Indexed OCR Text

Pages 421-440

- البقرة -
ضميرَ الوطءِ الممنوع )) وكأنه يقول: إن السياقَ يَذُلُّ عليه وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ.
الثاني: أن يعودَ على المحيض، قال أبو البقاء (١): ((ويكون التقديرُ:
((هو سببُ أذىً))، وفيه نظرٌ، فإِنَّهم فَسَّروا الأذى هنا بالشيء القذِرِ، فإذا أَرَدْنا
بالمحيضِ نَفْسَ الدمِ كانَ شيئاً مُسْتَقْذَراً فلا حاجة إلى تقديرِ حذفِ مضافٍ.
وجاء: ((ويَسْأَلُونك)) ثلاثَ مرات بحرفِ العطفِ بعدَ قوله: ((يسألونك
عن الخمر))(٢) وهي: ((ويسألونَك ماذا ينفقون))(٣)، ((ويَسْأَلُونك عَنِ اليتامى))(٤)
((ويَسْأَلُونَك عن المحيض)»(٥). وجاء ((يَسْأَلُونك)) أربعَ مراتٍ من غيرِ عطفٍ:
(يَسْأَلُونك عن الأهِلَّة)) (٦) ((يسألونك ماذا ينفقون))(٧) ((يسألونك عن الشهر
الحرام))(٨) ((يَسْأَلُونك عن الخمر))(٩). فما الفرقُ؟ والجوابُ: أنَّ السؤالاتِ
الأواخرَ وقعَتْ في وقتٍ واحدٍ فَجُمِع بينها بحرفِ الجمعِ وهو الواوُ،
أمَّا السؤالاتُ الأُوَلُ فوقعَتْ في أوقاتٍ متفرقةٍ، فلذلك استؤْنِفَتْ كلُّ جملةٍ،
وجيء بها وحدها.
قوله: ((حتى يَطْهُرْنَ)) ((حتى)» هنا بمعنى ((إلى)) والفعلُ بعدها منصوبٌ
بإضمار أَنْ، وهو مبنيٌّ لاتصالِه بنون الإناثِ.
وقرأ(١٠) حمزة والكسائي وأبو بكر بتشديدِ الطاءِ والهاءِ، والأصلُ:
(١) الاملاء ٩٤/١.
(٢) الآية ٢١ من البقرة.
(٣)
الآية ٢١٩ من البقرة.
(٤)
الآية ٣٢٠ من البقرة.
(٥) الآية ٢٢٢ من البقرة.
الآية ١٨٩ من البقرة.
(٦)
الآية ٢١٥ من البقرة.
(٧)
الآية ٢١٧ من البقرة.
(٨)
(٩) الآية ٢١٩ من البقرة.
(١٠) السبعة ١٨٢؛ الكشف ٢٩٣/١؛ البحر ١٦٨/٢؛ الشواذ ١٣.
٤٢١

- البقرة -
يَتْطَهَّرْنَ، فَأُدغم. والباقون: ((يَظْهُرْنَ)) مضارعُ طَهُر. قالوا: وقراءةُ التشديدِ
معناها يَغْتَسِلْنِ، وقراءةُ التخفيف معناها يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ. ورجّح الطبري(١) قراءة
التشديدِ وقال: ((هي بمعنى يَغْتَسِلْنَ لإِجماع الجميع على تحريمِ قُرْبان الرجلِ
امرأته بعد انقطاع الدم حتى تَظْهُرَ، وإنما الخلافُ في الطُهْر ما هو؟ هل
هو الغُسْلُ أو الوضوءُ أو غَسْل الفرجِ فقط؟)) قال ابنُ عطية (٢): ((وكلُّ واحدة
من القراءتين تَحْتِمَل أَن يُرادَ بها الاغتسالُ بالماءِ، وأن يُراد بها انقطاع الدم.
وزوالُ أذاه. قال: ((وما ذَهَبَ إليه الطبري مِنْ أنَّ قراءةَ التشديدُ مُضَمِّنُها
الاغتسالُ، وقراءةُ التخفيف مُضَمَّنُها انقطاعُ الدم أمرٌ غيرُ لازم، وكذلك ادعاؤه
الإِجماع)) وفي رَدِّ ابنِ عطية عليه نظرٌ؛ إذ لو حَمَلْنَا القراءتين على معنَّى واحدٍ
لَزِمِ التكرارُ (٣). ورجّح الفارسي (٤) قراءةَ التخفيف لأنها من الثلاثي المضادّ
لطمِثَ وهو ثلاثي .
قوله: ((من حيثُ)) في ((مِنْ)) قولان، أحدُهما: أنَّها لابتداءِ الغايةِ، أي :
من الجهة التي تنتهي إلى موضِعْ الحَيْض. والثاني: أن تكونَ [بمعنى]
(في))، أي: في المكان الذي نُهْتُم عنه في الحَيْضِ. وَرَجَّح هذا بعضُهم بأنه
ملائمٌ لقوله: ((فاعتزلوا النساءَ في المحيضِ))، ونَظَّر بعضُهم هذه الآية بقولِه:
(للصلاة من يوم الجمعة))(٥) ((ماذا خَلَقوا من الأرض))(٦) أي: في يوم الجمعة
(١) التفسير ٣٨٤/٤.
(٢) المحرر ١٨١/٢.
(٣) وهل يريد المؤلف ضرورة اختلاف معنى كل قراءة عن غيرها، هذا غير لازم، لأن ثمة
قراءات كثيرة للكلمة يجمعها معنى واحد، وهو نفسه كان حريصاً على عقد وحدة معنوية
١
بين كثير من القراءات .
(٤) الحجة (خ) ٢٨٣/٢ - ٢٨٤.
(٥) الآية ٩ من الجمعة.
(٦) الآية ٤٠ من فاطر.
٤٢٢

