Indexed OCR Text
Pages 461-480
- البقرة - قوله: ((أَنْ يَنْكِحْنَ)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ من الضمير المنصوبِ في ((تَعْضُلوهُنَّ)) بدلُ اشتمال، فيكونُ في محلٌّ نصبٍ، أي: فلا تَمْنَعُوا نكاحَهُنَّ. والثاني: أن يكونَ على إسقاطِ الخافض، وهو إمَّا ((مِنْ)) أو (عَنْ))، فيكونُ في محلِّ ((أَنْ)) الوجهانِ المشهوران: أعني مذهبَ سيبويه(١) ومذهب الخليل. و((يُنْكِحْنَ)) مضارعُ نَكَح الثلاثي وكانَ قياسُه أنْ تُفْتَحَ عِينُه لأنَّ لامَه حُرُف حلقٍ . قوله: ((إذا تَراضَوْ)) في ناصبِ هذا الظرفِ وجهان، أحدُهما: ((ينكِحْنَ)) أي: أَنْ ينكِحْنَ وقتَ التراضي. والثاني: أن يكونَ ((تعضُلوهنَّ)) أي: لا تعضُلوهنَّ وقتَ التراضي، والأولُ أظهرُ. و((إذا)» هنا متمحضةٌ للظرفية. والضميرُ في ((تراضَوا)) يجوزُ أن يعودَ إلى الأولياءِ وللأزواج، وأَنْ يعودَ على الأزواج والزوجاتِ، ويكونُ مِنْ تغليبِ المذكرِ على المؤنثِ. قوله ((بينَهم)) ظرفُ مكانٍ مجازي، وناصبُه ((تراضَوا)). قوله ((بالمعروف)) فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنه متعلقٌ بتراضَوا، أي: تراضَوا بما يَحْسُن من الدِّينِ والمروءةِ، والثاني: أن يتعلَّقَ بـ ((يُنْكِحْنَ)) فيكونُ (ينكِحْنَ)) ناصباً للظرفِ، وهو (إذا))؛ ولهذا الجارِّ أيضاً. والثالث: أَن يتعلّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من فاعلِ تراضَوا. والرابع: أنه نعتُ مصدر محذوف، دَلَّ عليه الفعلُ أي: تراضِياً كائناً بالمعروف. قوله: ((ذلك)) مبتدأٌ. و((يُوعظ)) وما بعدَه خبرُه. والمخاطَبُ: إِمَّا الرسولُ عليه السلام أو كلُّ سامعٍ، ولذلك جِيءَ بالكافِ الدالّةِ على الواحدِ، وإمَّا الجماعةُ وهو الظاهرُ، فيكونُ ذلك بمعنى ((ذلكم)) ولذلك قال بعدَه: ((منكم)). و ((مَنْ كان)» في محلّ رفع لقيامِه مقامَ الفاعلِ. وفي ((كان)) اسمُها يعودُ (١) الكتاب ١٧/١. ٤٦١ - البقرة - على ((مَنْ))، و((يؤمِنُ)) في محلِّ نصبٍ خبراً لها، و ((منكم): إمَّا متعلّقٌ بكانَ عندَ مَنْ يرى أنها تعملُ في الظرفِ وشبهِه، وإمَّا بمحذوفٍ على أنه حالٌ من فاعل يؤمنُ. وأتى باسم إشارةِ البعيدِ تعظيماً للمشار إليه، لأنَّ المشار إليه قريبٌ، وهو الحكمُ المذكورُ في العَضْل. وأَلِفُ ((أزكى)) عن واو. وقوله: ((لكم)) متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةً لـ((أَزْكى)) فهو في مجلِّ رفع. وقولُهُ: ((وَأَطْهَرُ)) أي: لكم، والمُفَضَّلُ عليه محذوفٌ للعلمِ أي: من العَضْلِ. آ. (٢٣٣) قوله تعالى: ﴿والوالداتُ يُرْضِعْنَ﴾: كقوله: ((والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ))(١) فَلْيُلتفتْ إليه. والوالدُ والوالدةُ صفتان غالبتَانِ جاريتانِ مَجْرى الجوامدِ، ولذلك لم يُذْكَرْ موصوفُهما. قوله ((حَوْلِينٍ)) منصوبٌ على ظرفِ الزمانِ، ووصفُهما بكاملين رفعاً للتجُّز، إذ قد يُطْلَقُ ((الحولان)) على الناقصينِ شهراً وشهرين. والحَوْلُ: السنةُ، سَمُيِّتْ لتحوُّلِها، والْحَوْلُ أيضاً: الحَيْلُ ويقال: لا حولَ ولا قوةَ، ولا حَيْلَ ولا قوة. قوله: ((لَمَنْ أرادَ) في هذا الجارِّ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلقٌ بُيُرْضِعْنَ، وتكونُ اللامُ للتعليلِ، و ((مَنْ)) واقعةً على الآباء، أي: الوالدات يُرْضِعْنَ لأجلِ مَنْ أَرادَ إتمام الرضاعةِ من الآباءِ، وهذا نظيرُ قولِكِ: ((أَرْضَعَتْ فلانةٌ لفلانٍ ولدَه)). والثاني: أنها للتبيين، فتعَلَّق بمحذوفٍ، وتكونُ هذه اللامُ كاللام في قوله تعالى: ((هَيْتَ لك))(٢)، وفي قولهم: ((سُقْياً لك)). فاللامُ بيانٌ للمدعوِّ له بالسَّقْىِ وللمُهَيَّتِ به، وذلك أنه لمّا ذَكَر أنَّ الوالداتِ يُرْضِعْنَ أولاًدَهُنَّ حولين كاملينٍ بَّن أنَّ ذلكَ الحکمَ إنما هو لِمَنْ أرادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَةِ . و ((مَنْ)) تحتمل حينئذ أن يُرادَ بها الوالداتُ فقط أو هُنَّ والوالدون معاً، كلَّ (١) الآية ٢٢٨ من البقرة (٢) الآية ٢٣ من يوسف. ٤٦٢ - البقرة - ذلك محتملٌ. والثالثُ: أنَّ هذه اللامَ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ فتتعلُّقُ بمحذوفٍ، والتقديرُ: ذلك الحكمُ لِمَنْ أرادَ. و (مَنْ)) على هذا تكونُ للوالداتِ والوالدَيْنِ معاً. قوله: ((أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعةَ)) ((أَنْ)) وما في حَيُّزها في محلٌّ نصب مفعولاً بأراد، أي: لمن أراد إتمامَها. والجمهور على ((يُتَمَّ الرَّضاعة)» بالياء. المضمومة من ((أتَمَّ)) وإعمال أنْ الناصبة، ونصب ((الرَّضاعة)) مفعولاً به [٩٢/أ] /، وفتح رائها. وقرأ(١) مجاهد والحسن وابن محيصن وأبو رجاء: ((تَتِمَّ) بفتح