا دلالة
من سياقِ الكلامِ على العَجَبِ. وَقَدَّرَهُ الزمخشري: ((اعْمدوا أو اجعلوا
ما تُنْفقون)» والأحسنُ من ذلكَ ما قدَّره مكي، لكنْ فيه ما تقدّم.
الثاني: أنَّ هذا الجارَّ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُهُ: الصدقاتُ
أو النفقاتُ التي تُنْفِقُونَهَا للفقراء، وهو في المعنى جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنهم
لَمَّا حُثُّوا على الصدقاتِ قالوا: فلمَنْ هي؟ فَأُحِثُّوا بأنها لهؤلاء، وفيها فائدةٌ
بيانِ مَصْرِفِ الصدقاتِ. وهذا اختيارُ ابنٍ الأنباري قال: ((كما تقول: ((عاقل
لبيب))، وقد تقدَّم وصفُ رجل، أي: الموصوفُ عاقلٌ، وتكتبون على
الأكياس: ((ألفان ومئتان))، أي: الذي في الكيس ألفان. وأنشد: (٢)
١٠٨١- تسألُنِي عن زوجِها أيُّ فتى خَبِّ جَروزٌ وإذا جاعَ بكى
يريد: هوخَبٌ.
الثالث: أنَّ اللامَ تتعلَّقُ بقولِهِ: ((إِنْ تُبْدُوا الصدقاتِ))(٣) وهو مذهبُ
القَفَّل، واستبعَدَهُ الناسُ لكثرةِ الفواصِلِ .
الرابع: أنه متعلَّقُ بقولِهِ: ((وما تنفقوا من خيرٍ» وفي هذا نظرٌ من حيث
إنه يلزمُ فيه الفصلُ بين فعلِ الشرطِ وبين معمولِهِ بجملةِ الجوابِ، فيصيرُ نظير
قولك: ((مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صَرَّح بالمنع من ذلك - مُعَلَّلاً بما
ذكرتُه ـ الوَاحديُّ فقال: ((ولا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في هذه اللامِ ((تنفقوا))
(١) الاملاء ١١٦/١.
(٢) البيت للشماخ، وهو في ديوانه ١٠٧، كما ينسب إلى الجليخ بن شميذ، وهو في المحتسب
٦٠/١؛ وإعراب ثلاثين سورة ٩؛ واللسان: حثا. الجروز: الأكول، والخب؛ اللثيم.
(٣) الآية ٢٧١ من البقرة.
٦١٦

- البقرة -
الأخيرَ في الآيةِ المتقدمةِ، لأنه لا يُفْصَلُ بين العاملِ والمعمولِ بما ليس منه
كما لا يجوزُ: ((كانت زيداً الحُمَّى تأخُذُ)).
الخامس: أَنَّ ((للفقراء)) بدلٌ من قولهِ: ((فلأنفسِكم))، وهذا مردودٌ قال
الواحدي وغيرُهُ: ((لأنَّ بدلَ الشيءِ من غيرهِ لا يكونُ إلا والمعنى مشتملٌ
عليه، وليس كذلك ذِكْرُ النفسِ ههنا، لأنَّ الإِنفاقَ من حيث هو عائدٌ عليها،
وللفقراءِ من حيث هو واصلٌ إليهم، وليس من بابِ ((وللهِ على الناس حِجُّ
البيت مَنْ استطاعَ إليه سبيلا))(١) لأنَّ الأمرَ لازمٌ للمستطيع خاصةً)) قلت: يعني
أنَّ الفقراءَ ليسَتْ هي الأنفسَ ولا جزءاً منها ولا مشتملةً عليها، وكأن القائلَ
بذلك توهّم أنه من بابِ قولهِ تعالى: ((ولا تقتلوا أنفسكم))(٢) في أحدٍ
التأويلين.
والفقيرُ: قيل: أصلُه من ((فَقَرَتْه الفاقِرة)) أي: كَسَرَتْ فَقَارَ ظهرِهِ
الداهيةُ. قال الراغب(٣): ((وأصلُ الفقيرِ: هو المكسور الفَقار، يقال: ((فَقَّرَتْه
الفاقرةُ)) أي: الداهية تكسِر الفَقار، و((أَفْقَرك الصيدُ فارمِه)) أي أَمْكَنَكَ من
فَقَارِهِ. وقيل: هو من الفُقْرَة أي الحُفْرة، ومنه قيل لكل حفرةٍ يجتمع فيها
الماءُ: فقيرٌ. وَفَقَرْتُ للغسيلِ حَفَرْتُ له حُفْرة: غرسْتُه فيها. قال(٤):
١٠٨٢- ما ليلةُ الفقيرِ إلا شيطانْ
قيل: هو اسم بئر. وَفَقَرْتُ الخَرَزَ: ثقبتُه. وقال الهروي: يُقال ((فَقَره)
(١) الآية ٩٧ من آل عمران.
(٢) الآية ٢٩ من النساء.
(٣) المفردات ٣٩٧.
(٤) البيت للجليخ بن شميذ، وبعده:
يُذْعى بها القومُ دعاءَ الصُمَّان
وهو في مفردات الراغب ٣٩٨؛ وجمهرة ابن دريد: رفق.
٦١٧

- البقرة :-
إذا أصاب فَقَّار ظهرِه نحو: رَأَسه أي: أصاب رَأْسَه، وَبَطَّنه: أي أصاب بطنه.
وقال الأصمعي: ((الفَقْرِ: أَنْ يُحَزَّ أَنفُ البعير حتى يَخْلُص الحَزُّ إلى العَظْمِ،
ثم يُلْوى عليه جريرٌ(١) يُذَلَّلُ به الصَّعْبُ من الإِبل، ومنه قيل: عَمِل بَه
الفاقرة)». والفِقَرات - بكسر الفاء وفتح القاف -: جمع فِقَرة: الأمورُ العظامِ،
ومنه حديث السعي (٢): ((فِقَراتُ ابنِ آدم ثلاثٌ: يوم وُلد ويومَ يموتُ، ويوم
يُبْعَثُ)). والفُقَر: بضمُّ الفاءِ وفتحِ القافِ - جمع فُقْرَة وهي الخَزّ وخَرْم
الخَطْم (٣)، ومنه قول أبي زياد (٤): (يُفْقَرُ الصَعبُ(٥) ثلاثَ فُقَرِ فِي خَطْمِه)»
ومنه حديثُ سعد: ((فأشار إلى فُقَرِ (٦) في أنفه)) أي شَقِّ وحَزِّ /. وقد تقدَّم [١/١١٠]
الكلام في الإِحصارِ(٧)، والفرقُ بين فَعَل وَأَفْعَل منه.
قوله: ((في سبيلِ )) يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّقَ بالفعلِ قبلَه
فيكونَ ظرفاً له. والثاني: أن يكونَ متعلُّقاً بمحذوفٍ على أنه حال من مرفوع
(أُحْصِروا) أي: مستقرين في سبيلِ اللهِ. وقَدَّره أبو البقاء (٨) بمجاهِدين في
سبيل الله)) فهو تفسيرُ معنىَّ لا إعراب، لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّقُ إلا بالكونِ المطلقِ.
قوله: ((لا يَسْتطيعُون)) في هذه الجملةِ احتمالان، أظهرُهما: أنها
(١) الجرير: حبل الزمام.
(٢) النهاية في غريب الحديث منسوباً إلى الشعبي ٤٦٣/٣ وضَبَطَ المفرد فُقْرة، والجمع
فُقّرات.
(٣) الخطم: الأنف.
(٤) أعرابي يذكره أهل اللغة في مجال الاستشهاد بأقواله. انظر: تاريخ العلماء النحويين
للتنوخي ١٠٤.
(٥) أي الصعب من الإبل، وانظر اللسان: فقر.
(٦) ضبطه في اللسان بفتح الفاء وسكون القاف.
(٧) الآية ١٩٦ من البقرة.
(٨) الإملاء ١١٦/١.
٦١٨

- البقرة -
حالٌ، وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: أنه ((الفقراء)) وثانيهما: أنه مرفوعٌ
((أُحْصِروا). والاحتمالُ الثاني: أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها من الإِعرابِ. و
((ضرباً)) مفعولٌ به، وهو هنا السفرُ للتجارةِ، قال(١):
١٠٨٣- لَحِفْظُ المالِ أيسرُ مِنْ بقاه وضربٌ في البلادِ بغير زاد
يقال: ضَرَبْتُ في الأرض ضرباً ومَضْرِباً أي: سِرْتُ.