- البقرة -
وفي الأرضِ . قال أبو البقاء(١): ((وفي الكلامِ حَذْفٌ تقديرُهُ: أَمَرَكُم اللـهُ
بالإِتيانِ منه)) يعني أنَّ المفعولَ الثاني حُذِفَ للدلالةِ عليه. وكَرَّر قوله ((يحب»
دلالةً على اختلافِ المقتضي للمحبّة فتختلفُ المحبَّةُ.
آ. (٢٢٣) قوله تعالى: ﴿نساؤكم حَرْثٌ لكم﴾: مبتدأ وخبرٌ.
ولا بدَّ من تأويلٍ ليصحَّ الإِخبارُ عن الجثةِ بالمصدرِ. فقيل: على المبالغة،
جُعِلوا نفس الفعل. وقيل: أراد بالمصدر اسم المفعولِ. وقيل:
عَلى حَذْفِ مضافٍ من الأول، أي: وَظْءُ نسائِكم حَرْثٌ أي: كحَرْث، وقيل:
من الثاني أي: نساؤكم ذواتُ حَرْثٍ. و((لكم)) في موضِع رفعٍ لأنه صفةٌ
لَحَرْث، فيتعلَّق بمحذوفٍ. وإنما أفرد الخبرَ والمبتدأُ جمعٌ لأنه مصدرٌ والأفصحُ
فيه الإفرادُ والتذكيرُ حينئذٍ.
قوله: ((أنَّى شِئْتُم)) ((أَنَّى)) ظرفُ مكانٍ، ويُسْتَعْمَلُ شرطاً واستفهاماً بمعنى
(متى)، فيكونُ ظرفَ زمانٍ ويكونُ بمعنى كيف، وبمعنى مِنْ أين، وقد فُسِّرت
الآية الكريمةُ بكلِّ من هذه الوجوهِ. وقال النحويون: ((أَنَّى)) لتعميم الأحوال.
وقال بعضُهم: ((إنما تجىءُ سؤالاً وإخباراً عن أمرٍ له جهاتٌ، فهي على هذا
أَعُمُّ مِنْ ((كيف)) ومِنْ ((أين)) ومِنْ ((متى)). وقالوا: إذا كانت شرطيةٌ فهي ظرفُ
مكانٍ فقط. واعلم أنها مبنيةٌ لتضمُّنها: إمَّ معنى حرفِ الشرطِ أو الاستفهامِ ،
وهي لازمةُ النصب على الظرفيةِ، والعاملُ فيها هنا قالوا: الفعلُ قبلها
[٨٧/أ] وهو: ((فأتوا)) قال الشيخ(٢): ((وهذا لا يَصِحُّ، لأنَّها: إمَّا / شرطيةٌ أو استفهاميةٌ،
لا جائزٌ أن تكونَ شرطيةً لوجهين، أحدُهما: من جهة المعنى وهو أنَّها إذا
كانَتْ شرطاً كانت ظرف مكانٍ كما تقدَّم، وحينئذ يقتضي الكلامُ الإِباحةَ في
غير القُبُل وقد ثبت تحريمُ ذلك. والثاني: من جهةِ الصناعةِ. وهو أنَّ اسمَ
الشرط لا يعملُ فيه ما قبله، لأنَّ له صدرَ الكلام، بل يعمل فيه فعلُ الشرط،
(١) الاملاء ٩٤/١.
(٢) البحر ١٧١/٢.
٤٢٣

- البقرة-
كما أنه عاملٌ في فعلِ الشرطِ الجزمَ. ولا جائزٌ أن تكون استفهاماً؛ لأنَّ
الاستفهامَ لا يعملُ فيه ما قبلَه لأنَّ له صدرَ الكلام، ولأنَّ ((أَنَّى)) إذا كانَتْ
استفهاميةً اكتفَتْ بما بعدَها من فعلٍ واسم نحو: (أنَّى يكونُ له ولدٌ)(١) ((أنى
لكِ هذا))(٢) وهذه في هذه الآية مفتقرةً لِما قبلَها كما ترى، وهذا موضعٌ
مُشْكِلٌ يَحْتَاجُ إلى نَأمُّلٍ ونظرٍ.
ثم الذي يظهرُ أنها هنا شرطيةٌ ويكونُ قد حُذِف جوابُها: لدلالة ما قبله
عليه، تقديرُه: أنَّى شِئْتُم فَأْتُوه، ويكون قد جُعِلَت الأحوالُ فيها جَعْلَ
الظروفِ، وأُجْرِيَتْ مُجراها تشبيهاً للحالِ بظرفِ المكانِ ولذلك تُقَدَّرُ
بـ ((في))، كما أُجْرِيت (كيف)) الاستفهاميةُ مُجْرى الشرطِ في قوله: ((يُنْفِقُ كيف
يشاء)»(٣) وقالوا: كيف تصنع أصنع، فالمعنى هنا ليس استفهاماً بل شرطاً (٤)،
فيكونُ ثَمَّ حَذْفٌ في قوله: ((ينفق كيف يشاءُ)) أي: كيف يشاء ينفق، وهكذا
كلّ موضعٍ يُشْبِهُه. وسيأتي له مزيدٌ بيانٍ. فإنْ قلتَ: قد أَخْرَجْتَ ((أنَّى)) عن
الظرفيةِ الحقيقيةِ وجعلتها لتعميمِ الأحوالِ مثل كيف، وقلت: إنها مقتضيةٌ
الجملةٍ أخرى كالشرطِ، فهل الفعلُ بعدها في محلِّ جزمٍ اعتباراً بكونها
شرطيةً، أو في محلِ رفعٍ كما تكونُ كذلك بعد ((كيف)) التي تُسْتَعْمَلِ شرطية؟
قلت: تَحْتَمِل الأمرين، والأرجحُ الأولُ لثبوتِ عمل الجزم، لأنَّ غايةً ما في
البابِ تشبيهُ الأحوالِ بالظروفِ للعلاقةِ المذكورةِ، وهو تقديرُ ((في)» في كلِّ
منهما))(٥). ولم يَجْزِمْ بـ ((كيف)) إلا بعضُهم قياساً لا سماعاً. ومفعولُ ((شئتم))
محذوفٌ أي: شِئْتُمْ إتيانَه بعد أن يكونَ في المحلُّ المُبَاحِ.
(١) الآية ١٠١ من الأنعام.
(٢) الآية ٣٧ من آل عمران.
(٣) الآية ٦٤ من المائدة .
(٤) لعل الأجود: ((بل شرط)) أي: بل هو شرط.
(٥) ينتهي هنا هذا الاقتباس الطويل من أبي حيان، وقد تَصَرَّف فيه المؤلف.
٤٢٤

- البقرة -
قوله: ((وقَدِّموا) مفعولُه محذوفٌ أي: نَيَّةَ الولدِ أونيةَ الإِعفاف وذِكْرَ
اللّهِ أو الخيرِ، كقولِه: ((وما تُقَدِّموا لأنفسكم من خيرٍ تَجِدُّوه))(١).
و ((لأنفسكم) متعلقٌ بقَدَّموا. واللامُ تحتملُ التعليلَ والتعدي. والهاءُ في
(ملاقوه)) يجوزُ أَنْ تعودَ على اللهِ تعالى. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ أي: ملاقو
جزائِهِ، وأَنْ تعودَ على مفعولِ ((قَدِّموا)) المحذوفِ، على حَذْفِ مضافٍ أيضاً
أي: ملاقُو جزاءِ ما قَدَّمتم، وأن تعودَ على الجزاءِ الدالِّ عليه مفعولُ ((قَدِّموا)»
المحذوف.
والضميرُ في ((وبَشِّر)) للرسول عليه السلام لِجَرْي ذِكْرِه في قوله:
(يَسْأَلُونك)) قاله أبو البقاء(٢)، وفيه نظرً لأنَّ ضميرَ الخطابِ والتكلم لا يَحْتَاج
أَنْ يُقالَ فيهما تَقدَّمِ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عليهما. ويجوزُ أن يكونَ لكلِّ مَنْ يَصِحُ منه
البِشارة.
آ. (٢٢٤) قوله تعالى: ﴿لَإِيمانِكم أن تَبَرُّوا﴾: هذه اللامُ تحتملُ
وجهينٍ، أحدُهما: أن تكونَ مقويةً لتعديةِ ((عُرْضة)) تقديرُه: ولا تجعلوا اللَّهَ
مُعَدَّاً وَمَرْصَدَاً لحَلْفِكم. والثاني: أن تكونَ للتعليلِ، فتعلَّقْ بفعلِ النهيِ
أي: لا تَجْعلوه عُرْضَةً لأجْلِ أَيْمانكم.
قوله: ((أَنْ تَبَرُّوا)) فيه ستةُ أوجهٍ، أحدُها وهو قولُ الزجاج(٣)
والتبريزي(٤) وغيرهما، أنها في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه:
أَنْ تَبِرُّوا وتتقوا وتُصْلِحُوا خيرٌ لكم مِنْ أَنْ تجعلوه عُرْضَةٌ لَأيمانكم، أو بِرُكم
(١) الآية ١١٠ من البقرة.
(٢) الاملاء ٩٤/١.
(٣) معاني القرآن ٢٩٣/١.
(٤) يحيى بن علي، قرأ على عبدالقاهر الجرجاني، وأخذ عنه الخطيب، له: إعراب القرآن
وشرح اللمع، توفي سنة ٥٠٢. انظر: البغية ٣٣٨/٢؛ والبلغة ٢٨٣.
٤٢٥