التاء من تَمَّ، ((الرضاعة)) بالرفع فاعلاً وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة كذلك إلا أنهما كَسَرا راء ((الرضاعة))، وهي لغةً كالحَضارة والحِضارة، والبصريون يقولون: فتحُ الراء مع هاء التأنيثِ وكسرُها مع عدمِ الهاء، والكوفيون يزعمون العكسَ. وقرأ مجاهد - ويُروى عن ابنِ عباس -: ((أَنْ يُتِمُّ الرَّضاعة)) برفع ((يُتِمُّ)» وفيها قولان، أحدُهما قولُ البصريين: أنها ((أَنْ)) الناصبة أُهْمِلت حَمْلاً على (ما)) أختِها لاشتراكِهما في المصدرية، وأنشدوا على ذلك قوله(٢): ـقَةُ إِنْ أَمِنْتِ من الرِّزاحِ ٩٨٩ - إني زعيمٌ يا نُوَيْـ م. يَرْتَعُون من الطِّلاحِ أنْ تهبطِين بلادَ قَوْ وقولَ الآخر (٣): وحيثما كُنتما لُقِّيتما رَشَدا ٩٩٠ - يا صاحبيَّ فَدَتْ نفسي نفوسكما مني السلامَ وألاّ تُشْعِرا أَحَدا أَنْ تقرآنٍ على أسماءً ويَحْكُما فَأَهْمِلها ولذلك ثَبَتَتْ نونُ الرفع، وأَبَوأ أن يَجْعلوها المخففةَ من الثقيلةِ (١) الشواذ ١٤؛ البحر ٢١٣/٢؛ القرطبي ١٦٢/٣. (٢) البيتان للقاسم بن معن، وهما في معاني القرآن للفراء ١٣٦/١؛ والأزهية ٥٨؛ وابن يعيش ٩/٧؛ والأشموني ٢٩٢/١؛ والعيني ٢٩٧/٣. ونويقة: تصفير ناقة. والرزاح: شدة الضعف في الإِبل. والطلاح: نوع من الشجر. (٣) لم أهتد إلى قائلهما وهما في مجالس لعلب ٣٢٣؛ والإنصاف ٥٦٣؛ وابن يعيش ١٥/٧؛ وأوضح المسالك ١٦٦/٣؛ والخزانة ٥٥٩/٣. ٤٦٣ - البقرة ــ لوجهين، أحدُهما: أنه لم يُفْصَل بينها وبين الجملةِ الفعليةِ بعدَها، والثاني : أنَّ ما قبلَها ليس بفعلِ علمٍ ويقينٍ. والثاني: وهو قولُ الكوفيين أنها المخففةُ من الثقيلة، وشَذَّ وقوعُها موقعَ الناصبةِ، كما شذَّ وقوعُ ((أَنْ)) الناصبةِ موقعَها في قوله(١): ٩٩١ - ... قد علموا أَنْ لا يُدَانِيَنَا فِي خَلْقِهِ أَحَدٌ وقرأ مجاهد(٢): ((الرَّضْعَة)) بوزن القَصْعة. والرَّضْعُ: مَصُّ الَّذِي، ويقال للَّثيم: راضعٌ، وذلك أنه يَخاف أن يَحْلُبَ الشاةَ فَيُسْمَعَ منه الحَلْبُ، فَيُطْلَبَ منه اللبنُ، فَيَرْتَضِعُ ثديَ الشاةِ بِفْمِه. قوله: ((وعلى المولود له)) هذا الجارُّ خبرٌ مقدَّمٌ، والمبتدأ قولُه: ((رِزْقُهن))، و((أل)) في المولودِ موصولةً، و((له)) قائمٌ مقامَ الفاعل للمولودِ، وهو عائدُ الموصولِ، تقديرُه: وعلى الذي وُلِدَ له رِزْقُهُنَّ، فَحُذِف الفاعلُ وهو الوالداتُ، والمفعولُ وهو الأولادُ، وأُقيمَ هذا الجارُّ والمجرورُ مُقامَ الفاعلِ . وذَكَر بعضُ الناسِ أنه لا خلافَ في إقامةِ الجارِّ والمجرور مُقامَ الفاعِلِ. إلا السهيلي، فإِنهَ مَنَعَ من ذلك. وليس كما ذَكَر هذا القائلُ، وأنا أبسُطُ مذاهبَ الناسِ في هذه المسألةِ (٣)، فأقول بعون الله: اختلف الكوفيون والبصريون في هذه المسألةِ فأجازها البصريون مطلقاً، وأما الكوفيون فقالوا: لا يَخْلو: إمّا أن يكونَ حرفُ الجر زائداً فيجوزَ ذلك نحو: ما ضُرب من أحدٍ، وإن كان غيرَ زائٍ لم يَجُزْ ذلك عندَهم، ولا يجوزُ عندَهم أن يكونَ الاسمُ المجرورُ في موضعٍ رفعٍ باتفاقٍ بينهم. ثم اختلفوا بعد هذا الاتفاقِ في (١) تقدم برقم ٩٨٠. (٢) الشواذ ١٤؛ القرطبي ١٦٢/٣؛ البحر ٢١٣/٢. (٣) انظر: المقتضب ٥١/٤، البحر ٢١٣/٢؛ ابن عقيل ٤٣١/١. .٤٦٤ - البقرة - القائمِ مقامَ الفاعل: فذهب الفراء إلى أنَّ حرفَ الجرِّ وحدَه في موضعِ رفعٍ، كما أنَّ (يقوم)) من ((زيد يقوم)) في موضع رفعٍ. وذهب الكسائي وهِشام إلى أنَّ مفعولَ الفعلِ ضميرٌ مستترٌ فيه، وهو ضَمِيرٌ مبهمٌ من حيثُ أَنْ يرادَ به ما يَدُلُّ عليه الفعلُ من مصدر وزمانٍ ومكانٍ ولم يَدُلَّ دليلٌ على أحدِها، وذهب بعضُهم إلى أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ ضميرُ المصدرِ، فإذا قلت: ((سِيرَ بزيدٍ)) فالتقديرُ: سير هو، أي: السيرُ، لأنَّ دلالةَ الفعلِ على مصدرهِ قويةٌ، وهذا يوافِقُهم فيه بعضُ البصريين. ولهذه الأقوالِ دلائلُ واعتراضاتٌ وأجوبةٌ لا يحتملها هذا الموضوعُ فَلْيُطْلب من كتبِ النَّحْويين. قوله: ((بالمعروفِ)) يجوز أن يتعلَّقَ بكلِّ مِنْ قوله: («رزقُهنَّ)) و (كسوتُهنَّ)) على أن المسألة من بابِ الإِعمالِ، وهو على إعمالِ الثاني، إذ لو أُعْمِل الأولُ لأُضْمِر في الثاني، فكان يقال: وكسوتهنَّ به بالمعروفِ. هذا إنْ أُرِيد بالرزقِ والكسوةِ المصدران، وقد تَقدَّم أنَّ الرزقَ يكون مصدراً، وإنْ كانَ ابنُ الطراوةِ قد رَدَّ على الفارسي ذلك في قوله: ((ما لا يَمْلِكُ لهم رزقاً من السموات والأرضِ شيئاً)(١) كما سيأتي تحقيقُه في النحل، وإنْ أريدَ بهما اسمُ المرزوقِ والمكسوِّ كالطِّحْنِ والرِّعي فلا بدَّ من حذفِ مضافٍ، تقديرُه: اتِّصالُ أو دفعُ أو ما أشبهَ ذلك مِمَّا يَصِحُ به المعنى، ويكونُ ((بالمعروف)» متعلّقاً بمحذوفٍ على أنه حالّ منهما. وجَعَلَ أبو البقاء(٢) العاملَ في هذه الحالِ الاستقرار الذي تَضَمَّنه ((على)). والجمهورُ على ((كِسْوَتِهِنَّ)) بكسر الكاف، وقرأ طلحة بضمها(٣)، وهما لغتان في المصدر واسم المكسوِّ، وفعلُها يتعدَّى لاثنين، وهما كمفعولَيْ (١) الآية ٧٣ من النحل. (٢) الإملاء ٩٧/١. (٣) البحر ٢١٤/٢؛ الشواذ ١٤، ونسبها للسلمي. ٤٦٥ - البقرة :- ((أعطى)) في جوازٍ حَذْفِهما أو حَذْفِ أحدِهما اختصاراً أو اقتصاراً. قيل: وقد يتعدَّى إلى وَاحِدٍ وأنشدوا (١): ٩٩٢ - وَأُركَبُ في الروعِ خَيْفَانَةً كَسَا وَجَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ ضَمِّنه معنى غَطَّى. وفيه نظرٌ لاحتمالِ أنه حُذِف أحدُ المفعولين للدلالةِ عليه، أي: كسا وجهَهَا غبارٌ أو نحوه(٢). قوله: (لا تُكَلَّفُ نفسٌ)) الجمهورُ على ((تُكَلَّفُ)) مبنياً للمفعولِ، ((نفسٌ)) قائمٌ مقامَ الفاعلِ وهو الله تعالى، ((وُسْعَها)) مفعولٌ ثانٍ، وهو استثناءً مفرغٌ، لأنَّ ((كَلَّفَ)) يتعذَّى لاثنين. قال أبو البقاء(٣): ((ولو رُفِعَ الوُسْعُ هنا لم يَجُزْ، لأنه ليس ببدلٍ)). وقرأ(٤) أبو رجاء: (لَا تَكَلَّفُ نفسٌ)) بفتح التاءِ والأصلُ: ((تتكلف)) فَحُذِفَتْ إحدى التاءين تخفيفاً: إمَّا الأولى أو الثانيةُ على خلافٍ في ذلك تقدَّم، فتكونُ ((نفسٌ)) فاعلاً، و((وُسْعَها)) مفعول به، استثناء مفرغاً أيضاً. وَرَوى أبو الأشهب عن أبي رجاء أيضاً: ((لا يُكَلِّف نفساً)) بإسناد الفعلِ إلى ضميرِ الله تعالى، فتكونُ (نفساً) و ((وُسْعَها)) مفعولَيْنِ. والتكليفُ: الإلزامُ، وأصلُه من الكَلَفِ، وهو الأثرُ من السُّوادِ في الوجهِ، قال(٥): (١) البيت لامرىء القيس؛ وهو في ديوانه ١٦٣، كما ينسب إلى ربيعة بن جشم، والمغني ٥٨١. والخيفانة: الجرادة شبّه فرسه بها، ثم شبه شعر ناصيتها بسعف النخيل. (٢) في ذلك تكلف وإغراب ولا حاجة إليه، والتضمين يحل الإشكال. (٣) الإِملاء ٩٧/١. (٤) البحر ٢١٤/٢؛ الشواذ ١٤ . (٥) البيت لعلقمة بن عبدة، وهو في ديوانه ٧٦؛ والكتاب ٣٢٥/٢؛ والمفضليات ٤٠٤. والعيثوم: العظيم الخلق. ٤٦٦ - البقرة - من الجِمالِ كثيرُ اللَّحْمَ عَيْثُومُ ٩٩٣ - يَهْدِي بها أَكْلَفُ الخَدَّيْنِ مُخْتَبِرٌ وَفلانٌ كَلِفٌ بكذا: أي مُغْرى به. وقوله: ((لا تُضارِّ) / ابنُ كثير(١) وأبو عمرو: ((لا تضارُ)) برفع الراء مشددةً، وتوجيهُها واضحٌ، لأنه فعلٌ مضارعٌ لم يَدْخُلْ عليه ناصبٌ ولا جازمٌ فَرُفِعَ، وهذه القراءةُ مناسِبَةٌ لِما قبلِهَا من حيث إنه عَطَفَ جملةٌ خبريةٌ على خبريةً لفظاً نَهْبِيَّةٌ معنى، ويدل عليه قراءةُ الباقين كما سيأتي. وقرأ باقي السبعة بفتح الراءِ مشددةً، وتوجيهُها أنَّ ((لا)) ناهيةٌ فهي جازمةٌ، فَسَكَنَتِ الراء الأخيرةُ للجزمِ وقبلَها راءٌ ساكنةٌ مدغمةٌ فيها، فالتقى ساكنان فَحَرَّكْنا الثانيةَ لا الأولى، وإنْ كان الأصلُ الإِدغامَ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً وإنْ كانَ أصلُ التقاءِ الساكنينِ الكسرَ لأجلِ الألفِ إذ هي أختُ الفتحةِ، ولذلك لَمَّا رَخَّمَتِ العربُ (إسحار)) وهو اسمُ نباتٍ قالوا: ((إسحارَ)) بفتح الراء خفيفةً، لأنهم لمَّا حَذَفوا الراءَ الأخيرةَ بقيتِ الراءُ الأولى ساكنةً والألفُ قبلَها ساكنةٌ فالتقى ساكنان، والألفُ لا تقبلُ الحركَةَ فحَرَّكوا الثاني وهو الراءُ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً لأجلِ الألفِ قبلَها، ولم يَكْسِروا وإنْ كان الأصلَ، لما ذكرْتُ لك من مراعاةٍ الألف. وقرأ الحسن بكسرِها مشددةً، على أصلِ التقاءِ الساكنين، ولم يُراعِ الألفَ، وقرأ أبو جعفرٍ بسكونِها مشددةً كأنه أَجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ فسكَّنَ، ورُوِي عنه وعن ابن هرمز بسكونِهَا مخففةً، وتَحْتمل هذه وجهين، أحدهما: أن يكونَ من ضارَيَضير، ويكونُ السكونُ الإِجراءِ الوصلِ مُجْرى الوقف. والثاني: أن يكونَ من ضارَّ يُضارُ بتشديد الراءِ، وإنما استثقل تكريرَ حرفٍ هو مكررً في نفسِهِ فَحَذَفَ الثانيّ منهما، وَجَمَع بين الساكنين - أعني الألفَ والراء - إمّا إجراءً للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وإمَّا لأنَّ الألفَ قائمةٌ مقامَ الحركةِ لكونها حرفَ مَدِّ . (١) السبعة ١٨٣؛ الكشف ٢٩٦/١؛ والبحر ٢١٤/٢؛ والشواذ ١٤. ٤٦٧ - البقرة - وزعم الزمخشري(١) ((أن أبا جعفر إنما اختلس الضمة فَتَوَهَّم الراوي أنه سَكَّنَ، وليس كذلك)) انتهى. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك عند ((يأمركم))(٢) ونحوه. ثم قراءةُ تسكينِ الراءِ تحتملُ أَنْ تكونَ مِنْ رفعٍ فتكونَ كقراءة ابن کثیر وأبي عمرو، وأن تكونَ من فَتْح فتكونَ كقراءةِ الباقين، والأولُ أَوْلِى، إذِ التسكينُ من الضمةِ أكثرُ من التسكينِ من الفتحةِ لخفتها. وقرأ ابن عباسُ بكسر الراءِ الأولى والفكِّ، ورُوي عن عمر ابن الخطاب: ((لا تضارَرْ)) بفتح الراء الأولى والفك، وهذه لغةُ الحجاز أعني [فكّ] المِثْلِين فيما سَّكُنَ ثانيهما للجزمِ أو للوقفِ نحو: لم تَمْرُرْ، وامرُرْ، وبنو تميم يُدْغِمون، والتنزيلُ جاء باللغتين نحو: ((مَنْ يَرْتَدِدْ منكم عن دينه))(٣) في المائدةِ، قُرىء في السبعِ بالوجهين وسيأتي بيانُه واضحاً. ثم قراءةُ مَنْ شَدَّد الراءَ مضمومةً أو مفتوحةٌ أو مكسورةٌ أو مُسَكَّنةٌ أو خَفَّفها تحتملُ أن تكونَ الراءُ الأولى مفتوحةً، فيكونُ الفعلُ مبنياً للمفعول، وتكونُ ((والدةً؛ مفعولاً لم يُسَمَّ فاعله، وحُذِفَ الفاعلُ العِلْمِ به، ويؤيده قراءةُ عمرَ رضي الله عنه. وأَنْ تكونَ مكسورةٌ فيكونُ الفعلُ مبنياً للفاعلِ ، وتكونُ ((والدةً)) حينئذ فاعلاً به، ويؤيده قراءةُ ابنِ عباس. وفي المفعولِ على هذا الاحتمالِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدهما - وهو الظاهر - أنه محذوفٌ تقديرُه: ((لا تُضَارِرْ والدة زوجَها بسسبٍ ولِدِها بما لا يَقْدِرُ عليه من رزقٍ وكِسْوةٍ ونحو ذلك، ولا يضارِرْ مولودٌ له زوجته بسبب ولِدِه تـ (١) الكشاف ٣٧٠/١. (٢) الآية ٦٧ من البقرة. (٣) الآية ٥٤ من المائدة، قرأ نافع وابن عامر بدالين، والباقون بالإِدغام. انظر: السبعة ٢٤٥. ٤٦٨ - البقرة - بما وَجَبَ لها من رزقٍ وكسوةٍ، فالباءُ للسببيةِ. والثاني : - قاله الزمخشري(١) - أن يكونَ «تُضارِّ» بمعنى تَضُرُّ، وأن تكونَ الباءُ من صلتِه أي: لا تضرُّ والدةٌ بولدِها فلا تسيءُ غذاءه وتعهُّدَه ولا يَضُرُّ الوالدُ به بأن ينزِعه منها بعدما ألِفَها.)) انتهى. ويعني بقوله ((الباءُ من صلته)) أي: تكونَ متعلقةً به ومُعَدِّيةٌ له إلى المفعول، كهي في ((ذهبت بزيدٍ)) ويكونُ ضارِّ بمعنى أضرّ فاعَلَ بمعنى أَفْعَل، ومثلُه: ضاعفْتُ الحِسابَ وَأَضْعَفْتُه، وباعَدْته وأبعدْتُه، وقد تقدَّم أن «فاعَلَ» يأتي بمعنى أَفْعَل فيما تقدَّم، فعلى هذا نفسُ المجرور بهذه الباءِ هو المفعول به في المعنى، والباءُ على هذا للتعديةِ، كما ذكرْتُ في التنظيرِ بِذَهَبْتُ بزيدٍ، فإنه بمعنى أَذْهبته . والثالث: أن الباءَ مزيدةٌ، وأنَّ ((ضارَّ) بمعنى ضَرَّ، فيكون ((فاعَلَ)) بمعنى (فَعَل)) المجردِ، والتقديرُ: لا تَضُرُّ والدةٌ ولدَها بسوءِ غذائِهِ وَعَدَم تعهُّدِهِ، ولا يَضُرُّ والدٌ ولدَه بانتزاعِه من أمه بعدما أَلِفِهَا ونحوِ ذلك. وقد جاء (فاعل)) بمعنى فَعَل المجرد نحو: واعَدْتَه ووعَدْتُه، وجاوَزْته وجُزْته، إلا أنَّ الكثيرَ في فاعَل الدلالةُ على المشاركةِ بين مرفوعِه ومنصوبِه، ولذلك كان مرفوعهُ منصوباً في التقدير، ومنصوبُه مرفوعاً في التقدير، فمن ثَمَّ كانَ التوجيهُ الأولُ أرجحَ مِنْ توجيهِ الزمخشري وما بعدَه، وتوجيهُ الزمخشري أَوْجَهْ مِمَّا بعده . و ((له)) في محلِّ رفعٍ لقيامِهِ مَقامَ الفاعلِ. وقوله: ((لا تُضارَّ والدةٌ» فيه دلالةٌ على ما يقولُه النحويون، وهو أنه إذا اجتمع مذكرٌ ومؤنثٌ، معطوفاً أحدُهما على الآخرِ كان حكمُ الفعلِ السابقِ عليهما للسابق منهما، تقول: قامَ زيدٌ وهندٌ، فلا تُلْحِقُ علامةَ تأنيثٍ، وقامَتْ هندٌ وزيدٌ، فتلحقُ العلامةَ، والآيةُ الكريمة من هذا القبيل، ولا يُستثنى من ذلك (١) الكشاف ٣٧٠/١. ٤٦٩ - البقرة - إِلَّ أَنْ يكونَ المؤنثُ مجازياً، فَيَحْسُنُ الَّ يُراعى المؤنثُ وإنْ تقدَّم كقولِه تعالى: ((وُجُمِع الشمسُ والقمر))(١). ولا يَخْفى ما في هذه الجملِ من علم البيان، فمنه: الفصِلُ والوصِلُ. / أمّا الفصلُ وهو عدمُ العطفِ بين قولِه: ((لا تُكَلَّفُ نفسٌ)) وبين قوله: [١/٩٣] ((لا تضارَّ) لأنَّ قوله: ((لا تُضارِّ) كالشرحِ للجملةِ قبلَها، لأنه إذا لَمْ تُكَلَّفٍ النفسُ إلا طاقتها لم يقع ضررٌ، لا للوالدة ولا للمولود له. وكذلك أيضاً لم يَعْطِف ((لا تُكُلَّف نفسٌ)) على ما قبلَها، لأنها مع ما بعدَها تفسيرٌ لقولِه ((بالمعروفِ)). وأمَّا الوصلُ وهو العطفُ بين قوله: ((والوالداتُ يُرْضِغْنَ)) وبين قوله: ((وعلى المولودِ له رزقُهن)) فلأنَّهما جملتان متغايرتان في كلٌّ منهما حكمٌ ليس في الأخرى. ومنه إبراز الجملةِ الأولى مبتدأ وخبراً، وجَعْلُ الخبرِ فعلاً، لأنَّ الإِرضاع إنما يتجدَّدُ دائماً. وأُضيفت الوالداتُ للأولاد تنبيهاً على شفقتهنَّ وحَثَّاً لهنَّ على الارضاعِ. وجيء بالوالدات بلفظِ العموم وإنْ كان جمعَ قِلة، لأنَّ جمعَ القلةِ متى حُلِّي بأل عمَّ، وكذلك ((أولادَهُنَّ) عامٌّ، لإِضافته إلى ضمير العامِّ، وإنْ كان أيضاً جمع قلةٍ. ومنه إبرازُ الجملةِ الثانيةِ مبتدأُ وخبراً، والخبرُ جارَّ ومجرورٌ بحرفِ ((على)) الدالُّ على الاستعلاء المجازي في الوجوبِ وقُدِّم الخبرُ اعتناءً به. وقُدِّم الرزْقُ على الكسوةِ لأنه الأهمُّ في بقَاءِ الحياةِ ولتكرره كلَّ يومٍ ، وأُبرزت الثالثة (٢) فعلًا ومرفوعَه، وجُعِل مرفوعُه نكرةٌ في سياقِ النفي ليعمَّ ويتناولَ ما سبقَ لأجله من حكم الوالدات في الإِرضاع والمولود له في الرزق والكِسْوة الواجبَتَيْنِ عليه للوالدةِ، وأُبْرِزَت الرابعةُ كذلك لأنها كالإِيضاح لما قبلها والتفصيلِ بعد الإِجمال، ولذلك لم يُعْطَفْ عليها كما ذَكَرْتُه لك. ولَمَّا كان تكليفُ النفسِ فوق الطاقةِ ومُضَارَّةُ أُحدِ الزوجينِ للآخر (١) الآية ٩ من القيامة. (٢) أي قوله تعالى: ((لا تُكَلَّف نفسٌ إلا وُسْعَها)). ٤٧٠ - البقرة - مِمّا يتكرَّر ويتجدَّدُ أتى بهاتين الجملتين فعليتين وأَدْخَلَ عليهما حرف النفي وهو ((لا)) لأنه موضوعٌ للاستقبال غالباً. وأمَّا في قراءة مَنْ جَزَمَ فإنَّها ناهيةً، وهي للاستقبالِ فقط، وأضافَ الولدّ إلى الوالدة والمولودِ له تنبيهاً على الشفقةِ والاستعطافِ، وقدَّمَ ذِكْرَ عدم مُضَارَّةٍ الوالد مراعاةً لِمَا تقدَّم من الجملتين، إذ قد بدأ بحكمِ الوالداتِ وثَنَّى بحكمِ الوالدِ. ولولا خوفُ السَآمَةِ وأنَّ الكتابَ غيرُ موضوعٍ لهذا الفنّ لذكرْتُ ما تَحتمِلُه هذه الآية الكريمةُ من ذلك. قولُه : ((وعلى الوارِثِ مثلُ ذلك)» هذه جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، قَدَّم الخبرَ اهتماماً، ولا يَخْفَى ما فيها، وهي معطوفةٌ على قوله: ((وعلى المولود له رزقُهُنَّ)) وما بينهما اعتراضٌ؛ لأنه كالتفسيرِ لقوله ((بالمعروفِ)) كما تقدَّم التنبيهُ عليه . والألفُ واللامُ في ((الوارث)) بدلٌّ من الضميرِ عندَ مَنْ يَرى ذلك، ثم اختلفوا في ذلك الضمير: هل يعودُ على المولود له وهو الأبُ، فكأنه قيل: وعلى وارِثِه، أي: وارِثِ المولودِ له، أو يعودُ على الولدِ نفسه، أي: وارثٍ الولد؟ وهذا على حَسَبِ اختلافِهم في الوارثِ. وقرأ(٢) يحيى بن يعمر: ((الوَرَثَة)) بلفظ الجمعِ، والمشارُ إليه بقوله: ((مثلُ ذلك)) إلى الواجبِ من الرزق والكسوة، وهذا أحسنُ مِنْ قول مَنْ يقول: أُشير به إلى الرزق والكسوة. وأشير بما للواحدِ للاثنين كقوله: ((عَوانٌ بين ذلك))(٣). وإنما كان أحسنَ لأنه لا يُحْوِج إلى تأويل، وقيل: المشارُ إليه (١) أي قوله تعالى: ((لا تضار والدة بولدها)). (٢) البحر ٢١٦/٢. (٣) الآية ٦٨ من البقرة. ٤٧١ - البقرة - هو عَدَمُ المُضَارَّةِ، وقيل: أجرةُ المثلِ ، وغيرُ ذلك. قوله: ((عن تراضٍ)) فيه وجهان، أحدُهما : - وهو الظاهر - أنه متعلَّقْ بمحذوفٍ إذ هو صفةٌ لـ ((فِصالاً))، فهو في محلِّ نصبٍ أي: فصالاً كائناً عن تراضٍ، وقدَّره الزمخشري(١): صادراً عن تراضٍ ، وفيه نظرٌ من حيث كونُه كوناً مقيّداً. والثاني: أنه متعلقٌ بأراد، قاله أبو البقاء(٢)، ولا معنى له إلّ بتكلفٍ. و((عن)) للمجاوزة مجازاً لأنَّ التراضيَ معنىِّ لا عينٌ. و((تراض)» مصدرُ تفاعَل، فعينُه مضمومةٌ وأصله: تفاعُل تراضُوٌ، فَفُعِل فيه ما فُعِل بـ ((أَدْلٍ)) جمعَ دَلْوِ، مِنْ قلبِ الواوياءً والضمةِ قلبِها (٣) كسرةً، إذلا يوجَدُ في الأسماءِ المعربةِ واوٌ قبلَها ضمةٌ لغير الجمع إلا ويُفْعَلُ بها ذلك تخفيفاً. قوله ((منهما)) في محلِّ جرِّ صفةً لـ ((تَراضٍ))، فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: تراضٍ كائنٍ أو صادرٍ منهما. و((مِنْ)) لابتداء الغايةِ. وقوله: ((وتشاوُر) حُذِفَتْ لدلالةِ ما قبلَها عليها والتقدير: وتشاورٍ منهما، ويُحْتَمَلِ أَنْ يكونَ التشاؤُرُ من أحدِهما مع غيرِ الآخرِ لتتفق الآراءُ منهما ومِنْ غيرِهما على المصلحةِ . قوله: ((فلا جُنَاحَ)) الفاءُ جوابُ الشرطِ، وقد تقدَّم نظيرُ هذه الجملة(٤)، ولا بُدَّ قبلَ هذا الجواب من جملةٍ قد حُذِفَت ليصحَّ المعنى بذلك تقديرُه: فَفَصَلَاه أو فَعَلا ما تراضُيا عليه فلا جُنَاحَ عليهما في الفِصال أو في الفَصْل. (١) الكشاف ٣٧١/١. (٢) الاملاء ١ /٩٨. (٣) الأصل: قبلها، وهو سهو .. (٤) الآية ٢٣٠ من البقرة. ٤٧٢ .. - البقرة - قوله: ((أَنْ تَسْتَرْضِعوا)) أنْ وما في حَيِّزها في محلّ نصبٍ مفعولاً بـ «أراد)» وفي ((استرضع)) قولان للنحويين، أحدُهما: أنه يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرف الجرِّ، والتقديرُ: أَنْ تسترضعوا المراضعَ لأولادِكم، فَحُذِف المفعولُ الأول وحرفُ الجر من الثاني، فهو نظيرُ ((أمرتُ الخيرَ)، ذكرْتَ المأمورَ به ولم تَذْكُرٍ المأمورَ، لأنَّ الثاني منهما غيرُ الأول، وكلُّ مفعولين كانا كذلك فأنتَ فيهما بالخيار بين ذِكْرِهما وحَذْفِهما، وذِكْرِ الأولِ ، دونَ الثاني