قوله: ((يَحْسَبُهم)) يجوزُ في هذه الجملةِ ما جازَ فيما قبلها من الحاليةِ
والاستئنافِ، وكذلك ما بعدَها. وقرأ(٢) ابن عامر وعاصم وحمزة: ((يَحْسَبُ))
- حيث ورد - بفتح السين والباقونَ بكسرِها. فأمَّا القراءةُ الأولى فجاءَتْ على
القياسِ ، لأنَّ قياسَ فَعِل بكسر العين يَفْعَل بفتحِها لتتخالفَ الحركتان فيخِفَّ
اللفظُ، وهي لغةُ تميم والكسرُ لغةُ الحجاز، وبها قرأ رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم، وقد شَذَّتْ ألفاظٌ أُخَرُ جاءت في الماضي والمضارع بكسرِ العينِ منها
نَعِمِ يَنْعِم، وَيْسِ يْئِسُ، وَيَئِسَ يَيْئِس، ويَبِس ◌َيْبِس من اليُبوسة، وعَمِد
يَعْمِد، وقياسُها كلَّها الفتحُ، واللغتان فصيحتان في الاستعمال، والقارىء بلغةٍ
الكسر اثنان من كبار النحاة أبو عمرو - وكفى به - والكسائي، وقارئا الحرمين
نافع وابن كثير. والجاهلُ هنا: اسمُ جنسٍ لا يُراد به واحدٌ بعينه. و((أغنياءَ))
هو المفعول الثاني .
قوله: ((من التعفُّفِ)) في ((مِنْ)) هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنها سببية،
أي: سَبَبُ حُسْبانِهِم أغنياءَ تعفُّفُهم فهو مفعولٌ من أجله، وجَرُّه بحرفِ السبب
هنا واجبٌ لفَقْدِ شرطٍ من شروطِ النصبِ وهو اتحادُ الفاعلِ ، وذلك أنَّ فاعلَ
(١) لم أقف عليه.
(٢) السبعة ١٩١؛ الكشف ٣١٧/١.
٦١٩

- البقرة ـ
الحُسْبان الجاهلُ، وفاعلَ التعفف هم الفقراءُ، ولو كان هذا المفْعولُ له
مستكملاً لشروطِ النصبِ لكان الأحسنُ جَرَّه بالحرف لأنه معرَّفٌ بأل، وقد
تقدَّم أنَّ جَرَّ هذا النوعِ أحسنُ من نصبِهِ، نحو: جئت للإِكرام، وقد جاء
نصبُه، قال(١):
١٠٨٤- لا أقعدُ الجُبْنَ عن الهيجاءِ
١
ولو توالَتْ زُمَرُ الأعداءِ
والثاني: أنها لابتداءِ الغايةِ، والمعنى أنَّ مَحْسَبَةَ الجاهلِ غِناهم نَشَأَتْ
من تعفّفهم لأنه لا يَحْسَب غناهم غنى تعففٍ، إنما يحسَبُه غنى مالٍ، فقد
نشأَتْ مَحْسَبَتُهُ مِنْ تعفُّفهِم، وهذا على أنَّ تعقَّفَهم تعففٌ تام. والثالث: أنها
لبيانِ الجنس، وإليه نحا ابن عطية(٢)، قال: ((يكونُ التعففُ داخلاً في
المَحْسَبة، أي: إنه لا يظهرُ لهم سؤالٌ بل هو قليلٌ، فالجاهلُ بهم مع علمِه،
بفقرِهم يحسَبُهم أغنياءَ عنه، فـ ((مِنْ)) لبيانِ الجنس على هذا التأويلِ، قال
الشيخ(٣): ((وليس ما قالَه من أنَّ ((مِنْ)) هذه في هذا المعنى لبيانِ الجنس
المصطلحَ عليه، لأنَّ لها اعتباراً عند القائل بهذا المعنى وهو أن تتقدَّرَ ((مِنْ))
بموصولٍ، وما دَخَلَت عليه يُجْعَلُ خبرَ مبتدأ محذوفٍ كقوله: ((فاجْتَنِبُوا
الرِّجْسَ من الأوثان))(٤) يَصِحُّ أَنْ يُقال: الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا:
(يَحْسَبهم الجاهلُ أغنياءَ الذي هو التعفف)) لم يَصِحَّ هذا التقديرُ، وكأنه سَمَّى
الجهةَ التي هم أغنياءُ بها بيانَ الجنسِ أي: بَيِّنَتْ بأيِّ جنسٍ وَقَع غناهم، أي
غناهم بالتعففِ لا غنى بالمالِ، فَسَمَّى ((مِنْ)) الداخلةَ على ما يُبيِّن جهةَ الغُنى
(١) تقدم برقم ٢٣٦.
(٢) المحرر ٣٤١/٢.
(٣) البحر ٣٢٩/٢.
(٤) الآية ٣٠ من الحج.
٦٢٠