- البقرة :
أَوْلَى وَأَمْثَلُ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى انقطاع هذه الجملةِ عمَّا قبلها،
والظاهر تعلُّقُها به.
الثاني: أنَّها في محلِّ نصبٍ على أنها مفعولٌ من أجله، وهذا قولُ
الجمهورِ، ثم اختلفوا في تقديرِه، فقيل: إرادةَ أن تَبُرُّوا، وقيل: كراهةً أَنْ
تبروا، قاله المهدوي، وقيل: لترك أَنْ تَبروا، قاله المبرد، وقيل: لئلا تبروا،
قاله أبو عبيدة(١) والطبري (٢)، وأنشدا(٣):
٩٥٤ - ... فلا واللهِ تَهْبِطُ تَلْعَةً
أي: لا تهبطُ، فحذف ((لا)) ومثلُه: ((يُبَيِّنُ الله لكم أَنْ تَضِلُّوا)) (٤) أي:
لئلا تضِلُّوا. وتقديرُ الإِرادة هو الوجهُ، وذلك أنَّ التقاديرَ التي(٥) ذكرتها بعدَ
تقديرِ الإِرادة لا يظهرُ معناها، لِما فيه من تعليل امتناعِ الحَلْفِ بانتفاء البِر، بَل
وقوع الخَلْف مُعَلِّلُ بانتفاء البِرّ، ولا ينعقد منهما شرطٌ وجزاءٌ ،لوقلتَ في معنى
هذا النهي وعلَّتِه: ((إِنْ حَلَفْتَ بالله بَرَرْتَ)) لم يصحَّ، بخلافِ تقديرِ الإِرادة، فإنهِ
يُعَلِّل امتناعَ الحَلْفِ بإرادة وجودِ البِرِّ، وينعقدُ منهما شرطٌ وجزاءً، تقول: إنْ
حَلَفْتَ لم تَبَرَّ وإنْ لم تَحْلِفْ بَرَرْتَ.
الثالث، أنَّها على إسقاطِ حرف الجرِّ، أي: في أَنْ تَبَرُّوا، وحينئذ
يَجِيءٍ فيها القولان: قولُ سيبويه والفراء(٦)، فتكونُ في محلٌّ نصبٍ، وقولُ
الخليل والكسائي فتكونُ في محلِّ جرِّ. وقال الزمخشري(٧): ((ويتعلَّقُ ((أَنْ:
(١) لم يرد هذا التقدير في كتابه ((المجاز)).
(٢) التفسير ٤ /٤٢٥.
(٣) تقدم برقم ٨٤٠.
(٤) الآية ١٧٦ من النساء.
(٥) الأصل «الذي» وهو سھو.
(٦) معاني القرآن للفراء ١٤٨/١؛ ٢٣٨/٢؛ والكتاب ١٧/١.
(٧) الكشاف ٣٦٣/١.
٤٢٦

- البقرة -
تَبِرُّوا) بالفعلِ أو بالعُرْضَةِ، أي: ولا تَجْعَلُوا اللهَ لأجلِ أيمانكم عُرْضَةً لأنْ
تَبَّرُّوا)). قال الشيخ(١): ((وهذا التقديرُ لا يصحُّ للفصلِ بين العاملِ ومعمولهِ
بأجنبي، وذلك أنَّ ((الأيمانِكم)) عنده متعلقٌ بتجعلوا، فوقع(٢) فاصلاً بين
((عُرْضَة)) التي هي العاملُ وبين ((أَنْ تَبَرُّوا)) الذي هو في(٣) أن تبروا(٤)،
وهو أجنبيٌّ منهما. ونظيرُ ما أجازه أن تقولَ: ((امرُرُ واضربْ بزيدٍ هنداً،
[٨٧/ب] وهو غيرُ جائزٍ، ونَصُّوا على أنه لا يجوزُ / : ((جاءني رجلٌ ذو فرسٍ راكبٌ
أَبْلَقَ)) أي رجلٌ ذو فرسٍ أبلقَ راكبٌ، لِما فيه من الفصلِ بالأجنبي .
الرابع: أنها في محلُّ جَرِّ عطفُ بيان لَأَيْمانكم، أي للأمورِ المَحْلُوفِ
عليها التي هي البِرُّ والتقوى والإِصلاحِ. قال الشيخ(٥): ((وهو ضعيفٌ لِما فيه
من جَعْلِ الأيمان بمعنى المَحْلوف عليه))، والظاهرُ أنها هي الأقسام التي يُقْسَمُ
بها، ولا حاجةً إلى تأويلها بما ذُكِر مِنْ كَوْنِها بمعنى المَحْلُوف عليه إذا لم تَدْعُ
إليه ضرورةً، وهذا بخلافِ الحديثِ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا
حَلَفْتَ على يمينِ فرأيت غَيرها خيراً منها))(٦) فإنه لا بد من تأويله فيه
بالمحلوف عليه، ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك في الآية الكريمة .
الخامسُ: أَنْ تكونَ في محلِّ جرِ على البدلِ من ((لأيمانكم)) بالتأويل
(١) البحر ١٧٨/٢.
(٢) أي وقع ((لأيمانكم)) فاصلاً.
(٣) قوله: ((في)) مطموس في الأصل.
(٤) أي المعمول المجرور على حذف ((في))، وكون ((لايمانكم)) أجنبياً لأنه متعلق بتجعلوا
فليس له علاقة بالعامل ((عرضة))، ولا بالمعمول ((في أن تبروا)).
(٥) البحر ١٧٧/٢ والرد الذي يرد به الشيخ وارد على الزمخشري صاحب هذا الرأي.
انظر: الكشاف ٣٦٣/١.
(٦) البخاري: (الفتح) ٥١٦/١١؛ المسند ١٨٥/٢.
٤٢٧