والعكس. والثاني: أنه متعدٍّ إليهما بنفسِه، ولكنه حُذِفَ المفعولُ الأولُ وهذا رأيُ الزمخشري(٣)، ونَظَّر الآية الكريمة بقولك: ((أنجح الحاجة)) واستَنْجَحَتْه الحاجة))(٢) وهذا [٩٣/ب] يكون نقلاً بعد نقلٍ، لأنَّ الأصلَ / ((رَضِعَ الولدُ))، ثم تقول: ((أَرْضَعَت المرأةُ الولدَ)»، ثم تقول: ((استرضَعْتُها الولد)) هكذا قال الشيخ(٣). وفيه نظرٌ، لأنَّ قولَه ((رضِع الولدُ)) يُعتقدُ أنَّ هذا لازمٌ ثمَ عَدَّيْتَه بهمزةٍ النقلِ ، ثمَّ عَدَّيْتَه ثانياً بسينِ الاستفعال، وليس كذلك لأنَّ ((رَضِع الولدُ)) متعدٍّ، غاية ما فيه أنَّ مفعولَه غيرُ مذكورٍ تقديرُه: رَضِع الولدُ أمَّه، لأنَّ المادةَ تقتضي مفعولاً به كضَربَ، وأيضاً فالتعديةُ بالسين قولٌ مرغوب عنه. والسينُ للطلبِ على بابها نحو: استسقيتُ زيداً ماءً واستطْعَمْتَه خبزاً، فكما أنَّ ماءً وخبزاً منصوبان لا على إسقاط الخافض كذلك («أولادكم)). وقد [جاء] استفعل للطلب وهو مُعَدَّى إلى الثاني بحرف جر، وإن كان ((أَفْعَل)) الذي هو أصلُه متعدِّياً لاثنين نحو: ((أفهمني زيدُ المسألةً)) واستفهمتُه عنها، ويجوز حَذْفُ ((عن))، فلم يَجِىءُ مجيء (استَسْقَيْت)) و(استطعمت)) من كونٍ ثانيهما منصوباً لا على إسقاطِ الخافض. (١) الكشاف ٣٧١/١. (٢) استنجح الحاجة: تنجَّزها. (٣) البحر ٢١٨/٢. ٤٧٣ - البقرة ــ وفي هذا الكلام التفاتُ وتكوينٌ: أمَّ الالتفاتُ فإنه خروجٌ من ضميرٍ الغَيْبةِ في قوله ((فإنْ أرادوا)) إلى الخطابِ في قوله: ((وإنْ أَرِدْتُمْ)) إذ المخَاطَبُ الآباءُ والأمهاتُ. وأمَّا التكوينُ في الضمائِرِ فإنَّ الأول ضميرُ تثنيةٍ وهذا ضميرُ جمعٍ ، والمرادُ بهما الآباءُ والأمهاتُ أيضاً، وكأنه رَجَعَ بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولودِ له، ولكنه غَلَّب المذكَّرَ وهو المولودُ له، وإنْ كان مفرداً لفظاً. و «فلا جُناحَ)) جوابُ الشرط. قوله: ((إذا سَلَّمْتُمْ ما آتيتم)) ((إذا)) شرطٌ حُذِفَ جوابُه لدلالةِ الشرطِ الأولِ وجوابِه عليه، قال أبو البقاء(١): ((وذلك المعنى هو العاملُ في ((إذا)) وهو متعلقٌ بما تَعَلَّق به ((عليكم)). وهذا خطأً في الظاهرِ، لأنه جَعَلَ العامِلَ فيها أولا ذلك المعنى المدلولَ عليه بالشرطِ الأولِ وجوابِهِ، فقولُه ثانياً (وهو متعلقٌ بما تعلَّقَ بهِ عليكم)) تناقضٌ، اللهم إلا أن يُقالَ: قد يكونُ سقطت من الكاتب ألفٌ، وكان الأصلُ ((أو هو متعلقٌ)) فَيَصِحُّ، إلا أنه إذا كان كذلك تمحَّضَتْ ((إذا)) للظرفية، ولم تكنْ للشرطِ، وكلامُ هذا القائِل يُشْعر بأنها شرطيةٌ في الوجهينِ على تقديرٍ الاعتذار عنه. وقرأ الجمهور(٢): ((آتيتم)) بالمدِّ هنا وفي الروم: ((وما آتيتم من ربا))(٣)، وقَصَرَهما ابنُ كثير. ورُوي عن عاصم ((أوتيتم)) مبنياً للمفعول، أي: ما أَقْدَرَكَم الله عليه. فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فواضحةً لأنَّ آتى بمعنى أعطى فهي تتعدّى لاثنين أحدُهما ضميرٌ يعودُ على (ما)) الموصولةِ، والآخر ضميرٌ يعودُ على المراضعِ ، والتقديرُ: مَا آتيتموهنَّ إياه، فـ ((هُنَّ)) هو المفعولُ الأول، لأنه فاعلٌ في المعنى، والعائدُ هو الثاني، لأنه هو المفعولُ في المعنى. والكلامُ على (١) الاملاء ٩٨/١. (٢) السبعة ١٨٣؛ الكشف ٢٩٦/١؛ البحر ٢١٩/٢. (٣) الآية ٣٩ من الروم. .٤٧٤ - البقرة - حذفِ هذا الضمير وهو منفصلٌ قد تقدَّم ما عليه من الإِشكال والجوابُ عند قوله: ((وممَّا رزقناهم ينفقون))(١) فَلْيُلْتَفتْ إليه. وأمَّا قراءةُ القصرِ فمعناها جِئْم وفَعَلْتُمْ كقولٍ زهير(٢): ٩٩٤ _ وما كان مِن خيرِ أَنَّوْه فإنَّما توارَثَهُ آباءُ آبائِهِم قَبْلُ أي: فعلوه، والمعنى إذا سَلَّمتم ما جِئْتُم وفَعَلْتُم، قال أبو علي(٣): ((تقديرُ: ما أتيتمِ نَقْدَه أو إعطاءه، فَحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقَامَه، وهو عائدُ الموصول، فصار: آتيتموه أي جئتموه، ثم حُذِفَ عائدُ الموصولِ)). وأجاز أبو البقاء(٤) أن يكونَ التقديرُ: ما جِئْتُم به فَحُذِفَ، يعني حُذِف على التدريج، بأنَّ حُذِفَ حرف الجر أولاً فاتصل الضمير منصوباً بفعلٍ فَحُذِفَ. و ((ما)» فيها وجهان، أظهرهُما: أنها بمعنى الذي، وأجاز أبو عليّ(٥) فيها أن تكون موصولةً حرفيةً(٦)، ولكنْ ذَكَر ذلك مع قراءةِ القصرِ خاصة، والتقدير: إذا سَلَّمتم الإِتيان، وحينئذٍ يُسْتَغْنَى عن ذلك الضمير المحذوف. ولا يختصُّ ذلك بقراءة القصرِ، بل يجوزُ أن تكونَ مصدريةً مع المدِّ أيضاً على أَن المصدرَ واقعٌ موقع المفعولِ، تقديرُه: إذا سلَّمتم الإِعطاء، أي المُعْطَى. والظاهرُ في ((ما)) أن يكونَ المرادُ بها الأجرةَ التي تُعْطاها المرضعُ، والخطابُ على هذا في قوله: (سَلَّمتم)) و((آتيتم)) للآباء خاصةً، وأجازوا أن يكونَ المرادُ (١) الآية ٣ من البقرة. (٢) الديوان ١١٥؛ القرطبي ١٧٣/٣. (٣) الحجة (خ) ٢٩٩/٢. (٤) الاملاء ٩٨/١. (٥) الحجة (خ) ٢٩٩/٢. (٦) أي: مصدرية . ٤٧٥ - البقرة - بها الأولادَ، قاله قتادة والزهري. وفيه نظرٌ من حيث وقوعُها على العقلاء، وعلى هذا فالخطابُ في ((سَلَّمتم)) للآباء والأمهاتِ. وقرأ عاصم في رواية شيبان(١): ((أُوتيتم)) على البناء للمجهول ومعناه: ما آتاكم الله وأَقْدركم عليه من الأجرة، وهو في معنى قوله تعالى: ((وأَنفقوا مِمّا جَعَلكم مُسْتخلَفين فيه))(٢). قوله: ((بالمعروف)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يتعلَّق بـ ((سَلَّمْتم)) أي: بالقولِ الجميلِ . والثاني: أنْ يتعلَّق بـ ((آتيتم)»، والثالثُ: أن يكونَ حالاً منْ فاعل ((سَلَّمْتم)) أو (آتيتم))، فالعاملُ فيه حينئذٍ محذوفٌ أي: ملتبسين بالمعروفِ . آ. (٢٣٤) قوله تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّونَ منكم)) الآية: فيه أوجهٌ، الأولُ: أَنَّ ((الذين)) مبتدأٌ لا خبرَ له، بل أَخْبر عن الزوجات المتصلِ ذِكْرُهُنَّ به، لأنَّ الحديثَ معهنَّ في الاعتدادِ، فجاء الخبرُ عن المقصود، إذ المعنى: مَنْ مات عنها زوجُها تربَّصت. وإليه ذهب الكسائي والفراء(٣)، وأنشد الفراء(٤): ٩٩٥ _ لعَلَِّ إِنْ مَالَتْ بِيَ الريحُ مَيْلَةً على ابن أبي ذِبَّانَ أَنْ يتندَّمَا : فقال: ((علي)) ثم قال: ((أن يتندم)) فأخبر عن ابن أبي ذَبَّان، فترك (١) ثمة راويان لعاصم بهذا الاسم، أولهما شيبان بن عبدالرحمن، روى عنه الجعفي، والثاني شيبان بن معاوية روى عنه موسى بن هارون توفي سنة ١٦٤. انظر: طبقات القراء ٣٢٩/١؛ وانظر: الشواذ ١٥. (٢) الآية ٧ من الحديد. (٣) معاني القرآن ١٥١/١ : (٤) البيت لثابت قطنة العتكي، وهو في معاني القرآن للفراء ١٥٠/١ وتفسير الطبري ٧٧/٥؛ والصاحب ١٨٥؛ والبحر ٢٢٢/٢. ٤٧٦ - البقرة - المتكلم، إذا التقديرُ: لعل ابن أبي ذبان أن يتندَّمَ إنْ مالت بي الريحُ ميلةٌ. وقال آخر(١): بغيرِ دَمٍ دارُ المَذَلَّةِ حُلَّتِ ٩٩٦ - بني أسدٍ إِنَّ ابن قَيْسٍ وقَتْلَه فأخبرَ عن قتلِه بأنه دارُ مذلَّة، وتَرَكَ الإِخبار عن ابن قيس (٢). وتحريرُ مذهبِ الكسائي والفراء أنه إذا ذُكِر اسمٌ، وذُكِر اسمٌ مضافٌ إليه [٩٤/أ] فيه معنى الإخبارِ تُرِك عن الأولِ وأُخْبِر عن الثاني / نحو: ((إنَّ زيداً وأخته منطلقةٌ))، المعنى: إنَّ أخت زيد منطلقة، لكنَّ الآية الكريمة والبيتَ الأول ليسا من هذا الضربِ، وإنما الذي أورده تشبيهاً بهذا الضرب قوله(٣): وجِرْوَةً لا تَرُودُ ولا تُعارُ ٩٩٧ - فَمَنْ يكُ سائِلاً عني فإني ولتحرير هذا المذهب والردِّ عليه وتأويلِ دلائِله كتابٌ غيرُ هذا. الثاني: أَنَّ له خبراً وهو ((يتربَّصْن)) ولا بُدَّ من حذفٍ يصحِّحُ وقوعَ هذه الجملةِ خبراً عن الأول لخلوِّها من الرابط، والتقديرُ: وأزواجُ الذين يُتَوقُّوْن يتربَّصْنَ. ويدلُّ على هذا المحذوفِ قولُه: ((ويَذَرون أزواجاً)) فَحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليهُ مُقَامَه لتلك الدلالةِ. الثالث أن الخبرَ أيضاً ((يتربَّصْن)) ولكن حُذِفَ العائدُ من الكلامِ للدلالةِ عليه، والتقدير: يتربصن بعدهم أو بعد موتِهم، قاله الأخفش (٤). الرابع: أنَّ ((يتربَّصْنَ)) خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، التقديرُ: أزواجُهم يتربَّصْنَ، وهذه الجملةُ خبرٌ عن الأول، قاله المبردُ. الخامس: أنَّ (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن ١٥٠/١؛ والطبري ٧٨/٥؛ والصاحبي ١٨٥. (٢) في الأصل ((عن بني أسد)) وهو سهو ظاهر لأن بني أسد نداءً لا يحتاج إلى أخبار. (٣) البيت لشداد العبسي والد عنترة، وهو في الكتاب ١٥٢/١؛ واللسان: جرا؛ والبحر ٢٢٢/٢. وجروة: اسم فرسه؛ ترود: تجيء وتذهب؛ أي: إنها مرتبطة بالفناء لعتقها وكرمها لا تهمل ولا تعار وتبتذل. (٤) معاني القرآن له ١٧٦/١. ٤٧٧ - البقرة ــ الخبرَ محذوفٌ بجملتِهِ قبلَ المبتدأ، تقديرُه: فيما يُتْلى عليكم حكمُ الذين يُتَوَقُّوْن، ويكون قولُه ((يَتْربَّصْنَ)) جملةً مبيِّنَةً للحكم ومفسِّرة له، فلا موضع لها من الإِعرابِ، ويُعْزى هذا لسيبويه. قال ابن عطية (١): ((وحكى المهدويُّ عن سيبويه أنَّ المعنى: ((وفيما يُتْلَى عليكم الذين يُتَوَفَّون، ولا أعرفُ هذا الذي حكاه، لأنَّ ذلك إنما يتّجهُ إذا كان في الكلام لفظُ أمرٍ بعد المبتدأ نحو قوله تعالى: ((والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا)(٢)، ((الزانيةُ والزاني فاجلدوا))(٣)، وهذه الآيةُ فيها معنى الأمر لا لفظُه، فتحتاجُ مع هذا التقديرِ إلى تقديرٍ آخر يُسْتغنى عنه إذا حَضَرَ لفظُ الأمرِ)). السادس: أنّ بعضَ الجملةِ قَام مَقام شَيءٌ مضافٍ إلى عائدِ المبتدأ، والتقديرُ: ((والذين يُتَوقّون منكم ويذرون أزواجاً يتربصُ أزواجُهم)) فَحُذِف ((أزواجُهُم)) بجملته، وقامَتِ النون التي هي ضميرُ الأزواج مَقَامَهُنَّ بقيدِ إضافتهنَّ إلى ضميرِ المبتدأ. وقراءةُ الجمهورِ ((يُتَوَّفَّوْنَ)) مبنياً لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، وقرأ أمير المؤمنين(٤) - ورواها المفضل عن عاصم ــ بفتح الياء على بنائه للفاعل، ومعناها: يَسْتوفون آجالَهم، قاله أبو القاسم الزمخشري (٥). والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلفَ جنازةٍ فقال له رجل: مَنْ المتوفّ؟ بكسر الفاء، فقال: اللهُ، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله عنه على أَنْ أمَرَه بوضعِ كتابٍ في النحو. [وهذا] تُناقِضُه هذه القراءة. وقد تقدَّم احتمالات في قوله: ((يَتَرَبَّصْنَ بأنفسِهن ثلاثةَ قُروءٍ))(٦) وهل (١) المحرر ٢١٥/٢. (٢) الآية ٣٨ من المائدة. (٣) الآية ٢ من النور. وانظر الكتاب ٧١/١ - ٧٢. (٤) يعني به علياً؛ وانظر: البحر ٢٢٢/٢؛ والشواذ ١٥. (٥) الكشاف ٣٧٢/١. (٦) الآية ٢٢٨ من البقرة. ٤٧٨ ۔۔ - البقرة - ((بأنفسهن)) تأكيدٌ أو لا؟ وهل نصبُ ((قروء)) (١) على الظرفِ أو المفعوليةِ؟ وهي جاریةٌ ههنا. قوله: ((منكم)) في محلّ نصبٍ على الحالِ من مرفوعٍ ((يَتَوَفُّوْن)) والعاملُ فيه محذوفٌ تقديره: حالَ كونِهم منكم. و((مِنْ)) تحتمل التبعيض وبيانَ الجنسِ . قوله: ((وعَشْراً)) إنما قال ((عشراً) من غير تأنيثٍ في العدد لأحد أوجهٍ، الأولُ: أنَّ المراد ((عَشْر ليال)). مع أيامِها، وإنما أوثرت الليالي على الأيام في التاريخ لسَبْقها. قال الزمخشري (٢): ((وقيل ((عَشْراً) ذهاباً إلى الليالي، والأيامُ داخلةً فيها، ولا تراهم قطّ يستعملون التذكيرَ ذاهبين فيه إلى الأيام، تقول: ((صُمْت عشر))، ولو ذكَّرْت خَرَجْتَ من كلامِهم، ومن البيّن قولُه تعالى: ((إِنْ لَبْتَم إلا عشراً)(٣)، ((إِنْ لَبِشْتَم إلا يوماً))(٤). والثاني - وهو قولُ المبرد -: أَنَّ حَذْفَ التاء لأجلِ أنَّ التقديرَ عشرُ مُدَدٍ كلُّ مدة منها يومٌ وليلةٌ، تقول العرب: ((سِرْنا خمساً) أي: بين يوم وليلة قال (٥): ٩٩٨ - فطافَتْ ثلاثاً بين يوم وليلةٍ وكان النكيرُ أَنْ تُضِيفَ وَتَجْأرا والثالث: أنَّ المعدودَ مذكرٌ وهو الأيام، وإنما حُذِفَت التاء لأنَّ المعدودَ (١) يعني المضاف ((ثلاثة)) وهي جارية هنا أي: إن الاحتمالات السابقة تجري هنا. (٢) الكشاف ٣٧٢/١. (٣) الآية ١٠٣ من طه. (٤) الآية ١٠٤ من طه . (٥) البيت للنابغة الجعدي وهو في ديوانه ٦٤؛ والكتاب ١٧٤/٢؛ والبحر ٢٢٣/٢؛ وأدب الكاتب ٢١٧. يصف بقرة فقدت ولدها؛ والنكير: الإِنكار؛ تضيف: تشفق وتحذر. وتجار: تصيح . ٤٧٩ - البقرة - المذكّر متى ذُكِرَ وَجَبَ لَحاقُ التاءِ في عدده، وإذا حُذِفَ لفظاً جاز في العددِ الوجهان: ذِكْرُ التاءِ وعدمُها. حكى الكسائي: ((صُمْنَا من الشهرِ خمساً)، ومنه الحديث: ((وأتبعَه بستٍ من شوال))(١)، وقال آخر (٢): تيمِّمَ خَمْساً ليس في سيره أَمَمْ ٩٩٩ - وإلاّ فسيري مثلَ ما سار راكبٌ نَصَّ النحويون على ذلك. قال الشيخ(٣): ((فلا يُحْتَاج إلى تأويلها بالليالي ولا بالمُدَد كما قدَّره الزمخشري والمبرد على هذا». قال: ((وإذا تقرر هذا فجاء قولُهُ: ((وعشراً)) على أحدٍ الجائزين، وإنما حَسُنَ حذفُ التاءِ هنا لأنه مقطعُ كلامٍ فهو شبيهٌ بالفواصِلِ، كما حَسِّنَ قولَه: ((إِنْ لَبِثْتُمْ إلَّ عشراً)(٤) کونُه فاصلةً، فقوله(٥): ((ولو ذگَّرْتَ لخرجْتَ من كلامهم)) لیس کما ذکر، بل هو الأفصحُ. وفائدةُ ذكره ((إن لبثتم إلّ يوماً)) بعد قولِهِ ((إلا عَشْرًا) أنه على زعمِهِ أرادَ الليالي والأيامُ داخلةٌ معها، فقولُهُ (إلا يوماً)) دليلٌ على إرادةِ الأيام)). قال الشيخ: ((وهذا عندنا يَدُلُّ على أنَّ المرادَ بالعشر الأيامُ، لأنهم اختلفوا في مُدَّةِ اللَّبْث، فقال بعضُهم: ((عشراً)) وقال بعضُهم: (يوما)) فدلَّ على أنَّ المقابَلَ باليومِ إنما هو أيام، إذ لا يَحْسُنُ في المقابَلَةِ أن يقولَ بعضُهم: عشرُ ليال، فيقول البعضُ: يومٌ)). قوله: ((بالمعروفِ)) فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ حالاً من فاعل ((فَعَلْنَ)) أي: فَعَلْنَ ملتيساتٍ بالمعروفِ ومصاحباتٍ له. والثاني: أنه مفعولٌ به أي: تكونُ الباءُ باءَ التعدية. والثالثُ: أن يكونَ نعتَ مصدر محذوفٍ أي: (١) أبواب الصوم في: مسلم ٢ /٨٢٢، أبو داود ٨١٢/٢. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٢٣/٢؛ والأمم: الشيء اليسير. (٣) البحر ٢٢٤/٢. (٤) الآية ١٠٣ من طه . (٥) أي قول الزمخشري الوارد قبل قليل. ٤٨٠