- البقرة -
الذي ذكره الزمخشري (١)، وهذا أَوْلَى من وجهِ عطفِ البيانِ، فإنَّ عَطْفَ البيانِ
أكثرُ ما يكونُ في الأعلام.
السادس : - وهو الظاهرُ - أنَّها على إسقاطِ حرفِ الجر لا على ذلك
الوجه المتقدم، بل الحرفُ غيرُ الحرفِ، والمتعلَّقُ غيرُ المتعلَّقِ، والتقديرُ:
(لإِقْسامِكِم على أَنْ تَبُّوا)) فـ(على)) متعلقٌ بإِقْسامكم، والمعنى: ولا تَجْعَلوا
الله مُعَرَّضاً ومُتبدَّلاً لإِقسامكم على البرِّ والتقوى والإِصلاح التي هي أوصافٌ
جميلةٌ خوفاً من الحِنْثِ، فكيف بالإِقسام على ما ليس فيه بِّ ولا تقوى !!!.
والعُرْضَةُ في اشتقاقها ثلاثةُ أقوال، أحدُها: أنها فُعْلَة بمعنى مَفْعول من
العَرْض كالقُطْبَة والغُرْفَةِ. ومعنى الآية على هذا: لَا تَجْعَلُوهُ مُعَرَّضاً للحَلْفِ
من قولهم: فلانٌ عُرْضَةٌ لكذا أي: مُعَرَّضٌ، قال كعب(٢):
٩٥٥ _ من كلِّ نَضَّاخَة الذِّفْرَى إذا عَرِقَتْ
عُرْضَتُها طامِسُ الأعلامِ مَجْهُولُ
وقال حبيب(٣):
وكيفَ صَفَتْ للعاذِين عَزائِمي
٩٥٦ - متى كانَ سَمْعَي عُرْضَةً لِلَوائِمِ
وقال حسان (٤):
هُمُ الأنصارُ عُرْضَتُهَا اللَّقَاءُ
٩٥٧ _
(١) وهو أن تكون بمعنى المحلوف عليه.
(٢) ديوانه ٩؛ والطبري ٤٢٤/٤؛ والقرطبي ٩٨/٣؛ نضاخة: شديدة النضخ أي
السيلان؛ والذفرى: موضع خلف الأذن، والطامس: الدارس؛ والأعلام: ما يهتدى
به .
(٣) ديوانه - وهو أبو تمام - ٢١٩/٣؛ والبحر ١٧٤/٢.
(٤) ديوانه ١٨ وصدره:
وقال الله قد يَسِّرْتُ جُخْداً
٤٢٨

- البقرة -
وقال أوس(١):
لرحلي وفيها هِزَّةٌ وتقاذُفُ
٩٥٨ _ وأَدْمَاءُ مثلُ الفَحْلِ يوماً عَرَضْتُها
فهذا كلُّه بمعنى مُعَرَّضٌ لكذا.
والثاني: أنها اسمُ ما تَعْرِضُه على الشيءِ، فيكونُ من: عَرَضَ العُودَ على
الاناء فيعترضُ دونَه، ويصيرُ حاجزاً ومانعاً، ومعنى الآية على هذا النَهْيُ عن
أَنْ يَحْلِفُوا باللهِ على أنهم لا يَبَرُّون ولا يتقون ويقولون: لا نَقْدِرُ أَنْ نَفْعَلَ ذلك
لأجلِ حَلْفِنَا.
والثالث: أنَّها من العُرْضَة وهي القوة، يقال: ((جَمَلُ عُرْضَةَ للسفرِ) أي
قويّ علیه، وقال ابن الزبير(٢):
٩٥٩ - فهذي لأيَّامِ الحروبِ وهذه
لِلَهْوِي وهَذي عُرْضَةٌ لارتحالِنا
أي قوةٌ وعُدَّةً، ومعنى الآية على هذا: لا تَجْعَلُوا اليمينَ بالله تعالى قوةً
لأنفسِكم في الامتناعِ عن البرِّ.
والأيمان: جمعُ يمين، وأصلُها العُضْوُ، واستُعْملت في الحَلْفِ مجازاً
لما جَرَتْ عادةُ المتعاقِدِين بتصافِحٍ أَيْمانهم. واشتقاقُها من اليُمْن. واليمينُ
أيضاً اسمُ للجهةِ التي تكونُ من ناحيةِ هذا العضو فينتصبُ على الظرف،
وكذلك اليسارُ تقول: زيدٌ يمينَ عمرٍ وبكرٌ يسارَهُ. وتُجْمَع اليمينُ على أَيْمُن
وأَيْمان. وهل المرادُ بالْأَيْمَان في الآية القسمُ نفسُه أو المُقْسَمُ عليه؟ قولان،
الأولُ أولى. وقد تقدَّمَ تجويزُ أن يكونَ المرادُ به المحلوفَ عليه واستدلالُه
بالحدیث والجوابُ عن ذلك.
(١) ديوانه ٦٤؛ والقرطبى ٩٨/٣. والأدماء: الناقة البيضاء؛ وتقاذف: أي يدافع بعضها
بعضاً.
(٢) عبد الله بن الزبير، والبيت في القرطبي ٩٨/٣.
٤٢٩

- البقرة ــ
قوله: ((والله سميعٌ عليمٌ)) خَتَم بهاتين الصفتين لتقدُّم مناسبتهما، فإنَّ
الحَلْفَ متعلُّقٌ بالسمع، وإرادة البرِ من فِعْلِ القلبِ متعلقةٌ بالعِلْم. وقَدَّم
السميع لتقدُّم متعلَّقِه وهو الحَلْفُ.
آ. (٢٢٥) قوله تعالى: ﴿باللغو﴾: متعلُّقٌ بـ ((يُؤاخِذُكم)). والباءُ
معناها السببيةُ كقولِه تعالى: ((فكُلَا أَخَذْنَا بذنبه))(١)، ((ولو يُؤاخِذُ اللهُ الناسَ
بظلمِهم»(٢) ..
واللَّغْوُ: مصدرُ لَّغا يَلْغو، يقال: لَغا يلغو لَغْواً، مثل غَزا يغزو غزواً،
وَلَغِي يَلْغَى لَغَىِّ مثلٍ لَفِيَ يَلْقَى لَقَىِّ (٣). ومن الثاني قولهُ تعالى: ((والْغَوا
فيه))(٤). واختُلِفَ في اللغْو: فقيل: ما سَبَق به اللسانُ مِنْ غيرِ قصدٍ، قَالَه
الفراء(٥)، ومنه قول الفرزدق(٦):
٩٦٠ - ولَسْتَ بمأخوذٍ بلَغْرٍ تَقُوله
إذا لم تُعَمِّدْ عاقِدَاتِ العَزائِمِ
ويُحْكى أن الحسنُ سُئل عن اللغو وعن المَسْبِيَّة ذاتِ زَوْج، فنهض
الفرزدق وقال: ((ألم تَسْمَع مَا قُلْتُ، وأنشد: ولستَ بمأخوذ، وقوله(٧):
٩٦١ - وذاتِ حليلٍ أَنْكَحَتْها رِماحُنا حلالٌ لِمَنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ
فقال الحسنُ: مَا أذكاك لولا حِنْتُك)). وقد يُطْلَّقُ على كل كلامٍ قبيح
(لَخْو)).
(١) الآية ٤٠ من العنكبوت.
(٢) الآية ٦١ من النحل
(٣) لم أجد هذا المصدر لـ ((لقِي)) وإنما يقال: لقي يَلْقَى لُقَىَّ بضم اللام.
(٤) الآية ٢٦ من فصلت.
(٥) معاني القرآن ١٤٤/١.
(٦) ديوانه ٨٥١؛ مفردات الراغب ٤٧٢.
(٧) ديوانه ٥٧٦/٢؛ وشرح شواهد الكشاف ٤٦٣/٤.
٤٣٠

- البقرة -
قال تعالى: ((وإذا مَرُّوا باللغو))(١) (لا يَسْمَعُون فيها لَغوا))(٢) وقال(٣):
٩٦٢ - وَرَبِّ أسرابٍ حجيجٍ كُظَّمِ عنِ اللَّغَا ورقَثِ التكلُّمِ
وقيل: ما يُطْرَحُ من الكلامِ استغناءً عنه، مأخوذٌ من قولِهِم لِما لا يُعْتَدُّ
به من أولادِ الإِبلِ في الدِيَةَ ((لَغْوُ))، ومنه(٤):
كما أَلْغَيْتَ فِي الدِّيَةِ الحُوارا
٩٦٣ -
وقيل: هو ما لا يُفْهَمُ، من قولهم: ((لغا الطائرُ)) أي: صَوَّت، واللغوُ:
ما لَهِجَ به الإِنسانُ، واللغةُ مأخوذةٌ من هذا. وقال الراغب(٥): ((وَلَغِي بكذا:
أي لَهِج به لَهَج العُصفور بِلَغاه، ومنه قيل للكلام الذي تَلْهَجُ به فَرقةٌ (٦)
لغة، لجعلها مشتقةً من لَغِي بكذا أي أولِعَ به. وقال ابن عيسى (٧) : - وقد
ذكر أن اللغةُ ما لا يفيدُ -: ((ومنه اللغةُ لأَنَّها عند غيرِ أهلِها لَغْو)) وقد غَلَّطوه
في ذلك.
قوله: (في أَيْمانِكم)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يتعلَّقَ بالفعلِ قبلَه.
الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ المصدرِ قبلَه كقولك: ((لغا في يمينه)). الثالث: أن
يتعلق بمحذوف على أنه حال من اللغو، وتعرفه من حيث المعنى أنك
(١) الآية ٧٢ من الفرقان.
(٢) الآية ٦٢ من مريم.
(٣) ديوانه ٨٥٦.
(٤) البيت لذي الرمَّة وصدره:
ويسهلِكْ وَسْطَهَا المَرْئِيُّ لَغْواً
وهو في ديوانه ١٣٧٩؛ وأمالي القالي ١٤٢/٢؛ واللسان والتاج: لغو. والمرئي:
نسبة إلى امرىء القيس. والحوار: ولد الناقة.
(٥) المفردات ٤٧٢ .
(٦) قوله: ((فرقة)) تكرر في الأصل.
(٧) وهو الرماني وتقدمت ترجمته.
٤٣١

- البقرة -
لو جعلتّه صلةً لموصولٍ ووصفْتَ به اللغوَ لصَحَّ المعنى، أي: اللغو الذي في
آیْمانِکم.
قوله: (ولكن يُؤَاخِذُكم)) وَقَعْت هنا ((لكن)) بين نقيضَيْنِ باعتبار وجودٍ
اليمينِ، لأنها لا تَخْلُو إِمَّا أَنْ لا يقصِدَها القلبُ بل جَرَتْ على اللسانِ وهي
اللغُو، وإمَّا أن يقصِدَها وهي المنعقدةُ.
قوله ((بما كَسَبَتْ)) متعلّقٌ بالفعلِ قبلَه، والباءُ للسببيةِ كما تقدَّم. و ((ما)»
يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها مصدريةٌ لتقابِلَ المصدرَ وهو اللغوُ، أي:
لا يؤاخِذُكم باللغوِ ولكنْ بالكَسْبِ. والثاني . أنها بمعنى الذي.
ولا بُدَّ من عائدٍ محذوفٍ أي: كَسَبَته، ويرجِّحُ هذا أنها بمعنى الذي
أكثرُ منها مصدريةً. والثالثُ: أن تكونَ نكرةً موصوفةٌ والعائدُ / أيضاً محذوفٌ [١/٨٨]
وهو ضعيفٌ، وفي هذا الكلام حَذْفٌ تقديرُه: ولكنْ يُؤَاخِذُكم في أَيْمانِكم بما
كَسَبَتْ قلوبُكم، فحَذَفَّ لدلالةِ ما قبلَه عليه.
والحليمُ مِنْ حَلُم بالضم - يَحْلُم إذا عَفَا مع قدرة، وأمَّا حَلِمَ
الأديمُ(١) فبالكسر، وتَثَقَّبَ يَحْلَم بالفتح أي: فسد وتثقَّب قال(٢):
كدابِغَةٍ وقد حَلِمَ الْأُدِيمُ
٩٦٤ - فإنَّكَ والكتابَ إلى عليّ
وأمَّا (حَلَمْ)) أي رأى في نومِه فبالفتح، ومصدرُ الأولِ ((الحِلْم)) بالكسر
قال الجَعْدي(٣):
بوادرُ تَحْمِي صَفْوَهِ أنْ يُكَدِّرا
٩٦٥ - ولا خیرَ في ◌ِلْمٍ إذا لم تَكُنْ له
(١) الأديم: الجلد المدبوغ
(٢) البيت الوليد بن عقبة، وهو في شواهد الكشاف ٥٣٩/٤؛ والبحر ١٧٥/٢.
(٣) ديوان النابغة الجعدي ٧٣؛ واللسان: رفف.
٤٣٢

- البقرة -
ومصدرُ الثاني ((الحَلَّمُ)) بفتحِ اللامِ، ومصدرُ الثَالثِ، ((الحُلُم)»
و ((الحُلْم)) بضمِّ الحاءِ مع ضمِّ اللامِ وسكونها.
آ. (٢٢٦) قوله تعالى: ﴿للذين يُؤْلُون مِنْ نسائهم تربُّصُ﴾: هذه
جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وعلى رأي الأخفش من بابِ الفعلِ والفاعلِ لأنه
لا يَشْتَرِطِ الاعتماد. و((من نسائهم)) في هذا الجارِّ ثمانيةُ أوجهٍ، أحدُها: أنْ
يتعَلَّقَ بِيّؤْلُون، قال الزمخشري(١): ((فإنْ قلت: كيف عُدِّي بمِنْ وهو مُعَدَّى
بـ ((على))؟ قلت: قد ضُمِّنَ في القَسَم المخصوص معنى البُعْد، فكأنه قيل:
يَبْعُدُون من نسائِهِم مُؤْلين أو مُقْسِمينَ)). الثاني: أنَّ ((آلى)) يتَعَدَّى بعلى وبمن،
قاله أبو البقاء(٢) نقلاً عن غيرِه أنهُ يقال: آلى من امرأتِهِ وعلى امرأتِه.
والثالث: أنَّ ((مِنْ)) قائمةٌ مقامَ ((على))، وهذا رأيّ الكوفيين. والرابع: أنها
قائمةٌ مقامَ ((في))، ويكونُ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: على تَرْكِ وَطْءِ نسائِهم
أو في تركِ وطءٍ نسائهم. والخامس: أنَّ ((مِنْ)) زائدةٌ والتقديرَ: يُؤْلُون أَنْ
يَعْتَزِلوا نساءهم. والسادسُ: أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ، والتقديرُ: والذين يُؤْلُون لهم
من نسائهم تربُّص أربعةٍ، فتتعلَّقَ بما يتعلق به ((لهم)) المحذوفُ، هكذا قَدَّره
الشيخ (٣) وعزاه للزمخشري، وفيه نظرٌ، فإنَّ الزمخشري قال(٤): ((ويجوزُ أن
يُراد: لهم من نسائهم تربُّصُ، كقولك: ((لي منك كذا)) فقوله ((لهم)) لم يُرد به
أن ثَمَّ شيئاً محذوفاً وهو لفظُ ((لهم)) إنما أرادَ أَنْ يعلِّق ((مِنْ)) بالاستقرار الذي
تعلَّقَ به (للذين)) غايةُ ما فيه أنه أتى بضمير ((الذين)) تبييناً للمعنى. وإلى هذا
المنحى نحا أبو البقاء (٥) فإنه قال: ((وقيل: الأصلُ ((على)) ولا يَجُوزُ أن تقومَ
(١) الكشاف ٣٦٣/١.
(٢) الإملاء ١ /٩٥.
(٣) البحر ٢٨١/٢.
(٤) الكشاف ٣٦٣/١.
(٥) الإملاء ٩٥/١.
٤٣٣

۔۔
- البقرة -
(مِنْ)) مقامَ ((على))، فعندَ ذلك تتعلَّقُ ((مِنْ)) بمعنى الاستقرار، يريدُ الاستقرارَ
الذي تعلَّقَ به قولُه (للذين))، وعلى تقدير تسليمِ أنَّ لَفظةَ (لهم)) مقدرةٌ وهي
مُرادةٌ فحينئذٍ إنما تكونُ بدلاً من ((للذين)) بإعادةِ العاملِ، وإلّ يبقَ قولُه ((للذين
يُؤْلُون)» مُفْلَتاً. وبالجملةِ فتعلُّقه بالاستقرار غيرُ ظاهرٍ. وأمَّا تقديرُ الشيخِ:
((والذين يُؤْلون لهم من نسائهم تربُّصُ)) فليس كذلك، لأنَّ ((الذين)) لو جاء
كذلك غيرَ مجرورٍ باللامِ سَهُل الأمرُ الذي ادعاه، ولکن إنما جاءً كما تراه
مجروراً باللام. ثم قال الشيخ: ((وهذا كلَّه ضعيفٌ يُنَزَّ القرآنُ عنه، وإنما
يتعلَّق بيَؤُلُون على أحدٍ وجهين: إمّا أنْ تكونَ ((مِنْ)) للسبب، أي يَحْلِفون
بسببِ نسائِهم، وإمَّا أَنْ يُضَمَّنَ معنى الامتناع، فيتعدَّى بـ ((مِنْ))، فكأنه قيل:
للذين يمتنعون من نسائهم بالإِيلاءِ، فهذان وَجْهان مع الستة المتقدمة، فتكونُ
ثمانيةً، وإن اعتَبْرْتَ مطلقٌ التضمينِ فتجيءُ سبعةٌ .
والإِيلاءُ: الحَلْفِ، مصدرُ آلى يُولي نحو: أَكْرم يُكْرِمِ إكراماً، والأصل:
إإلاء ، فأُبْدِلت الهمزةُ الثانيةُ ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها نحو: ((إيمان)).
ويقال تَأَلَّى وايتَلى على افْتَعَل، والأصلُ: الإتَلْى، فَقُلِبَتْ الثانيةُ لِما تقدَّم.
والحَلْفَةُ: يُقال لها الْأَلِيَّةِ وَالْأَلُوَّةِ وَالْأَلْوَةِ والإِلْوَة، وتُجْمَعُ الْأُلِيَّةُ على
(ألايا) كَعَشِيَّة وعَشايا، ويجوزُ أن تُجْمَعَ الْأَلُوَّة أيضاً على ((ألايا) كرَكُوبة
ورَكائب. قال كُثِّر عزةً(١):
٩٦٦ - قليلُ الأَلايا حافظُ ليمينِه إذا صَدَّرَتْ منه الْأُلِيَّةُ بَرَّتِ
وقد تقدَّم كيف تصريفُ أَلِيّة وأَلايا عند قوله: ((نَغْفِر لكم خطاياكم(٢)»
جمع خطيئة .
(١) ديوانه ٢٢٠/٢؛ واللسان: ألى؛ والبحر ١٧٦/١.
(٢) الآية ٥٨ من البقرة.
٤٣٤

- البقرة -
والتَّرَبُّصُ: الانتظارُ، وهو مقلوبُ التصبُّر. قال(١):
٩٦٧ - تَرَبَّصْ بها رَيْب المنونِ لعلَّها تُطَلَّقُ يوماً أو يموتُ حليلُها
وإضافةُ التربُّصِ إلى الأشهرِ فيها قولان، أحدهما: أنَّه من بابِ إضافةٍ
المصدر لمفعولهِ على الاتساع في الظَرْفِ حتى صارَ مفعولاً به فأُضيف إليه
والحالةُ هذه. والثاني: أنه أضيفَ الحَدَثُ إلى الظرفِ من غيرِ اتِّساعٍ ، فتكونُ
الإِضافةُ بمعنى ((في)) وهو مذهبٌ كوفي، والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: تربُّصُهم
أربعةُ أشهرٍ.
قوله: ((فَأُؤُوا)) ألفُ ((فاء)) منقلبةٌ عن ياءِ لقولهم: فاء يفيُ فَيْئَةً: رجَع .
والفَيُ: الظِلُّ لرجوعِه من بعد الزوال. وقال علقمة(٢):
٩٦٨ - فقلتُ لها فِيئي فما تَسْتَفِزُّني
ذَواتُ العيونِ والبنانِ المُخَضَّبِ
آ. (٢٢٧) قوله تعالى: ﴿عَزَموا الطلاقَ﴾: في نصبٍ ((الطلاق))
وجهان، أحدُهما: أنه على إسقاطِ الخافضِ، لأنَّ ((عزم)) يتعدَّى بـ ((على))،
قال(٣):
٩٦٩ - عَزَمْتُ علی إقامةِ ذي صباحٍ
لأمرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسَودُ
والثاني: أن تُضَمِّن («عزم)) معنى نَوَى، فينتصبَ مفعولاً به.
والعَزْمِ: عَقْدُ القلبِ وتصميمُه: عَزَم يَعْزِم عَزْماً وعُزْماً بالفتحة والضمة،
وعَزِيمة وعِزاماً بالكسر. ويستعمل بمعنى القَسَمِ : عَزَمْتُ عليكَ لتَفعلَنَّ.
(١) لم أهتد إلى قائله ((وهو في جمهرة ابن دريد ٢٥٩/١؛ واللسان: ((ربص)).
(٢) ديوانه ٨٣؛ البحر ١٧٥/٢.
(٣) البيت لأنس بن مدركة الخثعمي، وهو في الكتاب ١١٦/١؛ والمقتضب ٤٣٥/٤؛ وأمالي
الشجري ١٨٦/١؛ وابن يعيش ١٢/٣؛ والدرر ١٦٨/١.
٤٣٥

- البقرة -
والطلاقُ: إحلالُ العَقْدِ، يقال: طَلَقَتْ بفتح اللام - تَطْلُقُ فهي طالِقٌ
وطالقَةٌ، قال الأعشى(١):
٩٧٠ - أيا جارتا بيني فإنَّكِ طالِقَةْ
وحكى ثعلب: ((طَلُّقت)) بالضم، وأنكره الأخفش(٢)، والطلاقُ يجوز أَنْ
يكون مصدراً أو اسمَ مصدرٍ وهو التطليقُ.
قوله: ((فإنَّ الله) ظاهرُه أنَّه جوابُ الشرطِ، وقال الشيخ(٣): ((ويَظْهَرُ أنَّه
محذوفٌ، أي: فَلْيُوقِعوه. وقرأ(٤) عبدالله: ((فإن فاؤوا فيهنَّ)) وقرأْ أَبَيّ
((فيها))، والضميرُ للْأُشْهُرِ.
وقراءةُ الجمهورِ ظاهرُها أنَّ الفَيْئَة والطلاقَ إنما تكونُ بعد مضيٍّ أربعة
الأشهر، إلَّ أنَّ الزمخشريَّ لمَّا كان يَرى بمذهب أبي حنيفةٍ: وهو أنَّ الفَيْئَة في
مدة أربعةِ الأشهرِ، ويؤيِّدُه القراءةُ المتقدِّمَةُ احتاج إلى تأويلِ الآيةِ بما نصُّه:
(فإنْ قلت: كيف موقعُ الفاءِ إذا كانت الفيئةُ قبل انتهاء مدةِ التربُّص؟ قلت:
موقعٌ صحيحٌ، لأَنَّ قولَه: ((فإنْ فاؤوا، وإنْ عَزَموا)) تفصيلٌ لقوله: ((للذين يُؤْلُون
مِنْ نسائِهِم، والتفصيلُ يَعْقُب المُفَصِّل، كما تقول: ((أنَا نزيلُكم هذا الشهرَ
فإنْ أَحْمَدْتُكم أقمتُ عِندَكم إلى آخرِهِ، وإلّ لم أقُمْ إِلَّ ريثما أتحولُ)). قال
الشيخ(٥): ((وليس بصحيحٍ، لأنَّ ما مثَّله ليس بنظيرِ الآيةِ، ألا ترى أنَّ المثالَ
(١) ديوانه ٢٦٣، وبعده:
كذاك أمورُ الناسِ غادٍ وطارقَه
والمخصص ٤٨/٣؛ واللسان: طلق؛ والإنصاف ٧٦٠؛ والقرطبي ١١٠/٣.
بيني: فارقي.
(٢) بل أثبته في معاني القرآن ١٧٣/١ ولم ينكره.
(٣) البحر ١٨٣/٢.
(٤) البحر ١٨٢/٢.
(٥) البحر ١٨٤/٢.
٤٣٦

- البقرة -
فيه إخبارٌ عن المُفَصَّل حالُه، وهو قولُه: ((أنا نزيلُكم هذا الشهرَ))، وما بعد
[٨٨/ب] الشرطينِ مُصَرَّحٌ فيه بالجوابِ الدالِّ على اختلافِ متعلَّقِ / فعلِ الجزاء،
والآيةُ ليسَتْ كذلك، لأنَّ الذين يُؤْلُون ليس مُخْبَراً عنهم ولا مُسْنَداً إليهم
حكمٌ، وإنما المحكومُ عليه تربُّصُهم، والمعنى: تربُّص المُؤْلِين أربعةُ أشهر
مشروعٌ لهم بعد إيلائِهم، ثم قال: ((فإنْ فاؤوا وإنْ عَزَموا)) فالظاهرُ أنَّهُ يَعْقُبُ
تربُّصَ المدةِ المشروعةِ بأسْرِها، لأنَّ الفيئةَ تكونُ فيها، والعَزْمَ على الطلاقِ
بعدَها، لأنَّ التقييدَ المغايرَ لا يَدُلُّ عليه اللفظُ، وإنما يُطابقُ الآيَةَ أَنْ تقولَ:
(للضيفِ إكرامُ ثلاثةِ أيامٍ، فإنْ أقامَ فنحنُ كرماءُ مُؤْثِرونَ وإنْ عَزَم على
الرحيلِ فله أنْ يَرْحَلَ)) فالمتبادَرُ إلى الذِّهْنِ أنَّ الشرطينُ مُقَدَّران بعدَ
إكرامِه».
أ. (٢٢٨) قوله تعالى: ﴿وَاُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾: مبتدأ وخبرٌ، وهل
هذه الجملةُ من بابِ الخبرِ الواقعِ موقعَ الأمرِ أي: ليتَرَبَّصْنَ، أو على بابها؟
قولان. وقال الكوفيون: إنَّ لَفظَها أمرٌ على تقدير لام الأمرِ، ومَنْ جَعَلَها
على بابها قَدَّر: وحكمُ المطلقاتِ أَنْ يتربَّصْنَ، فَحَذَفَ ((حكم)) مِن الأول و
((أنْ)) المصدرية من الثاني، وهو بعيدٌ جداً.
و ((تَرَبَّص)» يتعدَّى بنفسِه لأنه بمعنى انتظَر، وهذه الآيةُ تَحتَمِلُ وجهين،
أحدُهما: أن يكونَ مفعول التربص محذوفاً وهو الظاهرُ، تقديرُه: يتربَّصْنَ
التزويجَ أو الأزواجَ، ويكونُ ((ثلاثة قروء)) على هذا منصوباً على الظرفِ، لأنَّه
اسمُ عددٍ مضافٍ إلى ظرفٍ، والثاني: أن يكونَ المفعولُ هو نفسَ («ثلاثةَ
قروءٍ» أي ينتظرونَ مُضِيَّ ثلاثةٍ قروءِ.
وأمَّا قولُه: ((بأنفسِهِنَّ) فيحتملُ وَجْهَيْن، أحدُهما وهو الظاهرُ: أَنْ يتعلَّق
بـ (يتربَّصْنَ))، ويكونُ معنى الباءِ السببيةَ أي: بسبب أنفسِهنَّ. وذِكْرُ الأنفسِ
أو الضميرِ المنفصلِ في مثلِ هذا التركيب واجبٌ، ولا يجوزُ أَنْ يُؤْتِى بالضمير
٤٣٧

- البقرة -
المتصلِ، لو قيل في نظيره: ((الهنداتُ يتربَّصْنَ بهنَّ)) لم يَجُزْ لئلا يَتْعَدَّى فِعْلُ
المضمرِ المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل في غير الأبواب الجائز فيها ذلك(١).
والثاني: أن يكونَ ((بأنفسِهِنَّ)) تأكيداً للمضمرِ المرفوعِ المتصلِ وهو
النونُ، والباءُ زائدة في التوكيد، لأنه يجوزُ زيادتُها في النفسِ والعينِ مؤكّداً بهما.
تقولُ: جاء زيدٌ نفسّه وبنفسِه وعينُهُ وبعينِه. وعلى هذا فلا تتعلّقُ بشيء
الزياديِها. لا يقالُ: لا جائزٌ أن تكونَ تأكيداً للضمير؛ لأنَّه كانَ يجِبُ أن تُؤكّدَ
بضميرِ رفعٍ منفصلٍ ، لأنه لا يُؤَكَّدُ الضميرُ المرفوعُ المتصلُ بالنفْسِنِ والعِينِ
إلَّ بعد تأكيدِه بالضميرِ المرفوعِ المنفصلِ فيقال: زيد جاء هو نفسُه عينُه،
لأنَّ هذا المؤكَّد خَرَجَ عن الأصلِ، لَمَّا جُرَّ بالباءِ الزائدةِ أَشْبَهَ الفَضَلات،
فَخَرَج بذلك عن حكمِ التوابعِ فلم يُلْتَزَمْ فيه ما التُّزِمَ في غيرِهِ، وَيُؤْيِّد ذلك
قولُهم: ((أَحْسِنْ بزيدٍ وَأَجْمِلْ))، أي: به، وهذا المجرورُ فاعلٌ عند البصريين،
والفاعلُ عندَهم لا يُخْذَفُ، لكنه لَمَّ جَرَى مَجْرِى الفَضَلاتِ بسبب جُرِّه
بالحرفِ أو خَرَجَ عنِ أصلِ بابِ الفاعلِ ، فلذلك جازَ حَذْفُه، على أنَّ أبا
الحسنِ الْأُخفشَ ذَكَر في ((المسائل)) أنهم قالوا: ((قاموا أنفسُهم)) من غير تأكيدٍ.
وفائدةُ التوكيدِ هنا أن يباشِرْنَ التربُّصَ هُنَّ، لا أنَّ غيرَهُنَّ يباشِرْنَهُنَّ التَربُّصَ،
ليكونَ ذلك أَبلغَ في المرادِ.
والقُروءُ: جَمْعُ كثرةٍ، ومِنْ ثلاثةٍ إلى عشرةُ يُمَيَّز بجموع القلةِ
ولا يُعْدَلُ عن القلةِ إلى ذلك إلا عند عدم استعمالِ جمعِ قلةٍ غالباً، وههنا
فلفظُ جمعِ القلةِ موجودٌ وهو ((أَقْراء)»، فما الحكمةُ بالإِتيانِ بجمعِ الكثرةِ مع
وجودِ جمعِ القلةِ؟. فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه لَمَّا جَمَع المطلقاتِ جمْعَ
القُروء، لأنَّ كَلَّ مطلقةٍ تترَّبصُ ثلاثةَ أقراءٍ فصارَتْ كثيرةً بهذا الاعتبارِ.
(١) وهي باب ظن وفقد وعدم، يقال: ظَنْتُنِي ولا يقال: ضربتُني.
٤٣٨

- البقرة -
الثاني: أنه من باب الاتساعِ ووضعِ أحدِ الجمعين موضعَ الآخر. والثالث:
أنَّ قروءاً جمعُ قَرْءٍ بفتحِ القافِ، فلو جاءَ على ((أَقْراء)) لجاءَ على غير القياس
لأنَّ أَفْعالاً لا يَطَّرِدُ في فَعْل بفتح الفاء. والرابع - وهو مذهب المبرد(١) -: أنَّ
التقديرَ ((ثلاثةً من قروء))، فَحَذَفَ ((مِنْ)). وأجاز: ثلاثة حمير وثلاثةَ كلاب،
أي: مِنْ حمير ومِنْ كلاب. وقال أبو البقاء (٢): ((وقيل: التقديرُ ثلاثة أقراء مِنْ
قروء)» وهذا هو مذهبُ المبرد بعينه، وإنما فسَّر معناه وأَوْضَحَه.
والقَرْءُ في اللغةِ قيل: أصلُه الوقتُ المعتادُ تردُّدُهُ، ومنه: قَرْءُ النجمِ
الوقتِ طلوعِه وأُفولِه، يقال: ((أَقْرأ النجمُ)) أي: طَلَع أو أَفَل. [ومنه قيلَ
الوقت](٣) هبوبِ الريحِ: قَرْؤُها وقارِتُها، قال الشاعر(٤):
٩٧١ - شَيْتُ العَقْرِ عَقْرَ بني شُلَيْلٍ
إذا هَبَّتْ لقارِئِها الرِّياحُ
أي: لوقتها، وقيل: أصلُه الخروجُ من طُهْرٍ إلى خَيْضٍ أو عكسُه،
وقيل: هو مِنْ قولِهم: قَرَيْتُ الماءَ في الحوضِ أي: جَمَعْتُهُ، وهو غَلَطَّ لأنَّ
هذا من ذواتِ الياءِ والقَرْءُ مهموزٌ.
وإذا تقرّر ما ذَكَرْتُ لك فاعلمْ أنَّ أهلَ العلمِ اختلفوا في إطلاقِه على
الحيضِ والطَّهر: هل هو من بابِ الاشتراكِ اللفظي، ويكونُ من الأضدادِ
أو مِنَ الاشتراكِ المعنوي فيكونُ من المتواطِىء، كما إذا أَخَذْنا القَدْرَ
المشتركَ: إمَّ الاجتماعَ وإمَّا الوقتَ وإمَّ الخروجَ ونحوَ ذلك. وقَرْءُ المرأةِ لوقتٍ
خَيْضِها وطُهْرِها، ويُقال فيهما: أَقْرأتْ المرأةُ أي: حاضَتْ أو طَهُرت. وقال
(١) المقتضب ١٥٩/٢.
(٢) الإملاء ٩٥/١.
(٣) غير واضح في الأصل.
(٤) البيت لمالك بن الحارث، وهو في ديوان الهذليين ٨٣/٣؛ والأضداد ٢٨؛ وتفسير
الطبري ٥١١/٤. وشنئت: كرهت، والعقر: اسم مكان.
٤٣٩

- البقرة فـ
الأخفش: أَقْرَأَتْ أي: صارَتْ ذاتَ حيضٍ ، وقَرَأَت بغير ألفٍ أي : حاضَتْ.
وقيل: القَرْءُ: الخَيْضُ مع الطهرِ، وقيل: ما بَيْنَ الحَيْضَتين. وقيل(١): أصلُه
الجمعُ، ومنه: قَرَأْتُ الماءَ في الحوضِ: جَمَعْتُه، ومنه: قرأ القرآن،
وقولُهم: ما أَقْرَأَتْ هذِهِ الناقةُ في بطنِها سلاقِط، أي: لم تجمعْ فيه جنيناً،
ومنه قولُ عمرو بن كلثوم(٢):
٩٧٢ - ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أدماءَ بِكْرٍ
هِجانِ اللونِ لَم تَقْرَأْ جَنِيْنَا
وعلى هذا إذا أُريد به الحيضُ فلاجتماعِ الدمِ في الرحمِ ، وإذا أُريد
به الطُّهرُ فلاجتماع / الدم في البدنِ، ولكنَّ القائلَ بالاشتراكِ اللفظي وجَعْلهِما [١/٨٩]
من الأضدادِ هم جمهورُ أهلِ اللسانِ كأبي عمرو ويونس وأبي عبيدة(٣)
ومن مجيء القَرْءِ والمرادُ به الطُّهرُ قولُ الأعشى(٤):
تَشُدُّ لأقْصاها عظيمَ عَزائِكا
٩٧٣ - أفي كلِّ عامٍ أنتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ
لِما ضاعَ فيها مِنْ قُروءِ نِسائكا
مُوَرِّثَةً عِزَّاً: وفي الحي رفعةٌ
ومن مجيئِه للحيضِ قولُه (٥).
٩٧٤ _ یا رُبَّ ذي ضِغْن عليَّ فارِضٍ
له قُروءٌ كَقُروءِ الحائِضِ
أي: فسالَ دَمُه كدمِ الحائضِ. ويقال ((قُرْء)) بالضمِّ نقله الأصمعي،
و «قَرْء)» بالفتح نقله أبو زيد، وهما بمعنى واحدٍ.
(١) وهو رأي الزجاج: معاني القرآن ٢٩٩/١.
(٢) من معلقته، وهو في شرح القصائد التسع للنحاس ٦٢١؛ واللسان: قرأ. والعيطل:
الطويلة، والأدماء: البيضاء، والبكر: التي ولدت ولداً.
(٣) المجاز ٧٤/١.
(٤) الديوان ٩١؛ والمحتسب ١٨٣/١؛ وشواهد الكشاف ٤٧٠/٤؛ والجمع ١٤١/٢؛
والدرر ٢/ ١٩٤.
(٥) تقدم برقم ٥٣٣ .
٤٤٠
..